← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) ﴿قال يا قوم أرأيتم إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ﴾ من لدنه ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ يعني النبوة والرسالة أو مالاً حلالاً من غير بخس وتطفيف وجواب أرأيتم محذوف أي أخبروني إن كنت على حجة واضحة من ربي وكنت نبياً على الحقيقة أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك يقال خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول خالفني إلى الماء يريد أنه قد ذهب إليه وأراد وأنا ذاهب عنه صادراً ومنه قوله ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ﴾ يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح﴾ ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهي عن المنكر ﴿مَا استطعت﴾ ظرف أى مدة استطاعتى للاصلاح ومادمت متمكنا منه آلو فيه جهداً ﴿وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بالله﴾ وما كونى موفقا لإصابة الحق فيما آنى وآذر إلا بمعونته وتأييده ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعتمدت ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرجع في السراء والضرآء

стр. 2207

وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) جرم مثل كسب في تعديه إلى مفعول واحد وإلى مفعولين ومنه قوله ﴿ويا قوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم﴾ أي لا يكسبنكم خلافي إصابة العذاب ﴿مّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالح﴾ وهو الغرق والريح والرجفة ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ في الزمان فهم أقرب الهالكين منكم أو في المكان فمنازلهم قريبة منكم أو فيما يستحق به الهلاك وهو الكفر والمساوى وسوى فى قريب وبعيد وقليل وكبير بين المذكر

стр. 2208

والمؤنث لورودها على زنة المصادر هود (٩٠ _ ٩٣) التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما

стр. 2209

وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) ﴿واستغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ﴾ يغفر لأهل الجفاء من المؤمنين ﴿وَدُودٌ﴾ يحب أهل الوفاء من الصالحين

стр. 2210

قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) ﴿قَالُواْ يا شُعَيْبٌ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ﴾ أي لا نفهم صحة ما تقول وإلا فكيف لا يفهم كلامه وهو خطيب الأنبياء ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ لا قوة لك ولا عز فيما بيننا فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً ﴿ولولا رهطك لرجمناك﴾ ولولا عشرتيك لقتلناك بالرجم وهو شر قتلة وكان رهطه من أهل ملتهم فلذلك أظهروا الميل إليهم والإكرام لهم ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ أي لا تعز علينا ولا تكرم حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم وإنما يعز علينا رهطك لأنهم من أهل ديننا وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل كأنه قيل وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا ولذلك

стр. 2211

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) ﴿قال﴾ فى جوابهم ﴿يا قوم أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله﴾ ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب وإنما قال أرهطي أعز عليكم من الله الكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه لأن تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله وحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريا﴾ ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به والظهري منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب كقولهم في النسبة إلى الأمس أمسى ﴿إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ قد أحاط بأعمالكم علماً فلا يخفى عليه شيء منها

стр. 2212

وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) ﴿وَيَا قَوْمِ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ﴾ هي بمعنى المكان يقال مكان

стр. 2213

ومكانة ومقام ومقامة أو مصدر من مكن فهو مكين إذا تمكن من الشيء يعنى اعملوا قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك والشنآن لي أو اعملوا متمكنين من عداوتي مطبقين لها ﴿إِنّى عامل﴾ على حسب ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكنني ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ من استفهامية معلقة لفعل العلم عن عمله فيها كأنه قيل سوف تعلمون أينا نأتيه عذاب يخزيه أي يفضحه وأينا هو كاذب أو موصولة قد عمل فيها كأنه قيل سوف هود (٩٣ _ ٩٨) تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فى زعمكم ودعوا كم وإدخال الفاء في سوف وصل ظاهر بحرف وضع للوصل ونزعها وصل تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت فقال سوف تعلمون والإتيان بالوجهين للتفنن في البلاغة وأبلغهما الاستئناف ﴿وارتقبوا﴾ وانتظروا العاقبة وما أقول لكم ﴿إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ منتظر والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب بمعنى الضارب أو بمعنى المراقب كالعشير بمعنى المعاشر أو بمعنى المرتقب كالرفيع بمعنى المرتفع

стр. 2214

وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) ﴿ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبريل فهلكوا وإنما ذكر في آخر قصة عاد ومدين ولما جاء وفي آخر قصة ثمود ولوط فلما جاء لأنهما وقعا بعد ذكر الموعد وذلك قوله إن موعدهم الصبح ذلك وعد غير مكذوب فجئ بالفاء الذي هو للتسبيب كقولك وعدته فلما جاء الميعاد كان كبت وأما الأخريان فقد وقعتا مبتدأتين فكان

стр. 2215

حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلها ما قبلها كما تعطف قصة على قصة ﴿فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جاثمين﴾ الجاثم اللازم لمكانه لا يريم يعني أن جبريل صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم بحيث هو بغتة

стр. 2216

كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين ﴿أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ﴾ البعد بمعنى البعد وهو الهلاك كالرشد بمعنى الرشد ألا ترى إلى قوله ﴿كَمَا بعدت ثمود﴾ وقرئ كما بعُدت والمعنى في البناءين واحد وهو نقيض القرب إلا أنهم فرقوا بين البعد من جهة الهلاك وبين غيره فغيروا البناء كما فرقوا بين ضماني الخير والشر فقالوا وعد وأوعد

стр. 2217

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنا وسلطان مُّبِينٍ﴾ المراد به العصا لأنها أبهرها

стр. 2218

إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) ﴿إلى فرعون وملئه فاتبعوا﴾ أي الملأ ﴿أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ هو تجهيل لمتبعيه حيث تابعوه إلى أمره وهو ضلال مبين وذلك أنه ادعى الألوهية وهو بشر مثلهم وجاهز بالظلم والشر الذي لا يأتي إلا من شيطان ومثله بمعزل عن الألوهية وفيه أنهم عاينوا الآيات والسلطان المبين وعلموا أن مع موسى الرشد والحق ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في أمره رشد قط أو المراد وما أمره بصالح حميد العاقبة ويكون قوله

стр. 2219

يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة﴾ أي يتقدمهم وهم على عقبه تفسيراً له وإيضاحاً أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته والرشد يستعمل في كل ما يحمد ويرتضى كما استعمل الغي في كل ما يذم ويقال قدَمه بمعنى تقدمه ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ ادخلهم وجئ بلفظ الماضي لأن الماضي يدل على أمر موجود مقطوع به فكأنه قيل يقدمهم فيوردهم النار لا محالة يعني كما

стр. 2220

كان قدوة لهم في الضلال كذلك يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه ﴿وَبِئْسَ الورد﴾ المورد و ﴿المورود﴾ الذى ورده شبه بالفارط الذي يتقدم الواردة إلى الماء وشبه أتباعه بالواردة ثم قال وبئس الورد المورود الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش والنار ضده

стр. 2221

وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) ﴿وَأُتْبِعُواْ فِى هذه﴾ أي الدنيا ﴿لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة﴾ أي يلعنون في الدنيا ويلعنون في الآخرة ﴿بِئْسَ الرفد المرفود﴾ رفدهم أي بئس العون المعان أو بئس العطاء المعطى

стр. 2222

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) ﴿ذلك﴾ مبتدأ ﴿مِنْ أَنْبَاء القرى﴾ خبر ﴿نَقُصُّهُ عليك﴾ خبر عبد خبر أى ذلك النبأ بعض أنباء القرى المهلكة مقصوص عليك ﴿مِنْهَا﴾ من القرى ﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ أي بعضها باق وبعضها عافي الأثر كالزرع القائم على ساقه والذي حصد والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب

стр. 2223

وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) ﴿وَمَا ظلمناهم﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلهتهم﴾ فما قدرت أن ترد عنهم بأس الله ﴿التى يَدْعُونَ﴾ يعبدون وهي حكاية حال ماضية ﴿مِن دُونِ الله مِن شَىْء لَّمَّا جَاء أمر ربك﴾ عذابه ولما منصوب بما أغنت ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ تخسير يقال تب إذا خسر وتبيه غيره أوقعه في الخسران يعني وما أفادتهم عبادة غير الله شيئاً بل أهلكتهم

стр. 2224

وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) ﴿وكذلك﴾ محل الكاف الرفع أي ومثل ذلك الأخذ ﴿أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ القرى﴾ أي أهلها ﴿وَهِىَ ظالمة﴾ حال من القرى ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ مؤلم شديد صعب على المأخوذ وهذا تحذير لكل قرية ظالمة من كفار مكة وغيرها فعلى كل ظالم أن يبادر التوبة ولا يغتر بالإمهال

стр. 2225

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ فيما قص الله من قصص الأمم الهالكة ﴿لآيَةً﴾ لعبرة ﴿لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة﴾ أي اعتقد صحته ووجوده ﴿ذلك﴾ إشارة إلى يوم القيامة لأن عذاب الآخرة دل عليه ﴿يوم مجموع له الناس﴾ هود (١٠٣ _ ١٠٧) هو مرفوع بمجموع كما يرفع فعله إذا قلت يجمع له الناس وإنما آثر اسم المفعول على فعله لما في اسم المفعول من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم وإنه أثبت أيضاً لإسناد الجمع إلى الناس وأنهم لا ينفكون منه يجمعون للحساب والثواب والعقاب ﴿وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ أي مشهود فيه فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به أي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد

стр. 2226

وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) ﴿وَمَا نُؤَخّرُهُ﴾ أي اليوم المذكور الأجل يطلق على مدة التأجيل كلها وعلى منتهاها والعد وإنما هو للمدة لا لغايتها ومنتهاها فمعنى قوله وما نؤخره ﴿إِلاَّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾ إلا لانتهاء مدة معدودة بحذف المضاف أو ما نؤخر هذا اليوم إلا لتنتهي المدة التي ضربناها لبقاء الدنيا

стр. 2227

يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) ﴿يوم يأت﴾ والياء مكي وافقه أبو عمرو ونافع وعلي في الوصل وإثبات الياء هو الأصل إذ لا علة توجب حذفها وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل ونظيره مَا كنا نبغ وفاعل يأت ضمير يرجع إلى قوله يوم مجموع له الناس لا اليوم المضاف إلى يأت ويوم منصوب باذكر أو بقوله ﴿لاَ تَكَلَّمُ﴾ أي لا تتكلم ﴿نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ أي لا يشفع أحد إلا بإذن الله مَن ذَا الذى يشفع عنده إلا بإذنه ﴿فَمِنْهُمْ﴾ الضمير لأهل الموقف لدلالة لا تكلم نفس عليه وقد مر ذكر الناس في قوله مجموع له الناس ﴿شَقِيٌّ﴾ معذب ﴿وَسَعِيدٌ﴾ أي ومنهم سعيد أي منعم

стр. 2228

فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) ﴿فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِى النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ هو أول نهيق الحمار ﴿وَشَهِيقٌ﴾ هو آخره أو هما إخراج النفس ورده والجملة في موضع

стр. 2229

الحال والعامل فيها الاستقرار الذي فى النار

стр. 2230

خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴿خالدين فِيهَا﴾ حال مقدرة ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ في موضع النصب أي مدة دوام السموات والأرض والمراد سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد والدليل على أن لها سموات وأرضاً قوله يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسموات وقيل مادام فوق وتحت ولأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم إما سماء أو عرش وكل ما أظلك فهو سماء أو هو عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع كقول العرب مالاح كوكب وغير ذلك من كلمات التأبيد ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ هو استثناء من الخلود في عذاب النار وذلك لأن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده بل يعذبون بالزمهرير وأنواع من العذاب سوى عذاب النار أو ماشاء بمعنى من شاء وهم قوم يخرجون من النار ويدخلون الجنة فيقال لهم الجهنميون وهو المستثنون من أهل الجنة أيضاً لمفارقتهم إياها بكونهم في النار أياماً فهؤلاء لم يشقوا شقاوة من يدخل النار على التأبيد ولا سعدوا سعادة من لا تمسه النار وهو مروى عن ابن عباس والضحاك وقتادة رضى الله عنهم ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ﴾ بالشقي والسعيد هود (١٠٨ _ ١١١)

стр. 2231

وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) ﴿وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ﴾ سُعدوا حمزة وعلي وحفص سَعد لازم وسعَده يسعَده متعد ﴿فَفِى الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ هو استثناء من الخلود في نعيم الجنة وذلك أن لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وهو رؤية الله تعالى ورضوانه أو معناهاإلا من شاء أن يعذبه بقدر ذنبه قبل أن يدخله الجنة وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ﷺ أنه قال الاستثناء في الآيتين لأهل الجنة ومعناه ما ذكرنا أنه لا يكون

стр. 2232

للمسلم العاصي الذي دخل النار خلود في النار حيث يخرج منها ولا يكون له أيضاً خلود في الجنة لأنه لم يدخل الجنة ابتداء والمعتزلة لما لم يروا خروج العصاة من النار ردوا الأحاديث المروية في هذا الباب وكفى به اثما مبينا ﴿عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع ولكنه ممتد إلى غير نهاية كقوله لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ ممنون وهو نصب فى المصدر أي أعطوا عطاء قيل كفرت الجهمية بأربع آيات عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ أُكُلُهَا دَائِمٌ وما عند الله باق لا مقطوعة ولا ممنوعة

стр. 2233

فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) لما قص الله قصص عبدة الأوثان وذكر ما أحل بهم من نقمه وما أعد لهم من عذابه قال ﴿فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء﴾ أي فلا تشك بعد ما أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم لما أصاب أمثالهم قبلهم تسلية لرسول الله ﷺ وعدة بالانتقام منهم ووعيداً لهم ثم قال ﴿ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قَبلُ﴾ يريد أن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم وقد بلغك ما نزل بآبائهم قسينزلن بهم مثله وهو استئناف معناه تعليل النهي عن المرية وما فى مما وكما مصدرية أو موصولة أي من عبادتهم وكعبادتهم أو مما يعبدون من الأوثان ومثل ما يعبدون منها ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حال من نصيبهم أى كاملا

стр. 2234

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ التوراة ﴿فاختلف فِيهِ﴾ آمن به قوم وكفر به قوم كما اختلف في القرآن وهو تسلية لرسول الله ﷺ ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ﴾ إنه لا يعاجلهم بالعذاب ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين قوم موسى أو قومك بالعذاب المستأصل ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكّ مّنْهُ﴾ من القرآن أو من العذاب

стр. 2235

﴿مُرِيبٍ﴾ من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازي

стр. 2236

وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) ﴿وَإِنَّ كُلاًّ﴾ التنوين عوض عن المضاف إليه يعني وإن كلهم أي وإن جميع المختلفين فيه وإن مشددة ﴿لَّمّاً﴾ مخفف بصري وعلي ما مزيدة جيء بها ليفصل بها بين لام إن ولام هود (١١١ _ ١١٣) ﴿لَيُوَفّيَنَّهُمْ﴾ وهو جواب قسم محذوف واللام في لما موطئة للقسم والمعنى وإن جميعهم والله ليوفينهم ﴿رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي جزاء أعمالهم من إيمان وجحود وحسن وقبيح بعكس الأولى أبو بكر مخففان مكي ونافع على إعمال المخففة عمل الثقيلة اعتباراً لأصلها الذي هو التثقيل ولأن إن تشبه الفعل والفعل يعمل قبل الحذف وبعده نحو لم يكن ولم يك فكذا المشبه به مشددتان غيرهم وهو مشكل وأحسن ما قيل فيه أنه من لممت الشيء جمعته لمَّا ثم وقف فصار لما ثم أجرى الوصل مجرى الوقف وجاز أن يكون مثل الدعوى والثروى وما فيه ألف التأنيث من المصادر وقرأ الزهري وإن كلا لما بالتنوين كقوله اكلا لما وهو يؤيد ما ذكرنا والمعنى وإن كلاً ملمومين أي مجموعين كأنه قيل وإن كلاً جميعا كقوله فسجد الملائكة كلهم اجمعون وقال صاحب الإيجاز لما فيه معنى الظرف وقد دخل في الكلام اختصار كأنه قيل وإن كلاً لما بعثوا ليوفينهم ربك أعمالهم وقال الكسائي ليس لي بتشديد لما علم ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

стр. 2237

فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ﴿فاستقم كَمَا أُمِرْتَ﴾ فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها غير عادل عنها ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ معطوف على المستتر في استقم وجاز للفاصل يعنى فاستقم أنت وليسقتم من تاب عن الكفر ورجع إلى الله مخلصاً ﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ﴾ ولا تخرجوا عن حدود الله ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فهو

стр. 2238

مجازيكم فاتقوه قيل ما نزلت على رسول الله ﷺ آية كان أشق عليه من هذه الآية ولهذا قال شيبتنى هود

стр. 2239

وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣) ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ﴾ ولا تميلوا قال الشيخ ﵀ هذا خطاب لأتباع الكفرة أي لا تركنوا إلى القادة والكبراء في ظلمهم وفيما يدعونكم إليه ﴿فَتَمَسَّكُمُ النار﴾ وقيل الركون إليهم الرضا بكفرهم وقال قتادة ولا تلحقوا بالمشركين وعن الموفق أنه صلى خلص الإمام فلما قرأ هذه الآية غشي عليه فلما أفاق قيل له فقال هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم وعن الحسن جعل الله الذين بين لاءين ولا تطغوا ولا تركنوا وقال سفيان في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك وعن الأوزاعي ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا وقال رسول الله ﷺ من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برّية هل يسقى شربة ماء فقال لا فقيل له يموت فقال دعه يموت ﴿وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء﴾ حال من قوله فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة ومعناه ومالكم من دون الله من أولياء يقدرون على منعكم من عذابه ولا يقدر على منعكم منه غيره ﴿ثم لا تنصرون﴾ ثم لا ينصركم هو لأنه هود (١١٤ _ ١١٦) حكم بتعذيبكم ومعنى ثم الاستبعاد أي النصرة من الله مستبعدة

стр. 2240

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) ﴿وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار﴾ غدوة وعشية ﴿وَزُلَفاً من الليل﴾ وساعات من الليل جمع زلفة وهي ساعاته القريبة من آخر النهار من أزلفه إذا قربه وصلاة الغدوة الفجر وصلاة العشية الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشي وصلاة الزلف المغرب والعشاء وانتصاب طرفي

стр. 2241

النهار على الظرف لأنهما مضافان إلى الوقت كقولك أقمت عنده جميع النهار وأتيته نصف النهار وأوله وآخره تنصب هذا كله على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه ﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبنَ السيئات﴾ إن الصلوات الخمس يذهبن الذنوب وفي الحديث إن الصلوات الخمس تكفر ما بينها من الذنوب أو الطاعات قال ﵇ أتبع السيئة الحسنة تمحها أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ﴿ذلك﴾ إشارة إلى فاستقم فما بعده أو القرآن ﴿ذكرى للذاكرين﴾ عظة للمتعظين نزلت في عمرو بن غزية الأنصاري بائع التمر قال لامرأة في البيت تمر أجود فدخلت فقبلها فندم فجاءه حاكياً باكياً فنزلت فقال ﵇ هل شهدت معنا العصر قال نعم قال هي كفارة لك فقيل أله خاصة قال بل للناس عامة

стр. 2242

وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) ﴿واصبر﴾ على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه فلا يتم شيء منه الابه ﴿فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ جاء بما هو مشتمل على جميع الأوامر والنواهي من قوله ﴿فاستقم﴾ إلى قوله ﴿واصبر﴾ وغير ذلك من الحسنات

стр. 2243

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ﴾ فهلا كان هو موضوع للتحضيض ومخصوص بالفعل ﴿أولوا بقية﴾ أولو فضل وخير وسمى الفضل والجودة بقية لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصار مثلاً في الجودة والفضل ويقال فلان من بقية القوم أي من خيارهم ومنه قولهم في

стр. 2244

الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِى الأرض﴾ عجب محمد ﷺ وأمته أن لم يكن في الأمم التي ذكر الله إهلاكهم في هذه السورة جماعة من أولىِ العقل والدين ينهون غيرهم عن الكفر والمعاصي ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ استثناء منقطع أي ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون لللنهى ومن في ممن أنجينا للبيان لا للتبعيض لأن النجاة للناهين وحدهم بدليل قوله أَنجَيْنَا الذين ينهون عن السوء واخذنا الذين ظلموا ﴿واتبع الذين ظَلَمُواْ﴾ أي التاركون للنهي عن المنكر وهو عطف على ممضمر أى إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا شهواتهم فهوعطف على نهو ﴿مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ﴾ أي أتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والترفه هود (١١٦ _ ١٢٣) من حب الرياسة والثروة وطلب أسباب العيش الهنيء ورفضوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونبذوه وراء ظهورهم ﴿وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ اعتراض وحكم عليهم بأنهم قوم مجرمون

стр. 2245

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧) ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى﴾ اللام لتأكيد النفي ﴿بِظُلْمٍ﴾ حال من الفاعل أي لا يصح أن يهلك الله القرى ظالماً لها ﴿وَأَهْلُهَا﴾ قوم ﴿مُصْلِحُونَ﴾ تنزيهًا لذاته عن الظلم وقيل الظلم الشرك أي لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون في المعاملات فيما بينهم لا يضمون إلى شركهم فساد آخر
следующие страницы →