← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

إليهم نظر رحمة

стр. 282

وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) ﴿وإلهكم إله واحد﴾ فرد في ألوهيته لا شريك له فيها ولا يصح أن يسمى غيره إلها ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ تقرير للوحدانية بنفى غيره وإثباته وموضع هو رفع لأنه بدل من موضع لا إله ولا يجوز النصب هنا لأن البدل يدل على أن الاعتماد على الثاني والمعنى في الآية على ذلك والنصب يدل على أن الاعتماد على الأول ورفع ﴿الرحمن الرّحيم﴾ أي المولى لجميع النعم أصولها وفروعها ولا شيء سواه بهذه الصفة فما سواه إما نعمة وإما منعم عليه ورفع على أنه خبر مبتدأ أو على البدل من هولا على الوصف لأن المضمر لا يوصف

стр. 283

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) ولما عجب المشركون من إله واحد وطلبوا آية على ذلك نزل ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ في اللون والطول والقصر وتعاقبهما فى الذهاب والمجئ ﴿والفلك التى تَجْرِى فِى البحر بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ بالذي ينفعهم مما يحمل فيها أو بنفع الناس ومن في ﴿وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء﴾ لابتداء الغاية وفى ﴿من ماء﴾ مطر ومن لبيان الجنس لأن ما ينزل من السماء مطر وغيره ثم عطف على أنزل ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾ بالماء ﴿الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها ثم عطف على فأحيا ﴿وَبَثَّ﴾ وفرق ﴿فِيهَا﴾ في الأرض ﴿مِن كُلِّ دَابَّةٍ﴾ هي كل ما يدب ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ الريح حمزة وعلي أي وتقليبها في مهابها قبولاً ودبوراً وجنوباً وشمالاً وفي أحوالها حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقماً ولواقح وقيل تارة بالرحمة وطوراً بالعذاب ﴿والسحاب المسخر﴾ المذلل المنقاد لمشيئة الله تعالى فيمطر حيث شاء ﴿بَيْنَ السماء والأرض﴾ في الهواء ﴿لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ينظرون بعيون عقولهم

стр. 284

ويعتبرون فيستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها وحكمة مبدعها ووحدانية منشئها وفي الحديث ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها

стр. 285

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) ﴿ومن النّاس﴾ أي ومع هذا البرهان النير من الناس ﴿مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا﴾ أمثالاً من الأصنام ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب ﴿كَحُبّ الله﴾ كتعظيم الله والخضوع له أي يحبون الأصنام كما يحبون الله يعني يسوون بينهم وبينه في محبتهم لأنهم كانوا يقرون بالله ويتقربون إليه وقيل يحبونهم كحب المؤمنين الله ﴿والذين آمنوا أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ﴾ من المشركين لآلهتهم لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره بحال والمشركون يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد البقرة (١٦٥ _ ١٦٨) فيفزعون إليه ويخضعون له ﴿وَلَوْ يَرَى﴾ ترى نافع وشامي على خطاب الرسول أو كل مخاطب أي ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ إشارة إلى متخذي الأنداد ﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾ يرون شامي ﴿العذاب أَنَّ القوة لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ حال ﴿وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب﴾ شديد عذابه أي ولو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة كلها لله تعالى على كل شيء من الثواب والعقاب دون أندادهم ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة لكان منهم مالا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة فحذف الجواب لأن لو إذا جاء فيما يشوق إليه أو يخوف منه قلما يوصل بجواب ليذهب القلب فيه كل مذهب ولو يليها الماضى وكذا إذ وضعها لتدل على الماضى إنما دخلتا على المستقبل هنا لأن إخبار الله تعالى عن المستقبل باعتبار صدقه كالماضي

стр. 286

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) ﴿إِذْ تَبَرَّأَ﴾ مدغمة الذال في التاء حيث وقعت عراقي غير عاصم

стр. 287

وهو بدل من إذ يرون العذاب ﴿الذين اتبعوا﴾ أي المتبعون وهم لرؤساء ﴿مِنَ الذين اتبعوا﴾ من الأتباع ﴿وَرَأَوُاْ العذاب﴾ الواو فيه للحال أى تبرءوا في حال رؤيتهم العذاب ﴿وَتَقَطَّعَتْ﴾ عطف على تبرأ ﴿بِهِمُ الأسباب﴾ الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد ون الأنساب والمحاب

стр. 288

وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) ﴿وَقَالَ الذين اتبعوا﴾ أي الاتباع ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ رجعة إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ﴾ نصب على جواب التمني لأن لو في معنى التمنى ولمعنى ليت لنا كرة فنتبرأ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا الآن ﴿كذلك﴾ مثل ذلك الإراء الفظيع ﴿يُرِيهِمُ الله أعمالهم﴾ أي عبادتهم الأوثان ﴿حسرات عليهم﴾ ندامات وهى مفعول ثالث ليريهم ومعناه أن اعمالهم تقلب عليهم حسرات فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم ﴿وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار﴾ بل هم فيها دائمون ونزل فيمن حرموا على أنفسهم البحائر ونحوها

стр. 289

يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) ﴿يا أيها الناس كُلُواْ﴾ أمر إباحة ﴿مِمَّا فِى الأرض﴾ من للتبعيض لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول ﴿حلالا﴾ مفعول كلوا أو حال مما في الأرض ﴿طَيِّباً﴾ طاهراً من كل شبهة ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان﴾ طرقه التي يدعوكم إليها بسكون الطاء أبو عمرو غير عباس ونافع وحمزة وأبو بكر والخطوة في الأصل ما بين قدمي الخاطي يقال اتبع خطواته إذا افتدى به واسن بسنته ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ظاهر العداوة لاخفاء به البقرة (١٦٩ _ ١٧٢) وأبان متعدٍ ولازم ولا يناقض هذه الآية قوله تعالى ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾ أى الشيطان لأنه عدوا للناس

стр. 290

حقيقة ووليهم ظاهراً فإنه يريهم في الظاهر الموالاة ويزين لهم أعمالهم ويريد بذلك هلاكهم في الباطن

стр. 291

إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩) ﴿إنما يأمركم﴾ بيان لوجوب لوجوب الانتهاء عن اتباعه وظهور عداوته أي لا يأمركم بخير قط إنما يأمركم ﴿بالسوء﴾ بالقبيح ﴿والفحشاء﴾ وما يتجاوز الحد في القبح من العظائم وقيل السوء مالا حد فيه والفحشاء ما فيه حد ﴿وَأَن تَقُولُواْ﴾ في موضع الجر بالعطف على بالسوء أي وبأن تقولوا ﴿عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ هو قولكم هذا حلال وهذا حرام بغير علم ويدخل فيه كل ما يضاف إلى الله تعالى مما لا يجوز عليه

стр. 292

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله﴾ الضمير للناس وعدل بالخطاب عنهم على طريق الالتفات قيل هم المشركون وقيل طائفة من اليهود لما دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإيمان واتباع القرآن ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ ما ألفينا﴾ وجدنا ﴿عليه آباءنا﴾ فإنهم كانوا خيراً منا وأعلم فرد الله عليهم بقوله ﴿أَوَلَوْ كَانَ آباؤُهُمْ﴾ الواو للحال والهمزة بمعنى الرد والتعجب معناه أيتبعونهم ولو كان آباؤهم ﴿لا يعقلون شيئا﴾ من الدين ﴿وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ للصواب

стр. 293

وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) ثم ضرب لهم مثلاً فقال ﴿وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ﴾ المضاف محذوف أي ومثل داعي الذين كفروا ﴿كَمَثَلِ الذى يَنْعِقُ﴾ يصيح والمراد ﴿بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ البهائم والمعنى ومثل داعيهم إلى الإيمان في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها ولا تفقه شيئاً آخر كما يفهم العقلاء والنعيق التصويت يقال نعق المؤذن ونعق الراعى بالظأن

стр. 294

والنداء ما يسمع والدعاء قد يسمع وقد لا يسمع ﴿صُمٌّ﴾ خبر مبتدأ مضمر أي هم صم ﴿بِكُمٌ﴾ خبر ثانٍ ﴿عُمْىٌ﴾ عن الحق خبر ثالث ﴿فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ الموعظة

стр. 295

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) ثم بين أن ما حرمه المشركون حلال بقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم﴾ من مستلذاته أو من حلالاته ﴿واشكروا لِلَّهِ﴾ الذي رزقكموها ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ إن صح أنكم تختصونه بالعبادة وتقرون أنه معطى النعم البقرة (١٧٣ _ ١٧٥)

стр. 296

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) ثم بين المحرم فقال ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ وهي كل ما فارقه الروح من غير ذكاة مما يذبح وإنما لإثبات المذكور ونفي ما عداه أي ما حرم عليكم إلا الميتة ﴿والدم﴾ يعني السائل لقوله في موضع آخر أو دما مسفوحا وقد حلت الميتتان والدمان بالحديث أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال ﴿وَلَحْمَ الخنزير﴾ يعني الخنزير بجميع أجزائه وخص اللحم لأنه المقصود بالأكل ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله﴾ أي ذبح للأصنام فذكر عليه غير اسم الله وأصل الإهلال رفع الصوت أي رفع به الصوت للصنم وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى ﴿فمن اضطر﴾ أى ألجئ بكسر النون بصري وحمزة وعاصم لالتقاء الساكنين أعني النون والضاد وبضمها غيرهم لضمة الطاء ﴿غير﴾ حال أى فأكل غير ﴿بَاغٍ﴾ للذة وشهوة ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ متعد مقدار الحاجة وقول من قال غير باغ على الإمام ولا عادٍ في سفر حرام ضعيف لأن سفر الطاعة لا يبيح بلا ضرورة والحبس بالحضر يبيح بلا سفر ولأن بغيه لا يخرج عن الإيمان فلا يستحق الحرمان

стр. 297

والمضطر يباح له قدر ما يقع به القوام وتبقى معه الحياة دون ما فيه حصول الشبع لأن الإباحة للاضطرار فتقدر بقدر ما تندفع الضرورة ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في الأكل ﴿أَنَّ الله غَفُورٌ﴾ للذنوب الكبائر فأنى يؤاخذ بتناول الميتة عند الاضطرار ﴿رَّحِيمٌ﴾ حيث رخص ونزل في رؤساء اليهود وتغييرهم نعت النبي ﵇ وأخذهم على ذلك الرشا

стр. 298

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) ﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب﴾ في صفة محمد ﵇ ﴿وَيَشْتَرُونَ به ثمنا قليلا﴾ أى عوضا أو إذ ثمن ﴿أولئك مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ ملء بطونهم تقول أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه ﴿إِلاَّ النار﴾ لأنه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار ومنه قولهم أكل فلان الدم إذا أكل الدية التي هي بدل منه قال ... يأكلن كل ليلة إكافاً ... أي ثمن إكاف فسماه إكافاً لتلبسه به بكونه ثمناً له ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة﴾ كلاما يسرهم ولكن بنحو قوله اخسؤا فيها ولا تكلمون ﴿وَلاَ يُزَكّيهِمْ﴾ ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم أو لا يثني عليهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم فحرف النفي مع الفعل خبر أولئك وأولئك مع خبره خبران والجمل الثلاث معطوفة على خبر إن فقد صار لأن أربعة أخبار من الجمل

стр. 299

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة﴾ البقرة (١٧٥ _ ١٧٧) يكتمان نعت محمد ﵇ ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ فأي شيء أصبرهم على عمل يؤدي إلى النار وهذا استفهام معناه التوبيخ

стр. 300

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦) ﴿ذلك بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق﴾ أي ذلك العذاب بسبب أن الله نزل ما نزل من الكتب بالحق ﴿وَإِنَّ الذين اختلفوا﴾ أي أهل الكتاب ﴿فِى الكتاب﴾ هو للجنس أي في كتب الله فقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل ﴿لَفِى شِقَاقٍ﴾ خلاف ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الحق أو كفرهم ذلك بسبب أن الله نزل القرآن بالحق كما يعلمون وإن الذين اختلفوا فيه لفي شقاق بعيد عن الهدى

стр. 301

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) ﴿لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ﴾ أي ليس البر توليتكم ﴿وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب﴾ والخطاب لأهل الكتاب لأن قبلة النصارى مشرق بيت المقدس وقبلة اليهود مغربه وكل واحد من الفريقين يزعم أن البر التوجه إلى قبلته فرد عليهم بأن البر ليس فيما أنتم عليه فإنه منسوخ ﴿ولكن البر﴾ بر ﴿من آمن بالله﴾ أو ذا البر من آمن والقولان على حذف المضاف والأول أجود والبر اسم للخير ولكل فعل مرضي وقيل كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة فقيل ليس البر العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البر أمر القبلة ولكن البر الذي يجب الاهتمام به بر من آمن وقام بهذه الأعمال ليس البر بالنصب على أنه خبر ليس واسمه أن تولوا حمزة وحفص ولكن البر نافع وشامي وعن المبرد لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت ولكن البر وقرئ ولكن البار ﴿واليوم الآخر﴾ أي يوم البعث ﴿والملائكة والكتاب﴾ أي جنس كتب الله أو القرآن ﴿والنبيين وآتى المال على حُبِّهِ﴾ أي على حب الله أو حب المال أو حب الإيتاء يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه ﴿ذَوِى القربى﴾ أي القرابة وقدمهم لأنهم أحق قال ﵊ صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذوي رحمك صدقة

стр. 302

وصلة ﴿واليتامى﴾ والمراد الفقراء من ذوي القربى واليتامى وإنما أطلق لعدم الإلباس ﴿والمساكين﴾ المسكين الدائم السكون إلى الناس لأنه لا شيء له كالسكير للدائم السكر ﴿وابن السبيل﴾ المسافر المنقطع وهو جنس وإن كان مفرداً لفظاً وجعل ابناً للسبيل لملازمته له أو الضيف ﴿والسائلين﴾ المستطعمين ﴿وَفِي الرقاب﴾ وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم أو فى فك الأسارى ﴿وأقام الصلاة﴾ المكتوبة ﴿وآتى الزكاة﴾ المفروضة قيل هو تأكيد للأول وقيل المراد بالأول نوافل الصدقات والمبار ﴿والموفون﴾ عطف على من آمن ﴿بعهدهم إذا عاهدوا﴾ الله أو الناس البقرة (١٧٧ _ ١٧٨) ﴿والصابرين﴾ نصب على المدح والاختصاص أظهار الفضل في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال ﴿فِى البأساء﴾ الفقر والشدة ﴿والضراء﴾ المرض والزمانة ﴿وَحِينَ البأس﴾ وقت القتال ﴿أولئك الذين صَدَقُوا﴾ أي أهل هذه الصفة هم الذين صدقوا في الدين ﴿وأولئك هُمُ المتقون﴾

стр. 303

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) روي أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى والاثنين بالواحد فتحاكموا إلى رسول الله ﷺ حين جاء الله بالإسلام فنزل ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ﴾ أي فرض ﴿عَلَيْكُمُ القصاص﴾ وهو عبارة عن المساواة وأصله من قص أثره واقتصه إذا اتبعه ومنه القاص لأنه يتبع

стр. 304

الآثار والأخبار ﴿فِي القتلى﴾ جمع قتيل والمعنى فرض عليكم اعتبار المماثلة والمساواة بين القتلى ﴿الحر بِالْحُرِّ﴾ مبتدأ وخبر أي الحر مأخوذ أو مقتول بالحر ﴿والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ وقال الشافعى ﵀ لا يقتل الحر بالعبد لهذا النص وعندنا يجرى القصاص بين الحر والعبد بقوله تعالى ﴿أَنَّ النفس بالنفس﴾ كما بين الذكر والأنثى وبقوله ﵇ المسلمون تتكافأ دماؤهم وبأن التفاضل غير معتبر في الأنفس بدليل أن جماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به وبأن تخصيص الحكم بنوع لا ينفيه عن نوع آخر بل يبقى الحكم فيه موقوفاً على ورود دليل آخر وقد ورد كما بينا ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان﴾ قالوا العفو ضد العقوبة يقال عفوت عن فلان إذا صفحت عنه وأعرضت عن أن تعاقبه وهو يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الجناية ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ ويعفوا عن السيئات وإذا اجتمعا عدي إلى الأول باللام فتقول عفوت له عن ذنبه ومنه الحديث عفوت لكم عن صدقه الخيل والرقيق وقال الزجاج من عفي له أي من ترك له القتل بالدية وقال الأزهري العفو في اللغة الفضل ومنه يسألونك ماذا ينفقون قل العفو ويقال عفوت لفلان بمال إذا أفضلت له وأعطيته وعفوت له عمالى عليه إذا تركته ومعنى الآية عند الجمهور فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو على أن الفعل مسند إلى المصدر كما في سير بزيد بعض السير والأخ ولي المقتول وذكر بلفظ الأخوّة بعثاً له على العطف لما بينهما من الجنسية والإسلام ومن هو القاتل المعفو له عما جنى وترك المفعول الآخر استغناء عنه وقيل أقيم له مقام عند والضمير فى له وأخيه لمن وفي إليه للأخ أو للمتبع الدال عليه فاتباع لأن المعنى فليتبع الطالب القاتل

стр. 305

بالمعروف بأن يطالبه مطالية جميلة وليؤد إليه المطلوب أي القاتل بدل الدم أداء بإحسان بألا يمطله ولا يبخسه وإنما قيل شيء من العفو ليعلم أنه إذا عفا عن بعض الدم أو عفا عنه بعض البقرة (١٧٨ _ ١٨١) الورثة تم العفو وسقط القصاص ومن فسر عُفى بترك جعل شيء مفعولاً به وكذا من فسره بأعطى يعني أن الولي إذا أعطى له شيء من مال أخيه يعني القاتل بطريق الصلح فليأخذه بمعروف من غير تعنيف وليؤده القاتل إليه بلا تسويف وارتفاع اتباع بأنه خبر مبتدأ مضمر أي فالواجب اتباع ﴿ذلك﴾ الحكم المذكور من العفو وأخذ الدية ﴿تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فإنه كان في التوراة القتل لا غير وفي الإنجيل العفو بغير بدل لا غير وأبيح لنا القصاص والعفو وأخذ المال بطريق الصلح توسعة وتيسيراً والآية تدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن للوصف بالإيمان بعد وجود القتل ولبقاء الأخوّة الثابتة بالإيمان ولا ستحقاق التخفيف والرحمة ﴿فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك﴾ التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل أو القتل بعد أخذ الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ نوع من العذاب شديد الألم فى الاخرة

стр. 306

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حياة﴾ كلام فصيح لما فيه من الغرابة إذ القصاص قتل وتفويت للحياة وقد جعل ظرفاً للحياة وفي تعريف القصاص وتنكير الحياة بلاغة بينة لأن المعنى ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو اختصاص حياة عظيمة لمنعه عما كانوا عليه من قتل الجماعة بواحد متى اقتدروا فكان القصاص حياة وأي حياة أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالقصاص من القاتل لأنه إذا هم بالقتل فتذكر الاقتصاص ارتدع فسلم صاحبه من القتل وهو من القود فكان شرع القصاص سبب حياة نفسين ﴿يا أولي الألباب﴾ يا ذوى العقل ﴿لعلكم تتقون﴾ القتل حذرا من القصاص

стр. 307

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) ﴿كتب﴾ فرض ﴿عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ أي إذا دنا منه فظهرت أمارته ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ مالاً كثيراً لما روي عن علي رضى الله عنه إن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه وقال قال الله تعالى ﴿إن ترك خيراً﴾ والخير هو المال الكثير وليس لك مال وفاعل كتب ﴿الوصية للوالدين والأقربين﴾ وكانت للوارث في بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث كما بيناه في شرح المنار وقيل هي غير منسوخة لأنها نزلت في حق من ليس بوارث بسبب الكفر لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام يسلم الرجل ولا يسلم أبواه وقرائبه والإسلام قطع الإرث فشرعت الوصية فيما بينهم قضاء الحق القرابة ندباً وعلى هذا لا يراد بكتب فرض ﴿بالمعروف﴾ بالعدل وهو أن لا يوصي للغني ويدع الفقير ولا يتجاوز الثلث ﴿حَقّاً﴾ مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً ﴿عَلَى المتقين﴾ على الذين يتقون الشرك

стр. 308

فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ فمن غير الإيصاء عن وجهه إن كان موافقاً للشرع من الأوصياء والشهود ﴿بعد ما سمعه﴾ أى الإيصاء البقرة (١٨١ _ ١٨٤) ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ﴾ فما إثم التبديل إلا على مبدليه دون غيرهم من الموصي والموصى له لأنهما بريئان من الحيف ﴿إن الله سميع﴾ لقول الموصى ﴿عليم﴾ يجور المبدل

стр. 309

فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢) ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ علم وهذا شائع في كلامهم يقولون أخاف أن ترسل السماء ويريدون الظن الغالب الجاري مجرى العلم ﴿مِن مُّوصٍ﴾ موصّ كوفي غير حفص ﴿جَنَفًا﴾ ميلاً عن الحق بالخطإ في الوصية ﴿أَوْ إِثْماً﴾ تعمداً للحيف ﴿فأصلح بينهم﴾ بين الموصى لهم وهم الولدان والأجر اقربون بإئهم على طريق الشرع ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ حينئذ لأن تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدل بالباطل ثم من يبدل بالحق ليعلم أن كل تبديل لا يؤثم

стр. 310

وقيل هذا في حال حياة الموصي أي فمن حضر وصيته فرآه على خلاف الشرع فنهاه عن ذلك وحمله على الصلاح فلا إثم على هذا الموصي بما قال أولاً ﴿إِنَّ الله غفور رحيم﴾

стр. 311

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ﴾ أي فرض ﴿عَلَيْكُمُ الصيام﴾ هو مصدر صام والمراد صيام شهر رمضان ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ أي كتابة مثل ما كتب فهو صفة مصدر محذوف ﴿عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ على الأنبياء والأمم من لدن آدم ﵇ إلى عهدكم فهو عبادة قديمة والتشبيه باعتبار أن كل أحد له صوم أيام أي أنتم متعبدون بالصيام في أيام كما تعبد من كان قبلكم ﴿لعلكم تتقون﴾ الماصى بالصيام لأن الصيام أظلف لنفسه وأردع لها من مواقعة السواء أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين إذ الصوم شعارهم

стр. 312

أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) وانتصاب ﴿أَيَّامًا﴾ بالصيام أي كتب عليكم أن تصوموا اباما ﴿معدودات﴾ موقتات بعدد معلوم أي قلائل وأصله أن المال القليل يقدر بالعدد لا الكثير ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ يخاف من الصوم زيادة المرض ﴿أَوْ على سَفَرٍ﴾ أو راكب سفر ﴿فَعِدَّةٌ﴾ فعليه عدة أي فأفطر فعليه صيام عدد أيام فطره والعدة بمعنى المعدود أي أمر أن يصوم أياماً معدودة مكانها ﴿مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ سوى أيام مرضه وسفره وأخر لا ينصرف للوصف والعدل عن الألف واللام لأن لأصل في فعلى صفة أن تستعمل في الجمع بالألف واللام كالكبرى والكبر والصغرى الصغر ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ﴾ وعلى المطيقين للصيام الذين لاعذرلهم إن أفطروا ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ نصف صاع من بر أو صاع من غيره فطعام بدل من فدية طعام مساكين مدني وابن ذكوان وكان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم

стр. 313

ولم يتعودوه فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية ثم نسخ التخيير بقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه ولهذا كرر قوله فمن كان منكم مريضاً أو على سفر لأنه لما كان البقرة (١٨٤ _ ١٨٥) مذكوراً مع المنسوخ ذكر مع الناسخ ليدل على بقاء هذا الحكم وقيل معناه لا يطيقونه فأضمر لا لقراءة حفصة كذلك وعلى هذا لا يكون منسوخاً ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فزاد على مقدار الفدية ﴿فهو خيرٌ لّه﴾ فالتطوع أو الخير خير له يطوع بمعنى يتطوع حمزة وعلي ﴿وَأَن تَصُومُواْ﴾ أيها المطيقون ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من الفدية وتطوع الخير وهذا في الابتداء وقيل وأن تصوموا في السفر والمرض خير لكم لأنه أشق عليكم ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ شرط محذوف الجواب

стр. 314

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مبتدأ خبره ﴿الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن﴾ أى ابتدى فيه إنزاله وكان ذلك في ليلة القدر أو أنزل في شأنه القرآن وهو قوله تعالى ﴿كتب عليكم الصيام﴾ وهو بدل من الصيام أو خبر مبتدأ محذوف أي هو شهر والرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء فأضيف إليه الشهر وجعل علماً ومنع الصرف للتعريف والألف والنون وسموه بذلك لارتماضهم فيه من حر الجوع ومقاساة شدته ولأنهم سموا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فإن قلت ما وجه ما جاء في الحديث من صام رمضان إيماناً واحتساباً من أن التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعا قلت هو من باب الحذف لا من الإلباس القران حيث كان غير مهموز مكي وانتصب ﴿هُدًى لّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان﴾ على الحال أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحق

стр. 315

والباطل ذكر أولاً أنه هدى ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به الله وفرق بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فمن كان شاهداً أي حاضراً مقيماً غير مسافر في الشهر فليصم فيه ولا يفطر والشهر منصوب على الظرف وكذا الهاء في ليصمه ولا يكون مفعولاً به لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فعدة مبتدأ والخبر محذوف أي فعليه عدة أي صوم عدة ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر﴾ حيث أباح الفطر بالسفر والمرض ﴿وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر﴾ ومن فرض الفطر على المريض والمسافر حتى لو صاما تجب عليهما الإعادة فقد عدل عن موجب هذا ﴿وَلِتُكْمِلُواْ العدة﴾ عدة ما أفطرتم بالقضاء إذا زال المرض والسفر والفعل المعلل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره لتعلموا ولتكملوا العدة ﴿وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ شرع ذلك يعني جملة ماذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص له بمراعاة البقرة (١٨٦ _ ١٨٧) عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر فقوله لتكملوا علة الأمر بمراعاة العدة ولتكبروا علة ما علم من كيفية القضاء والخروج من عهدة الفطر ولعلكم تشكرون علة الترخيص وهذا نوع من اللف اللطيف المسلك وعدي التكبير بعلى لتضمنه معنى الحمد كأنه قيل لتكبروا الله أي لتعظموه حامدين على ما هداكم إليه ولتكملوا بالتشديد أبو بكر

стр. 316

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) ولما قال اعرابى لرسول الله ﷺ أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه نزل ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ﴾ علماً وإجابة لتعاليه عن القرب

стр. 317

مكاناً ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ﴾ الداعي دعاني في الحالين سهل ويعقوب ووافقهما أبو عمرو ونافع غير قالون في الوصل غيرهم بغير ياء في الحالين ثم إجابة الدعاء وعد صدق من الله لا خلف فيه غير أن إجابة الدعوة تخالف قضاء الحاجة فإجابة الدعوة أن يقول العبد يا رب فيقول الله لبيك عبدي وهذا أمر موعود موجود لكل مؤمن وقضاء الحاجة إعطاء المراد وذا قد يكون ناجزاً وقد يكون بعد مدة وقد يكون في الآخرة وقد تكون الخيرة له في غيره ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى﴾ إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بي﴾ واللام فيها للأمر ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد وهو ضد الغي

стр. 318

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة ثم إن عمر رضى الله عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبي ﵇ وأخبره بما فعل فقال ﵇ ما كنت جديراً بذلك فنزل ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث﴾ إي الجماع ﴿إلى نسائكم﴾ عدى بالى لتضمنه معنى الإفضاء وإنما كنى عنه بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يقل الإفضاء إلى نسائكم استقباحاً لما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختياناً لأنفسهم ولما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه شبه باللباس المشتمل عليه بقوله تعالى ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ وقيل لباس أي ستر عن الحرام وهن لباس لكم استئناف كالبيان لسبب الإحلال وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخ الطة والملابسة قل صبركم عنهن وصعب عليكم اجتنابهن فلذا رخص لكم في مباشرتهن ﴿عَلِمَ

стр. 319

الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ تظلمونها بالجماع وتنقصونها حظها من الخير والاختيان من الخيانة كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور ﴿وَعَفَا عنكم﴾ ما فعلتم قبل الرخصة ﴿فالآن باشروهن﴾ جامعوهن في ليالي الصوم وهو أمر إباحة وسميت المجامعه مباشرة لالتصاق بشرتيهما البقرة (١٨٧ _ ١٨٨) ﴿وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ﴾ واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة أى لا تباشروالقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل أو وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم ﴿وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض﴾ هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود ﴿مِنَ الخيط الأسود﴾ وهو ما يمتد من سواد الليل شبهاً بخيطين أبيص وأسوج لامتدادهما ﴿مِنَ الفجر﴾ بيان أن الخيط الأبيض من الفجر لا من غيره واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر أو من للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوله وقوله من الفجر أخرجه من باب الاستعارة وصيره تشبيهاً بليغاً كما أن قولك رأيت أسد امجازا فاذا ازدت من فلان رجع تشبيها وعن عدى بن حاتم قال عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتى فنظرت الهيما فلم يتبين لي الأبيض من الأسود فأخبرت النبي ﵇ بذلك فقال إنك لعريض القفا أي سليم القلب لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل وفي قوله ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ أى الكف عن هذه الأشياء وفيه دليل على جدواز النية بالنهار في صوم رمضان وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر وعلى نفي الوصال وعلى وجوب الكفارة في الأكل

стр. 320

والشرب وعلى أن الجنابة لا تنافي الصوم ﴿وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد﴾ معتكفون فيها بيّن أن الجماع يحل في ليالي رمضان لكن لغير المعتكف والجملة في موضع الحال وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد ﴿تِلْكَ﴾ الأحكام التي ذكرت ﴿حُدُودُ الله﴾ أحكامه المحدودة ﴿فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ بالمخالفة والتغيير ﴿كذلك يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ﴾ شرائعه ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يتقون﴾ المحارم
следующие страницы →