← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

حتى نجالسك نزل ﴿واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ واحبسها معهم وثبتها ﴿بالغداة والعشى﴾ دائبين على الدعاء في كل وقت أو بالغداة لطلب التوفيق والتيسير والعشي لطلب عفو التقصير أو هما صلاة الفجر والعصر بالغُدوة شامي ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ رضا الله ﴿وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ ولا تجاوز عداه إذا جاوزه وعدى بعن لنضمن عدا معنى نبا في قولك نبت عنه عينه وفائدة التضمين إعطاء مجموع معنيين وذلك أقوى من اعطاء معنى فذ ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا﴾ في موضع الحال ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ من جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر وهو دليل لنا على أنه تعالى خالق أفعال العباد ﴿واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ مجاوزاً عن الحق

стр. 2977

وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) ﴿وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ﴾ أي الإسلام أو القرآن والحق خبر مبتدأ محذوف أي هو ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ أي جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك وجئ بلفظ الأمر والتخيير لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ما شاء من النجدين ثم ذكر جزاء من اختيار الكفر فقال إِنَّا أَعْتَدْنَا هيأنا للظالمين للكافرين فقيد بالسباق كما تركت حقيقة الأمر والتخيير بالسياق وهو قوله إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاطبهم سُرَادِقُهَا شبه ما يحيط بهم من النار بالسرا دق وهي الحجرة التي تكون حول الفسطاط أو هو دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم النار أو هو حائط من نار يطيف بهم وَإِن يَسْتَغِيثُواْ من العطش يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل هو دردي الزيت أو ما بِئْسَ الشراب

стр. 2978

ذلك وَسَاءتْ النار مُرْتَفَقًا متكأ من الرفق وهذه لمشاكلة قوله وحسنت مرتفقا وإلا فلا ارتفاق لأهل النار

стр. 2979

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) وبين جزاء من اختار الإيمان فقال ﴿إِنَّ الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أحسن عملا

стр. 2980

أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١) ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ كلام مستأنف بيان للأجر المبهم ولك أن تجعل إنَّا لا نضيع وأولئك خبرين معاً والمراد من أحسن منهم عملاً كقولك السمن منوان بدرهم أو لأن من أحسن عملا والذين آمنوا أو عملوا الصالحات ينتظمهما معنى واحد فأقام الكهف (٣٣ - ٣١) من أحسن مقام الضمير ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ من للإبتداء وتنكير أساور وهي جمع أسورة التي هي جمع سوار لإبهام أمرها في الحسن مّن ذَهَبٍ من للتبيين وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سندس مارق من الديباج وَإِسْتَبْرَقٍ ما غلظ منه أي يجمعون بين النوعين مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك خص الاتكاء لأنه هيئة المتنعمين والملوك على أسرتهم نِعْمَ الثواب الجنة وَحَسُنَتْ الجنة والأرائك مرتفقا متكأ

стр. 2981

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ ومثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين في بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مسلم اسمه يهوذا وقيل هما المذكوران في والصافات في قوله قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ ورثا من ابيهما ثمانية آلاف دينار فجعلاهما شطرين فاشترى الكافر أرضاً بألف دينار فقال المؤمن اللهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه داراً بألف فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال اللهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور ثم اشترى أخوه خدما وستاعا بألف دينار فقال اللهم إني اشتريت منك دار في الجنة بألف فتصدق

стр. 2982

به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال اللهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار فقال اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده وويخه على التصديق بماله ﴿جَعَلْنَا لأَِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أعناب﴾ بساتين من كروم وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وجعلنا النخل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة يقال حفوه إذا أطافوا به وحففته بهم أي جعلتهم حافين حوله وهو متعد إلى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولاً ثانياً ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ جعلناها أرضاً جامعة للأقوات والفواكه ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق

стр. 2983

كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) ﴿كِلْتَا الجنتين اتَتْ﴾ أعطت حمل على اللفظ لأن لفظ كلتا مفرد ولو قيل آتتا على المعنى لجاز ﴿أُكُلُهَا﴾ ثمرها ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ﴾ ولم تنقص من أكلها شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خلالهما نَهَراً نعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص ثم بما هو أصل الخير ومادته من أمر الشرب فجعله أفضل ما يسقى به وهو النهر الجاري فيها

стр. 2984

وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ لصاحب الجنتين ثَمَرٌ أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثره أي الكهف (٣٩ - ٣٤) كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الكثيرة من الذهب والفضة وغيرهما هاله ثمر وأحيط بثمره بفتح الميم والثاء عاصم وبضم الثاء وسكون الميم أبو عمرو وبضمهما غيرهما ﴿فَقَالَ لصاحبه وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ يراجعه الكلام من حار يحور إذا رجع يعني قطروس أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه ﴿أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ أنصاراً وحشماً أو أولاداً ذكوراً لأنهم ينفرون معه دون الإناث

стр. 2985

وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) ﴿ودخل جنته﴾ إحدى جنتيه أو سماهما جنة لا تحاد الحائط وجنتين للنهر الجاري بينهما وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ ضار لها بالكفر ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ أي أن تهلك هذه الجنة شك في بيدودة جنته لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بالمهلة وترى أكثر الأغنياء من المسلمين تنطق ألسنة أحوالهم بذلك

стр. 2986

وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) ﴿وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ كائنة ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ إقسام منه على أنه إن رد إلى ربه على سبيل الفرض كما يزعم صاحبه ليجدن في الآخرة خيراً من جنته في الدنيا إدعاء لكرامته عليه ومكانته عنده منقلباً تمييز أي مرجعاً وعاقبة

стр. 2987

قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) ﴿قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي خلق أُصلك لأن خلق أصله سبب في خلقه وكان خلقه خلقاله ﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ أي خلقك من نطفة ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ عدلك وكملك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال جعله كافراً بالله لشكه في البعث

стр. 2988

لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) ﴿لَكُنَّا﴾ بالألف في الوصل شامي الباقون بغير ألف وبالألف في الوقف اتفاق وأصله لكن أنا فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن فتلاقت النونان فأدغمت الأولى في الثانية بعد أن سكنت ﴿هُوَ الله رَبّى﴾ هو ضمير الشأن والشأن الله ربي والجملة خبر أنا والراجع منها إليه ياء الضمير وهو استدراك لقوله أكفرت قال لأخيه أنت كافر بالله لكني مؤمن وموحد كما تقول زيد غائب لكن عمراً حاضر وفيه حذف أي أقول هو الله بدليل عطف ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا﴾

стр. 2989

وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) ﴿وَلَوْلاَ﴾ وهلا ﴿إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء الله﴾ ما موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمر ماشاء الله أو شرطية

стр. 2990

منصوبة الموضع والجزاء محذوف يعني أي شيء شاء الله كان والمعنى هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها الأمر ما شاء الله اعترافا بأنها وكل ما فيها إنما حصل بمشيئته الله وأن أمرها بيده إن شاء تركها عامرة وإن شاء خربها ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها هو بمعونته وتأييده الكهف (٤٣ - ٣٩) من قرأ ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً﴾ بنصب أقل فقد جعل أنا فصلاً ومن رفع وهو الكسائي جعله مبتدأ وأقل خبره والجملة مفعولا ثانيا لترني وفي قوله ﴿وَوَلَدًا﴾ نصرة لمن فسر النفر بالأولاد في قوله وأعز نفرا

стр. 2991

فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) ﴿فعسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ﴾ في الدنيا أو في العقبي ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا﴾ عذاباً ﴿مِّنَ السماء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أرضاً بيضاء يزلق عليها لملاستها

стр. 2992

أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ غائراً أي ذاهباً في الأرض ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ فلا يتأنى منك طلبه فضلاً عن الوجود والمعنى إن ترن أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله ان يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى فيرزقني لإيماني جنة خيراً من جنتك ويسلبك لكفرك نعمته ويخرب بساتينك

стр. 2993

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ هو عبارة عن إهلاكه وأصله من أحاط به العدو لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه ثم استعمل في كل أهلاك ﴿فأصبح﴾ أي كافر ﴿يقلب كفيه﴾ يضرب احداهما على الأخرى ندماً وتحسراً وإنما صار تقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر لأن النادم يقلب كفيه ظهر البطن كما كنى عن ذلك بِعَضِّ الكف والسقوط في اليد ولأنه في معنى الندم عُدي تعديته بعلي كأنه قيل فأصبح يندم ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ أي في عمارتها ﴿وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عروشها﴾ يعني أن كرومها المعرشة سقطت عروشها على

стр. 2994

الأرض وسقطت فوقها الكروم ﴿ويقول يا ليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا﴾ تذكر موعظة أخيه فعلم أنه أتي من جهة كفره وطغيانه فتمنى لو لم يكن مشركاً حتى لا يهلك الله بستانه حين لم ينفعه التمني ويجوز أن يكون توبة من الشرك وندماً على ما كان منه ودخولاً في الإيمان

стр. 2995

وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ﴾ يقدرون على نصرته ﴿مِن دُونِ الله﴾ أي هو وحده القادر على نصرته لا يقدر أحد غيره أن ينصره إلا أنه لم ينصره لحكمة ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً﴾ وما كان ممتنعاً بقوته عن انتقام الله

стр. 2996

هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤) ﴿هنالك الولاية لله الحق﴾ يكن بالياء والولاية بكسر الواو حمزة وعلي فهي بالفتح النصرة والتولي وبالكسر السلطان والملك والمعنى هنالك أي في ذلك المقام وتلك الحال النصرة لله وحده لا يملكها غيره ولا يستطيعها أحد سواه تقريراً لقوله ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله أو هنالك السلطان والملك لله لا يغلب أو في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطر يعني أن قوله يا ليتني لم أشرك بربي أحداً كلمة ألجيء إليها فقالها جزعاً مما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها أو هنالك الولاية لله ينصر فيها اولياء المؤمنين على الكفرة الكهف (٤٨ - ٤٤) وينتقم لهم يعني أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن وصدق قوله فعسى ربي أن يؤتيني خيراً من جنتك ويرسل عليها حسانا من السماء ويؤيده قوله ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقباً﴾ أي لأوليائه أو هنالك إشارة إلى الآخرة أي في تلك الدار الولاية لله كقوله لمن الملك اليوم الحق بالرفع أبو عمرو وعلى صفة للولاية أو خبر مبتدأ محذوف أي هي الحق أو هو الحق غيرهما بالجر صفة لله عقبا سكون القاف عاصم وحمزة وبضمها غيرهما وفي الشواذ عقبى على وزن فعلى وكلها بمعنى العاقبة

стр. 2997

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) ﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَاء أنزلناه

стр. 2998

من السماء﴾ أي هو كما أنزلناه ﴿فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً أو أثر في النبات الماء فاختلط به حتى روى ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ يابساً متكسراً الواحدة هشيمة ﴿تَذْرُوهُ الرياح﴾ تنسفه وتطيره الريح حمزة وعلي ﴿وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء﴾ من الإنشاء والإفناء ﴿مُّقْتَدِرًا﴾ قادراً شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والإفناء بحال النبات يكون اخضر ثم يهج فتطيره الريح كأن لم يكن

стр. 2999

الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦) ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ لا زاد القبر وعدة العقبى ﴿والباقيات الصالحات﴾ أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للإنسان أو الصلوات الخمس أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا﴾ جزاء ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ لأنه وعد صادق وأكثر الآمال كاذبه يعني أن صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله ويصيبه في الآخرة

стр. 3000

وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) ﴿وَيَوْمَ﴾ واذكر يوم ﴿نُسَيّرُ الجبال﴾ تُسيَّر الجبال مكي وشامي وأبو عمرو أي تسير في الجو أو يذهب بها بأن تجعل هباء منثوراً منبثاً ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ ليس عليها ما يسترها مما كان عليها من الجبال والأشجار ﴿وحشرناهم﴾ أي الموتى ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أحدا﴾ أي فلم نترك غدارة أي تركه ومنه الغدر ترك الوفاء والغدير ما غادره السيل

стр. 3001

وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) ﴿وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا﴾ مصطفين ظاهرين ترى جماعتهم كما ترى كل واحد لا يحجب أحد أحداً شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان ﴿لَّقَدْ جئتمونا﴾ أي قلنا لهم جئتمونا وهذا المضمر يجوز أن يكون عامل النصب في يوم نسير ﴿كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي لقد بعثناكم كما أنشأناكم أول مرة أو جئتمونا عراة لا شيء معكم كما خلقناكم أولاً وإنما قال وحشرناهم ماضياً بعد نسير وترى للدلالة على حشرهم

стр. 3002

قبل التسيير الكهف (٥١ - ٤٨) وقبل البروز ليعاينوا تلك الأهوال كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا﴾ وقتاً لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث والنشور أو مكان وعد للمحاسبة

стр. 3003

وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ أي صحف الأعمال ﴿فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ من الذنوب ﴿وَيَقُولُونَ يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً﴾ أي لا يترك شيئاً من المعاصي ﴿إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ حصرها وضبطها ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا﴾ في الصحف عتيداً أو جزاء ما عملوا ﴿وَلاَ يظلم ربك أحدا﴾ فيكتب عليه مالم يعمل أو يزيد في عقابه أو يعذبه بغير جرم

стр. 3004

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ سجود تحية أو سجود انقياد ﴿فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كان من الجن﴾ وهو متسأنف كان قائلا قال ماله لم يسجد فقيل كان من الجن ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ﴾ خرج عما أمره ربه به من السجود وهو دليل على أنه كان مأمور بالسجود مع الملائكة ﴿أفتتخذونه﴾ هو ﴿وَذُرّيَّتَهُ﴾ الهمزة للإنكار والتعجب كأنه قيل أعقيب ما وجد منه تتخذونه وذريته ﴿أَوْلِيَاء مِن دُونِى﴾ وتستبدلونهم بي ومن ذريته لا قيس موسوس الصلاة والأعور صاحب الزنا وبتر صاحب الصائب ومطوس صاحب الاراجيف وداسم يدخل ويأكل مع من لم يسم الله تعالى ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ أعداء ﴿بِئْسَ للظالمين بَدَلاً﴾ بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله فأطاعه بدل طاعة الله

стр. 3005

مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) ﴿مَّا أَشْهَدتُّهُمْ﴾ أي إبليس وذريته ﴿خَلَقَ السماوات والأرض﴾ يعني

стр. 3006

أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة وإنما يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الالهية فنفي مشاركتهم في الالهية بقوله ما اشهدتهم خلق السموات والأرض لأعتضد بهم في خلقها أو أشاورهم فيه أي تفردت بخلق الأشياء فأفردوني في العبادة ﴿وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله ولا تقتلوا أنفسكم ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين﴾ أي وما كنت متخذهم ﴿عَضُداً﴾ أي أعواناً فوضع المضلين موضع ضمير ذمالهم بالإضلال فإذا لم يكونوا عضداً لي في الخلق فما لكم تتخذونهم شركاء لي في العبادة

стр. 3007

وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) ﴿ويوم يقول﴾ الله الكهف (٥٦ - ٥٢) للكفار وبالنون حمزة ﴿نَادُواْ﴾ ادعوا بصوت عالٍ ﴿شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ﴾ أنهم فيكم شركائي ليمنعوكم من عذابي وأراد الجن وأضاف الشركاء إليه على زعمهم توبيخاً لهم ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾ مهلكا من وبق يبق وبوقا إذا هلك أو مصدرا كالموعد أي وجعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم وهو مكان الهلاك والعذاب الشديد مشتركاً يلهكون فيه جميعا أو للملائكة وعزيزا وعيسى والموبق البرزخ البعيد أي وجعلنا بينهم أمداً بعيداً لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان

стр. 3008

وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣) ﴿وَرَأَى المجرمون النار فَظَنُّواْ﴾ فَأيقنوا ﴿أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾ أي مخالطوها واقعون فيها ﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا﴾ عن النار ﴿مَصْرِفًا﴾ معدلاً

стр. 3009

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ﴾ يحتاجون إليه ﴿وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً﴾ تمييز أي أكثر الأشياء التي يتأنى منها الجدل إن فصلتها واحداً بعد واحد خصومة ومماراة بالباطل يعني أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل شيء

стр. 3010

وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥) ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الهدى﴾ أي سببه وهو الكتاب والرسول ﴿وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب﴾ أن الأولى نصب والثانية رفع وقبلها مضاف محذوف تقديره وما منع الناس الإيمان والاستغفار انتظار أن تأتيهم سنة الأولين وهي الإهلاك أو انتظار أن يأتيهم العذاب أي عذاب الآخرة ﴿قُبُلاً﴾ كوفي أي أنواعاً جمع قبيل الباقون قِبلا أي عياناً

стр. 3011

وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) ﴿وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ يوقف عليه ويستأنف بقوله ﴿ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل﴾ هو قولهم للرسل ما أنتم إلا بشر مثلنا ولو شاء الله لأنزل ملائكة ونحو ذلك ﴿لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق﴾ ليزيلوا ويبطلوا بالجدال النبوة ﴿واتخذوا آياتي﴾ القرآن ﴿وَمَا أُنْذِرُواْ﴾ ما موصولة والراجع من الصلة محذوف أي وما أنذروه من العقاب أو مصدرية أي انذرهم ﴿هُزُواً﴾ موضع استهزاء بسكون الزاي والهمزة حمزة بإبدال الهمزة واوا حفص وبضم الزاي والهمزة غيرهما

стр. 3012

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه﴾ بالقرآن ولذلك رجع الضمير إليها مذكراً في قوله أن يفقهوه ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ فلم يتذكر حين ذكر ولم يتدبر ﴿وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ عاقبة ما قدمت يداه من الكفر والمعاصي غير متفكر فيها ولا ناظر في أن المسيء والمحسن لا بد لهما من جزاء ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم بقوله ﴿إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطية جمع كنان وهو الغطاء ﴿أن يفقهوه وفي آذانهم وَقراً﴾ ثقلاً عن استماع الحق وجمع بعد الإفراد حملاً على لفظ من ومعناه ﴿وَإِن تَدْعُهُمْ﴾ يا محمد

стр. 3013

﴿إِلَى الهدى﴾ إلى الإيمان ﴿فَلَنْ يَهْتَدُواْ﴾ فلا يكون منهم اهتداء ألبتة ﴿إِذَا﴾ جزاء وجواب فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سبباً في انتفائه وعلى انه جواب الرسول على تقدير قوله ما لي لا ادعوهم حرضا على إسلامهم فقيل وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً ﴿أَبَدًا﴾ مدة التكليف كلها

стр. 3014

وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) ﴿وَرَبُّكَ الغفور﴾ البليغ المغفرة ﴿ذُو الرحمة﴾ الموصوف بالرحمة ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب﴾ أي ومن رحمته ترك مؤاخذته أهل مكة عاجلا مع فرط عدواتهم لرسول الله ﷺ ﴿بل لهم موعد﴾ وهو يوم بدر ﴿لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ منجي ولا ملجأ يقال وآل إذا نجاوو أل إليه إذا لجأ إليه

стр. 3015

وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩) ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ ﴿القرى﴾ صفة لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس والخبر ﴿أهلكناهم﴾ أو تلك القرى نصب بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير والمعنى وتلك اصحاب القرى والمراد قوم نوح وعاد وثمود ﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ مثل ظلم أهل مكة ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ وضربنا لإهلاكهم وقتاً معلوماً لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر والمهلك الاهلاك ووقته بفتح الميم وكسر اللام حفص وبفتحها أبو بكر أي لوقت هلاكهم أو لهلاكهم والموعد وقت أو مصدر
следующие страницы →