Полный текст (7 814 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ﴾ أي أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم وتقولون لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا وترونكم أحق بالنبوة منا ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وربكم﴾ نشترك جميعاً في أننا عباده وهو ربنا وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده ﴿وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم﴾ يعني أن العمل هو أساس الأمر وكما أن لكم أعمالاً فلنا كذلك ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي نحن له موحدون نخلصه بالإيمان وأنتم به مشركون والمخلص أحرى بالكرامة وأولى بالنبوة من غيره
стр. 247
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)
﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ بالتاء شامي وكوفي غير أبي بكر وأم على هذا معادلة للهمزة في أتحاجوننا يعني أي الأمرين تأتون المحاجة في حكم الله أم إدعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء أو منقطعة أى بل أيقولون غيرهم بالياء وعلى هذا لا تكون الهمزة إلا منقطعة ﴿إِنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى﴾ ثم أمر نبيه ﵇ أن
стр. 248
يقول مستفهماً راداً عليهم بقوله ﴿قل أأنتم أَعْلَمُ أَمِ الله﴾ يعني أن الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مسلما ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة عِندَهُ مِنَ الله﴾ أي كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادة الله لإبراهيم بالحنيفية والمعنى أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها أو أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد ﵇ بالنبوة في كتبهم وسائر شهاداته ومن في قوله من الله مثلها في قولك هذه شهادة مني لفلان إذا شهدت له في أنها صفة لها ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من تكذيب الرسل وكتمان الشهادة
стр. 249
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ كررت للتأكيد ولأن المراد بالأول الأنبياء عليهم
البقرة (١٤٢ _ ١٤٣)
السلام وبالثاني أسلاف اليهود والنصارى
стр. 250
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)
﴿سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس﴾ الخفاف الأحلام فأصل السفه الخفة وهم اليهود لكراهتمهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ أو المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء اوالمشركون لقولهم رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها والله ليرجعن إلى دينهم وفائدة الإخبار بقولهم قبل وقوعه توطين النفس إذ المفاجأة بالمكروه أشد وعداد الجواب قبل الحاجة إليه أقطع للخصم فقيل الرمي يراش السهم ﴿مَا ولاهم﴾ ما صرفهم ﴿عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ يعنون بيت المقدس والقبلة الجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة لأن المصلي يقابلها ﴿قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب﴾ أى بلاد الشرق والمغرب والأرض كلها له ﴿يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ من أهلها ﴿إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ طريق مستوٍ أي يرشد من يشاء إلى قبلة الحق وهي الكعبة التي أمرنا بالتوجه
стр. 251
إليها أو الأماكن كلها لله فيأمر بالتوجه إلى حيث شاء فتارة الكعبة وطورا إلى البيت المقدس لا اعتراض عليه لأنه المالك وحده
стр. 252
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)
﴿وكذلك جعلناكم﴾ ومثل ذلك الجعل جعلناكم فالكاف للتشبيه وذاجر بالكاف واللام للفرق بين الإشارة إلى القريب والإشارة إلى البعيد والكاف للخطاب لا محل لها من الإعراب ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ خياراً وقيل للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية أي كما جعلت قبلتكم خير القبل جعلتكم خير الأمم أو عدولاً لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض أي كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب جعلناكم أمة وسطاً بين العلو والتقصير فانكم لم تغلو غلو النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا ﴿لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ﴾ غير منصرف لمكان ألف التأنيث ﴿عَلَى الناس﴾ صلة شهداء ﴿وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ عطف على لتكونوا روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالب الله الأنبياء البينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم فيؤتى بأمة محمد ﵇ فيشهدون فيقول الأمم من أين عرفتم فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق فيؤتى بمحمد ﵇ فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم والشهادة قد تكون بلا مشاهدة كالشهادة بالتسامع في الأشياء المعروفة ولما كان الشهيد كالرقيب جيء بكلمة الاستعلاء كقوله تعالى ﴿كُنتَ أَنتَ الرقيب عليهم﴾ وقيل ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول
стр. 253
الأخيار ويكون الرسول عليكم شهيداً يزكيكم ويعلم بعدالتكم واستدل الشيخ أبو منصور ﵀ بالآية على أن الإجماع حجة
البقرة (١٤٣ _ ١٤٤)
لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله وأخرت صلة الشهادة أو لا وقدمت آخراً لأن المراد في الأول إثبات شهادتهم على الأمم وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم ﴿وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا﴾ أي وما جعلنا القبلة الجهة كنت عليها وهي الكعبة فالتي كنت عليها ليست بصفة للقبلة بل هي ثانى مفعول جعل روى أن رسول الله ﷺ كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تأليفاً لليهود ثم حول إلى الكعبة ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ﴾ أي وما جعلنا القبلة التي تحب أن تستقبلها الجهة التى كنت عليها أو لا بمكة إلا امتحانا للناس وابتلاء لنعلم الثابث على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقلته يرجع فيرتد عن الإسلام عند تحويل القبلة قال الشيخ أبو منصور ﵀ معنى قوله لنعلم أي لنعلم كائناً أو موجوداً ما قد علمناه أنه يكون ويوجد فالله تعالى عالم في الأزل بكل ما أراد وجوده أنه يوجد في الوقت الذي شاء وجوده فيه ولا يوصف بأنه عالم في الأزل بأنه موجود كائن لأنه ليس بموجود في الأزل فكيف يعلمه موجوداً فإذا صار موجوداً يدخل تحت علمه الأزلي فيصير معلوما له موجودا كائنا والتغير عل المعلوم لا على العلم أو لتميز النابع من الناكص كما قال تعالى لِيَمِيزَ الله الخبيث من الطيب فوضع العلم موضع التميز لأن العلم به يقع التميز أو ليعلم رسول الله ﵊ والمؤمنون وإنما أسند علمهم إلى ذاته لأنهم
стр. 254
خواصه أو هو على ملاطفة الخطاب لمن لا يعلم كقولك لمن ينكر ذوب الذهب فليلقه في النار لنعلم أيذوب ﴿وَإِن كَانَتْ﴾ أي التحويلة أو الجعلة أو القبلة وإن هي المخففة واللام في ﴿لَكَبِيرَةً﴾ أي ثقيلة شاقة وهي خبر كان واللام فارقة ﴿إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله﴾ أي هداهم الله فحذف العائد أي إلا على الثابتين الصادقين في اتباع الرسول ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس سمى الصلاة إيماناً لأن وجوبها على أهل الإيمان وقبولها من أهل الإيمان وأداؤها فى الجمعة دليل الإيمان ولما توجه رسول الله ﷺ إلى الكعبة قالوا كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا فنزلت ثم علل ذلك فقال ﴿إِنَّ الله بالناس
لَرَؤُوفٌ﴾ مهموز مشبع حجازى وشامى وحفص رءوف غيرهم بوزن فعل وهما المبالغة ﴿رَّحِيمٌ﴾ لا يضيع أجورهم والرأفة أشد من الرحمة وجمع بينهما كما في الرحمن الرحيم
стр. 255
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)
﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء﴾ تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء وكان رسول
البقرة (١٤٤ _ ١٤٥)
ﷺ يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومحالفة لللهيود ولأنهاء ادعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا إذا جعلته والياء له أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس ﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾ أى نحوه وشطر نصب على الظرف أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته لأن استقبال عين القبلة متعسر على النائي وذكر المسجد
стр. 256
الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين روي أنه ﵇ قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس سنة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ﴾ من الأرض وأردتم الصلاة ﴿فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق﴾ أي التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله ﷺ أنه يصلي إلى القبلتين ﴿مِن رَّبّهِمْ وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ بالياء مكي وأبو عمرو ونافع وعاصم وبالتاء غيرهم فالأول وعيد للكافرين بالعقاب على الحجود والإباء والثاني وعد للمؤمنين بالثواب على القبول والأداء
стр. 257
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ أراد ذوي العناد منهم ﴿بكل آية﴾ برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ﴿مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾ لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق وجواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط ﴿وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ حسم لأطماعهم إذ كانوا اضطربوا فى ذلك وقالوا لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجوا أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم ووحدت القبلة وإن كان لهم قبلتان فلليهود قبلة وللنصارى قبلة لاتحادهم في البطلان ﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم كما لا ترجى موافقتهم لك فاليهود تستقبل بيت المقدس والنصارى مطلع الشمس ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم﴾ أي من بعد وضوح البرهان والإحاطة بأن القبلة هي الكعبة وأن دين الله هو
стр. 258
الإسلام ﴿إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين﴾ لمن المرتكبين الظلم الفاحش وفى ذلك لطف للسامعين
البقرة (١٤٦ _ ١٥٠)
وتهييج للثبات على الحق وتحذير لمن يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى وقيل الخطاب في الظاهر للنبي ﵇ والمراد أمته ولزم الوقف على الظالمين إذ لو وصل لصار
стр. 259
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)
﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ صفة للظالمين وهو مبتدأ والخبر ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي محمداً ﵇ أو القرآن أو تحويل القبلة والأول أظهر لقوله ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ قال عبد الله بن سلام أنا اعلم به منى يا بنى فقال له عمر ولم قال لأني لست أشك في محمد أنه نبي فأما ولدي فلعل والدته خانت فقبل عمر رأسه ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ﴾ أي الذين لم يسلموا ﴿لَيَكْتُمُونَ الحق﴾ حسدا وعنادا ﴿وهم يعلمون﴾ أن الله تعالى بينه في كتابهم
стр. 260
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)
﴿الحق﴾ مبتدأ خبره ﴿مِن رَبَِكَ﴾ واللام للجنس أي الحق من الله لا من غيره يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل أو للعهد والإشارة إلى الحق الذى عليه رسول الله ﷺ أو خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق ومن ربك خير بعد خبر أو حال ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين﴾ الشاكين في أنه من ربك
стр. 261
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)
﴿وَلِكُلٍّ﴾ من أهل الأديان المختلفة ﴿وِجْهَةٌ﴾ قبلة وقرئ بها والضمير في ﴿هُوَ﴾ لكل وفي ﴿مُوَلِّيهَا﴾ للوجهة أي هو موليها وجهة فحذف أحد المفعولين أو هو لله تعالى أي الله موليها إياه هو مولاها شامي أي هو مولى تلك الجهة قد وليها والمعنى ولكل أمة قبلة يتوجه إليها منكم ومن غيركم ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ أنتم ﴿الخَيْرَاتِ﴾ فاستبقوا إليها غيركم من
стр. 262
أمر القبلة وغيره ﴿أينما تَكُونُواْ﴾ أنتم وأعداؤكم ﴿يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا﴾ يوم القيامة فيفصل بين المحق والمبطل أو ولكل منكم يا أمة محمد وجهة جهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية فاستقبلوا الفاضلات من الجهات وهي الجهة المسامتة للكعبة وإن اختلفت أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم الله جميعاً ويجمعكم ويجعل صلاتكم كأنها إلى جهة واحدة وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
стр. 263
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ومن أي بلد خرجت للسفر ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾ إذا صليت ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن هذا المأمور به ﴿لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وبالياء أبو عمرو
стр. 264
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وهذا التكرير
البقرة (١٤٩ _ ١٥٤)
لتأكيد أمر القبلة وتشديده لأن النسخ من مظان الفتنة والشبهة فكرر عليهم ليثبتوا على أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر فاختلفت فوايدها ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي قد عرّفكم الله جل ذكره أمر الاحتجاج في القبلة بما قد بين فى قوله ولكل وجهة هوموليها لئلا يكون للناس لليهود عليكم حجة في خلاف ما في التوراة من تحويل القبلة وأطلق اسم الحجة على قول المعائدين لأنهم يسوقونه سياق الحجة ﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ استثناء من الناس أي لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا المعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء ﵈ أو معناه لئلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض في ترككم التوجه إلى الكعبة التى هى قبلة إبراهيم وإسمعيل أبي العرب إلا الذين ظلموا منهم وهم أهل مكة حين يقولون بداله فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى
стр. 265
دينهم ثم استأنف منبهاً بقوله ﴿فَلاَ تخشوهم﴾ فلا تخافوا مطاعتهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم ﴿واخشونى﴾ فلا تخالفوا أمري ﴿وَلأُِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾ أي عرفتكم لئلا يكون عليكم حجة ولأتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى الكعبة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ولكي تهتدوا إلى قبلة إبراهيم
стр. 266
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)
الكاف في ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ إما أن يتعلق بما قبله أي ولأتم نعمتي عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول أو بما بعده أي كما ذكر تكم بإرسال الرسول فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب فعلى هذا يوقف على تهتدون وعلى الأول لا ﴿رسولا منكم﴾ نم العرب ﴿يتلو عليكم﴾ يقرا عليكم ﴿آياتنا﴾ القرآن ﴿وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكتاب﴾ القرآن ﴿والحكمة﴾ السنة والفقه ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ مالا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي
стр. 267
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)
﴿فاذكروني﴾ بالمعذرة ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ بالمغفرة أو بالثناء والعطاء أو بالسؤال والنوال أو بالتوبة وعفو الحوبة أو بالاخلاص والخلاص أو بالمناجاة أو النجاة ﴿واشكروا لِي﴾ ما أنعمت به عليكم ﴿وَلاَ تكفرون﴾ ولا تجحدوا نعمائى
стр. 268
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)
﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر﴾ فيه تنال كل فضيلة ﴿والصلاة﴾ فإنها تنهى عن كل رذيلة ﴿إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ بالنصر والمعونة
стр. 269
وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)
﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله﴾ نزلت فى شهداء
البقرة (١٥٤ _ ١٥٨)
بدر وكانوا أربعة عشر رجلاً ﴿أَمْوَاتٌ﴾ أي هم أمواتٍ ﴿بَلْ أَحْيَاء﴾ أي هم أحياء ﴿وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ لا تعلمون ذلك لأن حياة الشهيد لا تعلم حساً عن الحسن
стр. 270
رضى الله عنه أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدواً وعشيا فيصل اليهم الوجع وعن مجاهد ريحها وليسوا فيها
стр. 271
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)
﴿ولنبلونكم﴾ ولنصيبنكم بدلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون على ما أنتم عليه من الطاعة أم لا ﴿بِشَىْءٍ﴾ بقليل من كل واحدة من هذه البلايا وطرف منه وقلل ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل اليه ويريهم أن رحمته معهم في كل حال وأعلمهم بوقوع البلواء قبل وقوعها ليوطنو نفوسهم عليها ﴿مِّنَ الخوف﴾ خوف الله والعدو ﴿والجوع﴾ أي القحط أو صوم شهر رمضان ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال﴾ بموت المواشي أو الزكاة وهو عطف على شيء وعلى الخوف أى وشئ من نقص الأموال ﴿والأنفس﴾ بالقتل والموت أو بالمرض والشيب ﴿والثمرات﴾ ثمرات الحرث أو موت الأولاد لأن الولد ثمرة الفؤاد ﴿وَبَشِّرِ الصابرين﴾ على هذه البلايا أو المسترجعين عند البلايا لأن الاسترجاع تسليم وإذعان وفي الحديث من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفا صالحا يرضاه وطفئ سراج رسول الله ﷺ فقال إنا لله وإنا إليه راجعون فقيل أمصيبة هي قال نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو مصيبة والخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل من يأتى منه البشارة
стр. 272
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)
﴿الذين﴾ نصب صفة للصابرين ولا وقف عليه بل يوقف على
стр. 273
راجعون ومن ابتداء بالذين وجعل الخبر أولئك يقف على الصابرين لا على راجعون والأول الوجه لأن الذين وما بعده بيان للصابرين ﴿إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ﴾ مكروه اسم فاعل من أصابته شدة أي لحقته ولا وقف على مصيبة لأن ﴿قَالُواْ﴾ جواب إذا وإذا وجوابها صلة الذين ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ إقرار له بالملك ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون﴾ إقرار على نفوسنا بالهلك ﴿أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الصلاة الحنو والتعطف فوضعت موضع الرأفة وجمع بينها وبين الرحمة كقوله رأفة ورحمة رءوف رحيم والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة ورحمة بعد رحمة
стр. 274
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)
﴿وأولئك هُمُ المهتدون﴾ لطريق الصواب حيث استرجعوا وأذعنوا لأمر الله قال عمر رضى الله عنه نعم العدلان ونعم العلاوة أي الصلاة والرحمة والاهتداء
стр. 275
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)
﴿إِنَّ الصفا والمروة﴾ هما علمان للجبلين ﴿مِن شعائر الله﴾ من
البقرة (١٥٨ _ ١٦٢)
أعلام مناسكه متعبداته جمع شعيرة وهي العلامة ﴿فَمَنْ حَجَّ البيت﴾ قصد الكعبة ﴿أَوِ اعتمر﴾ زار الكعبة فالحج القصد والاعتمار الزيارة ثم غلبا على قصد البيت زيارته للنسكين المعروفين وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ فلا إثم عليه ﴿أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أي يتطوف فأدغم التاء في الطاء وأصل الطوف المشي حول الشئ والمراد هنا السعي بينهما قيل كان على الصفا أساف وعلى المروة نائلة هما ضمان يروى أنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما فلما طالت المدة عبدا من دون الله وكان أهل الجاهلية إذا سعو امسحوا هما فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية فرفع عنهم الجناح بقوله فلا جناح وهو دليل على أنه
стр. 276
ليس بركن كما قال مالك والشافعي رحمهما الله تعالى وكذا قوله ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خيرا﴾ أى بالطواف بهما وهو كذلك مشعر بأنه ليس بركن ومن يطوع حمزة وعلي أي يتطوع فأدغم التاء في الطاء ﴿فَإِنَّ الله شَاكِرٌ﴾ مجاز على القليل كثيراً ﴿عَلِيمٌ﴾ بالأشياء صغيراً أو كبيراً
стр. 277
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)
﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ﴾ من أحبار اليهود ﴿مَا أَنَزَلْنَا﴾ في التوراة ﴿مِنَ البينات﴾ من الآيات الشاهدة على أمر محمد ﵇ ﴿والهدى﴾ الهداية إلى الإسلام بوصفه ﵇ ﴿مِن بَعْدِ مَا بيناه﴾ أوضحناه ﴿لِلنَّاسِ فِي الكتاب﴾ في التوراة لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين فكتموه ﴿أولئك يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون﴾ الذين يتأتى منهم اللعن وهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين
стр. 278
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)
﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ﴾ عن الكتمان وترك الإيمان ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم ﴿وَبَيَّنُواْ﴾ وأظهروا ما كتموا ﴿فأولئك أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أقبل توبتهم ﴿وَأَنَا التواب الرحيم﴾
стр. 279
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)
﴿إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ يعني الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين ولم يتوبوا ﴿أولئك عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً والمراد بالناس المؤمنون أو المؤمنون والكافرون إذ بعضهم يلعن بعضاً يوم القيامة قال الله تعالى كلما دخلت أمة لعنت أختها
стр. 280
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)
﴿خالدين﴾ حال من هم في عليهم ﴿فِيهَا﴾ في اللعنة أو في النار إلا أنها أضمرت تفخيماً لشأنها وتهويلاً ﴿لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب ولا هم ينظرون﴾
البقرة (١٦٣ _ ١٦٥)
من الإنظار أي لا يمهلون أو لا ينتظرن ليعتذروا أو لا ينظر
стр. 281
إليهم نظر رحمة
стр. 282
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)
﴿وإلهكم إله واحد﴾ فرد في ألوهيته لا شريك له فيها ولا يصح أن يسمى غيره إلها ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ تقرير للوحدانية بنفى غيره وإثباته وموضع هو رفع لأنه بدل من موضع لا إله ولا يجوز النصب هنا لأن البدل يدل على أن الاعتماد على الثاني والمعنى في الآية على ذلك والنصب يدل على أن الاعتماد على الأول ورفع ﴿الرحمن الرّحيم﴾ أي المولى لجميع النعم أصولها وفروعها ولا شيء سواه بهذه الصفة فما سواه إما نعمة وإما منعم عليه ورفع على أنه خبر مبتدأ أو على البدل من هولا على الوصف لأن المضمر لا يوصف
стр. 283
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)
ولما عجب المشركون من إله واحد وطلبوا آية على ذلك نزل ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ في اللون والطول والقصر وتعاقبهما فى الذهاب والمجئ ﴿والفلك التى تَجْرِى فِى البحر بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ بالذي ينفعهم مما يحمل فيها أو بنفع الناس ومن في ﴿وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء﴾ لابتداء الغاية وفى ﴿من ماء﴾ مطر ومن لبيان الجنس لأن ما ينزل من السماء مطر وغيره ثم عطف على أنزل ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾ بالماء ﴿الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها ثم عطف على فأحيا ﴿وَبَثَّ﴾ وفرق ﴿فِيهَا﴾ في الأرض ﴿مِن كُلِّ دَابَّةٍ﴾ هي كل ما يدب ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ الريح حمزة وعلي أي وتقليبها في مهابها قبولاً ودبوراً وجنوباً وشمالاً وفي أحوالها حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقماً ولواقح وقيل تارة بالرحمة وطوراً بالعذاب ﴿والسحاب المسخر﴾ المذلل المنقاد لمشيئة الله تعالى فيمطر حيث شاء ﴿بَيْنَ السماء والأرض﴾ في الهواء ﴿لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ينظرون بعيون عقولهم
стр. 284
ويعتبرون فيستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها وحكمة مبدعها ووحدانية منشئها وفي الحديث ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها
стр. 285
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)
﴿ومن النّاس﴾ أي ومع هذا البرهان النير من الناس ﴿مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا﴾ أمثالاً من الأصنام ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب ﴿كَحُبّ الله﴾ كتعظيم الله والخضوع له أي يحبون الأصنام كما يحبون الله يعني يسوون بينهم وبينه في محبتهم لأنهم كانوا يقرون بالله ويتقربون إليه وقيل يحبونهم كحب المؤمنين الله ﴿والذين آمنوا أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ﴾ من المشركين لآلهتهم لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره بحال والمشركون يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد
البقرة (١٦٥ _ ١٦٨)
فيفزعون إليه ويخضعون له ﴿وَلَوْ يَرَى﴾ ترى نافع وشامي على خطاب الرسول أو كل مخاطب أي ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ إشارة إلى متخذي الأنداد ﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾ يرون شامي ﴿العذاب أَنَّ القوة لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ حال ﴿وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب﴾ شديد عذابه أي ولو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة كلها لله تعالى على كل شيء من الثواب والعقاب دون أندادهم ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة لكان منهم مالا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة فحذف الجواب لأن لو إذا جاء فيما يشوق إليه أو يخوف منه قلما يوصل بجواب ليذهب القلب فيه كل مذهب ولو يليها الماضى وكذا إذ وضعها لتدل على الماضى إنما دخلتا على المستقبل هنا لأن إخبار الله تعالى عن المستقبل باعتبار صدقه كالماضي
следующие страницы →