← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) ﴿وتلك عَادٌ﴾ إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قال سبحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا ثم استأنف وصف أحوالهم فقال ﴿جَحَدُواْ بآيات رَبّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ﴾ لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله لا نفرق بين أحد من رسله

стр. 2172

وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) ﴿واتبعوا أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ يريد رؤساءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل لأنهم الذين يجبرون الناس على الأمور ويعاندون ربهم ومعنى اتباع أمرهم طاعتهم ﴿وَأُتْبِعُواْ فِى هذه الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة﴾ لما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين ﴿أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ﴾ تكرار ألا مع النداء على كفرهم والدعاء عليهم تهويل لأمرهم وبعث على الاعتبار بهم والحذر من مثل حالهم والدعاء ببعدا بعد هلاكهم وهو دعاء بالهلاك للدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطف بيان لعاد وفيه فائدة لأن عادا عادان الأولى القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم والأخرى إرم

стр. 2173

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم مّنْ إله غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض﴾ لم ينشئكم منها إلا هو وانشاوهم منها خلق آدم من التراب ثم خلقهم من آدم ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ وجعلكم عمارها وأراد منكم عمارتها أو استعمركم من العمر أي أطال أعماركم فيها وكانت أعمارهم من ثلثمائة إلى ألف وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار وعمروا الأعمار الطوال مع مافيهم من الظلم فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم فأوحى الله إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي ﴿فاستغفروه﴾ فاسألوه مغفرته بالإيمان ﴿ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ﴾ داني الرحمة ﴿مُّجِيبٌ﴾ لمن دعاه

стр. 2174

قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) ﴿قَالُواْ يَا صالح قَدْ كُنتَ فِينَا﴾ فيما بيننا ﴿مَرْجُوّا قَبْلَ هذا﴾ للسيادة والمشاورة في الأمور أو كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا هود (٦٢ _ ٦٦) على ما نحن عليه ﴿أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا﴾ حكاية حال ماضية ﴿وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ من التوحيد ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة

стр. 2175

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) ﴿قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني مِنْهُ رَحْمَةً﴾ نبوة أتى بحرف الشك مع أنه على يقين أنه على بينة لأن خطابه للجاحدين فكأنه قال قدروا أني على بينة من ربي وأنني نبي على الحقيقة وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره ﴿فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله﴾ فمن يمنعني من عذاب الله ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تبليغ رسالته ومنعكم عن عبادة الأوثان ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِى﴾ بقولكم أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ بنسبتكم إياي إلى الخسار أو بنسبتي إياكم إلى الخسران

стр. 2176

وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) ﴿ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية﴾ نصب على الحال قد عمل فيها مادل عله اسم الإشارة من معنى الفعل ولكم متعلق بآية حالاً منها متقدمة لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها فلما تقدمت انتصبت على الحال ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله﴾ أي ليس عليكم رزقها مع أن لكم نفعها ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء﴾ عقر أو نحر ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ عاجل

стр. 2177

فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ يوم الأربعاء ﴿فَقَالَ﴾ صالح ﴿تَمَتَّعُواْ﴾ استمتعوا بالعيش ﴿فِى دَارِكُمْ﴾ في بلدكم وتسمى البلاد الديار لأنه يدار فيها أي يتصرف أو في دار الدنيا ﴿ثلاثة أَيَّامٍ﴾ ثم تهلكون فهلكوا يوم السبت

стр. 2178

﴿ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أي غير مكذوب فيه فاتسع في الظرف بحذف الحرف وإجرائه مجرى المفعول به أو وعد غير كذب على أن المكذوب مصدر كالمعقول

стр. 2179

فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) ﴿فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا﴾ بالعذاب أو عذابنا ﴿نَجَّيْنَا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا﴾ قال الشيخ ﵀ هذا يدل على أن من نجى إنما نجى برحمة الله تعالى لا بعمله كما قال ﵇ لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله ﴿وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ﴾ بإضافة الخزي إلى اليوم وانجرار اليوم بالإضافة وبفتحها مدني وعلي لأنه مضاف إلى إذ وهو مبني وظروف الزمان إذا أضيفت إلى الأسماء المبهمة والأفعال الماضية بنيت واكتسبت البناء من المضاف إليه كقوله هود (٦٦ _ ٧١) ... على حين عاتبت المشيب على الصبا ... والواو للعطف وتقديره ونجيناهم من خزى يؤمئذ أي من ذله وفضيحته ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه بغضب الله وانتقامه وجاز أن يريد بيؤمئذ يوم القيامة كما فسر العذاب الغليظ بعذاب الآخرة ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القوى﴾ القادر على تجية أوليائه ﴿العزيز﴾ الغالب بإهلاك أعدائه

стр. 2180

وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) ﴿وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة﴾ أي صيحة جبريل ﵇ ﴿فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ﴾ منازلهم ﴿جاثمين﴾ ميتين

стр. 2181

كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨) ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ لم يقيموا فيها / ألا أن ثمودا كَفرُواْ رَبَّهُمْ / ثمودَ حمزة وحفص ﴿أَلاَ بُعْدًا لثمود﴾ فالصرف للذهاب إلى الحي أو الأب الأكبر ومنعه للتعريف والتأنيث بمعنى القبيلة

стр. 2182

وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) ﴿وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا﴾ جبريل وميكائيل وإسرافيل أو جبريل مع أحد عشر ملكاً ﴿إبراهيم بالبشرى﴾ هي البشارة بالولد أو بهلاك قوم لوط والأول أظهر ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾ سلمنا عليك سلاماً ﴿قَالَ سلام﴾ أمركم سلام سِلم حمزة وعلي بمعنى السلام ﴿فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ﴾ فما لبث فى المجئ به بل عجل فيه أو فما لبث مجيئه والعجل ولد البقرة وكان مال إبراهيم البقر ﴿حنيذ﴾ مشوى بالحجارة المحماة

стр. 2183

فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) ﴿فلما رأى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ نكر وأنكر بمعنى وكانت عادتهم أنه إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه وإلا خافوه والظاهر أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه دليله قوله ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خيفة﴾ أى أضمر منهم خوفاً ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ بالعذاب وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا وإنما قالوا لا تخف لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير فى وجهه

стр. 2184

وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) ﴿وامرأته قَائِمَةٌ﴾ وراء الستر تسمع تحاورهم أو على رءوسهم تخدمهم ﴿فضحكت﴾ سرورا بزوال الخفية أو بهلاك أهل الخبائث أو من غفلة قوم لوط مع قرب العذاب أو فحاضت ﴿فبشرناها بإسحاق﴾ وخصت بالبشارة لأن النساء أعظم سروراً بالولد من الرجال ولأنه لم يكن لها ولد وكان لإبراهيم ولد وهو اسمعيل ﴿وَمِن وَرَاء إسحاق﴾ ومن بعده ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالنصب شامي وحمزة وحفص بفعل مضمر دل عليه هود (٧٢ _ ٧٥)

стр. 2185

أي فبشرناها بإسحاق ووهبنا لها يعقوب من وراء اسحق وبالرفع غيرهم على الابتداء والظرف قبله خبر كما تقول فى الدار زيد

стр. 2186

قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) ﴿قالت يا ويلتى﴾ الألف مبدلة من ياء الإضافة وقرأ الحسن يا ويلتى بالياء على الأصل ﴿أألد وَأَنَاْ عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين سنة ﴿وهذا بَعْلِى شَيْخًا﴾ ابن مائة وعشرين سنة هذا مبتدأ وبعلى خبره وشيخنا حال والعامل معنى الإشارة التي دلت عليه ذا أو معنى التنبيه الذي دل عليه هذا ﴿إِنَّ هذا لَشَىْء عَجِيبٌ﴾ أن يولد ولد من هرمين وهو استبعاد من حيث العادة

стр. 2187

قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) ﴿قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله﴾ قدرته وحكمته وإنما أنكرت الملائكة تعجبها لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات فكان عليها أن تتوقر ولا يزدهيا ما يزدها سائر النساء الناشئات في غير بيت النبوة وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجيب وإلى ذلك أشارت الملائكة حيث قالوا ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوة فليست بمكان عجيب وهو كلام مستأنف علل به إنكار التعجب كأنه قيل إياك والتعجب لأن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم وقيل الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم وأهل البيت نصت على النداء أو على الاختصاص ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمود بتعجيل النعم ﴿مَّجِيدٌ﴾ ظاهر الكرم بتأجيل النقم

стр. 2188

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبراهيم الروع﴾ الفزع وهو ما أوجس من الخيفة حين نكر أضيافه ﴿وَجَاءتْهُ البشرى﴾ بالولد ﴿يجادلنا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أى لما اطمأن قلبه

стр. 2189

بعد الخوف وملئ سرورا بسبب البشرى فزغ للمجادلة وجواب لما محذوف تقديره أقبل يجادلنا أو يجادلنا جواب لما وإنما جيء به مضارعاً لحكاية الحال والمعنى يجادل رسلنا ومجادلته إياهم أنهم قالوا انا مهلكوا أهل هذه القرية فقال أرأيتم لو كان فهيا خمسون مؤمناً أتهلكونها قالوا لا قال فأربعون قالوا لا قال فثلاثون قالوا لا حتى بلغ العشرة قالوا لا قال أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها قالوا لا فعند ذلك قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله

стр. 2190

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) ﴿إِنَّ إبراهيم لَحَلِيمٌ﴾ غير عجول على كل من أساء إليه أو كثير الاحتمال ممن آذاه صفوح عمن عصاه ﴿أَوَّاهٌ﴾ كثير التأوه من خوف الله ﴿مُّنِيبٌ﴾ تائب راجع إلى الله وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة فبين أن ذلك مما حمله على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع عنهم العذاب ويمهلوا لعلهم يحدثون هود (٧٦ _ ٧٩) التوبة كما حمله على الاستغفار لأبيه

стр. 2191

يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) فقالت الملائكة ﴿يا إبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ﴾ قضاؤه وحكمه ﴿وَإِنَّهُمْ اتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ لا يرد بجدال وغير ذلك عذاب مرتفع باسم الفاعل وهو آتيهم تقديره وإنهم يأتيهم ثم خرجوا من عند إبراهيم متوجهين نحو قوم لوط وكان بين قرية إبراهيم وقوم لوط أربعة فراسخ

стр. 2192

وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) ﴿ولما جاءت رسلنا لوطا﴾ اتوه ورأى هيآتهم وجمالهم ﴿سِىء بِهِمْ﴾ أحزن لأنه حسب أنهم إِنس فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ تمييز أي وضاق بمكانهم صدره ﴿وَقَالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديد

стр. 2193

روي أن الله تعالى قال لهم لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات فلما مشى معهم منطلقاً بهم إلى منزله قال لهم أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا وما أمرهم قال أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملاً قال ذلك أربع مرات فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها

стр. 2194

وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) ﴿وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يسرعون كأنما يدفعون دفعاً ﴿وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات﴾ ومن قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش حتى مرنوا عليها وقل عندهم استقباحها فلذلك جاءوا يهرعون مجاهرين لا يكفهم حياء ﴿قَالَ يَا قوم هؤلاء بناتي﴾ فتزوجوهن أراد أن يقى أضيفاه ببناته وذلك غاية الكرم وكان تزويج المسلمات من الكفار جائزاً في ذلك الوقت كما جاز في الابتداء في هذه الأمة فقد زوج رسول الله ﷺ ابنتيه من عتبه بن أبي لهب وأبي العاص وهما كافران وقيل كان لهم سيدان مطاعان فأراد لوط أن يزوجهما ابنتيه ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أحل هؤلاء مبتدأ وبناتي عطف بيان وهن فصل وأطهر خبر المتبدا أو بناتى خبر هن اطهر مبتدأ وخبر ﴿فاتقوا الله﴾ بإيثارهم عليهم ﴿وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ولا تهينوني ولا تفضحوني من الخزة أو ولا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء وبالياء أبو عمرو في الوصل ﴿فِى ضَيْفِى﴾ في حق ضيوفي فإنه إذا خزي ضيف الرجل أو جاره فقد خزى الرجل وذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ أي رجل واحد يهتدي إلى طريق الحق وفعل الجميل والكف عن السوء

стр. 2195

قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) ﴿قالوا لقد علمت ما لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ﴾ حاجة لأن نكاح الإناث أمر خارج عن مذهبنا فمذهبنا إتيان الذكران ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ عنوا إتيان الذكور ومالهم فيه من الشهوة

стр. 2196

قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ جواب لو محذوف أي لفعلت بكم ولصنعت والمعنى لو قويت عليكم بنفسي أو أويت إلى قوي أستند إليه وأتمنع به فيحميني منكم فشبه القوي العزيز بالركم من الجبل في شدته ومنعته روي أنه أغلق بابه حين جاءوا وجعل يرادهم ما حكى الله عنه ويجادلهم فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة مالقى لوط من الكرب

стр. 2197

قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) ﴿قَالُواْ يا لُوطٍ﴾ إن ركنك لشديد ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ﴾ فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل ﵇ ربه في عقوبتهم فأذن له فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم كما قال الله تعالى فطمسنا أعينهم فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون النجاء فإن في بيت لوط قوماً سحرة ﴿لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ﴾ جملة موضحة للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصلوا اليه ولم يقدروا على ضرره ﴿فاسر﴾ بالوصل حجازي من سرى ﴿بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مّنَ الليْلِ﴾ طائفة منه أو نصفه ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ بقلبه إلى ما خلف أو لا ينظر إلى ما ورءاه أو لا يتخلف منكم أحد ﴿إِلاَّ امرأتك﴾ مستثنى من فأسر بأهلك وبالرفع مكي وأبو عمرو وعلى البدل من أحد وفي إخراجها مع أهله روايتان روي أنه أخرجها معهم وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت يا قوماه فأدركها حجر فقتلها وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها فإنّ هواها إليهم فلم يسر بها واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ أي إن الأمر وروي أنه قال لهم متى موعد هلاكهم قالوا ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح﴾ فقال

стр. 2198

أريد أسرع من ذلك فقالوا ﴿أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ﴾

стр. 2199

فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) ﴿فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا﴾ جعل جبريل ﵇ جناحه في أسفلها أي أسفل قراها ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة ثم قلبها عليهم وأتبعوا الحجارة من فوقهم وذلك قوله ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ﴾ هي كلمة معربة من سنك كل بدليل قوله حجارة من طين ﴿مَّنْضُودٍ﴾ نعت لسجيل أي متتابع أو مجموع معد للعذاب

стр. 2200

مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) ﴿مسومة﴾ نعت لحجارة أي معلمة للعذاب قيل مكتوب على كل واحد هود (٨٣ _ ٨٧) اسم من يرمي به ﴿عِندَ رَبّكَ﴾ في خزائنه أو في حكمه ﴿وَمَا هِى مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ﴾ بشيء بعيد وفيه وعيد لأهل مكة فإن جبريل ﵇ قال لرسول الله ﷺ يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض جحر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة أو الضمير للقرى أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم

стр. 2201

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً﴾ هو اسم مدينتهم أو اسم جدهم مدين بن إبراهيم أي وأرسلنا شعيباً إلى ساكني مدين أو إلى بني مدين ﴿قَالَ يَا قَوْمٌ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال﴾ أى المكيال بالمكيال ﴿والميزان﴾ والموزون بالميزان ﴿إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون ﴿وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ محيط﴾ مهلك من قوله وأحيط بثمره وأصله من إحاطة العدو والمراد عذاب الاستئصال فى الدنيا أو عذاب الآخرة

стр. 2202

وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) ﴿ويا قوم أَوْفُواْ المكيال والميزان﴾ أتموهما ﴿بالقسط﴾ بالعدل نهوا أولاً عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول لزيادة الترغيب فيه وجيء به مقيداً بالقسط أي ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان ﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ﴾ البخس النقص كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء فنهوا عن ذلك ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ العثى والعبث أشد الفساد نحو السرقة والغارة وقطع السبيل ويجوز أن يجعل البخس والتطفيف عيثا منهم فى الأرض

стр. 2203

بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) ﴿بقية الله﴾ ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ بشرط أن تؤمنوا نعم بقية الله خير للكفرة أيضاً لأنهم يسلمون معها من تبعة البخس والتطفيف إلا أن فائدتها تظهر مع الإيمان من حصول الثواب مع النجاة من العقاب ولاتظهر مع عدمه لانغماس صاحبها في غمرات الكفر وفي ذلك تعظيم للإيمان وتنبيه على جلالة شأنه أو المراد إن كنتم مصدقين لي فيما أقول لكم وأنصح به إياكم ﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ لنعمه عليكم فاحفظوها بترك البخس

стр. 2204

قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) ﴿قالوا يا شعيب أصلاتك﴾ وبالتوحيد كوفى غير أبى بكر هود (٨٧ _ ٨٩) ﴿تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ كان شعيب ﵇ كثير الصلوات وكان قومه يقولون له ما تستفيد بهذا فكان يقول إنها تأمر بالمحاسن وتنهى عن القبائح فقالوا على وجه الاستهزاء أصلواتك تأمرك أن تأمرنا بترك عبادة ما كان يعبد آباؤنا أو أن نترك التبسط في أموالنا ما نشاء من إيفاء ونقص وجاز أن تكون الصلوات آمرة مجازاً كما سماها الله تعالى ناهية مجازاً ﴿إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد﴾ أي السفية الضال وهذه

стр. 2205

تسمية على القلب استهزاء أو إنك حليم رشيد عندنا ولست تفعل بنا ما يقتضيه حالك

стр. 2206

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) ﴿قال يا قوم أرأيتم إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ﴾ من لدنه ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ يعني النبوة والرسالة أو مالاً حلالاً من غير بخس وتطفيف وجواب أرأيتم محذوف أي أخبروني إن كنت على حجة واضحة من ربي وكنت نبياً على الحقيقة أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك يقال خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول خالفني إلى الماء يريد أنه قد ذهب إليه وأراد وأنا ذاهب عنه صادراً ومنه قوله ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ﴾ يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح﴾ ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهي عن المنكر ﴿مَا استطعت﴾ ظرف أى مدة استطاعتى للاصلاح ومادمت متمكنا منه آلو فيه جهداً ﴿وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بالله﴾ وما كونى موفقا لإصابة الحق فيما آنى وآذر إلا بمعونته وتأييده ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعتمدت ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرجع في السراء والضرآء

стр. 2207

وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) جرم مثل كسب في تعديه إلى مفعول واحد وإلى مفعولين ومنه قوله ﴿ويا قوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم﴾ أي لا يكسبنكم خلافي إصابة العذاب ﴿مّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالح﴾ وهو الغرق والريح والرجفة ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ في الزمان فهم أقرب الهالكين منكم أو في المكان فمنازلهم قريبة منكم أو فيما يستحق به الهلاك وهو الكفر والمساوى وسوى فى قريب وبعيد وقليل وكبير بين المذكر

стр. 2208

والمؤنث لورودها على زنة المصادر هود (٩٠ _ ٩٣) التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما

стр. 2209

وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) ﴿واستغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ﴾ يغفر لأهل الجفاء من المؤمنين ﴿وَدُودٌ﴾ يحب أهل الوفاء من الصالحين

стр. 2210

قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) ﴿قَالُواْ يا شُعَيْبٌ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ﴾ أي لا نفهم صحة ما تقول وإلا فكيف لا يفهم كلامه وهو خطيب الأنبياء ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ لا قوة لك ولا عز فيما بيننا فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً ﴿ولولا رهطك لرجمناك﴾ ولولا عشرتيك لقتلناك بالرجم وهو شر قتلة وكان رهطه من أهل ملتهم فلذلك أظهروا الميل إليهم والإكرام لهم ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ أي لا تعز علينا ولا تكرم حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم وإنما يعز علينا رهطك لأنهم من أهل ديننا وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل كأنه قيل وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا ولذلك
следующие страницы →