← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨) ﴿وَإِن مّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قبل الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة ﴿كَانَ ذلك فِى الكتاب﴾ في اللوح المحفوظ ﴿مَسْطُورًا﴾ مكتوباً وعن مقاتل وجدت الإسراء (٥٩) في كتب الضحاك في تفسيرها أما مكة فيخربها الحبشة وتهلك المدنية بالجوع والبصرة بالغرق والكوفة بالترك والجبال بالصواعق والرواجف وأما خراسان فعذابها ضروب وأما بلخ فتصيبهم هدَّة فيهلك أهلها وأما بدخشان فيخربها أقوام وأماترمذ فأهلها يموتون بالطاعون وأما صغانيان الى واشجرد فيقتلون بقتل ذريع وأما سمرقند فيغلب عليها بنو قنطوراء فيقتلون أهلها قتلاً ذريعاً وكذا فرغانة والشاش واسبيجاب وخوارزم وأما بخارى فهي أرض الجبابرة فيموتون قحطاً وجوعاً وأما مرو فيغلب عليها الرمل ويهلك بها العلماء والعباد وأما هراة فيمطرون بالحيات فتأكلهم أكلاً وأما نيسابور فيصيب أهلها رعد وبرق وظلمة فيهلك أكثرهم وأما الري فيغلب عليها الطبرية والديلم فيقتلونهم وأما أرمينية وأذربيجان فيهلكها سنابك الخيول والجيوش والصواعق والرواجف وأما همذان فالديلم يدخلها ويخربها وأما حلوان فيمر بها ريح ساكنة وهم نيام فيصبح أهلها قردة وخنازير ثم يخرج رجل من جهينة فيدخل مصر فويل لأهلها ولأهل دمشق وويل لأهل إفريقية وويل لأهل الرملة ولا يدخل بيت المقدس وأما سجستان فيصيبهم ريح عاصف أياماً ثم هدة تأتيهم ويموت فيها العلماء وأما كرمان وأصبهان وفارس

стр. 2872

فيأتيهم عدو وصاحوا صيحة تنخلع القلوب وتموت الأبدان

стр. 2873

وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩) ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون﴾ استعير المنع لترك إرسال الآيات وأن الأولى مع صلتها في موضع النصب لأنها مفعول ثان لمنعا وأن الثانية مع صلتها في موضع الرفع لأنها فاعل منعنا والتقدير وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين والمراد الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهباً ومن إحياء الموتى وغير ذلك وسنة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال والمعنى وما منعنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك وعذبوا العذاب المستأصل وقد حكمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة ثم ذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت فأهلكوا واحدة وهي ناقة صالح ﵇ لأن آثار هلاكهم قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم فقال ﴿وآتينا ثمود الناقة﴾ باقتراحهم ﴿مُبْصِرَةً﴾ آية بينة ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ فكفروا بها ﴿وَمَا نُرْسِلُ بالآيات﴾ إن أراد بها الآيات المقترحة فالمعنى لا نرسلها ﴿إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة له فإن لم يخافوا وقع عليهم وإن أراد غيرها فالمعنى وما نرسل ما نرسل من الآيات كآيات القرآن وغيرها إلا تخويفا وانذار بعذاب الآخرة وهو مفعول الإسراء (٦٠ _ ٦١) له

стр. 2874

وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠) ﴿وإذ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس وَمَا جعلنا الرؤيا التى أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ﴾

стр. 2875

واذكر إذ أوحيا إليك أن ربك أحاط بقريش علماً وقدرة فكلهم في قبضته فلا تبال بهم وامض لأمرك وبلغ ما أرسلت به أو بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم وذلك قوله سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وتحشرون الى جهنم وبئس المهاد فجعله كأن قد كان ووجد فقال أحاط بالناس على سنته في إخباره ولعل الله تعالى أراه مصارعهم في منامه فقد كان يقول حين ورد ماء بدر والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يومىء إلى الأرض ويقول هذا مصرع فلان فتسامعت قريش بمااوحى إلى رسول الله ﷺ من أمر بدر وماارى في منامه مصارعهم فكانوا يضحكون ويسخرون ويستعجلون به استهزاء ﴿والشجرة الملعونة في القرآن﴾ أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس فإنهم حين سمعوا بقوله ان شجرة الزقوم طعام الاثيم جعلوها سخرية وقالوا ان محمد يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول تنبت فيها الشجرة وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ذلك فإنه لا يمتنع أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار فوبر السمندل وهو دويبة ببلاد الترك يتخذ منه مناديل إذا اتسخت طرحت في النار فذهب الوسخ وبقي المنديل سالماً لا تعمل فيه النار وترى النعامة تبتلع الجمر فلا يضرها وخلق في كل شجرة ناراً فلا تحرقها فجاز أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها والمعنى أن الآيات إنما ترسل تخويفاً للعباد وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر وخوفوا بعذاب الآخرة وبشجرة الزقوم فما أثر فيهم ثم قال ﴿وَنُخَوّفُهُمْ﴾ أي بمخاوف الدنيا والآخرة ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ التخويف ﴿إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ فكيف يخاف قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات وقيل الرؤيا هي الإسراء والفتنة ارتداد من استعظم ذلك وبه تعلق من يقول كان الإسراء في المنام ومن قال كان في اليقظة فسر الرؤيا

стр. 2876

بالرؤيا وإنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له لعلها رؤيا رأيتها استبعاداً منهم كما سمى أشياء بأساميها عند الكفرة كقوله فراغ الى آلهتهم أين شركائى أو هي رؤيا أنه سيدخل مكة والفتنة الصد بالحديبية فإن قلت ليس في القرآن ذكر لعن شجرة الزقوم قلت معناه والشجرة الملعون آكلها وهم الكفرة لأنه قال ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالون المكذبون لاَكِلُونَ مِن شَجَرٍ من زقوم فمالؤون منها البطون فوصفت بلعن أهلها على المجاز ولأن العرب تقول لكل اطعام مكروه ضار ملعون ولأن اللعن هو الايعاذ من الرحمة وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة

стр. 2877

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ هو تمييز أو حال من الموصول والعامل فيه أأسجد على أأسجد له وهو طين أي أصله طين

стр. 2878

قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) ﴿قال أرأيتك هذا الذى﴾ الكاف لا موضع لها لأنها ذكرت للخطاب تأكيداً هذا مفعول به والمعنى أخبرنى عن هذا الذي ﴿كرمت علي﴾ أن فضلته لم كرمته علي وأنا خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طين فحذف ذلك اختصاراً لدلالة ما تقدم عليه ثم ابتدأ فقال ﴿لئن أخرتن﴾ وبلاياء كوفي وشامي واللام موطئة للقسم المحذوف ﴿إلى يَوْمِ القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ﴾ لأستأصلنهم بإغوائهم ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وهم المخلصون قيل من كل ألف واحد وإنما علم الملعون ذلك بالإعلام أو لأنه رأى أنه خلق شهواني

стр. 2879

قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) ﴿قَالَ اذهب﴾ ليس من الذهاب الذي هو ضد المجيء وإنما معناه امض لشأنك الذي اخترته خذلاناً وتخلية ثم عقبه بذكر ما جره سوء اختياره فقال ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ والتقدير فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤك ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل جزاؤكم وانتصب ﴿جزاء موفورا﴾ أي موفورا باضمار تجازون

стр. 2880

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) ﴿واستفزز﴾ استزل أو استخف استفزه أي استخفه والفز الخفيف ﴿مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ بالوسوسة أو بالغناء أو بالمزمار ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم﴾ اجمع وصح بهم من الجلبة وهو الصياح ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ بكل راكب وماش من أهل العيث فالخيل الخيالة والرجل اسم جمع للراجل ونظيره الركب والصحب ورجلك حفص على أن فعلاً بمعنى فاعل كتعب وتاعب ومعناه وجمعك الرِجل وهذا لأن أقصى ما يستطاع في طلب الأمور الخيل والرجل وقيل يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال ﴿وَشَارِكْهُمْ فِى الأموال والأولاد﴾ قال الزجاج كل معصية في مال وولد فإبليس شريكهم فيها كالربا والمكاسب المحرمة والبحيرة والسائبة والإنفاق في الفسوق والإسراف ومنع الزكاة والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام والتسمية بعبد العزى وعبد شمس ﴿وَعِدْهم﴾ المواعيد الكاذبة من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل ونحو ذلك ﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً﴾ هو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب

стр. 2881

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥) ﴿أَن عِبَادِى﴾ الصالحين ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان﴾ يد بتبديل الايمان

стр. 2882

ولكن بتسويل الإسراء (٦٥ _ ٦٩) العصيان ﴿وكفى بِرَبّكَ وَكِيلاً﴾ لهم يتوكلون به في الاستعاذة منك أو حافظاً لهم عنك والكل أمر تهديد فيعاقب به أو إهانة أي لا يخل ذلك بملكي

стр. 2883

رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) ﴿رَّبُّكُمُ الذى يُزْجِى﴾ يجري ويسير ﴿لَكُمُ الفلك فِى البحر لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ يعني الربح في التجارة ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾

стр. 2884

وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِى البحر﴾ أي خوف الغرق ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ﴾ ذهب عن أوهامكم كل من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده فإنكم لا تذكرون سواه أو ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله وحده الذي ترجونه على الاستثناء المنقطع ﴿فَلَمَّا نجاكم إِلَى البر أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الإخلاص بعد الخلاص ﴿وَكَانَ الإنسان﴾ أي الكافر ﴿كَفُورًا﴾ للنعم

стр. 2885

أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) ﴿أَفَأَمِنتُمْ﴾ الهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض ﴿أَن يخسف بكم جانب البر﴾ انتصب جانب بيخسف مفعولاً به كالأرض في قوله فَخَسَفْنَا بِهِ وبداره الأرض وبكم حال والمعنى أن يخسف جانب البر أي يقلبه وأنتم عليه والحاصل أن الجوانب كلها في قدرته سواء وله في كل جانب برا كان أو بحرا سبب من أسباب الهلاك ليس جانب البحر وحده مختصاً به بل إن كان الغرق في جانب البحر ففي جانب البر الخسف وهو تغييب تحت التراب والغرق تغييب تحت الماء فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب وحيث كان ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ هي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء يعني أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً﴾ يصرف ذلك عنكم

стр. 2886

أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) ﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أخرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي أم أمنتم أن يقوي دواعيكم يوفر حوائجكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه فأعرضتم فينتقم منكم بأن يرسل عليكم ﴿قَاصِفًا مّنَ الريح﴾ وهي الريح التي لها قصيف وهو الصوت الشديد أو هو الكاسر للفلك ﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ بكفرانكم النعمة وهو إعراضكم حين نجاكم ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ مطالباً من قوله فاتباع الإسراء (٧٠ _ ٧٣) بالمعروف أي مطالبة والمعنى إنا نفعل ما نفعل بهم ثم لا يجدوا أحداً يطالبنا بما فعلنا انتصاراً منا ودركاً للثأر من جهتنا وهذا نحو قوله وَلاَ يَخَافُ عقباها أن نخسف أو نرسل أن نعيدكم فنرسل فنغرقكم بالنون مكي وأبو عمرو

стр. 2887

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠) ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ بالعقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المعتدلة وتدبير أمر المعاش والمعاد والاستيلاء وتسخير الأشياء وتناول الطعام بالأيدي وعن الرشيد أنه أحضر طعاما فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف رحمه الله تعالى فقال له جاء في تفسير حدك ابن عباس ﵄ قوله تعالى ولقد كرمنا بنى آدم جعلنا لهم أصابع يأكلون بها فأحضرت الملاعق فردها وأكل بأصابعه ﴿وحملناهم فِى البر﴾ على الدواب ﴿والبحر﴾ على السفن ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات﴾ باللذيذات أو بما كسبت أيديهم ﴿وفضلناهم على كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ أي على الكل كقوله وأكثرهم كاذبون قال الحسن أي كلهم وقوله وَمَا يَتَّبِعُ أكثرهم إلا ظنا ذكر في الكشاف أن المراد بالأكثر الجميع وعنه ﵇ المؤمن أكرم على الله من الملائكة وهذا لأنهم مجبولون

стр. 2888

على الطاعة ففيهم عقل بلا شهوة وفي البهائم شهوة بلا عقل وفي الآدمي كلاهما فمن غلب عقله شهوته فهو أكرم من الملائكة ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم ولأنه خلق الكل لهم وخلقهم لنفسه

стр. 2889

يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) ﴿يوم ندعوا﴾ منصوب باذكر ﴿كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم﴾ الباء للحال والتقدير مختلطين بامهم أي بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين أو كتاب أو دين فيقال يا أتباع فلان يا أهل دين كذا أو كتاب كذا وقيل بكتاب أعمالهم فيقال يا أصحاب كتاب الخير ويا أصحاب كتاب الشر ﴿فَمَنْ أُوتِىَ﴾ من هؤلاء المدعوين ﴿كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم﴾ وإنما قيل أولئك لأن من في معنى الجمع ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء ولم يذكر الكفار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله

стр. 2890

وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢) ﴿وَمَن كَانَ فِى هذه﴾ الدنيا ﴿أعمى فَهُوَ فِى الآخرة أعمى﴾ كذلك ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ من الأعمى أي أضل طريقاً والأعمى مستعار ممن لا يدرك المبصرات لفساد حاسته لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة أما في الدنيا فلفقد النظر وأما في الآخرة فلأنه لا ينفعه الاهتداء إليه وقد جوّزوا أن يكون الثاني بمعنى التفضيل بدليل عطف وأضل ومن ثم قرأ أبو عمرو والأول ممالاً والثاني مفخماً لأن أفعل التفضيل تمامه بمن فكانت ألفه في حكم الواقعة في وسط الكلمة فلا يقبل الإمالة وأما الأول فلم يتعلق به شيء فكانت ألفه واقعة في الطرف فقبلت الإمالة وأمالهما حمزة وعلي وفخمهما الباقون

стр. 2891

وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) ولما قالت قريش اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك نزل ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إن مخففة من الثقيلة واللام فارقة الإسراء (٧٣ _ ٧٨) بينها وبين النافية والمعنى إن الشأن قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين ﴿عَنِ الذى أوحينا إليك﴾ من أوامرنا ونواهينا ووعيدنا

стр. 2892

﴿لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ لتتقول علينا ما لم نقل يعني ما اقترحوه من تبديل الوعد وعيداً والوعيد وعداً ﴿وَإِذاً لآَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ أي ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك خليلا ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي

стр. 2893

وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) ﴿وَلَوْلاَ أَن ثبتناك﴾ ولولا تثبيتنا وعصمتنا ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ لقاربت أن تميل إلى مكرهم ﴿شَيْئًا قَلِيلاً﴾ ركوناً قليلاً وهذا تهييج من الله له وفضل تثبيت

стр. 2894

إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) ﴿إِذَا﴾ لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة ﴿لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات﴾ لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين لعظيم ذنبك بشرف منزلتك ونبوتك كما قال يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة الآية وأصل الكلام لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات لأن العذاب عذابان عذاب في الممات وهو عذاب القبر وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار والعذاب يوصف بالضعف كقوله فآتهم عذابا ضعفا من النار أي مضاعفاً فكأن أصل الكلام لأذقناك عذاباً ضعفاً في الحياة وعذاباً ضعفاً في الممات ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وهو الضعف ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل ضعف الحياة وضعف الممات ويجوز أن يراد بضعف الحياة عذاب الحياة الدنيا وبضعف الممات ما يعقب الموت من عذاب القبر وعذاب النار وفي ذكر الكيدودة وتقليلها مع إتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين دليل على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله ولما نزلت كان ﵇ يقول اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ معيناً لك يمنع عذابنا عنك

стр. 2895

وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) ﴿وَإِن كَادُواْ﴾ أي أهل مكة ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم ﴿مّنَ الأرض﴾ من أرض مكة ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ﴾ لا يبقون ﴿خلفك﴾ بعدك أي بعد إخراجك خلافك كوفي غير أبي بكر وشامي بمعناه ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ زماناً قليلاً فإن الله مهلكهم وكان كما قال فقد أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل أو معناه ولو أخرجوك لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم ولم يخرجوه بل هاجر بأمر ربه وقيل من أرض العرب أو من أرض المدينة

стр. 2896

سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧) ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا﴾ يعني أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فسنة الله أن يهلكهم ونصبت نصب المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة ﴿وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ تبديلاً

стр. 2897

أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ لزوالها وعلى هذه الآية جامعة للصلوات الخمس أو لغروبها وعلى هذا يخرج الظهر والعصر ﴿إلى غَسقِ الليل﴾ هو الظلمة وهو وقت صلاة العشاء ﴿وقرآن الفجر﴾ صلاة الفجر سميت قرآناً وهو القراءة لكونها ركناً كما سميت ركوعاً وسجوداً وهو حجة على الأَصم حيث زعم أن القراءة ليست بركن أو سميت قرآناً لطول قراءتها وهو عطف على الصلاة ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ يشهده ملائكة الليل والنهار ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار أو يشهده الكثير من المصلين في العادة

стр. 2898

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) ﴿ومن الليل﴾ وعليك بعض الليل ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ والتهجد ترك الهجود للصلاة ويقال في النوم أيضاً تهجد ﴿بِهِ﴾ بالقرآن ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس وضع نافلة موضع تهجداً لأن التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد والمعنى أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة غنيمة لك أو فريضة عليك خاصة دون غيرك لأنه تطوع لهم ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا﴾ نصب على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً أو ضمن يبعثك معنى يقيمك وهو مقام الشفاعة عند الجمهور ويدل عليه الأخبار أو هو مقام يعطى فيه لواء الحمد

стр. 2899

وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق﴾ وهو مصدر أي أدخلني القبر إدخالاً مرضياً على طهارة من الزلات ﴿وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ أي أخرجني منه عند البعث إخراجاً مرضياً ملقى بالكرامة آمناً من الملامة دليله ذكره على أثر ذلك البعث وقيل نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة أو هو عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه من أمر ومكان ﴿واجعل لّي مِن لَّدُنْكَ سلطانا نَّصِيرًا﴾ حجة تنصرني على من خالفني أو ملكاً وعزاً قوياً ناصراً للإسلام على الكفر مظهراً له عليه

стр. 2900

وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) ﴿وَقُلْ جَاء الحق﴾ الإسلام ﴿وَزَهَقَ﴾ وذهب وهلك ﴿الباطل﴾ الشرك أو جاء القرآن وهلك الشيطان ﴿إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا﴾ كان مضمحلاً في كل أوان

стр. 2901

وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢) ﴿وَنُنَزّلُ﴾ وبالتخفيف أبو عمرو ﴿مِن القرآن﴾ من للتبيين ﴿مَا هُوَ شِفَاء﴾ من أمراض القلوب ﴿ورحمة﴾ لكروب وتفريج وتطهير للعيوب وتكفير للذنوب ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي الحديث من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه

стр. 2902

الله ﴿وَلاَ يَزِيدُ الظالمين﴾ الكافرين ﴿إَلاَّ خَسَارًا﴾ ضلالاً لتكذيبهم به وكفرهم

стр. 2903

وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان﴾ بالصحة والسعة الإسراء (٨٣ _ ٨٦) ﴿أَعْرَضَ﴾ عن ذكر الله أو أنعمنا بالقرآن أعرض ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ تأكيد للإعراض لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره أو أراد الاستكبار لأن ذلك من عادة المستكبرين نأى بالأمالة حمزة وبكسرها عليَّ ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر﴾ الفقر والمرض أو نازلة من النوازل ﴿كَانَ يؤوسا﴾ شديد اليأس من روح الله

стр. 2904

قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤) ﴿قُلْ كُلٌّ﴾ أي كل أحد ﴿يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ﴾ على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلال ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سبيلا﴾ أسد مذهبا وطريقة

стр. 2905

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) ﴿ويسألونك عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى﴾ أي من أمر يعلمه ربي الجمهور على أنه الروح الذي في الحيوان سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من مر الله أي مما استأثر بعلمه وعن أبي هريرة لقد مضى النبي ﷺ وما يعلم الروح وقد عجزت الأوائل عن إدراك ما هيته بعد إنفاق الأعمار الطويلة على الخوض فيه والحكمة في ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز ولذا رد ما قيل في حده أنه جسم دقيق هوائي في كل جزء من الحيوان وقيل هو خلق عظيم روحاني أعظم من الملك وعن ابن عباس ﵄ هو جبريل ﵇ نزل به

стр. 2906

الروح الأمين على قلبك وعن الحسن القرآن دليله وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ولأن به حياة القلوب ومن أمر ربي أي من وحيه وكلامه ليس من كلام البشر ورُوي أن اليهود بعثت إلى قريش أن سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فإن أجاب عن الكل أوسكت عن الكل فليس بنبي وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوارة فندموا على سؤالهم وقيل كان السؤال عن خلق الروح يعني أهو مخلوق أم لا وقوله من أمر ربي دليل خلق الروح فكان هذا جواباً ﴿وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ الخطاب عام فقد رُويَّ أن رسول الله ﷺ لما قال لهم ذلك قالوا نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه فقال بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقيل هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي ﷺ قد أوتينا التوارة وفيها الحكمة وقد تلوت وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فقد أوتى خيرا كثيرا فقيل لهم ان علم التوارة قليل في جنب علم الله فالقلة والكثرة من الأمور الإضافية فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله تعالى فهي قليلة

стр. 2907

وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) ثم نبه على نعمة الوحى وعزاء بالصبر على أذى الجدال في السؤال بقوله ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ الإسراء (٨٦ _ ٩٢) لنذهبن جواب قسم محذوف مع نيابته عن جزاء الشرط واللام الداخلة على إن توطئة للقسم والمعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف فلم نترك له أثراً ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ أي ثم لا تجد لك بعد الذهاب به من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظاً مسطورا

стр. 2908

إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ أي إلا إن يرحمك ربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد أو يكون على الاستثناء المنقطع أي ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظاً بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه ونزل جواباً لقول النضر لو نشاء لقلنا مثل هذا

стр. 2909

قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يأتوا بمثل هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظهيرا﴾ معينا ولا يأتون جواب قسم محذوف ولولا اللام الموطئة لجاز أن يكون جواباً للشرط كقوله ... يقول لا غائب مالي ولا حرم ... لأن الشرط وقع ماضياً أي لو تظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في بلاغته وحسن نظمه وتأليفه لعجزوا عن الإتيان بمثله

стр. 2910

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ رددنا وكررنا ﴿لِلنَّاسِ فِي هذا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه ﴿فأبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ جحوداً وإنما جاز فأبى أكثر الناس إلا كفوراً ولم يجز ضربت إلا زيداً لأن أبى متأول بالنفي كأنه قيل فلم يرضوا إلا كفوراً ولما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر ولزمتهم الحجة وغلبوا اقترحوا الآيات فعل المبهوت المحجوج المتحير
следующие страницы →