Полный текст (7 814 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)
﴿وعلامات﴾ هي معالم الطرق وكل ما يستدل به السابلة من جبل وغير ذلك ﴿وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ المراد بالنجم الجنس أو هو التريا والفرقدان وبنات نعش والجدى فإن قلت وبالنجم هم يهتدون مخرج عن سنن الخطاب مقدم فيه النجم مقحم فيه هم كأنه قيل وبالنجم خصوصاً هؤلاء خصوصاً يهتدون فمن المراد بهم قلت كأنه أراد قريشاً فلهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم ولهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا
стр. 2662
أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)
﴿أَفَمَن يَخْلُقُ﴾ أي الله تعالى ﴿كَمَن لاَّ يخلق﴾ أي الأصنام وجىء بمن الذي هو لأولي العلم لزعمهم حيث سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولي العلم أو لأن المعنى أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده وإنما لم يقل أفمن لا يخلق كمن يخلق مع اقتضاء المقام بظاهره إياه لكونه إلزاماً للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيهاً بالله لأنهم حين جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه والعبادة له فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيهاً بها فأنكر عليهم ذلك بقوله أفمن يخلق كمن لا يخلق وهو حجة على المعتزلة في خلق الأفعال ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ فتعرفون فساد ما أنتم عليه
стр. 2663
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)
﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ لاتضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم فضلاً أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر وإنما اتبع ذلك ما عدد من نعمه تنبيهاً على أن ما وراءها لا ينحصر ولا يعد ﴿إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعمة ولا يقطعها عنكم لتفريطكم
стр. 2664
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)
﴿والله يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ من أقوالكم وأفعالكم وهو وعيد
стр. 2665
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)
﴿والذين يدعون﴾ والآلهة الذين
النحل (٢٠ _ ٢٦)
يدعوهم الكفار ﴿مِن دُونِ الله﴾ وبالتاء غير عاصم ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾
стр. 2666
أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)
﴿أَمْوَاتٌ﴾ أي هم أموات ﴿غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون أموات جاهلون بالبعث ومعنى أموات غير أحياء أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات أي غير جائز عليها الموت وأمرهم بالعكس من ذلك والضمير في يبعثون للداعين أي لا يشعرون متى تبعث عبدتهم وفيه تهكم بالمشركين وأن آلهتم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء أعمالهم منهم على عبادتهم وفيه دلالة على أنه لا بد من البعث
стр. 2667
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)
﴿إلهكم إله واحد﴾ أي ثبت بما مر أن الإلهية لا تكون لغير الله وأن معبودكم واحد ﴿فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ﴾ للوحدانية ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ عنها وعن الإقرار بها
стр. 2668
لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)
﴿لاَ جَرَمَ﴾ حقا ﴿أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي سرهم وعلانيتهم فيجازيهم وهو وعيد ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين﴾ عن التوحيد يعني المشركين
стр. 2669
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ لِهؤلاء الكفار ﴿مَّاذَا أَنزَلَ ربكم قالوا أساطير الأولين﴾ ماذا منصوب بأنزل أي أيَّ شيء أنزل ربكم أو مرفوع على
стр. 2670
الابتداء أي أيُّ شيء أنزله ربكم وأساطير خبر مبتدأ محذوف قيل هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفّرون عن رسول الله ﷺ إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله ﷺ قالوا أساطير الأولين أي أحاديث الأولين وأباطيلهم واحدتها أسطورة وإذا رأوا أصحاب رسول الله ﷺ يخبرونهم بصدقه وأنه نبي فهم الذين قالوا خيرا
стр. 2671
لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)
﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ﴾ أي قالوا ذلك إضلالاً للناس فحملوا أوزار إضلالهم كاملة وبعض أوزار من ضل بضلالهم وهو وزر الإضلال لأن المضل والضال شريكان واللام للتعليل ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال ﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ محل ما رفع
стр. 2672
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)
﴿قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى الله بنيانهم من القواعد﴾ أي من جهة
النحل (٢٦ _ ٣٠)
القواعد وهي الأساطين هذا تمثيل يعني أنهم سوّوا منصوبات ليمكروا بها رسل الله فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وماتوا وهلكوا والجمهور على أن المراد به نمرود بن كنعان حين بني الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع وقيل فرسخان فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا فأتى الله أي أمره بالاستئصال ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون
стр. 2673
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)
﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ﴾ يذلهم بعذاب الخزي سوى ما عذبوا به في الدنيا ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾ على الإضافة إلى نفسه حكاية لإضافتهم
стр. 2674
ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم ﴿الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ﴾ تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم تشاقون نافع أي تشاقونني فيهم لأن مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله ﴿قَالَ الذين أُوتُواْ العلم﴾ أي الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم فلا يلتفتون إليهم ويشاقونهم يقولون ذلك شماتة بهم أو هم الملائكة ﴿إِنَّ الخزى اليوم﴾ الفضيحة ﴿والسوء﴾ العذاب ﴿عَلَى الكافرين﴾
стр. 2675
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)
﴿الذين تتوفاهم الملائكة﴾ وبالياء حمزة وكذا ما بعده ﴿ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ بالكفر بالله ﴿فَأَلْقَوُاْ السلم﴾ أي الصلح والاستسلام اي اخبتوا وجاءوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق وقالوا ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وجحدوا ما وجد منهم من الكفران والعدواة فرد عليهم أولوا العلم وقالوا ﴿بلى إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهو يجازيكم عليه وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك
стр. 2676
فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)
﴿فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ جهنم
стр. 2677
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا﴾ الشرك ﴿مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا﴾ وإنما نصب هذا ورفع أساطير لأن التقدير هنا أنزل خيراً فأطبقوا الجواب على السؤال وثمة التقدير هو أساطير الأولين فعدلوا بالجواب عن السؤال ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الدنيا﴾ أي آمنوا وعملوا الصالحات أو قالوا لا إله إلا الله ﴿حَسَنَةٌ﴾ بالرفع أي ثواب وأمن وغنيمة وهو بدل من خيرا لقول الذين اتقوا أي قالوا هذا القول فقدم عليه تسميته خيرا ثم حكاه
النحل (٣٠ _ ٣٥)
أو هو كلام مستأنف عدة للقائلين وجعل قولهم
стр. 2678
من جملة إحسانهم ﴿وَلَدَارُ الاخرة خَيْرٌ﴾ أي لهم في الآخرة ما هو خير عنها كقوله فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره
стр. 2679
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)
﴿جنات عدن﴾ خبر لمبتدأ محذوف أو هو مخصوص بالمدح ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ حال ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار لهم فيها ما يشاؤون كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ المتقين﴾
стр. 2680
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)
﴿الذين تتوفاهم الملائكة طَيِّبِينَ﴾ طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم ﴿يَقُولُونَ سلام عَلَيْكُمُ﴾ قيل إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فقال السلام عليك يا ولي الله الله يقرأ عليك السلام ويبشره بالجنة ويقال لهم في الآخرة ﴿ادخلوا الجنة بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بعملكم
стр. 2681
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)
﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ ما ينتظر هؤلاء الكفار ﴿إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة﴾ لقبض أرواحهم وبالياء علي وحمزة ﴿أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي العذاب المستأصل أو القيامة ﴿كذلك﴾ مثل ذلك الفعل من مشرك والتكذيب ﴿فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ الله﴾ بتدميرهم ﴿ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ حيث فعلوا ما استحقوا به التدمير
стр. 2682
فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ جزاء سيئات أعمالهم ﴿وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون﴾ وأحاط بهم جزاء استهزائهم
стр. 2683
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)
﴿وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلآ آباؤنا﴾ هذا كلام صدر منهم استهزاء ولو قالوه اعتقاداً لكان صواباً ﴿وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ﴾ يعني البحيرة والسائبة ونحوهما ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي كذبوا الرسل وحرموا الحلال وقالوا مثل قولهم استهزاء ﴿فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين﴾ إلا أن يبلغوا الحق ويطّلعوا على بطلان الشرك وقبحه
стр. 2684
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله﴾
بأن وحدوه ﴿واجتنبوا الطاغوت﴾ الشيطان يعني طاعته ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله﴾ لاختيارهم الهدى ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة﴾ أي لزمته لاختياره إياها ﴿فَسِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين﴾ حيث أهلكهم الله وأخلى ديارهم عنهم
стр. 2685
إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)
ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله ﷺ على إيمانهم وأعلمه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة فقال ﴿إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ﴾ بفتح الياء وكسر الدال كوفي الباقون بضم الياء وفتح الدال والوجه فيه أن من يضل مبتدأ ولا يهدي خبره ﴿وَمَا لَهُم مِّن ناصرين﴾ يمنعونهم من جريان حكم الله عليهم ويدفعون عنهم عذابه الذي أعد لهم
стр. 2686
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)
﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم﴾ معطوف على وقال الذين أشركوا ﴿لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ بلى﴾ هو إثبات لما بعد النفي أي بل يبعثهم ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا﴾ وهو مصدر مؤكد لما دل عليه بلى لأن يبعث موعد من الله وبين أن
стр. 2687
الوفاء بهذا الوعد حق ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أن وعده حق أو أنهم يبعثون
стр. 2688
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ متعلق بما دل عليه بلى أي يبعثهم ليبين لهم والضمير لمن يموت وهو يشمل ٢ المؤمنين والكافرين ﴿الذى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ هو الحق ﴿وَلِيَعْلَمَ الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كاذبين﴾ في قولهم لا يبعث الله من يموت
стр. 2689
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي فهو يكون وبالنصب شامي وعلي على جواب كن قولنا مبتدأ وأن نقول خبره وكن فيكون من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فهو يحدث بلا توقف وهذه عبارة عن سرعة الإيجاد يبين أن مراداً لا يمتنع عليه وأن وجوده عند إرادته غير متوقف كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذ أورد على المأمور المطيع الممتثل ولا قول ثَم والمعنى أن إيجاد كل مقدور على الله بهذه
النحل (٤١ _ ٤٦)
السهولة فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من بعض المقدورات
стр. 2690
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)
﴿والذين هاجروا فِى الله﴾ في حقه ولوجهة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ هم رسول الله وأصحابه ظلمهم أهل مكة ففروا بدينهم إلى الله منهم من هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فجمع بين الهجرتين ومنهم من هاجر إلى المدينة ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى الدنيا حَسَنَة﴾ صفة للمصدر أي تبوئة حسنة أو لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدنية حيث آواهم أهلها ونصروهم ﴿وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ﴾ الوقف لازم عليه لأن جواب ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ محذوف والضمير للكفار أي لو علموا ذلك لرغبوا في الدين أو للمهاجرين أي لو كانوا يعلمون لزادوا في اجتهادهم وصبرهم
стр. 2691
الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)
﴿الذين صَبَرُواْ﴾ أي هم الذين صبروا أو أعني الذين صبروا وكلاهما مدح أي صبروا على مفارقة الوطن الذي هو حرم الله المحبوب في كل قلب فكيف بقلوب قوم هو مسقط رءوسهم وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل الله ﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي يفوضون الأمر إلى ربهم ويرضون بما أصابهم في دين الله
стр. 2692
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)
ولما قالت قريش الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً نزل ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قبلك إلا رجالا نوحي اليهم﴾ على ألسنة الملائكة نوحي حفص ﴿فاسألوا أَهْلَ الذكر﴾ أهل الكتاب ليعلموكم أن الله لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشراً وقيل للكتاب الذكر لأنه موعظة وتنبيه للغافلين ﴿إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾
стр. 2693
بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)
﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ أي بالمعجزات والكتب والباء يتعلق برجالا صفة له أي رجالاً ملتبسين بالبينات أو بأرسلنا مضمراً كأنه قيل بم أرسل الرسل فقيل بالبينات أو بيوحى أي يوحى اليهم بالبينات أو بلا تعلمون وقوله فاسئلوا أهل الذكر اعتراض على الوجوه المتقدمة وقوله ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر﴾ القرآن ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ في الذكر مما أمروا به ونهوا عنه ووعدوا به وأوعدوا ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في تنبيهاته فينتبهوا
стр. 2694
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)
﴿أفأمن الذين مكروا السيئات﴾ أي المكرات والسيئات وهم أهل مكة وما مكروا به رسول الله ﵇ ﴿أَن يَخْسِفَ الله بِهِمُ الأرض﴾ كما فعل بمن تقدمهم ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي بغتة
стр. 2695
أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦)
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ﴾ متقلبين في مسايرهم ومتاجرهم ﴿فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾
стр. 2696
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ﴾
متخوفين وهو أن يهلك قوماً قبلهم فيتخوفوا فيأخذهم العذاب وهم متخوفون متوقعون وهو خلاف قوله من حيث لا يشعرون ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ حيث يحلم عنكم ولا يعاجلكم مع استحقاقكم والمعنى أنه إذا لم يأخذكم مع ما فيكم فإنما رأفته تقيكم ورحمته تحميكم
стр. 2697
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)
﴿أو لم يَرَوْاْ﴾ وبالتاء حمزة وعلي وأبو بكر ﴿إلى ما خلق الله﴾ ما موصولة بخلق الله وهو مبهم بيانه ﴿من شيء يتفيأ ظلاله﴾ أي يرجع من موضع إلى موضع وبالتاء بصري ﴿عَنِ اليمين﴾ أي الأيمان ﴿والشمآئل﴾ جمع شمال ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ حال من الظلال عن مجاهد إذا زالت الشمس سجد كل شيء ﴿وهم داخرون﴾ صاغرون وهو خال من الضمير في ظلاله لأنه في معنى الجمع وهو ما خلق الله من كل شيء له ظل وجمع بالواو والنون لأن الدخور من أوصاف العقلاء أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب والمعنى أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله تعالى غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها غير ممتنعة
стр. 2698
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض مِن دَآبَّةٍ﴾ من بيان لما في السموات وما في الأرض جميعاً على أن في السموات خلقاً يدبون فيها كما تدب الأناسي في الأرض أو بيان لما في الأرض وحده والمراد بما في السموات ملائكتهن وبقوله ﴿والملائكة﴾ ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم قيل المراد
стр. 2699
بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم وبسجود غيرهم انقيادهم لإرادة الله ومعنى الانقياد يجمعهما فلم يختلفا فلذا أجاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد وجىء بما إذ هو صالح للعقلاء وغيرهم ولو جيء بمن لتناول العقلاء خاصة ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾
стр. 2700
يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)
﴿يخافون رَبَّهُمْ﴾ هو حال من الضمير في لا يستكبرون أي لا يستكبرون خائفين ﴿مِّن فوقهم﴾ ان علقته بيخافون فمعناه يخافونه أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم وان علقته بربهم حالاً منه فمعناه يخافون ربهم غالباً لهم قاهرا كقوله وهو القاهر فوق عباده ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي وأنهم بين الخوف والرجاء
следующие страницы →