Полный текст (7 814 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)
﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال﴾ فلا تجعلوا لله مثلًا فإنه لا مثل له أي فلا تجعلوا له شركاء ﴿أَنَّ الله يَعْلَمُ﴾ أنه لا مثل له من الخلق ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك أو إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك والوجه الأول
стр. 2732
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)
ثم ضرب المثل فقال ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا﴾ هو بدل من مثلاً ﴿مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرَّا وَجَهْرًا﴾ مصدران في موضع الحال أي مثلكم في إشراككم بالله الأوثان مثل من سوى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف وبين حر مالك قد رزقه الله ما لا فهو يتصرف فيه وينفق منه
стр. 2733
ما شاء وقيد بالمملوك ليميزه من الحر لأن اسم العبد يقع عليهما جمعيا إذ هما من عباد الله وبلا يقدر على شيء ليمتاز من المكاتب والمأذون فهما يقدران على التصرف ومن موصوفة أي وحراً رزقناه ليطابق عبداً أو موصولة ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ جمع الضمير لإرادة الجمع أي لا يستوي القبيلان ﴿الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ بأن الحمد والعبادة لله
стр. 2734
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)
ثم زاد في البيان فقال ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ على شَىْءٍ﴾ الأبكم الذي ولد أخرس فلا يفهم ولا
النحل (٧٦ _ ٧٩)
يفهم ﴿وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ﴾ أي ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة أو كفاية مهم لم ينفع ولم يأت بنجح ﴿هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل﴾ أي ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات مع رشد وديانة فهو يأمر الناس بالعدل والخير ﴿وَهُوَ﴾ في نفسه ﴿على صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم وهذا مثل ثان ضربه لنفسه ولما يفيض على عباده من آثار رحمته ونعمته وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع
стр. 2735
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)
﴿وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض﴾ أي يختص به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفي عليهم علمه أو اراد بغيب السموات والأرض يوم القيامة على أن علمه غائب عن اهل السموات والأرض لم يطلع عليه أحد منهم ﴿وَمَآ أَمْرُ الساعة﴾ في قرب كونها وسرعة قيامها ﴿إِلاَّ كَلَمْحِ البصر﴾ كرجع طرف وإنما ضرب به المثل لأنه لا يعرف زمان أقل منه ﴿أَوْ هُوَ﴾ أي الأمر ﴿أَقْرَبُ﴾ وليس هذا لشك المخاطب ولكن المعنى كونوا في كونها على هذا الاعتبار وقيل بل هو أقرب ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو يقدر
стр. 2736
على أن يقيم الساعة ويبعث الخلق لأنه بعض المقدورات
стр. 2737
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)
ثم دل على قدرته بما بعده فقال ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أمهاتكم﴾ وبكسر الألف وفتح الميم عليّ اتباعاً لكسرة النون وبكسرهما حمزة والهاء مزيدة في أمهات للتوكيد كما زيدت في أراف فقيل أهراق وشذت زيادتها في الواحدة ﴿لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ حال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والأفئدة في فؤاد كالأغربة في غراب وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة لعدم السماع في غيرها
стр. 2738
أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)
﴿أَلَمْ يَرَوْاْ﴾ وبالتاء شامي وحمزة ﴿إلى الطير مسخرات﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية لذلك ﴿فِى جَوِّ السمآء﴾ هو الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في قبضهن وبسطهن ووقوفهن ﴿إِلاَّ الله﴾ بقدرته وفيه نفي لما يصوره الوهم عن خاصية القوى الطبيعية ﴿إِنَّ فِى ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾
بأن الخلق لا غنى به عن الخالق
стр. 2739
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)
﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ هو فعل بمعنى مفعول أي ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتًا﴾ هي قباب الأدم ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ ترونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ بسكون العين كوفي وشامي وبفتح العين غيرهم
стр. 2740
والظعن بفتح العين وسكونها الارتحال ﴿وَيَوْمَ إقامتكم﴾ قراركم في منازلكم والمعنى أنها خفيفة عليكم في أوقات السفر والحضر على أن اليوم بمعنى الوقت ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ أي أصواف الضأن ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ وأوبار الإبل ﴿وَأَشْعَارِهَآ﴾ وأشعار المعز ﴿أَثَاثاً﴾ متاع البيت ﴿ومتاعا﴾ وشيئاً ينتفع به ﴿إلى حِينٍ﴾ مدة من الزمان
стр. 2741
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)
﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظلالا﴾ كالأشجار والسقوف ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أكنانا﴾ جمع كن وهو ما سترك من كهف أو غار ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ هي القمصان والثياب من الصوف والكتان والقطن ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وهي تقي البرد أيضاً إلا أنه اكتفى بأحد الضدين ولأن الوقاية من الحر أهم عندهم سكون البرد يسيراً محتملاً ﴿وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ ودروعاً من الحديد ترد عنكم سلاح عدوكم في قتالكم والبأس شدة الحرب والسربال وعام يقع على ما كان من حديد أو غيره ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ أي تنظرون في نعمته الفائضة فتؤمنون به وتنقادون له
стр. 2742
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢)
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أعرضوا عن الإسلام ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين﴾ أي فلا تبعة عليك في ذلك لأن الذي عليك هو التبليغ الظاهر وقد فعلت
стр. 2743
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)
﴿يعرفون نعمة الله﴾ التي عددناها بأقوالهم فإنهم يقولون إنها من الله ﴿ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ بأفعالهم حيث عبدوا غير المنعم أو في الشدة ثم في الرخاء ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾ أي الجاحدون غير المعترفين أو نعمة الله نبوة محمد ﷺ كانوا يعرفونها ثم ينكرونها عناداً وأكثرهم الجاحدون المنكرون بقلوبهم وثم يدل على إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول
стр. 2744
المعرفة لأن حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر
стр. 2745
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)
﴿ويوم﴾ انتصابه باذكر ﴿نبعث﴾ نحشر
النحل (٨٤ _ ٨٩)
﴿مِْن كُلِّ أُمَةٍ شَهِيداً﴾ نبياً يشهد لهم وعليهم بالتصديق والتكذيب والإيمان والكفر ﴿ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلِّذِيِنَ كَفَرُوا﴾ في الاعتذار والمعنى لا حجة لهم فدل بترك الاذن على أن لا حجة لهم ولا عذر ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ولا هم يسترضون أي لا يقال لهم ارضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل ومعنى ثم أنهم يمنون أي يبتلون بعد شهادة الأنبياء ﵈ بما هو اطم وأغلب منها وهو أنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في الفاء معذرة ولا ادلاء بحجة
стр. 2746
وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)
﴿وإذا رأى الذين ظَلَمُواْ﴾ كفروا ﴿العذاب فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي العذاب بعد الدخول ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ يمهلون قبله
стр. 2747
وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦)
﴿وإذا رأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ﴾ أوثانهم التي عبدوها ﴿قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا﴾ أي آلهتنا التي جعلناها شركاء ﴿الذين كنا ندعو مِن دُونِكَ﴾ أي نعبد ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون﴾ أي أجابوهم بالتكذيب لأنها كانت جماداً لا تعرف من عبدها ويحتمل أنهم كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة تنزيهاً لله عن الشرك
стр. 2748
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)
﴿وَأَلْقَوْاْ﴾ يعني الذين ظلموا ﴿إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم﴾ إلقاء السلم الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا ﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾ وبطل عنهم ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من أن لله شركاء وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرءوا منهم
стр. 2749
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)
﴿الذين كَفَرُواْ﴾ في أنفسهم ﴿وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ وحملوا غيرهم على الكفر ﴿زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب﴾ أي عذاباً بكفرهم وعذاباً بصدهم عن سبيل الله ﴿بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ بكونهم مفسدين الناس بالصد
стр. 2750
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ يعني نبيهم لأنه كان يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمد ﴿شَهِيدًا على هَؤُلآءِ﴾ على أمتك ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا﴾ بليغاً ﴿لّكُلِّ شَىْءٍ﴾ من أمور الدين أما في الأحكام المنصوصة فظاهر وكذا فيما ثبت بالسنة أو بالإجماع أو بقول الصحابة أو بالقياس لأن مرجع الكل إلى الكتاب حيث أمرنا فيه باتباع رسوله ﵇ وطاعته بقوله أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وحثنا على الإجماع فيه بقوله
النحل (٨٩ _ ٩٢)
ويتبع غير سبيل المؤمنين وقد رضى رسول الله ﷺ لأمته باتباع أصحابه بقوله أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقد اجتهدوا وقاسوا ووطّئوا طرق الاجتهاد والقياس مع أنه أمرنا به بقوله فاعتبروا يا أولى الأبصار فكانت السنة والإجماع وقول الصحابي والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب فنتبين أنه كان تبياناً لكل شيء ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ودلالة إلى الحق ورحمة لهم وبشارة لهم بالجنة
стр. 2751
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)
﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل﴾ بالتسوية في الحقوق فيما بينكم وترك الظلم وإيصال كل ذي حق إلى حقه ﴿والإحسان﴾ إلى من أساء إليكم أو هما الفرض والندب لأن الفرض لا بد من أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب ﴿وَإِيتَآءِ ذِى القربى﴾ وإعطاء ذي القرابة وهو صلة الرحم ﴿وينهى عَنِ
стр. 2752
الفحشآء﴾ عن الذنوب المفرطة في القبح ﴿والمنكر﴾ ما تنكره العقول ﴿والبغي﴾ طلب التطاول بالظلم والكبر ﴿يَعِظُكُمُ﴾ حال أو مستأنف ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون بمواعظ الله وهذه الآية سبب إسلام عثمان بن مظعون فإنه قال ما كنت أسلمت إلاحياء منه ﵇ لكثرة ما كان يعرض علي الإسلام ولم يستقر الإيمان في قلبي حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده فاستقر الإيمان في قلبي فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما هو بقول البشر وقال أبو جهل إن إلهه ليأمر بمكارم الأخلاق وهي أجمع آية القرآن للخير والشر ولهذه يقرؤها كل خطيب على المنبر في آخر كل خطبة لتكون عظة جامعة لكل مأمور ومنهي
стр. 2753
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)
﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عاهدتم﴾ هي البيعة لرسول الله ﷺ على الإسلام إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان﴾ أيمان البيعة ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ بعد توثيقها باسم الله وأكد ووكد لغتان فصيحتان والأصل الواو والهمزة بدل منها ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به مهيمن عليه ﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ من البر والحنث فيجازيكم به
стр. 2754
وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)
﴿وَلاَ تَكُونُواْ﴾ في نقض الأيمان ﴿كالتى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ كالمرأة التي أنحت على غزلها بعد أن أحكمته وأبرمته فجعلته ﴿أنكاثا﴾ جمع نكث وهو ما ينكث فتله قيل هي ريطة وكانت حمقاء تغزل هي وجواربها من الغداة إلى الظهر
النحل (٩٢ _ ٩٦)
ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن ﴿تَتَّخِذُونَ أيمانكم﴾ حال كأنكاثا ﴿دَخَلاً﴾ أحد مفعولي تتخذ أي ولا تنقضوا
стр. 2755
أيمانكم متخذيها دخلاً ﴿بَيْنِكُمْ﴾ أي مفسدة وخيانة ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ بسبب أن تكون أمة يعني جماعة قريش ﴿هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ هي أزيد عدداً وأوفر مالاً من أمة من جماعة المؤمنين هي أربى مبتدأ وخبر في موضع الرفع صفة لأمة وأمة فاعل تكون وهي تامة وهي ليست بفصل لوقوعها بين نكرتين ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ﴾ الضمير للمصدر أي إنما يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وما وكدتم من أيمان البيعة لرسول الله ﷺ أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقلة المؤمنين وفقرهم ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ إِذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب وفيه تحذير عن مخالفة ملة الإسلام
стр. 2756
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)
﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة﴾ حنيفة مسلمة ﴿ولكن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ﴾ من علم منه اختيار الضلالة ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ من علم منه اختيار الهداية ﴿ولتسألن عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يوم القيامة فتجزون به
стр. 2757
وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤)
﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ كرر النهي عن اتخاذ الإيمان دخلاً بينهم تأكيداً عليهم واظهار العظمة ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها وإنما وحدت القدم ونكرت الاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن تثبت عليه فكيف بأقدام كثيرة ﴿وَتَذُوقُواْ السوء﴾ في الدنيا ﴿بِمَا صَدَدتُّمْ﴾ بصدودكم ﴿عَن سَبِيلِ الله﴾ وخروجكم عن الدين أو بصدكم غيركم لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدوا لا تخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون بها ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة
стр. 2758
وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)
﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ﴾ ولا تستبدلوا ﴿بِعَهْدِ الله﴾ وبيعة رسول الله ﷺ ﴿ثَمَناً
стр. 2759
قَلِيلاً﴾ عرضاً من الدنيا يسيراً كأن قوماً ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين ولما كانوا يعدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله ﷺ فثبتهم الله ﴿إِنَّمَا عِنْدَ الله﴾ من ثواب الآخرة ﴿هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
стр. 2760
مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)
﴿ما عندكم﴾ من
النحل (٩٦ _ ١٠١)
أعراض الدنيا ﴿يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله﴾ من خزائن رحمته ﴿باق﴾ لا ينفد / وليجزين / وبالنون مكي وعاصم ﴿الذين صَبَرُواْ﴾ على أذى المشركين ومشاق الإسلام ﴿أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يعملون﴾
стр. 2761
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)
﴿مَنْ عَمِلَ صالحا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى﴾ من مبهم يتناول النوعين إلا أن ظاهره للذكور فبين بقوله من ذكر أو أنثى ليعم الموعد النوعين ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ شرط الإيمان لأن أعمال الكفار غير معتد بها وهو يدل على أن العمل ليس من الإيمان ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ أي في الدنيا ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وعده الله ثواب الدنيا والآخرة كقوله فاتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسراً كان أو معسراً يعيش عيشاً طيباً إن كان موسراً فظاهر وإن كان معسراً فمعه ما يطيب عيشه وهو القناعة والرضا بقسمة الله تعالى وأما الفاجر فأمره بالعكس إن كان معسراً فظاهر وإن كان موسراً فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه وقيل الحياة الطيبة القناعة أو حلاوة الطاعة أو المعرفة بالله وصدق المقام مع الله وصدق الوقوف على أمر الله والإعراض عما سوى الله
стр. 2762
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)
﴿فإذا قرأت القرآن﴾ فإذا أردت قراءة القرآن ﴿فاستعذ بالله﴾ فعبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل لأنها سبب له والفاء للتعقيب إذ القراءة المصدرة بالاستعاذة من العمل الصالح المذكور ﴿مِنَ الشيطان﴾ يعني إبليس ﴿الرجيم﴾ المطرود أو الملعون قال ابن مسعود ﵁ قرأت على رسول الله ﷺ فقلت أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عليه السلام
стр. 2763
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ﴾ لإبليس ﴿سلطان﴾ تسلط وولاية ﴿على الذين آمنوا وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فالمؤمن المتوكل لا يقبل منه وساوسه
стр. 2764
إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)
﴿إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يتخذونه ولياً ويتبعون وساوسه ﴿والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ الضمير يعود إلى ربهم أو إلى الشيطان أي بسببه
стр. 2765
وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)
﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ تبديل الآية مكان الآية هو النسخ والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع لحكمة رآها وهو معنى قوله ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ وبالتخفيف
النحل (١٠١ _ ١٠٥)
مكي وأبو عمرو ﴿قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ﴾ هو جواب إذا وقوله والله أعلم بما ينزل اعتراض كانوا يقولون إن محمداً يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً فيأتيهم بما هو أهون ولقد افتروا فقد كان ينسخ الأشق بالأهون والأهون بالأشق ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ الحكمة في ذلك
стр. 2766
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس﴾ أي جبريل ﵇ أضيف إلى إلى القدس وهو الطهر كما يقال حاتم الجود والمراد الروح والمقدس وخاتم الجواد والمقدس المطهر من المآثم ﴿مِن رَبِّكَ﴾ من عنده امره ﴿بالحق﴾ حال أي نزله ملتبساً بالحكمة ﴿لِيُثَبِّتَ الذين آمنوا﴾ ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا والحكمة لأنه حكيم لا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب حكم لهم بثبات القدم وصحة اليقين وطمأنينة القلوب ﴿وَهُدًى وبشرى﴾ مفعول لهما معطوفان على محل ليثبت والتقدير تثبيتاً لهم وإرشاداً وبشارة ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم
стр. 2767
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ﴾ أراودا به غلاما كان لحو يطب قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش أو يعيش وكان صاحب كتب أو هو جبر غلام رومي لعامر بن الحضرمي أو عبدان جبر ويسار كانا يقرآن التوراة والإنجيل فكان رسول الله ﷺ يسمع ما يقرآن أو سلمان الفارسي ﴿لِّسَانُ الذى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ وبفتح الياء والحاء حمزة وعلي ﴿أَعْجَمِىٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ أي لسان الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه لسان أعجمي غير بيّن وهذا القرآن لسان عربي مبين ذو بيان وفصاحة رداً لقولهم وإبطالاً لطعنهم وهذه الجملة أعني لسان الذي يلحدون إليه أعجمي لا محل لها لأنها مستأنفة جواب لقولهم واللسان اللغة ويقال الحد القبر ولحده وهو وملحود وملحوذ إذا أمال حفره عن الاستقامة فحفر في شق منه ثم استعير لكل إمالة عن الاستقامة فقالوا ألحد فلان في قوله وألحد في دينه ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها
стр. 2768
إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)
﴿إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله﴾ أي القرآن ﴿لاَ يَهْدِيهِمُ الله﴾ ما داموا مختارين الكفر ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة على كفرهم
стр. 2769
إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)
﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى الكذب﴾ على الله ﴿الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله﴾ أي إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن لأنه
النحل (١٠٥ _ ١٠٧)
لا يترقب عقاباً عليه وهو رد لقولهم إنما أنت مفتر ﴿وَأُوْلئِكَ﴾ إشارة إلى الذين لا يؤمنون أي وأولئك ﴿هُمُ الكاذبون﴾ على الحقيقة الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب أو وأولئك هم الكاذبون في قولهم إنما أنت مفتر جوزوا أن يكون
стр. 2770
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)
﴿مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه﴾ شرطاً مبتدأ أو حذف جوابه لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل من كفر بالله فعليهم غضب ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ ساكن به ﴿ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي طاب به نفساً واعتقده ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وأن يكون بدلاً من الذين لا يؤمنون بآيات الله على أن يجعل وأولئك هم الكاذبون اعتراضاً بين البدل والمبدل منه والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الإفتراء ثم قال ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله وأن يكون بدلاً من المبتدأ الذي هو أولئك أي ومن كفر بالله من بعد إيمانه هم الكاذبون أو من الخبر الذي هو الكاذبون أي وأولئك هم من كفر بالله من بعد ايمانه وأن ينتصب على الذم رُوى أنَّ ناساً من أهل مكة فتنوا فارتدوا وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان منهم عمار وأما أبواه ياسر
следующие страницы →