← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) ﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى﴾ هو إعلام موضع الغي ليتقى والرشد ليقتفى ولكنى إنى إذا نصحَي مدني وأبو عمرو ﴿إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ أي يضلكم وهذا شرط دخل على شرط فيكون الثاني مقدماً في الحكم لما عرف تقديره إن كان الله يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي

стр. 2137

إن أردت أن أنصح لكم وهو دليل بين لنا في إرادة المعاصي ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ فيتصرف فيكم على قضية إرادته ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم على أعمالكم

стр. 2138

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ بل أيقولون افتراه ﴿قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَىَّ إِجْرَامِى﴾ أي إن صح أني افتريته فعلي عقوبة إجرامي أي افترائي يقا أجرم الرجل إذا أذنب ﴿وَأَنَاْ بَرِىء﴾ أي ولم يثبت ذلك وأنا برئ منه ومعنى ﴿مّمَّا تُجْرَمُونَ﴾ من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم

стр. 2139

وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) ﴿وأوحي إلى نوح أنه لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمن﴾ إقناط من إيمانهم وأنه غير متوقع وفيه دليل على أن للإيمان حكم التجدد كأنه قال إن الذي آمن يؤمن في حادث الوقت وعلى ذلك تخرج الزيادة التي ذكرت في الإيمان بالقرآن ﴿فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ فلا تحزن حزن بائس مستكين والابتآس افتعال من البؤس وهو الحزن والفقر والمعنى فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام من أعدائك

стр. 2140

وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ وهو في موضع الحال أي اصنعها محفوظاً وحقيقته ملتبسا بأعيننا كأن لله أعينا تكلؤه من أن يزيغ في صنعته عن الصواب ﴿وَوَحينَا﴾ وأنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع عن ابن عباس رضى الله عنهما لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطير ﴿وَلاَ تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ﴾ ولا تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ محكوم عليهم بالإغراق وقد قضى به وجف القلم فلا سبيل إلى كفه

стр. 2141

وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) ﴿وَيَصْنَعُ الفلك﴾ حكاية حال ماضية ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ﴾ من عمله السفينة وكان يعملها في برية في أبعد موضع من الماء فكانوا يتضاحكون منه ويقولون له يا نوح صرت نجارا بعدما كنت نبياً ﴿قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فإنا نسخر منكم﴾ عند رؤية الهلال ﴿كما تسخرون﴾ منا عند رؤية الفلك هود (٣٩ _ ٤١) روي أن نوحاً ﵇ اتخذ السفينة من خشب الساج في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع أو ألفاً ومائتي ذراع وعرضها خمسون ذراعاً أو ستمائة ذراع وطولها في السماء ثلاثون ذراعا وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام وركب نوح ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم ﵇ وجعله حاجزاً بين الرجال والنساء

стр. 2142

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ﴾ من في محل نصب يتعلمون أي فسوف تعلمون الذي يأتيه ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ ويعني به إياهم ويريد بالعذاب عذاب الدنيا وهو الغرق وَيَحِلُّ عَلَيْهِ وينزل عليه ﴿عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ وهو عذاب الآخرة

стр. 2143

حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) ﴿حتى﴾ هى التى يبتدا بعدها الكلام أدخلت على الجملة من الشرط والجزاء وهي غاية لقوله ويصنع الفلك أي وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد وما بينهما من الكلام حال من يصنع أي يصنعها والحال أنه كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه وجواب كلما سخروا وقال استئناف على تقدير سؤال سائل أو قال جواب وسخروا بدل من مر أو صفة لملأ ﴿إِذَا جَاء أَمْرُنَا﴾ عذابنا ﴿وَفَارَ التنور﴾ هو كناية عن اشتداد الأمر وصعوبته وقيل معناه جاش الماء من تنور الخبز وكان من حجر لحواء فصار إلى نوح ﵇ وقيل

стр. 2144

التنور وجه الأرض ﴿قُلْنَا احمل فِيهَا﴾ في السفينة ﴿مِن كل زوجين اثنين﴾ تفسيره فى سورة ا ٤ لمؤمنين ﴿وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول﴾ عطف على اثنين وكذا ﴿ومن آمن﴾ أي واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم واستثنى من أهله من سبق عليه القول إنه من أهل النار وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر بتقديره وإرادته جل خالق العباد عن أن يقع فى الكون خلاف ما أراد ﴿وما آمن مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ قال ﵇ كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم وقيل كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة وقيل كانوا اثنين وسبعين رجالاً ونساء وأولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء

стр. 2145

وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ بسم الله متصل باركوا حالاً من الواو أي اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين بسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها إما لأن المجرى والمرسى للوقت وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء حذف منهما الوقت المضاف كقولهم خفوق النجم ويجوز أن يكون بسم الله مجراها ومرساها جملة برأسها غير متعلقة بما قبلها وهي مبتدأ وخبر يعني أن نوحاً ﵇ أمرهم بالركوب ثم أخبرهم بأن هود (٤١ _ ٤٤) مجراها ومرساها بذكر اسم الله أى بسم الله إجراؤها وإرساؤها وكان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت وإذا أراد أن ترسوا قال بسم الله فرست مجريها بفتح الميم وكسر الراء من جرى

стр. 2146

إما مصدر أو وقت حمزة وعلى وحفص وبضم الميم وكسر الراء أبو عمرو والباقون بضم الميم وفتح الراء ﴿إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ﴾ لمن آمن منهم ﴿رَّحِيمٌ﴾ حيث خلصهم

стр. 2147

وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) ﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ﴾ متصل بمحذوف دل عليه اركبوا فيها بسم الله كأنه قيل فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم أي السفينة تجري وهم فيها ﴿فِى مَوْجٍ كالجبال﴾ يريد موج الطوفان وهو جمع موجة كتمر وتمرة وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه بدخول الرياح الشديدة في خلاله شبه كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها ﴿ونادى نُوحٌ ابنه﴾ كنعان وقيل يام والجمهور على أنه ابنه الصلى وقيل كان ابن امرأته ﴿وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ﴾ عن ابيه وعن السفينة مفعل من عزله عنه إذا نحاه وأبعده أو في معزل عن دين أبيه ﴿يا بني﴾ بفتح الياء عاصم اقتصاراً عليه من الألف المبدلة من ياء الاضافة من قولكم يا بنيا غيره بكسر الياء اقتصار عليه من ياء الإضافة ﴿اركب مَّعَنَا﴾ في السفينة أي أسلم واركب ﴿وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين﴾

стр. 2148

قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) ﴿قَالَ سَاوِى﴾ ألجأ ﴿إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء﴾ يمنعني من الغرق ﴿قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ إلا الراحم وهو الله تعالى أو لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم الله أي إلا مكان من رحم الله من المؤمنين وذلك أنه لما جعل الجبل عاصماً من الماء قال له لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصم واحد وهو مكان من ﵏ ونجاهم يعني السفينة أو هو استثناء منقطع كأنه قيل ولكن من ﵀ فهو المعصوم كقوله ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن﴾ ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج﴾ بين ابنه والجبل أو بين نوح وابنه

стр. 2149

﴿فَكَانَ مِنَ المغرقين﴾ فصار أو فكان فى علم الله

стр. 2150

وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك﴾ انشفى وتشربى والبلع النشف ﴿ويا سماء أَقْلِعِى﴾ أمسكي ﴿وَغِيضَ الماء﴾ نقص من غاضه إذا نقصه وهو لازم ومتعد ﴿وَقُضِىَ الامر﴾ وأنجز ما وعد الله نوحاً من إهلاك قومه ﴿واستوت﴾ واستقرت السفينة بعد أن طافت الأرض كلها ستة أشهر ﴿عَلَى الجودى﴾ وهو جبل بالموصل ﴿وقيل بعدا للقوم الظالمين﴾ أي سحقاً لقوم نوح (الذين غرقوا يقال بعد بعداو بعدا إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ولذلك خص بدعاء السوء والنظر في هذه الآية من أربع جهات من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها فنقول إن الله تعالى لما أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد وأن نقطع طوفان السماء فانقطع وأن نغيض الماء النازل من السماء فغيض وأن نقضى أم أمد نوح وهو انجاز ما كما وعدناه من إغراق قومه فقضي وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت وأبقينا الظلمة غرقى بني الكلام على تشبيه المراد بالأمر الذي لا يتأتى منه لكمال هيبته العصيان وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكون المقصود تصويرا لافتداره العظيم وأن السموات والأرض منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة لإرادته فيها تغييراً وتبديلاً كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته وأحاطوا علماً بوجوب الانقياد لأمره والاذعان لحكمه ويحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده ثم بنى على تشبيه هذ نظم الكلام فقال وقيل على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد وهو يا أرض ويا سماء ثم قال مخاطباً لهما يا أرض ويا سماء على سبيل

стр. 2151

الاستعارة للشبه المذكور ثم استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو أعمال الجاذبة في المطعوم للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي ثم استعار الماء للغذاء تشبيهاً له بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات كتقوي الآكل بالطعام ثم قال ماءك بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز لاتصال الماء بالأرض كاتصال الملك بالمالك ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم التأني ثم قال وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا ولم يصرح بمن غاض الماء ولا بمن قضى الأمر وسوى السفينة وقال بعداً كما لم يصرح بقائل يا أرض ويا سماء سلوكا في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر وتكوين مكون قاهر وأن فاعلها واحد لا يشارك في فعله فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره ياء أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ولا أن يكون الغائض والقاضي والمسوي غيره ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيها لسالكى مسلكههم في تكذيب الرسل ظلماً لأنفسهم إظهاراً لمكان السخط وأن ذلك العذاب الشديد ما كان إلا لظلمهم ومن جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها وذلك أنه اختبر يا دون اخواتها لكونها اكثر استعمالا ولدلاتها على بعد المنادي الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة والملكوت وابداء العزة والجبروت وهو تعبيد المنادى والمؤذن بالتهاون به ولم يقل يا ارض لزيادة التهاون إذ الإضافة تستدعي القرب ولم يقل يا أيتها الأرض للاختصار واختير لفظ الأرض والسماء لكونهما أخف وأدور واختير ابلعي على ابتلعي لكونه أخصر وللتجانس بينه وبين أقلعي وقيل أقلعي ولم يقل عن المطر وكذا لم يقل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ويا سماء أقلعى فأقلعت اختصارا أو اختير غيض على غيّض وقيل الماء دون أن يقول ماء الطوفان والأمر ولم يقل أمر هود (٤٥ _ ٤٦) نوح وقومه لقصد الاختصار والاستغناء بحرف العهد عن ذلك ولم يقل وسويت على الجودي أي أقرت على نحو قيل وغيض اعتباراً لبناء الفاعل

стр. 2152

مع السفينة في قوله وهي تجري بهم ارادة للمطابقة ثم قيل بعد للقوم ولم يقل ليبعد القوم طلباً للتأكيد مع الاختصار هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل فذلك أنه قدم النداء على الأمر فقيل أيا ارض ابلعى ويا سماء أقعلى ولم يقل ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء جريا على مقتضى الكلام فيمن كان مأموراً حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصدا بذلك لمعنى الترشيح ثم قدم الأرض على أمر المساء وابتدأ به الطوفان منها ثم اتبع وغيض الماء لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها ثم ذكر ما هو المقصود وهو قوله ﴿وقضي الأمر﴾ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء نوح ومن معه في الفلك وعلى هذا فاعتبر ومن جهة الفصاحة المعنوية وهي كما ترى نظم للمعاني لطيف وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء يشبك الطريق إلى المرتاد ومن جهة الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة سليمة عن التنافر بعيدة عن البشاعة عذبة على العذبات سلسلة على الأسَلات كل منها كالماء في السلاسة وكالعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة ومن ثم أطبق المعاندون على أن طوق البشر قاصر على الإتيان بمثل هذه الآية ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لاتسع الحصر ولا تظنن الآية مقصورة على المذكور فلعل المتروك أكثر من المسطور

стр. 2153

وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبّ﴾ نداؤه ربه دعاؤه له وهو قوله رب مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله ﴿إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى﴾ أي بعض أهلي لأنه كان ابنه من صلبه أو كان ربيباً له فهو بعض أهله ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق﴾ وإن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به وقد وعدتني أن تنجي أهلي فما بال ولدي ﴿وَأَنتَ أَحْكَمُ

стр. 2154

الحاكمين﴾ أي أعلم الحكام وأعدلهم إذ لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل ورب غريق في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر

стр. 2155

قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) ﴿قَالَ يَا نُوحٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ثم علل لانتفاء كونه من أهله بقوله ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح﴾ وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب وأن نسيبك في دينك وإن كان حبشياً وكنت قرشياً لصيقك ومن لم يكن على دينك وإن كان أمسّ أقاربك رحماً فهو أبعد بعيد منك وجعلت ذاته عملاً غير صالح مبالغة فى دمة كقولها هود (٤٦ _ ٤٩) ... فإنما هي إقبال وإدبار ... أو التقدير إنه ذو عمل وفيه إشعار بأنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم لا لأنهم أهله وهذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوته عمِل غير صالح علي قال الشيخ أبو منصور ﵀ كان عند نوح ﵇ أن ابنه كان على دينه لأنه كان ينافق وإلا لايحتمل أن يقول ابني من أهلي ويسأله نجاته وقد سبق منه النهي عن سؤال مثله بقوله ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون فكان يسأله على الظاهر الذي عنده كما كان أهل النفاق يظهرون الموافقة لنبينا ﵇ ويضمرون الخلاف له ولم يعلم بذلك حتى أطلعه الله عليه وقوله ﴿ليس من أهلك﴾ أي من الذين وعدت النجاة لهم وهم المؤمنون حقيقة في السر والظاهر ﴿فلا تسألن﴾ اجتزا بالكسرة عن الياء كوفى تسألنى بصرى نسألنى مدنى تسألن شامي فحذف الياء واجتزأ بالكسرة والنون نون التوكيد تسألن مكي ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بجواز مسألته ﴿إِنّى أَعِظُكَ أَن

стр. 2156

تَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ هو كما نهى رسولنا بقوله ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾

стр. 2157

قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) ﴿قَالَ رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ﴾ أي من أن أطلب منك فى المستقبل مالا علم لي بصحته تأدباً بأدبك واتعاظاً بموعظتك ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى﴾ ما فرط مني ﴿وَتَرْحَمْنِى﴾ بالعصمة عن العود إلى مثله ﴿أَكُن مّنَ الخاسرين﴾

стр. 2158

قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨) ﴿قيل يا نوح اهبط بسلام مّنَّا﴾ بتحية منا أو بسلامة من الغرق ﴿وبركات عَلَيْكَ﴾ هي الخيرات النامية وهي في حقه بكثرة ذريته وأتباعه فقد جعل أكثر الأنبياء من ذريته وأئمة الدين فى القرون البقاية من نسله ﴿وعلى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ﴾ من للبيان فتراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات أو قيل لهم أمم لأن الأمم تتشعب منهم أو لابتداء الغاية أى على امم ناشئة من معك وهي الأمم إلى آخر الدهر وهو الوجه ﴿وَأُمَمٌ﴾ رفع بالابتداء ﴿سَنُمَتّعُهُمْ﴾ في الدنيا بالسعة فى الرزق والحفض في العيش صفة والخبر محذوف تقديره وممن معك امم سنمتعهم إنما حذف لأن ممن معك يدل عليه ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الآخرة والمعنى أن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤن ممن معك وممن معك اهم ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار نوح ﵇ أبا الأنبياء والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة وعن محمد بن كعب دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إِلى يوم القيامة وفيما بعده من المتاع والعذاب كل كافر

стр. 2159

تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) ﴿تلك﴾ إشارة إلى قصة هود (٤٩ _ ٥٢) نوح ﵇ ومحلها الرفع على الابتداء والجمل بعدها وهي ﴿مِنْ أَنْبَاء الغيب نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ﴾ أخبار أي تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك مجهولة عندك وعند قومك ﴿مّن قَبْلِ هذا﴾ الوقت أو من قبل إيحائي إليك وإخبارك بها ﴿فاصبر﴾ على تبليغ الرسالة وأذى قومك كما صبر نوح وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما كان لنوح ولقومه ﴿إِنَّ العاقبة﴾ في الفوز والنصر والغلبة ﴿لّلْمُتَّقِينَ﴾ عن الشرك

стр. 2160

وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) ﴿وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ﴾ واحداً منهم وانتصابه للعطف على أرسلنا نوحاً أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم ﴿هُودًا﴾ عطف بيان ﴿قَالَ يَا قََوْم اعبدوا الله﴾ وحدوه ﴿ما لكم من إله غَيْرُهُ﴾ بالرفع نافع صفة على محل الجار والمجرور بالجر عليّ على اللفظ ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ﴾ تفترون على الله الكذب باتخاذكم الأوثان له شركاء

стр. 2161

يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) ﴿يا قوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الذى فَطَرَنِى﴾ ما من رسول إلا واجه قومه بهذا القول لأن شأنهم النصيحة والنصيحة لا يمحضها إلا حسم المطامع وما دام يتوهم شيء منها لم تنجح ولم تنفع ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ إذ تردون نصيحة من لا يطلب عليها أجراً إلا من الله وهو ثواب الآخرة ولا شيء أنفى للتهمة من ذلك

стр. 2162

وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) ﴿ويَا قَوْمِ استغفروا رَبَّكُمْ﴾ آمنوا به ﴿ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ من عبادة غيره ﴿يُرْسِلِ السماء﴾ أى المطر ﴿عليكم مدرارا﴾ حال أى كثيرة الدرور ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ إنما قصد استمالتهم إلى الإيمان بكثرة المطر وزيادة

стр. 2163

القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين فكانوا أحوج شيء إلى الماء وكانوا مدلين بما أوتوا من شدة البطش والقوة وقيل أراد القوة بالمال أو على النكاح وقيل حبس عنهم القطر ثلاث سنين وعقمت أرحام نسائهم فوعدهم هود ﵇ المطر والأولاد على الإيمان والاستغفار وعن الحسن بن على رضى الله عنهما أنه وفد على معاوية فلما خرج قال له بعض حجابه إني رجل ذو مال ولا يولد لي علمني شيئاً لعل الله يرزقني ولدا فقال الحسن عليك بالاستغفار فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشر بنين فبلغ ذلك معاوية فقال هلا سألته مم قال ذلك فوفد وفدة أخرى فسأله هود (٥٢ _ ٥٧) الرجل فقال ألم تسمع قول هود ويزدكم قوة إلى قوتكم وقول نوح ﵇ ويمددكم بأموال وبنين ﴿ولا تتولوا﴾ ولا تعرضوا عنى وعما أدعوكم إليه ﴿مُّجْرِمِينَ﴾ مصرين على إجرامكم وآثامكم

стр. 2164

قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) ﴿قَالُواْ يَا هُودٍ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ﴾ كذب منهم وجحود كما قالت قريش لرسول الله ﷺ لولا أنزل عليه آية من ربه مع فوت آياته الحصر ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى آلهتنا عن قولك﴾ هو حال من الضمير في تاركي آلهتنا كأنه قيل وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وما يصح من أمثالنا أن يصدقوا مثلك فيما يدعوهم إليه أقناطاً له من الإجابة

стр. 2165

إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بِسُوء﴾ إن حرف نفي فنفى جميع القول إلا قولاً واحداً وهو قولهم اعتراك أصابك بعض آلهتنا بسوء بجنون وخبل وتقديره ما نقول قولا إلا هذه المقالة أي قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴿قَالَ إِنِى أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ﴾

стр. 2166

مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) ﴿مِن دُونِهِ﴾ أي من إشراككم آلهة من دونه والمعنى إنى أشهد الله أنى برئ مما تشركون واشهدوا أنتم أيضا إنى برئ من ذلك وجئ به

стр. 2167

على لفظ الأمر بالشهادة كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه أشهد على أني لا أحبك تهكما به واستهانة بحاله ﴿فَكِيدُونِى جَمِيعًا﴾ أنتم وآلهتكم ﴿ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ﴾ لا تمهلون فإني لا أبالي بكم وبكيدكم ولا أخاف معرتكم وإن تعاونتم علي وكيف تضرني آلهتكم وما هي إلا جماد لا يضرو لا ينفع وكيف تنتقم مني إذا نلت منها وصددت عن عبادتها بأن تخبلني وتذهب بعقلي

стр. 2168

إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) ﴿إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبّى وَرَبّكُمْ مَّا من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾ أى مالكها لما ذكر توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم وصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم ومن كون كل دابة في قبضته وملكته وتحت قهره وسلطانه والأخذ بالناصية تمثيل لذلك ﴿إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ إن ربي على الحق لا يعدل عنه أو إن ربي يدل على صراط مستقيم

стр. 2169

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم﴾ هو فى موضع فقد ثتبتت الحجة عليكم ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ كلام مستانف أى ويهلككم الله ويجئ بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم ﴿وَلاَ تضرونه﴾ تبوليكم ﴿شَيْئاً﴾ من ضرر قط إذ لا يجوز عليه المضار وإنما تضرون أنفسكم ﴿إِنَّ رَبّى على كُلّ شَىْء حَفِيظٌ﴾ رقيب عليه مهيمن فما تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم أو من كان رقيباً على الأشياء كلها حافظاً لها وكانت الأشياء مفتقرة إلى حفظه عن المضار لم يضر مثله مثلكم

стр. 2170

وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا مَعَهُ﴾ وكانوا أربعة آلاف ﴿بِرَحْمَةٍ مّنَّا﴾ أي بفضل منا لابعملهم أو بالإيمان الذي أنعمنا عليهم ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ وتكرار نجينا للتأكيد أو الثانية من عذاب الاخرة ول ٤ اعذاب أغلظ منه

стр. 2171

وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) ﴿وتلك عَادٌ﴾ إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قال سبحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا ثم استأنف وصف أحوالهم فقال ﴿جَحَدُواْ بآيات رَبّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ﴾ لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله لا نفرق بين أحد من رسله

стр. 2172

وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) ﴿واتبعوا أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ يريد رؤساءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل لأنهم الذين يجبرون الناس على الأمور ويعاندون ربهم ومعنى اتباع أمرهم طاعتهم ﴿وَأُتْبِعُواْ فِى هذه الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة﴾ لما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين ﴿أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ﴾ تكرار ألا مع النداء على كفرهم والدعاء عليهم تهويل لأمرهم وبعث على الاعتبار بهم والحذر من مثل حالهم والدعاء ببعدا بعد هلاكهم وهو دعاء بالهلاك للدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطف بيان لعاد وفيه فائدة لأن عادا عادان الأولى القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم والأخرى إرم

стр. 2173

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم مّنْ إله غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض﴾ لم ينشئكم منها إلا هو وانشاوهم منها خلق آدم من التراب ثم خلقهم من آدم ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ وجعلكم عمارها وأراد منكم عمارتها أو استعمركم من العمر أي أطال أعماركم فيها وكانت أعمارهم من ثلثمائة إلى ألف وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار وعمروا الأعمار الطوال مع مافيهم من الظلم فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم فأوحى الله إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي ﴿فاستغفروه﴾ فاسألوه مغفرته بالإيمان ﴿ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ﴾ داني الرحمة ﴿مُّجِيبٌ﴾ لمن دعاه

стр. 2174

قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) ﴿قَالُواْ يَا صالح قَدْ كُنتَ فِينَا﴾ فيما بيننا ﴿مَرْجُوّا قَبْلَ هذا﴾ للسيادة والمشاورة في الأمور أو كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا هود (٦٢ _ ٦٦) على ما نحن عليه ﴿أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا﴾ حكاية حال ماضية ﴿وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ من التوحيد ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة

стр. 2175

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) ﴿قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني مِنْهُ رَحْمَةً﴾ نبوة أتى بحرف الشك مع أنه على يقين أنه على بينة لأن خطابه للجاحدين فكأنه قال قدروا أني على بينة من ربي وأنني نبي على الحقيقة وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره ﴿فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله﴾ فمن يمنعني من عذاب الله ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تبليغ رسالته ومنعكم عن عبادة الأوثان ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِى﴾ بقولكم أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ بنسبتكم إياي إلى الخسار أو بنسبتي إياكم إلى الخسران
следующие страницы →