← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) ولما قال اعرابى لرسول الله ﷺ أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه نزل ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ﴾ علماً وإجابة لتعاليه عن القرب

стр. 317

مكاناً ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ﴾ الداعي دعاني في الحالين سهل ويعقوب ووافقهما أبو عمرو ونافع غير قالون في الوصل غيرهم بغير ياء في الحالين ثم إجابة الدعاء وعد صدق من الله لا خلف فيه غير أن إجابة الدعوة تخالف قضاء الحاجة فإجابة الدعوة أن يقول العبد يا رب فيقول الله لبيك عبدي وهذا أمر موعود موجود لكل مؤمن وقضاء الحاجة إعطاء المراد وذا قد يكون ناجزاً وقد يكون بعد مدة وقد يكون في الآخرة وقد تكون الخيرة له في غيره ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى﴾ إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بي﴾ واللام فيها للأمر ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد وهو ضد الغي

стр. 318

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة ثم إن عمر رضى الله عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبي ﵇ وأخبره بما فعل فقال ﵇ ما كنت جديراً بذلك فنزل ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث﴾ إي الجماع ﴿إلى نسائكم﴾ عدى بالى لتضمنه معنى الإفضاء وإنما كنى عنه بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يقل الإفضاء إلى نسائكم استقباحاً لما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختياناً لأنفسهم ولما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه شبه باللباس المشتمل عليه بقوله تعالى ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ وقيل لباس أي ستر عن الحرام وهن لباس لكم استئناف كالبيان لسبب الإحلال وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخ الطة والملابسة قل صبركم عنهن وصعب عليكم اجتنابهن فلذا رخص لكم في مباشرتهن ﴿عَلِمَ

стр. 319

الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ تظلمونها بالجماع وتنقصونها حظها من الخير والاختيان من الخيانة كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور ﴿وَعَفَا عنكم﴾ ما فعلتم قبل الرخصة ﴿فالآن باشروهن﴾ جامعوهن في ليالي الصوم وهو أمر إباحة وسميت المجامعه مباشرة لالتصاق بشرتيهما البقرة (١٨٧ _ ١٨٨) ﴿وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ﴾ واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة أى لا تباشروالقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل أو وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم ﴿وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض﴾ هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود ﴿مِنَ الخيط الأسود﴾ وهو ما يمتد من سواد الليل شبهاً بخيطين أبيص وأسوج لامتدادهما ﴿مِنَ الفجر﴾ بيان أن الخيط الأبيض من الفجر لا من غيره واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر أو من للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوله وقوله من الفجر أخرجه من باب الاستعارة وصيره تشبيهاً بليغاً كما أن قولك رأيت أسد امجازا فاذا ازدت من فلان رجع تشبيها وعن عدى بن حاتم قال عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتى فنظرت الهيما فلم يتبين لي الأبيض من الأسود فأخبرت النبي ﵇ بذلك فقال إنك لعريض القفا أي سليم القلب لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل وفي قوله ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ أى الكف عن هذه الأشياء وفيه دليل على جدواز النية بالنهار في صوم رمضان وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر وعلى نفي الوصال وعلى وجوب الكفارة في الأكل

стр. 320

والشرب وعلى أن الجنابة لا تنافي الصوم ﴿وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد﴾ معتكفون فيها بيّن أن الجماع يحل في ليالي رمضان لكن لغير المعتكف والجملة في موضع الحال وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد ﴿تِلْكَ﴾ الأحكام التي ذكرت ﴿حُدُودُ الله﴾ أحكامه المحدودة ﴿فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ بالمخالفة والتغيير ﴿كذلك يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ﴾ شرائعه ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يتقون﴾ المحارم

стр. 321

وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم﴾ أي لا يأكل بعضكم مال بعض ﴿بالباطل﴾ بالوجه الذي لم يبحه الله ولم يشرعه ﴿وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام﴾ ولا تدلوا بها فهو مجزوم داخل في حكم النهي يعني ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام ﴿لِتَأْكُلُواْ﴾ بالتحاكم ﴿فَرِيقاً﴾ طائفة ﴿مّنْ أَمْوَالِ الناس بالإثم﴾ بشهادة الزور أو بالأيمان الكاذبة أو بالصلح مع العلم بأن المقضى له ظالم وقال ﵇ للخصمين إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئاً فإن ما أقضى له قطعة من نار فبكيا وقال كل واحد منهما حقي لصاحبي وقيل وتدلوا بها وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه البقرة (١٨٨ _ ١٩٠) الرشوة يقال أدلى دلوه أي ألقاه في البئر للاستسقاء ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم على الباطل وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح وصاحبه بالتوبيخ أحق

стр. 322

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) قال معاذ بن جبل يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا

стр. 323

لا يكون على حالة واحدة كالشمس فنزل ﴿يسألونك عَنِ الأهلة﴾ جمع هلال سمي به لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته ﴿قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج﴾ أي معالم يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم وأيام حيضهن ومدة حملهن وغير ذلك ومعالم للحج يعرف بها وقته كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دار ولا فسطاطاً من باب فإن كان من أهل الدر نقب نقباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فنزل ﴿وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا﴾ أي ليس البر بتحرجكم من دخول الباب ولا خلاف في رفع البر هنا لأن الآية ثمة تحتمل الوجهين كما بينا فجاز الرفع والنصب ثمة وهذه لا تحتمل إلا وجهاً واحداً وهو الرفع إذ الباء لا تدخل إلا على خبر ليس ﴿ولكن البر﴾ بر ﴿مَنِ اتقى﴾ ما حرم الله البيوت وبابه مدني وبصري وحفص وهو الأصل مثل كعب وكعوب ومن كسر الباء فلمكان الياء بعدها ولكن هي توجب الخروج من كسر إلى ضم وكأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها معلوم أن كل ما يفعله الله تعالى لا يكون إلا حكمة فدعوا السؤال عنه وانظروا في خصلة واحدة تفعلونها مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها براً فهذا وجه اتصاله بما قبله ويحتمل أن يكون ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت الحج لأنه كان من أفعالهم في الحج ويحتمل أن يكون هذا تمثيلاً لتعكيسهم في سؤالهم وإن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخل من ظهره والمعنى ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم ولكن البر بر من اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله

стр. 324

﴿وَأْتُواْ البيوت من أبوابها﴾ أى وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا أو المراحد وجوب الاعتقاد بأن جميع أفعاله تعالى حكمة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك فى ذلك متى لا يسأل عنه لما في السؤال من الاتهام بمقارفة الشك لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿واتقوا الله﴾ فيما أمركم به ونهاكم عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لتفوزوا بالنعيم السرمدي

стр. 325

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) ﴿وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله﴾ المقاتلة في سبيل الله الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين ﴿الذين يقاتلونكم﴾ يناجزونكم القتال دون المحاجزين وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله تعالى ﴿وَقَاتِلُواْ المشركين﴾ كافة وقيل هي أول آية نزلت في القتال فكان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتل ويكف عمن كف أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل البقرة ((١٩٠ _ ١٩٤) المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء أو الكفرة كلهم لأنهم قاصدون لمقاتلة المسلمين فهم في حكم المقاتلة ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ﴾ في ابتداء القتال أو بقتال من نهيتم عنه من النساء والشيوخ ونحوهما أو بالمثلة ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين﴾

стр. 326

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) ﴿واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ وجدتموهم والثقف الوجود على وجه الأخذ والغلبة ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي من مكة وعدهم الله تعالى فتح مكة بهذه الآية وقد فعل رسول الله ﷺ بمن لم يسلم منهم يوم الفتح ﴿والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل﴾ أي شركهم بالله أعظم من القتل الذي يحل بهم منكم وقيل الفتنة عذاب الآخرة وقيل المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان فيعذب به أشد عليه من القتل وقيل لحكيم ما أشد من الموت قال الذي يتمنى فيه الموت فقد جعل الإخراج من الوطن من الفتن التي يتمنى عندها الموت ﴿وَلاَ

стр. 327

تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ أى ولا تبدءوا بقتالهم فى الحرم حتى يبدءوا فعندنا المسجد الحرام يقع على الحرم كله ﴿فَإِن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ في الحرم فعندنا يقتلون في الأشهر الحرم لا فى الحرم إلا أن يبدءوا بالقتال معنا فحينئذ نقتلهم وإن كان ظاهر قوله ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ يبيح القتل في الأمكنة كلها لكن لقوله ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ خص الحرم إلا عند البداءة منهم كذا في شرح التأويلات ﴿كذلك جَزَاءُ الكافرين﴾ مبتدأ وخبر ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم حمزة وعلي

стр. 328

فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) ﴿فَإِنِ انْتَهَوْاْ﴾ عن الشرك والقتال ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ﴾ لما سلف من طغيانهم ﴿رَّحِيمٌ﴾ بقبول توبتهم وإيمانهم

стр. 329

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ شرك وكان تامة وحتى بمعنى كي أو إلى أن ﴿وَيَكُونَ الدين للَّهِ﴾ خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب أي لا يعبدونه شيء ﴿فَإِنِ انتهوا فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين﴾ فإن امتنعوا عن الكفر فلا تقاتلوهم فإنه لا عدوان إلا على الظالمين ولم يبقوا ظالمين أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المتهين سمى جزاء الظالمين ظلماً للمشاكلة كقوله فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتم القتال وذلك في ذي القعدة

стр. 330

الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) ﴿الشهر الحرام﴾ مبتدأ خبره ﴿بالشهر الحرام﴾ أي هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه بهتكه يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم ﴿والحرمات قصاص﴾ قِصَاصٌ أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أى حرمة كان اقتص منه بأن تهتك له حرمه فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك ولا تبالوا وأكد ذلك بقوله ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ

стр. 331

مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ من شرطية والباء غير زائدة والتقدير بعقوبة مما ثلة لعدوانهم أو زائدة وتقديره عدواناً مثل عدوانهم ﴿واتقوا الله﴾ فى حال كونكم منتصرين ممن اعتدى عليكم فلا تعتدوا إلى مالا يحل لكم ﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ بالنصر

стр. 332

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) ﴿وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله﴾ تصدقوا في رضا الله وهو عام في الجهاد وغيره ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ أي أنفسكم والباء زائدة أو ولا تقتلوا أنفسكم بأيديكم كما يقال أهلك فلان نفسه بيده إذا تسبب لهلاكها والمعنى النهى عن ترك الاتفاق في سبيل الله لأنه سبب الهلاك أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيع عياله أو عن الإخطار بالنفس أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدو والتهلكة والهلاك والهلك واحد ﴿وَأَحْسِنُواْ﴾ الظن بالله في الإخلاف ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين﴾ إلى المحتاجين

стр. 333

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦) ﴿وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ﴾ وأدوهما تأمين بشرائطهما وفرائضمها لوجه الله تعالى بلا توان ولا نقصان وقيل الإتمام يكون بعد الشروع فهو دليل على أن من شرع فيهما لزمه إتمامهما وبه تقول إن العمرة تلزم بالشروع ولا تمسك للشافعي ﵀ بالآية على لزوم العمرة لأنه أمر بإتمامها وقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع أو إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك أو أن تفرد لكل واحد منهما سفراً أو أن تنفق فيهما حلالا أو ألا تتجر معهما ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يقال أحصر فلان إذا منعه أمر من خوف أو مرض أو عجز وحصر إذا حبسه عدو عن المضي وعندنا الإحصار يثبت بكل منع من عدو أو مرض أو غيرهما لظاهر النص وقد جاء في الحديث من كسر أو عرج فقد حل أي جاز له أن يحل وعليه الحج من قابل وعند الشافعي ﵀ الإحصار بالعدو وحده وظاهر النص يدل على أن

стр. 334

الإحصار يتحقق في العمرة أيضاً لأنه ذكر عقبهما ﴿فَمَا استيسر مِنَ الهدى﴾ فما تيسر منه يقال يسر الأمر واستيسر كما يقال صعب واستصعب والهدي جمع هدية يعني فإن منعتم من المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدى من بعير أو بقرة أو شاة فما رفع بالابتداء أي فعليكم ما استيسر أو نصب أي فاهدوا له ما استيسر ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ البقرة (١٩٦ _ ١٩١) الخطاب للمحصرين أي لا تحلوا بحلق الرأس حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ محله أي مكانه الذي يجب نحره فيه وهو الحرم وهو حجة لنا في أن دم الإحصار لا يذبح إلا فى الحرم على الشافعى ﵀ إذ عنده يجوز في غير الحرم ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ فمن كان منكم به مرض يحوجه إلى الحلق ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ وهو القمل أو الجراحة ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ فعليه إذا حلق فدية ﴿مِّن صِيَامٍ﴾ ثلاثة أيام ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من بر ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ شاة وهو مصدر أو جمع نسيكة ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ الإحصار أي فإذا لم تحصروا وكنتم في حال أمن وسعة ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ استمتع ﴿بالعمرة إِلَى الحج﴾ واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلى الله قبل انتفاعه بالتقرب بالحج وقيل إذا حل من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرماً عليه إلى أن يحرم بالحج ﴿فَمَا استيسر مِنَ الهدى﴾ هو هدي المتعة وهو نسك يؤكل منه ويذبح يوم النحر ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ الهدي ﴿فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج﴾ فعليه صيام ثلاثة أيام في وقت الحج وهو أشهره ما بين الإحرامين إحرام العمرة وإحرام الحج ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إذا نفرتم وفرغتم من أفعال الحج ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ في وقوعها بدلا عن الهدي أو في الثواب أو المراد رفع الإبهام فلا يتوهم في الواو أنها بمعنى الإباحة كما في جالس الحسن وابن سيرين ألا ترى أنه لو جالسهما أو واحد منهما كان ممتثلاً ﴿ذلك﴾ إشارة إلى التمتع عندنا إذلا تمتع

стр. 335

ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندنا وعند الشافعى ﵀ إلى الحكم الذي هو وجوب الهدي أو الصيام ولم يوجب عليهم شيئاً ﴿لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المسجد الحرام﴾ هم أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة ﴿واتقوا الله﴾ فيما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره ﴿واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ لمن لم يتقه

стр. 336

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧) ﴿الحج﴾ أي وقت الحج كقولك البرد شهران ﴿أَشْهُرٌ معلومات﴾ معروفات عند الناس لا يشكلن عليهم وهى شوال وذوا القعدة وعشر ذى الحجة وفائدة توقيت الحج بهذه الأشهر أن شيئاً من أفعال الحج لا يصح إلا فيها وكذا الإحرام عند الشافعى ﵀ وعندنا وإن انعقد لكنه مكروه وجمعت أي الأشهر لبعض الثالث أو لأن اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى فقد صغت قلوبكما ﴿فمن فرض﴾ ألزمه على نفسه بالإحرام ﴿فِيهِنَّ الحج﴾ في هذه الأشهر ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ هو الجماع أو ذكره عند النساء أو البقرة (١٩٧ _ ١٩٨) الكلام الفاحش ﴿وَلاَ فُسُوقَ﴾ هو المعاصي أو السباب لقوله ﵇ سباب المؤمن فسوق أو التنابز بالألقاب لقوله تعالى ﴿بِئْسَ الاسم الفسوق﴾ ﴿ولا جدال في الحج﴾ ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين وإنما أمر باجتناب ذلك وهو واجب الاجتناب في كل حال لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن والمراد بالنفي وجوب انتفائها وانها حقيقة بأن لا تكون وقرأ أبو عمرو ومكي الأولين بالرفع فحملاهما على معنى النهي كأنه قيل فلا يكونن رفث ولا فسوق والثالث بالنصب على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل ولا شك ولا خلاف في الحج ثم حث على الخير

стр. 337

عقيب النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن ومكان الفسوق البر والتقوى ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة بقوله تعالى ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾ اعلم بأنه عالم به يجازيكم عليه ورد قول من نفى علمه بالجزئيات كان أهل اليمن لا يتزودون ويقولون نحن متوكلون فيكونون كلاً على الناس فنزل فيهم ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾ أى تزودوا واتقوا والاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾ أي الإتقاء عن الإبرام والتثقيل عليهم أو تزودوا للعماد باتقاء المحظورات فإن خير الزاد اتقاؤها ﴿واتقون﴾ وخافوا عقابى وهو مثل دعان ﴿يا أولي الالباب﴾ يا ذوي العقول يعني أن قضية اللب تقوى الله ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لالب له

стр. 338

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ونزل في قوم زعموا أن لا حج لجمال وتاجر وقالوا هؤلاء الداجّ وليسوا بالحاج ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ﴾ في أن تبتغوا في مواسم الحج ﴿فَضْلاً مّن رَّبِّكُمْ﴾ عطاء وتفضيلا وهو النفع والربح بالتجارة والكراء ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم﴾ دفعتم بكثرة من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة وأصله أفضتم أنفسكم فترك ذكر المفعول ﴿مّنْ عرفات﴾ هي علم للموقف سمي بجمع كازرعات وإنما صرفت لأن التاء فيها ليست للتأنيث بل هي مع الألف قبلها علامة جمع المؤنث وسميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم ﵇ فلما رآها عرفها وقيل التقى فيها آدم وحواء فتعارفا وفيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده ﴿فاذكروا الله﴾ بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات أو

стр. 339

بصلاة المغرب والعشاء ﴿عند المشعر الحرام﴾ هو قزع وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه المقيدة والمشعر المعلم لأنه معلم العبادة ووصف بالحرام لحرمته وسميت المزدلفة وجمعا لأن آدم ﵇ اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين أو لأن الناس يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون بالوقوف فيها ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ ما مصدرية أو كافة أى اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة أو اذكروه كما علمكم البقرة (١٩٨ _ ٢٠١) كيف تذكرونه ولا تعدلوا عنه ﴿وَإِن كُنتُمْ مِّن قَبْلِهِ﴾ من قبل الهدى ﴿لَمِنَ الضالين﴾ الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه وإن مخففة من الثقيلة واللام فارقة

стр. 340

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس﴾ ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس ولا تكن من المزدلفة قالوا هذا أمر لقريش بالإفاضة من عرفات إلى جمع وكانوا يقفون بجمع وسائر الناس بعرفات ويقولون نحن قطان حرمه فلا نخرج منه وقيل الإفاضة من عرفات مذكورة فهي الإفاضة من جمع إلى منى والمراد بالناس على هذا الحمس ويكون الخطاب للمؤمنين ﴿واستغفروا الله﴾ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم أو من تقصيركم في أعمال الحج ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ بكم

стр. 341

فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم﴾ فإذا فرغتم من عباداتكم التي أمرتم

стр. 342

بها في الحج ونفرتم ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم﴾ أي فاذكروا الله ذكراً مثل ذكركم آباءكم والمعنى فأكثروا من ذكر الله وبالغوا فيه كما تفعلون فى ذكر آبائكم ومفاخرهم وأياسهم وكانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل فيعددون فضائل آبائكم ويذكرون محاسن أيامهم ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ أي أكثر وهو في موضع جر عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله كذكركم كما تفولون كذكر قريش آباءَهم أو قوم أشد منهم ذكرا وذكرا تمييز ﴿فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ﴾ فمن الذين يشهدون الحج من يسأل الله حظوظ الدنيا فيقول ﴿ربنا آتنا في الدنيا﴾ اجعل إتياننا أي إعطاءنا في الدنيا خاصة يعني الجاه والغنى ﴿وَمَا لَهُ فِى الآخرة مِنْ خلاق﴾ نصيب لأن همه مقصور على الدنيا لكفره بالآخرة والمعنى أكثروا ذكر الله ودعاءه لأن الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا أغراض الدنيا ومكثر يطلب خير الدارين فكونوا من المكثرين أي من الذين قيل فيهم

стр. 343

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) ﴿وَمِنْهُمُ﴾ ومن الذين يشهدون الحج ﴿مَّن يَقُولُ ربنا آتنا فِى الدنيا حَسَنَةً﴾ نعمة وعافية أو علماً وعبادة ﴿وَفِي الآخرة حَسَنَةً﴾ عفواً ومغفرة أو المال والجنة أو ثناء الخلق ورضا الحق أو الإيمان والأمان أو الإخلاص والخلاص أو السنة والجنة أو القناعة والشفاعة أو المرأة الصالحة والحور العين أو العيش على سعادة والبعث من القبور على بشارة ﴿وَقِنَا عَذَابَ النار﴾ احفظنا من عذاب جهنم أو عذاب النار امرأة السوء

стр. 344

أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢) ﴿أولئك﴾ أى الداعون بالحسنتين البقرة (٢٠١ _ ٢٠٥) ﴿لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ﴾ من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة أو من أجل ما كسبوا وسمى الدعاء كسباً لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب ويجوز أن يكون أولئك للفريقين أو أن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا ﴿والله سَرِيعُ الحساب﴾ يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدل على كمال قدرته ووجوب الحذر من نقمته وروي أنه يحاسب الخلق في قدر حلب شاة وروي في مقدار لمحة

стр. 345

وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) ﴿واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات﴾ هي أيام التشريق وذكر الله فيها التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ فمن عجل فى الفر أو استعجل النفر وتعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل يقال تعجل في الأمر واستعجل ومتعديين يقال تعجل للذهاب واستعجله والمطاوعة اوفق بقوله ومن تأخر ﴿فِى يَوْمَيْنِ﴾ من هذه الأيام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث واكتفى برمي الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث واكتفى برمي الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فلا يأثم بهذا التعجيل ﴿وَمَن تَأَخَّرَ﴾ حتى رمى في اليوم الثالث ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتقى﴾ الصيد أو الرفث والفسوق أو هو مخير فى التعجيل والتأخر وإن كان التأخر أفضل فقد يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل وقيل كان أهل الجاهلية فريقين منهم من جعل المتعجل آثماً ومنهم من جعل المتأخر آثماً فورد القرآن بنفي المأثم عنهما ﴿واتقوا الله﴾ في جميع الأمور ﴿واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ حين يبعثكم من القبور

стр. 346

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) كان الأخنس بن شريق حلو المنطق إذا لقى رسول الله ﷺ ألان له القول وادعى أنه يحبه وأنه مسلم وقال يعلم الله أني صادق فنزل فيه ﴿وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ يروقك ويعظم فى قلبك ومنه الشئ العجيب الذي يعظم في النفس ﴿فِي الحياة الدنيا﴾ في يتعلق بالقول أي يعجبك ما يقوله في معنى الدنيا لأنه يطلب بادعاء المحبة حظ الدنيا ولا يريد به الآخرة أو بيعجبك أي يعجبك حلو كلامه في الدنيا لا في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الحبسة واللكنة ﴿وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ﴾ أي يحلف ويقول الله شاهد على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الخصام﴾ شديد الجدال والعداوة للمسلمين والخصام المخاصمة والإضافة بمعنى في لأن أفعل يضاف إلى ما هو بعضه تقول زيد أفضل القوم ولا يكون الشخص بعض الحدث فتقديره ألد في الخصومة أو الخصام جمع خصم كصعب وصعاب والتقدير وهو أشد الخصوم خصومة

стр. 347

وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) ﴿وَإِذَا تولى﴾ عنك وذهب بعد إلانة القول واحلاء المطنق البقرة (٢٠٥ _ ٢١٠) ﴿سعى في الأرض ليفسد فيها﴾ كما فعل بثقيف فإنه كان بينه وبينهم خصومة فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم ﴿وَيُهْلِكَ الحرث والنسل﴾ أي الزرع والحيوان أو إذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل وقيل يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل ﴿والله لاَ يُحِبُّ الفساد﴾

стр. 348

وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ﴾ للأخنس ﴿اتق الله﴾ في الإفساد والإهلاك ﴿أخذته العزة بالإثم﴾ حملته الخوة وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه وألزمته ارتكابه أو الباء للسبب أي أخذته العزة من أجل الإثم الذي في

стр. 349

قلبه وهو الكفر ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أي كافيه ﴿وَلَبِئْسَ المهاد﴾ أي الفراش جهنم ونزل في صهيب حين أراده المشركون على ترك الإسلام وقتلوا نفرا كانوا معه فاشترى نفسه بما له منهم وأتى المدينة أو فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل

стр. 350

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧) ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ﴾ يبيعها ﴿ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد﴾ حيث أثابهم على ذلك

стр. 351

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فِي السلم﴾ وبفتح السين حجازي وعلي وهو الاستسلام والطاعة أي استسلموا لله وأطيعوه أو الإسلام والخطاب لأهل الكتاب لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم أو للمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم ﴿كافة﴾ لا يخرج أحدمنكم يده عن طاعته حال من الضمير في ادخلوا أي جميعاً أو من السلم لأنها تؤنث كأنهم أمروا أن يدخلوا في الطاعات كلها أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها وكافة من الكف كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان﴾ وساوسه ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ظاهر العداوة

стр. 352

فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) ﴿فإن زللتم﴾ ملتم عن الدخول فيه هو الحق ﴿فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ﴾ غالب لا يمنعه شيء من عذابكم ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يعذب إلا بحق ورُوي أن قارئاً قرأ غفور رحيم فسمعه

стр. 353

أعرابي لم يقرأ القرآن فأنكره وقال ليس هذا من كلام الله إذ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل والعصيان لأنه إغراء عليه

стр. 354

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ ما ينتظرون ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله﴾ أي أمر الله وبأسه كقوله أَوْ يأتى أمر ربك فجاءها بأسنا أو المأتي به محذوف بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه للدلالة عليه بقوله إن الله البقرة (٢١٠ _ ٢١٣) عزيز ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جمع ظلة وهي ما أظلك ﴿من الغمام﴾ السحاب وهو للتهويل إذ الغمام مظنة الرحمة فإذا أنزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول ﴿والملائكة﴾ أي وتأتي الملائكة الذين وكلوا بتعذيبهم أو المراد حضورهم يوم القيامة ﴿وَقُضِىَ الأمر﴾ أي وتم أمر إهلاكهم وفرغ منه ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ أي أنه ملّك العباد بعض الأمور فترجع إليه الأمور يوم النشور ترجع الأمور حيث كان شامي وحمزة وعلي

стр. 355

سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) ﴿سَلْ﴾ أصله اسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين بعد حذفها واستغني عن همزة الوصل فصار سل وهو أمر للرسول أو لكل أحد وهو سؤال تقريع كما يسئل الكفرة يوم القيامة ﴿بني إسرائيل كَمْ آتيناهم مّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتهم أو من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام وكم استفهامية أو خبرية ﴿وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله﴾ هي آياته وهي أجل نعمة من الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة وتبديلهم إياها إن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رجسهم أى وحرفوا آيات الكتب الدالة على دين محمد ﵇ ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ﴾ من بعد ما عرفها وصحت عنده لأنه إذا لم يعرفها فكأنها غائبة عنه ﴿فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ لمن استحقه
следующие страницы →