Полный текст (7 814 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)
﴿وجاؤوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب ويعنه كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته روى أنهم ذبحوا سخلة ولطخواالقميص بدمها وزل عنهم أن يمزقوه ورُوي أن يعقوب ﵇ لم سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال اين القميص وأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال تالله
يوسف (١٨ _ ٢١)
ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه وقيل كان في قميص يوسف ثلاث آيات كان دليلاً ليعقوب على كذبهم وألقاه على وجهه فارتد بصيراً ودليلاً على براءة يوسف حين قد من دبره ومحل على قميصه النصب على الظرف كأنه قيل وجاءوا فوق قميصه بدم ﴿قَالَ﴾ يعقوب ﵇ ﴿بل سولت﴾ زينت أوسهلت ﴿لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ عظيماً ارتكبتموه ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خبر أو مبتدأ لكونه موصوفاً أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجمل وهو مالا شكوى فيه إلى الخلق ﴿والله المستعان﴾ أي استعينه ﴿على﴾ احتمال ﴿مَا تَصِفُونَ﴾ من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه
стр. 2277
وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)
﴿وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ﴾ رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة
стр. 2278
أيام من إلقاء يوسف فى الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران وكان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم اسمه مالك بن ذعر الخزاعي ﴿فأدلى دَلْوَهُ﴾ أرسل الدلو ليملأها فتشبت يوسف بالدلو فنزعوه ﴿قال يا بُشْرىً﴾ كوفي نادى البشرى كأنه يقول تعالى فهذا أوانك غيرهم بشراي على إضافتها لنفسه أو هو اسم غلامه فناداه مضافاً إلى نفسه ﴿هذا غُلاَمٌ﴾ قيل ذهب به فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ الضمير للوارد وأصحابه أخفوه من الرفقة أو لأخوة يوسف فإنهم قالوا للرفقة هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه ﴿بضاعة﴾ حال أي أخفوه متاعاً للتجارة والبضاعة ما بضع من المال للتجارة أي قطع ﴿والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ بما يعمل أخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع
стр. 2279
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)
﴿وَشَرَوْهُ﴾ وباعوه ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ مبخوس ناقص عن القيمة نقصاناً ظاهراً أو زيف ﴿دراهم﴾ بدل من ثمن ﴿مَّعْدُودَةً﴾ قليلة تعد عداً ولا توزن لأنهم كانوايعدون ما دون الأربعين ويزنون الأربعين وما فوقها وكان عشرين درهما ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ ممن يرغب عما في يده فيبيعه بالثمن الطفيف أو معنى وشروه واشتروه يعني الرفقة من إخوته وكانوا فيه من الزاهدين أي غير راغبين لأنهم اعتقدوا أنه آبق ويُروى أن إخوته اتبعوهم وقالوا استوثقوا منه لا يأبق ليس من صلة الزاهدين أى فغير راغبين لأن الصلة لا تتقدم على الموصول وإنما هو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا فقال زهدوا فيه
стр. 2280
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)
﴿وَقَالَ الذى اشتراه مِن مّصْرَ﴾ هو قطفير وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن الوليد وقد آمن
يوسف (٢١ _ ٢٣)
بيوسف ومات فى
стр. 2281
حياته واشتراه العزيز بزينته ورقاً وحريراً ومسكاً وهو ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة واستوزره ريان بن الوليد ابن ثلاثين سنة وآتاه الله الحكمة والعلم وهو ابن ثلاث وثلاثيتن سنة وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة ﴿لامرأته﴾ راعيل أو زليخا واللام متعلقة بقال لاباشتراه ﴿أكرمي مثواه﴾ اجعلى منزلته ومقامه عندنا كريماً أي حسنا مرضياً بدليل قوله ﴿إنه ربي أحسن مثواي﴾ وعن الضحاك بطيب معاشه ولين لباسه ووطىء فراشه ﴿عسى أَن يَنفَعَنَا﴾ لعله إذا تدرب وراض الأمور وفهم مجاريها نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله ﴿أو نتخذه ولدا﴾ أو نبتناه ونقيمه مقام الولد وكان قطفير عقيماً وقد تفرس فيه الرشد فقال ذلك ﴿وكذلك﴾ إشارة إلى ما تقدم من إنجائه وعطف قلب العزيز عليه والكاف منصوب تقديره ومثل ذلك الإنجاء والعطف ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ أي كما أنجيناه وعطَّفنا عليه العزيز كذلك مكنا له ﴿فِي الأرض﴾ أي أرض مصر وجعلناه ملكاً يتصرف فيها بأمره ونهيه ﴿وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث﴾ كان ذلك الإنجاء والتمكين ﴿والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ﴾ لا يمنع عما شاء أو على أمر يوسف بتبليغه ما أراد له دون ما أراد إخوته ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يعلمون﴾ ذلك
стр. 2282
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ منتهى استعداد قوته وهو ثمان عشرة سنة أو إحدى وعشرون ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ حكمة وهو العلم مع العمل واجتناب ما يجهل فيه أو تحكما بين الناس وفقهاً ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين﴾ تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره
стр. 2283
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)
﴿وَرَاوَدَتْهُ التى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ أي طلبت يوسف أن يواقعها والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب كأن المعنى خادعته عن
стр. 2284
نفسه أي فعلت فعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه وهى عبارة عن التمحل لمواقعته إياها ﴿وَغَلَّقَتِ الأبواب﴾ وكانت سبعة ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ هو اسم لتعال وأقبل وهو مبني على الفتح هيتُ مكي بناه على الضم هِيتَ مدني وشامي واللام للبيان كأنه قيل لك أقول هذا كما تقول هلم لك ﴿قَالَ مَعَاذَ الله﴾ أعوذ بالله معاذاً ﴿إنَّهُ﴾ أي إن الشأن والحديث ﴿رَبّي﴾ سيدي ومالكى يريد قطفير ﴿أحسن مثواي﴾
يوسف (٢٣ _ ٢٥)
حين قال لك اكرمى مثواى فما جزاؤه أن اخونه فى أهله ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ الخائنون أو الزناة أو أراد بقوله إنه ربي الله تعالى لأنه مسبب الأسباب
стр. 2285
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ هم عزم ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ هم الطباع مع الامتناع قاله الحسن وقال الشيخ أبو منصور ﵀ وهم بها هم خطرة ولا صنع للعبد فيمايخطر بالقلب ولا مؤاخذة عليه ولو كان همه كهمها لما مدحه الله تعالى بأنه من عباده المخلصين وقيل وهم بها وشارف أن يهم بها يقال هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه وجواب ﴿لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ﴾ محذوف أي لكان ماكان وقيل وهمّ بها جوابه ولا يصح لأن جواب لولا لا يتقدم عليها لأنه في حكم القسم وله صدر الكلام والبرهان الحجة ويجوز أن يكون وهم بها داخلاً في حكم القسم في قوله ولقد همت به ويجوز أن يكون خارجاً ومن حق القارىء إذا قدر خروجه من حكم القسم وجعله كلاماً برأسه أن يقف على به ويبتدىء بقوله وهم بها وفيه أيضاً إشعار بالفرق بين الهمين وفسرهم يوسف بأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهى مستلقية على فقاها وفسر
стр. 2286
البرهان بأنه سمع صوتاً إياك وإياها مرتين فسمع ثالثاً أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته وهو باطل ويدل على بطلانه قوله هى راودتنى عن نفسي ولو كان ذلك منه أيضاً لما برأ نفسه من ذلك وقوله كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ولو كان كذلك لم يكن السوء مصروفاً عنه وقوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ولو كان كذلك لخانه بالغيب وقوله مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ من سوء الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ولأنه لو وجد منا ذلك لذكرت توبته واستغفاره كما كان لآدم ونوح وذي النون وداود ﵈ وقد سماه الله مخلصاً فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام وجاهد نفسه مجاهدة أولي العزم ناظر في دلائل التحريم حتى استحق من الله الثناء ومحل الكاف في ﴿كذلك﴾ نصب أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو رفع أي الأمر مثل ذلك ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء﴾ خيانة السيد ﴿والفحشاء﴾ الزنا ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين﴾ بفتح اللام حيث كان مدني وكوفي أي الذين أخلصهم الله لطاعته وبكسرها غيرهم أي الذين أخلصوا دينهم لله ومعنى من عبادنا بعض عبادنا أى هو مخلص من جملة المخلصين
стр. 2287
وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)
﴿واستبقا الباب﴾ وتسابقا إلى الباب هي للطلب وهو للهرب على حذف الجار وإيصال الفعل كقوله واختار موسى قومه أو عل تضمين استبقا معنى ابتدرا نفر منها يوسف فأسرع يريد الباب ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج ووحد الباب وإن كان جمعه في قوله وغلقت الأبواب لأنه أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار ولما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج
стр. 2288
﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ اجتذبته من
يوسف (٢٥ _ ٢٩)
خلفه فانقد أي انشق حين هرب منها إلى الباب وتبعته تمنعه ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾ وصادفا بعلها قطفير مقبلاً يريد أن يدخل فلما رأته احتالت لتبرئة ساحتها عند زوجها من الريبة ولتخويف يوسف طمعاً في أن يواطئها خيفة منها ومن مكرها حيث ﴿قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ما نافيه أي ليس جزاؤه إلا السجن أو عذاب أليم وهو الضرب بالسياط ولم تصرح بذلك يوسف وأنه أراد بها سوءا لأنها قصدت العموم أي كل من أراد بأهلك سوءاً فحقه أن يسجن أو يعذب لأن ذلك أبلغ فيما قصدت من تخويف يوسف ولما عرضته للسجن والعذاب ووجب عليه الدفع عن نفسه
стр. 2289
قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦)
﴿قال هي راودتني عن نفسي﴾ ولولا ذلك لكتم عليها ولم يفضحها ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا﴾ هو ابن عم لها وإنما ألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها لتكون أوجب للحجة عليها وأوثق لبرءاة يوسف وقيل كان ابن خال لها وكان صبياً في المهد وسمي قوله شهادة لأنه أدى مؤدى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكاذبين﴾
стр. 2290
وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)
﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصادقين﴾ والتقدير وشهد شاهد فقال أن كان قميصه وانما دل قد قميصه من قبل على أنها صادقة لأنه يسرع خلفها ليلحقها فيعثر في مقادم قميصه فيشقه ولأنه يقبل عليها وهى تدفعه عن نفسها فيتخرق قميصه من قبل وأما تنكير قبل ودبر فمعناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر وإنما جمع
стр. 2291
بين إن التي للاستقبال وبين كان لأن المعنى أن يعلم أنه كان قميصه قد
стр. 2292
فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)
﴿فَلَماَّ رَأَى﴾ قطفير ﴿قَمِيصُهُ قد من دبر﴾ وعلم براءة يوسف ﵇ وصدقه وكذبها ﴿قَالَ إِنَّهُ﴾ إن قولك ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً أو إن هذا الأمر وهو الاحتيال لنيل الرجال ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ الخطاب لها ولأمتها ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ لأنهن ألطف كيداً وأعظم حيلة وبذلك يغلبن الرجال والقصريات منهن معهن ماليس مع غيرهن من البوائق وعن بعض العلماء إني أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان لأن الله تعالى قال إِنَّ كيد الشيطان كان ضعيفا وقال لهن إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
стр. 2293
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)
﴿يُوسُفَ﴾ حذف منه حرف النداء لأنه منادى قريب مفاطن للحديث وفيه تقريب له وتلطيف لمحله ﴿أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ الأمر واكتمه ولا تحدث به ثم قال لراعيل ﴿واستغفرى لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين﴾
من جملة القوم المتعمدين للذنب يقال خطىء إذا أذنب متعمداً وإنما قال بلفظ التذكير تغليبا للذكور على الإناث وكان العزيز رجلاً حليماً قليل الغيرة حيث اقتصر على هذا القول
стр. 2294
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ جماعة من النساء وكن خمساً امرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب والنسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثها غير حقيقي ولذا لم يقل قالت وفيه لغتان كسر النون وضمها ﴿في المدينة﴾ فى مصر ﴿امرأة العزيز﴾ يردن قطفير والعزيز الملك بلسان العرب ﴿تُرَاوِدُ فتاها﴾ غلامها يقال فتاي وفتاتي أي غلامي وجاريتي ﴿عَن نَّفْسِهِ﴾ لتنال شهوتها منه ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّا﴾ تمييز أي قد شغفها حبه يعنى حرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد والشغاف حجاب القلب أو جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب
стр. 2295
﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضلال مُّبِينٍ﴾ في خطأ وبعد عن طريق الصواب
стр. 2296
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)
﴿فلما سمعت﴾ راعيل ﴿بمكرهن﴾ باغتيابهن وقولهم امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعانى ومقتها وسما الاغتياب مكراً لأنه في خفية وحال غيبة كما يخفي الماكر مكره وقيل كانت استكتمتهن سرها فأفشينه عليها ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ دعتهن قيل دعت أربعين امراة منهم الخمس المذكورات ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ وهيأت افتعلت من العتاد ﴿لهن متكأ﴾ ما يتكئن عليه من نمارق قصدت بتلك الهيئة وهى قعودهن متكأت والسكاكين في أيديهن أن يدهشن عند رؤيته ويشغلن عن نفوسهن فتقع أيدهن على أيديهن فيقطعنها لأن المتكىء إذا بهت لشيء وقعت يده على يده ﴿وآتت كل واحدة منهن سكيناً﴾ وكانوا لا يأكلون في ذلك الزمان إلا بالسكاكين كفعل الأعاجم ﴿وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ﴾ بكسر التاء بصري وعاصم وحمزة وبضمها غيرهم ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائق والجمال الفائق وكان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء وكان إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران وكان يشبه آدم يوم خلقه ربه وقيل ورث الجمال من جدته سارة وقيل أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت إذ لا يقال النساء قد حضنه لأنه لا يتعدى إلى مفعول يقال أكبرت المراة إذا حاضت وحقيقته دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله ... خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت فى الخدور العواتق ...
يوسف (٣١ _ ٣٣)
﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ وجرحنها كما تقول كنت أقطع اللحم فقطعت يدي تريد جرحتها أي أردن أن يقطعن الطعام الذي في أيديهن فدهشن لما رأينه فخدشن أيديهن ﴿وَقُلْنَ حاش لِلَّهِ﴾ حاشا كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء تقول أساء القوم حاشا زيد وهي حرف من حروف الجر
стр. 2297
فوضعت موضع التنزيه والبراءة فمعنى حشا الله براءة الله وتنزيه الله وقراءة أبي عمرو وحاشا لله نحو قولك سقيا لك كأنه قال برءا ثم قال لله لبيان من يبرأ وينزه وغيره حاش لله بحذف الألف الأخيرة والمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله ﴿مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ نفين عنه البشرية لغرابة جماله واثتبن له الملكية وبتتن بها الحكم لما ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان
стр. 2298
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)
﴿قَالَتْ فذلكن الذى لُمْتُنَّنِى فِيهِ﴾ تقول هو ذلك العبد الكنعانى الذى صورتن فى أنفسكهن ثم لمتنني فيه تعني إنكن لم تصوّرنه حق صورته والا لعذرتنى فى الافتنان به ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم﴾ والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها وهذا بيان جلي على أن يوسف ﵇ بريء مما فسر به أولئك الفريق الهم والبرهان ثم قلن له أطع مولاتك فقالت راعيل ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ ما آمره﴾ الضمير راجع إلى ما وهي موصولة والمعنى ما آمر به فحذف االجار كما في قوله أمرتك الخير أو ما مصدرية والضمير يرجع إلى يوسف أي ولئن لم يفعل أمرى إياه أى موجب احري ومقتضاه ﴿ليسجنن﴾ ليحبسن والألف فى ﴿وليكون﴾ بدل من نون التأكيد الخفيفة ﴿مِنَ الصاغرين﴾ مع السراق والسفاك والأباق كما سرق قلبي وأبق مني وسفك دمي بالفراق فلا يهنأ ليوسف الطعام والشراب والنوم هنالك كما منعني هنا كل ذلك ومن لم يرض بمثلي في الحرير على السرير امير احصل في الحصير على الحصير حسيراً فلما سمع يوسف تهديدها
стр. 2299
قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)
﴿قَالَ رَبّ السجن أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إليه﴾ اسند الدعوة عليهن لأنهن قلن له ما عليك لو أجبت مولاتك أو افتتنت
стр. 2300
كل واحدة فدعته إلى نفسها سراً فالتجأ إلى ربه قال رب السجن أحب إلي من ركوب المعصية ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ﴾ فزع منه إلى الله في طلب العصمة ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أمل إليهن والصبوة الميل إلى الهوى ومنه الصبا لأن النفوس تصبوا اليها الطيب نسيمها وروحها ﴿وَأَكُن مّنَ الجاهلين﴾ من الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو ومن لم يعلم سواء أو من السفهاء
стр. 2301
فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)
فلما كان في قوله وإلا تصرف عني كيدهن معنى طلب الصرف
يوسف (٣٤ _ ٣٧)
والدعاء قال ﴿فاستجاب لَهُ رَبُّهُ﴾ أي أجاب الله دعاءه ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السميع﴾ لدعوات الملتجئين إليه ﴿العليم﴾ بحاله وحالهن
стр. 2302
ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ فاعله مضمر لدلالة ما يفسره عليه وهو ليسجننه والمعنى بدا لهم بداء أي ظهر لهم رأي والضمير في لهم للعزيز وأهله ﴿من بعد ما رأوا الآيات﴾ وهى الشواهد على برءاته كقد القميص وقطع الأيدي وشهادة الصبي وغير ذلك ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ لإبداء عذر الحال وإرخاء الستر على القيل والقال وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها وكان مطواعاً لها وحميلاً ذلولا زمامه فى يدها وقد طمعت أن يذلله السجن ويسخره لها أو خافت عليه العيون وظنت فيه الظنون فألجأها الخجل من الناس والوجل من الباس إلى أن رضيت بالحجاب مكان خوف الذهاب لتشتفي بخبره إذا منعت من نظره ﴿حتى حِينٍ﴾ إلى زمان كأنها اقترحت أن يسجن زماناً حتى تبصر ما يكون منه
стр. 2303
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانَ﴾ عبدان للملك خبازه وشرابيه بتهمة السم فأدخلا السجن ساعة أدخل يوسف لأن مع يدل على معنى الصحبة تقول خرجت مع الأمير تريد مصاحباً له فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ أي شرابيه ﴿إِنّى أَرَانِى﴾ أي في المنام
стр. 2304
وهي حكاية حال ماضية ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي عنباً تسمية للعنب بما يؤول إليه أو الخمر بلغته عمان اسم للعنب ﴿وَقَالَ الآخر﴾ أي خبازه ﴿إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطير مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ بتأويل ما رأيناه ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين﴾ من الذين يحسنون عبارة الرؤيا أو من المحسنين إلى أهل السجن فإنك تداوى المريض وتعزى الحزين وتسوع على الفقير فأحسن الينا بتأويل ما رأيناه وقيل أنهما تحالماله يمتحناه فقال الشرابي إني رأيت كأني في بستان فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فقطفتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته وقال الخباز إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة فإذا سباع الطير تنهش منها
стр. 2305
قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)
﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي لبيان ماهيته وكيفيته لأن ذلك يشبه تفسير المشكل ﴿قبل أن يأتيكما﴾ لما استعبراه ووصفاه بالإحسان افترض ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالغيب وأنه ينبئهما بما يحمل اليهما من الطعام فى
يوسف (٣٧ _ ٤٠)
السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما ويقول اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت فيكون كذلك وجعل ذلك تخلصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما ويقبح إليهما الشرك وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده وغرضه أن يقتبس منه لم يكن من باب التزكية ﴿ذلكما﴾ إشارة لهما إلى التأويل أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات ﴿مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى﴾ وأوحى به إلي ولم أقله عن تكهن وتنجم ﴿إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالأخرة هُمْ كافرون﴾ يجوز أن يكون
стр. 2306
كلاماً مبتدأ وأن يكون تعليلاً لما قبله أي علمني ذلك وأوحى به إلي لأني رفضت ملة أولئك وهم أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم
стр. 2307
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)
﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾ وهى الملة الحنيفية وتكريرهم للتوكيد وذكر الآباء ليريهما أنه من بيت النبوة بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوي رغبتهما في اتباع قوله والمراد به ترك الابتداء لا أنه كان فيه ثم تركه ﴿ما كان لنا﴾ ماصح لنا معشر الأنبياء ﴿أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَىْء﴾ أي شيء كان صنماً أو غيره ثم قال ﴿ذلك﴾ التوحيد ﴿مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ فضل الله فيشركون به ولا ينتهون
стр. 2308
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)
﴿يا صاحبي السجن﴾ يا ساكني السجن كقوله ﴿أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ ﴿أأرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار﴾ يريد التفرق فى العدد والتكاثر أى أأن تكون أرباب شتى يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا خير لكما أم يكون لكما رب واحد قهار لا يغالب ولا يشارك في الربوبية وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده ولعبادة الأصنام
стр. 2309
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)
﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ خطاب لهما ولمن كان على دينهما من أهل مصر ﴿مِن دُونِهِ﴾ من دون الله ﴿إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾ أى سميتم مالا يستحق الألوهية آلهة ثم طفقتم تعبدونها فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء لا مسميات لها ومعنى سميتموها سميتم بها يقال سميته زيدا
стр. 2310
أو سميته بزيد ﴿مَّا أَنزَلَ الله بِهَا﴾ بتسميتها ﴿مّن سلطان﴾ حجة ﴿إِنِ الحكم﴾ في أمر العبادة والدين ﴿إلاَ لِلَّهِ﴾ ثم بين ما حكم به فقال ﴿أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذلك الدين القيم﴾
الثابت الذي دلت عليه البراهين ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ وهذا يدل على أن العقوبة تلزم العبد وإن جهل إذا أمكن له العلم بطريقه
стр. 2311
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)
ثم عبر الرؤيا فقال ﴿يا صاحبي السجن أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ يريد الشرابي ﴿فَيَسْقِى رَبَّهُ﴾ سيده ﴿خَمْرًا﴾ أي يعود إلى عمله ﴿وَأَمَّا الآخر﴾ أي الخباز ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ﴾ روي أنه قال للأول ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه وقال للثاني ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتقتل ولما سمع الخباز صلبه قال ما رأيت شيئاً فقال يوسف ﴿قُضِىَ الأمر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي قطع وتم ما تستفتيان فيه من أمركما وشأنكما أي ما يجر إليه من العاقبة وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر
стр. 2312
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)
﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا﴾ الظان هو يوسف ﵇ إن كان تأويله بطريق الاجتهاد وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي أو يكون الظن بمعنى اليقين ﴿اذكرني عند ربك﴾ صفنى عند المك بصفتي وقص عليه قصتي لعله يرحمني ويخلصني من هذه الورطة ﴿فَأَنْسَاهُ الشيطان﴾ فأنسى الشرابي ﴿ذِكْرَ رَبّهِ﴾ أن يذكره لربه أو عند ربه أو فأنسى يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره وفي الحديث رحم الله
стр. 2313
أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعاً ﴿فَلَبِثَ فِى السجن بِضْعَ سِنِينَ﴾ أي سبعاً عند الجمهور والبضع ما بين الثلاث إلى التسع
стр. 2314
وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)
﴿وَقَالَ الملك إِنّى أرى سَبْعَ بقرات سِمَانٍ يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات﴾ لما دنا فرج يوسف رأى الملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هالته رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فاستعبرها فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها وقيل كان ابتداء بلاء يوسف في الرؤيا ثم كان سبب نجاته أيضاً الرؤيا سمان جمع سمين وسمينة والعجاف المهازيل والعجف الهزال الذى ليس بعده سمانه والسبب
يوسف (٤٣ _ ٤٦)
في وقوع عجاف جمعاً لعجفاء وأفعل وفعلاء لا يجمعان على فعال حمله على نقيضه وهو سمان ومن دأبهم حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض وفي الآية دلالة على أن سنبلات اليابسة كانت سبعاً كالخضر لأن الكلام مبني على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان والعجاف والنسابل الخضر فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع ويكون قوله وآخر يابسات بمعنى وسبعاً أخر ﴿يا أيها الملأ﴾ كأنه أراد الأعيان من العلماء والحكماء ﴿أَفْتُونِى فِى رؤياى إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ اللام في للرؤيا للبيان كقوله وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين أو لأن المفعول به إذا تقدم على الفعل لم يكن في قوته على العمل فيه مثله إذا تأخر عنه فعضد بها تقول عبرت الرؤيا وللرؤيا عبرت أو يكون للرؤيا خبر كان كقولك كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلاً به متمكنا منه وتعبرون خبر آخر
стр. 2315
أو حال وحقيقة عبرت الرؤيا ذكرت عاقبتها وآخر أمرها كما تقول عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه وهو عبره ونحوه أولت الرؤيا إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها وعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الأثبات ورأيتهم ينكرون عبرت بالتشديد والتعبير والمعبر
следующие страницы →