Полный текст (7 814 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)
ثم عبر الرؤيا فقال ﴿يا صاحبي السجن أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ يريد الشرابي ﴿فَيَسْقِى رَبَّهُ﴾ سيده ﴿خَمْرًا﴾ أي يعود إلى عمله ﴿وَأَمَّا الآخر﴾ أي الخباز ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ﴾ روي أنه قال للأول ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه وقال للثاني ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتقتل ولما سمع الخباز صلبه قال ما رأيت شيئاً فقال يوسف ﴿قُضِىَ الأمر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي قطع وتم ما تستفتيان فيه من أمركما وشأنكما أي ما يجر إليه من العاقبة وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر
стр. 2312
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)
﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا﴾ الظان هو يوسف ﵇ إن كان تأويله بطريق الاجتهاد وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي أو يكون الظن بمعنى اليقين ﴿اذكرني عند ربك﴾ صفنى عند المك بصفتي وقص عليه قصتي لعله يرحمني ويخلصني من هذه الورطة ﴿فَأَنْسَاهُ الشيطان﴾ فأنسى الشرابي ﴿ذِكْرَ رَبّهِ﴾ أن يذكره لربه أو عند ربه أو فأنسى يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره وفي الحديث رحم الله
стр. 2313
أخي يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعاً ﴿فَلَبِثَ فِى السجن بِضْعَ سِنِينَ﴾ أي سبعاً عند الجمهور والبضع ما بين الثلاث إلى التسع
стр. 2314
وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)
﴿وَقَالَ الملك إِنّى أرى سَبْعَ بقرات سِمَانٍ يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات﴾ لما دنا فرج يوسف رأى الملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هالته رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فاستعبرها فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها وقيل كان ابتداء بلاء يوسف في الرؤيا ثم كان سبب نجاته أيضاً الرؤيا سمان جمع سمين وسمينة والعجاف المهازيل والعجف الهزال الذى ليس بعده سمانه والسبب
يوسف (٤٣ _ ٤٦)
في وقوع عجاف جمعاً لعجفاء وأفعل وفعلاء لا يجمعان على فعال حمله على نقيضه وهو سمان ومن دأبهم حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض وفي الآية دلالة على أن سنبلات اليابسة كانت سبعاً كالخضر لأن الكلام مبني على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان والعجاف والنسابل الخضر فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع ويكون قوله وآخر يابسات بمعنى وسبعاً أخر ﴿يا أيها الملأ﴾ كأنه أراد الأعيان من العلماء والحكماء ﴿أَفْتُونِى فِى رؤياى إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ اللام في للرؤيا للبيان كقوله وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين أو لأن المفعول به إذا تقدم على الفعل لم يكن في قوته على العمل فيه مثله إذا تأخر عنه فعضد بها تقول عبرت الرؤيا وللرؤيا عبرت أو يكون للرؤيا خبر كان كقولك كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلاً به متمكنا منه وتعبرون خبر آخر
стр. 2315
أو حال وحقيقة عبرت الرؤيا ذكرت عاقبتها وآخر أمرها كما تقول عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه وهو عبره ونحوه أولت الرؤيا إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها وعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الأثبات ورأيتهم ينكرون عبرت بالتشديد والتعبير والمعبر
стр. 2316
قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)
﴿قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ﴾ أي هي أضغاث أحلام أى تخاليطها وأباطيها وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات وحزم من أنواع الحشيش الواحد ضغث فاستعيرت لذلك والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام وإنما جمع وهو حلم واحد تزايداً في وصف الحلم بالبطلان وجاز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا رؤيا غيرها ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بعالمين﴾ أرادوا بالأحلام المنامات الباطلة فقالوا ليس لها عندنا تأويل إنما التأويل للمنامات الصحيحة أو اعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بخابرين
стр. 2317
وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)
﴿وَقَالَ الذى نَجَا﴾ من القتل ﴿مِنْهُمَا﴾ من صاحبى السجن ﴿وادكر﴾ بالدال هو الفصح وأصله اذتكر فأبدلت الذال دالاً والتاء دالاً وأدغمت الاولى فى الثانية لتقارب الحرفين وعن الحسن واذكر ووجه أنه قلب التاء ذالاً وأدغم أي تذكر يوسف وماشاهد منه ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بعد مدة طويلة وذلك أنه حين استفتى الملك في رؤياه وأعضل على الملك تأويله تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه وطلبه إليه أن يذكره عند المك ﴿أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أنا أخبركم به عمن عنده علمه ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ وبالياء يعقوب أي فابعثوني إليه لأسأله فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال
стр. 2318
يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق﴾ أيها البليغ في الصدق وإنما قال له ذلك لأنه ذاق وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاءكما
يوسف (٤٦ _ ٥٠)
أوَّل
стр. 2319
﴿أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس﴾ إلى الملك وأتباعه ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فضلك ومكانك من العلم فيطلبوك ويخلصوك من محنتك
стр. 2320
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ﴾ هو خبر في معنى الأمر كقوله تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر وتجاهدون دليله قوله فذروه في سنبله وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في وجود المأمور به فيجعل كأنه موجود فهو يخبر عنه ﴿دأبا﴾ يسكون الهمزة وحفص يحركه وهما مصدرا دأب في العمل وهو حال من المأمورين أي دائبين ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ﴾ فِى سُنبُلِهِ كي لا يأكله السوس ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ في تلك السنين
стр. 2321
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)
﴿ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ يأكلن﴾ هو من إسناد المجاز جعل اكل أهلهن مسنداً إليهن ﴿مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي في السنين المخصبة ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ يحرزون وتخبئون
стр. 2322
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)
﴿ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ﴾ أي من بعد أربع عشرة سنة عام ﴿فِيهِ يُغَاثُ الناس﴾ من الغوث أي يجاب مستغيثهم أو من الغيث أى يمطرون يقال غثيت البلاد إذا مطرت ﴿وفيه يعصرون﴾ العنب الزيتون والسمسم فيتخذون الأشربة والأدهان تعصرون حمزة فأول البقرات السمان
стр. 2323
والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء مباركا كثيرا لخير غزير النعم وذلك من جهة الوحي
стр. 2324
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)
﴿وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرسول﴾ ليخرجه من السجن ﴿قَالَ ارجع إلى رَبّكَ﴾ أي الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة﴾ أي حال النسوة ﴿اللاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ إنما تثبت يوسف وتأنى في إجابة الملك وقدم سؤال النسوة ليظهر برءاة ساحته عما رمي به وسجن فيه لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده ويجعلوه سلماً إلى حط منزلته لديه ولئلا يقولوا ما خلد في السجن سبع سنين إلا لأمر عظيم وجرم كبير وفيه دليل على أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها وقال ﵇ لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو
يوسف (٥٠ _ ٥٣)
كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرت الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليماً ذا أناة ومن كرمه وحسن أدبه أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به وتسببت فيه من السجن والعذاب واقتصر على ذكر المقطعات أيديهن ﴿إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ أي إن كيدهن عظيم لا يعلمه إلا الله وهو مجازيهن عليه فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته فدعا الملك النسوة المقطعات أيديهن ودعا امرأة العزير ثم
стр. 2325
قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)
﴿قَالَ﴾ لهن ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ ما شأنكن ﴿إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ هل وجدتن منه ميلاً إليكن ﴿قُلْنَ
стр. 2326
حَاشَ للَّهِ﴾ تعجبا من قدرته على خلق عفيف مثله ﴿مَا عَلِمْنَا عليه من سوء﴾ من ذنب ﴿قالت امرأة العزيز الآن حَصْحَصَ الحق﴾ ظهر واستقر ﴿أَنَاْ راودته عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين﴾ في قوله هي روادتنى عن نفسى ولا مزيد على شهادتهن له للبرءاة والنزاهة واعترافهن على انفسهن بانه لم يتعلق بشيء مما قذف به ثم رجع الرسول إلى يوسف وأخبره بكلام النسوة وإقرار امرأة العزيز وشهادتها على نفسها
стр. 2327
ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)
فقال يوسف ﴿ذلك﴾ أي امتناعي من الخروج والتثبت لظهور البرءاة ﴿ليعلم﴾ العزيز ﴿أني لم أخنه بالغيب﴾ بظهور الغيب فى حرمته وبالغيب حال ٨ من الفاعل أو المفعول على معنى وأنا غائب عنه أو وهو غائب عني أو ليعلم الملك أني لم أخن العزيز ﴿وَأَنَّ الله﴾ أي وليعلم أن الله ﴿لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين﴾ لا يسدده وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها
стр. 2328
وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)
ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه لئلا يكون لها مزكياً وليبين أن ما فيه من الأمانة بتوفيق الله وعصمته فقال ﴿وما أبرئ نَفْسِى﴾ من الزلل وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها في عموم الأحوال أو في هذه الحادثة لما ذكرنا من الهم الذى هو الخطرة البشرية لاعن طريق القصد والعزم ﴿إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء﴾ أراد الجنس أي إن هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه لما فيه من الشهوات ﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى﴾ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة ويجوز أن يكون ما رحم في معنى الزمان أي إلا وقت رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت العصمة أو هو استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة وقيل هو من كلام امرأة العزيز أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصدق فيما سئلت عنه وما أبرئ
стр. 2329
نفسي مع ذلك من الخيانة فإني قد خنته حين قذفته وقلت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن
يوسف (٥٣ _ ٥٦)
وأودعته السجن تريد الاعتذار مما كان منها إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى إلا نفسا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف ﴿إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت وإنما جعل من كلام يوسف ولا دليل عليه ظاهر لأن المعنى يقود إليه وقيل هذا من تقديم القرآن وتأخيره أي قوله ذلك ليعلم متصل بقوله فأسأله مابال النسوة اللاتي قطعن أيديهن
стр. 2330
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)
﴿وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى﴾ أجعله خالصا لنفسى ﴿فلما كلمه﴾ وشاهد منه مالم يحتسب ﴿قَالَ﴾ الملك ليوسف ﴿إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ﴾ ذو مكانة ومنزلة أمين مؤتمن على كل شيء روي أن الرسول جاءه ومعه سبعون حاجباً وسبعون مركباً وبعث إليه لباس الملوك فقال أجب الملك فخرج من السجن ودعا لأهله اللهم عطّف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار فهم أعلم الناس بالأخبار في الواقعات وكتب على باب السجن هذه منازل البلواء وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثيابا جدد فلما دخل على الملك قال اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم سلم عليه ودعاله بالعبرانية فقال ماهذا اللسان قال لسان آبائي وكان الملك يتكلم بسبيعن لساناً فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه وقال أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك قال رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن ومكان خروجهن ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك وقال له من حقك أن تجمع الطعام
стр. 2331
في الأهراء فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك قال الملك ومن لي بهذا ومن يجمعه
стр. 2332
قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)
﴿قال! يوسف ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ ولى على خزائن أرضك يعني مصر ﴿إِنّى حَفِيظٌ﴾ أمين أحفظ ما تستحفظنيه ﴿عَلِيمٌ﴾ عالم بوجوه التصرف وصف نفسه بالأمانة والكفاية وهما طلبة الملوك ممن يولونه وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله وإقامة الحق وبسط العدل والتمكن مما لأجله بعث الأنبياء إلى العباد ولعلمه أن أحداً غيره لا يقوم مقامه في ذلك فطلبه ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا وفي الحديث رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة قالوا وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عمالة من يد سلطان جائر وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به وقيل كان الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كل ما رأى وكان في حكم التابع له
стр. 2333
وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)
﴿وكذلك﴾ ومثل ذلك التمكين الظاهر ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ في الأرض﴾ أرض مصر وكانت أربعين فرسخاً في أربعين والتمكين الإقدار وإعطاء المكنة ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء﴾ أي كل مكان أراد أن يتخذه منزلاً لم يمنع منه لاستيلائه على جميعها ودخولها تحت سلطانه نشاء مكي ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾
بعطائنا في الدنيا من الملك والغني وغيرهما من النعم ﴿من نشاء﴾ من اقتضيت الحكمة أن نشاء له ذلك ﴿وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ في الدنيا
стр. 2334
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)
﴿ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا﴾ يريد يوسف وغيره من المؤمنين إلى يوم القيامة ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ الشرك والفواحش قال سفيان بن عيينة المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة والفاجر يعجل له الخير في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق وتلا الآية روي أن الملك توج يوسف وختمه بخاتمه ورداه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللا بالدر والياقوت فقال اما السرير فأشدبه ملكك وأما الخاتم فأدبر به أمرك وأما التاج فليس من لبساى ولا لباس آبائي فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوض الملك إليه أمره وعزل قطفير ثم مات بعد فزوجه الملك امرأته فلما دخل عليها قال أليس هذا خيراً مما طلبت فوجدها عذراء فولدت له ولدين أفراثيم وميشا وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر فى سنين القحط الطعام بالدراهم والدنانير في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها ثم بالحلي والجواهر في الثانية ثم بالدواب في الثالثة ثم بالعبيد والإماء في الرابعة ثم بالدور والعقار في الخامسة ثم بأولادهم في السادسة ثم برقابهم في السابعة حتى استرقهم جميعاً ثم أعتق أهل مصر عن آخرهم ورد عليهم أملاكهم وكان لا يبيع لأحد من الممتارين أكثر من حمل بعير وأصاب أرض كنعان نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا وذلك قوله
стр. 2335
وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)
﴿وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ﴾ بلا تعريف ﴿وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ لتبدل الزي ولأنه كان من وراء الحجاب ولطول المدة وهو اربعون سنة روى أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم أخبروني من أنتم وما شأنكم قالوا نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد فجئنا
стр. 2336
نمتار فقال لعلكم جئتم عيوناً تنظرون عورة بلادي فقالوا معاذ الله نحن بنو نبي حزين لفقد ابن كان أحبنا إليه وقد أمسك أخاً له من أمه يستأنس به فقال ائتوني به إن صدقتم
стр. 2337
وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)
﴿ولما جهزهم بجهازهم﴾ اعطى كل واحد منهم حمل بعير وقرئ بكسر الجيم شاذا ﴿قال ائتونى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى الكيل﴾ أتمه ﴿وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين﴾ كان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم رغبهم بهذا الكلام على الرجوع إليه
стр. 2338
فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)
﴿فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عِندِى﴾ فلا أبيعكم طعاماً ﴿وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾ أي فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا فهو داخل في حكم الجزاء مجزوم معطوف على محل قوله فلا كيل لكم أو هو بمعنى النهي
стр. 2339
قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١)
﴿قَالُواْ سنراود عَنْهُ أَبَاهُ﴾ سنخادعه عنه ونحتال حتى
يوسف (٦١ _ ٦٥)
تنزعه من يده ﴿وَإِنَّا لفاعلون﴾ ذلك لا محالة لا نفرط فيه ولا نتوانى قال فدعوا بعضكم هنا فتركوا عنده شمعون وكان أحسنهم رأياً في يوسف
стр. 2340
وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ كوفي غير أبي بكر لفتيته غيرهم وهما جمع فتى كإخوة وإخوان في أخ وفعلة للقلة وفعلان للكثرة أي لغلمانه الكيالين ﴿اجعلوا بضاعتهم فِى رِحَالِهِمْ﴾ أوعيتهم وكانت نعالاً أو أدما أو ورقا وهو أليق بالدس في الرحال ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ يعرفون حق ردها وحق التكرم بإعطاء البدلين ﴿إِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ﴾ وفرغوا ظروفهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا أو ربما لا يجدون بضاعة بها يرجعون أو ما فيهم من الديانة يعيدهم لرد الأمانة أو لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمناً
стр. 2341
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)
﴿فَلَمَّا رَجِعُوا إلى أَبِيهِمْ﴾ بالطعام وأخبروه بما فعل ﴿قالوا يا أبانا مُنِعَ مِنَّا
стр. 2342
الكيل﴾ يريدون قول يوسف فإن لم تأتون به فلا كيل لكم عندي لأنهم إذا أنذروا بمنع الكيل فقد منع الكيل ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ نرفع المانع من الكيل ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه يكتل حمزة وعلي أي يكتل أخوناً فينضم اكتياله إلى اكتيالنا ﴿وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ عن أن يناله مكروه
стр. 2343
قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)
﴿قَالَ هَلْ امَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ يعني أنكم قلتم فى يوسف أرسله معنا غذا يرتع ويلعب وأنا له لحافظون كما تقولونه في أخيه ثم خنتم بضمانكم فما يأمنني من مثل ذلك ثم قال ﴿فالله خَيْرٌ حافظا﴾ كوفي غير أبي بكر فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم وهو حال أو تمييز ومن قرأ حِفظا فهو تمييز لا غير ﴿وهو أرحم الراحمين﴾ فأرجو أن ينعم عليّ بحفظه ولا يجمع عليّ مصيبتين قال كعب لما قال فالله خير حفظاً قال الله تعالى وعزتي وجلالي لأردن عليك كليهما
стр. 2344
وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)
﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ متاعهم وَجَدُواْ بضاعتهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالوا يا أبانا مَا نَبْغِى﴾ ما للنفي أي ما نبغي فى القول ولا نتجاوز الحق أو ما نبغي شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان أو ما نريد منك بضاعة أخرى أو للاستفهام أيْ أيّ شيء نطلب وراء هذا ﴿هذه بضاعتنا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ جملة مستأنفة موضحة لقوله ما نبغي والجمل بعدها معطوفة عليها أي أن بضاعتنا ردت إلينا فنستظهر بها ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ في رجوعنا إلى الملك أي نجلب لهم ميرة وهي طعام يحمل من غير بلدك ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ في ذهابنا ومجيئنا فما يصيبه شيء مما تخافه ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ نزداد وسق
стр. 2345
بعير
يوسف (٦٥ _ ٦٨)
باستصحاب أخينا ﴿ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ سهل عليه متيسر لا يتعاظمه
стр. 2346
قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حتى تُؤْتُونِ﴾ وبالياء مكي ﴿مَوْثِقًا﴾ عهداً ﴿مِنَ الله﴾ والمعنى حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله أي أراد أن يحلفوا له بالله وإنما جعل الحلف بالله موثقاً منه لأن الحلف به مما يؤكد به العهود وقد أذن الله في ذلك فهو إذن منه ﴿لَتَأْتُنَّنِى بِهِ﴾ جواب اليمين لأن المعنى حتى تحلفوا لتأتنني به ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلا أن تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به فهو مفعول له والكلام المثبت وهو قوله ﴿لتأتنني به﴾ فى تأويل النفى فلا بد من تأويله بالنفى أى لا تمتنعوا من الاتيان إلا للاحاطة بكم يعنى لاتمنعوا منه لعلة من العلل إلا لعلة واحدة وهي أن يحاط بكم فهو استثناء من أعم العام في المفعول له والاستثناء من أعم العام لا يكون لا في النفي فلا بد من تأويله بالنفي ﴿فلما آتوه مَوْثِقَهُمْ﴾ قيل حلفوا بالله رب محمد ﵇ ﴿قَالَ﴾ بعضهم يسكت عليه لأن المعنى قال يعقوب ﴿الله على مَا نَقُولُ﴾ من طلب الموثق وإعطائه ﴿وَكِيلٌ﴾ رقيب مطلع غير أن السكتة تفصل بين القول والمقول وذا لا يجوز فالأولى أن يفرق بينهما بالصوت فيقصد بقوة النغمة اسم الله
стр. 2347
وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)
﴿وَقَالَ يا بَنِى لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ﴾ الجمهور على أنه خاف عليهم العين لحمالهم وجلالة أمرهم ولم يأمرهم بالتفرق في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين في الكرة الأولى فالعين حق عندنا ووجه بأن يحدث الله تعالى عند النظر إلى الشيء والاعجاب به نقصانا فيه وخللا وكان النبى ﷺ يعوذ الحسن والحسين رضى الله عنهما فيقول أعيذكما بكلمات الله التامة من كل هامة ومن كل عين لامة وأنكر الجبائي العين وهو
стр. 2348
مردود بما ذكرنا وقيل إنه أحب أن لا يفطن بهم أعداؤهم فيحتالوا لإهلاكهم ﴿وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء﴾ أي إن كان الله أراد بكم سوءاً لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق وهو مصيبكم لا محالة ﴿إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾ التوكل تفويض الأمر إلى الله تعالى والاعتماد عليه
стр. 2349
وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)
﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم﴾ أي متفرقين ﴿مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ﴾ دخولهم من أبواب متفرقة ﴿مّنَ الله مِن شَىْء﴾ أي شيئا قط حيث أصابهم ماساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله وتضاعف المصيبة على أبيهم ﴿إلا حاجة﴾
يوسف (٦٨ _ ٧٣)
استثناء منقطع أي ولكن حاجة ﴿فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ وهي شفقته عليهم ﴿وَإِنَّهُ لَذُو علم﴾ يعنى قوله ما اعنى عنكم وعلمه بأن القدر لا يغني عنه الحذر ﴿لّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ لتعليمنا إياه ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك
стр. 2350
وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)
﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ اوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ ضم إليه بنيامين وروي أنهم قالوا له هذا أخونا قد جئناك به فقال لهم أحسنتم فأنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين وحده فبكى وقال لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه فقال يوسف بقي أخوكم وحيداً فأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله وقال له أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك قال ومن يجد أخا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف وعانقه ثم ﴿قَالَ﴾ له ﴿إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ﴾
следующие страницы →