← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) ﴿وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ يوقف عليه ويستأنف بقوله ﴿ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل﴾ هو قولهم للرسل ما أنتم إلا بشر مثلنا ولو شاء الله لأنزل ملائكة ونحو ذلك ﴿لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق﴾ ليزيلوا ويبطلوا بالجدال النبوة ﴿واتخذوا آياتي﴾ القرآن ﴿وَمَا أُنْذِرُواْ﴾ ما موصولة والراجع من الصلة محذوف أي وما أنذروه من العقاب أو مصدرية أي انذرهم ﴿هُزُواً﴾ موضع استهزاء بسكون الزاي والهمزة حمزة بإبدال الهمزة واوا حفص وبضم الزاي والهمزة غيرهما

стр. 3012

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه﴾ بالقرآن ولذلك رجع الضمير إليها مذكراً في قوله أن يفقهوه ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ فلم يتذكر حين ذكر ولم يتدبر ﴿وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ عاقبة ما قدمت يداه من الكفر والمعاصي غير متفكر فيها ولا ناظر في أن المسيء والمحسن لا بد لهما من جزاء ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم بقوله ﴿إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطية جمع كنان وهو الغطاء ﴿أن يفقهوه وفي آذانهم وَقراً﴾ ثقلاً عن استماع الحق وجمع بعد الإفراد حملاً على لفظ من ومعناه ﴿وَإِن تَدْعُهُمْ﴾ يا محمد

стр. 3013

﴿إِلَى الهدى﴾ إلى الإيمان ﴿فَلَنْ يَهْتَدُواْ﴾ فلا يكون منهم اهتداء ألبتة ﴿إِذَا﴾ جزاء وجواب فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سبباً في انتفائه وعلى انه جواب الرسول على تقدير قوله ما لي لا ادعوهم حرضا على إسلامهم فقيل وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً ﴿أَبَدًا﴾ مدة التكليف كلها

стр. 3014

وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) ﴿وَرَبُّكَ الغفور﴾ البليغ المغفرة ﴿ذُو الرحمة﴾ الموصوف بالرحمة ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب﴾ أي ومن رحمته ترك مؤاخذته أهل مكة عاجلا مع فرط عدواتهم لرسول الله ﷺ ﴿بل لهم موعد﴾ وهو يوم بدر ﴿لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ منجي ولا ملجأ يقال وآل إذا نجاوو أل إليه إذا لجأ إليه

стр. 3015

وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩) ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ ﴿القرى﴾ صفة لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس والخبر ﴿أهلكناهم﴾ أو تلك القرى نصب بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير والمعنى وتلك اصحاب القرى والمراد قوم نوح وعاد وثمود ﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ مثل ظلم أهل مكة ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ وضربنا لإهلاكهم وقتاً معلوماً لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر والمهلك الاهلاك ووقته بفتح الميم وكسر اللام حفص وبفتحها أبو بكر أي لوقت هلاكهم أو لهلاكهم والموعد وقت أو مصدر

стр. 3016

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) ﴿وإذا﴾ واذكر إذ ﴿قَالَ موسى لفتاه﴾ هو يوشع بن نون وإنما قيل فتاه لأنه كان يخدمه ويتبعه ويأخذ منه العلم ﴿لا أَبْرَحُ﴾ لا أزال وقد حذف الخبر لدلالة الحال والكلام عليه أما الأولى فلأنها كانت حال سفر وأما الثاني فلأن قوله ﴿حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين﴾ غاية مضروبة

стр. 3017

تستدعي ما هي غاية فلا بد أن يكون المعنى لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين وهو المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر الكهف (٦٤ - ٦١) ﵉ وهو ملتقى بحر فارس والروم وسمى خضرا لأنه أينما يصل يخضر ما حوله ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ أو أسير زماناً طويلاً قيل ثمانون سنة رُوي أنه لما ظهر موسى ﵇ على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط سأل ربه أي عبادك أحب إليك قال الذي يذكرني ولا ينساني قال فأي عبادك أقضى قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى قال فأي عبادك أعلم قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدل على هدى أو ترده عن ردى فقال إن كان في عبادك من هو أعلم مني فدلني عليه قال أعلم منك الخضر قال أين طلبه قال على الساحل عند الصخرة قال يا رب كيف لي به قال تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان قرقد موسى فاضطرب الحوت ووقع في البحر فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى فقال وأني يا رضنا السلام فعرفه نفسه فقال يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا

стр. 3018

فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ مجمع البحرين ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ أي نسي أحدهما وهو يوشع لأنه كان صاحب الزاد دليله فإني نسيت الحوت وهو كقولهم نسوا زادهم وإنما ينساه متعهدا الزاد قيل كان الحوت سمكة مملوحة فنزلا ليلة على شاطيء عين الحياة ونام موسى فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده عاشت ووقعت في الماء ﴿فاتخذ سَبِيلَهُ فِى البحر﴾ أي اتخذ طريقاً له من البر إلى البحر ﴿سَرَباً﴾ نصب على المصدر أي سرب فيه سرباً يعني دخل فيه واستتر به

стр. 3019

فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ مجمع البحرين ثم نزلا وقد سارا ما شاء الله ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿لفتاه آتنا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً﴾ تعبا ولم يتعب ولا جاع قبل ذلك

стр. 3020

قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصخرة﴾ هي موضع الموعد ﴿فَإِنّى نَسِيتُ الحوت﴾ ثم اعتذر فقال ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ﴾ وبضم الهاء حفص ﴿إِلاَّ الشيطان﴾ بإلقاء الخواطر في القلب ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بدل من الهاء في أنسانيه أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان ﴿واتخذ سَبِيلَهُ فِى البحر عَجَبًا﴾ وهو أن أثره بقي إلى حيث سار

стр. 3021

قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) ﴿قَالَ ذلك مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ نطلب وبالياء مكي وافقه أبو عمرو وعلي ومدني في الوصل وبغير ياء فيهما اتباعا لخط المصحف وذلك إشارة إلى اتخاذه سبيلاً أي ذلك الذي كنا نطلب لأن ذهاب الحوت كان علماً على لقاء الخضر ﵇ ﴿فارتدا على آثارهما﴾ فرجعا في الطريق الكهف (٧١ - ٦٥) الذي جاءا فيه ﴿قَصَصًا﴾ يقصان قصصاً أي يتبعان آثارهما اتباعاً قال الزجاج القصص اتباع الاثر

стр. 3022

فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا﴾ أي الخضر راقداً تحت ثوب أو جالسا في البحر ﴿آتيناه رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا﴾ هي الوحي والنبوة أو العلم أو طول الحياة ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ يعني الإخبار بالغيوب وقيل العلم اللدني ما حصل للعبد بطريق الإلهام

стр. 3023

قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) ﴿قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً﴾ أي علماً ذا رشد به في ديني رشدا أبو عمر وهما لغتان كالبخل والبخل وفيه دليل

стр. 3024

على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وأن كان قد بلغ نهايته وإن يتواضع لمن هو أعلم منه

стр. 3025

قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ﴾ وبفتح الياء حفص وكذا ما بعده في السورة ﴿صَبْراً﴾ أي عن الإنكار والسؤال

стр. 3026

وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ تمييز نفي استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد وعلل ذلك بأنه تولى أموراً هي في ظاهرها مناكير والرجل الصالح لا يتمالك أن يجزع إذا رأى ذلك فكيف إذا كان نبياً

стр. 3027

قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) ﴿قَالَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا﴾ من الصابرين عن الانكار والاعتراض ﴿وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً﴾ في محل النصب عطف على صابراً أي ستجدني صابراً وغير عاص وهو عطف على ستجدني ولا محل له

стр. 3028

قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) ﴿قَالَ فَإِنِ اتبعتنى فَلاَ تَسْأَلْنى﴾ بفتح اللام وتشديد النون مدني وشامي وبسكون اللام وتخفيف النون غيرهما والياء ثابتة فيهما إجماعاً ﴿عَن شَىء حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أي فمن شرط اتباعك لي أنك إذا رأيت مني شيئاً وقد علمت أنه صحيح إلا أنه خفي عليك وجه صحته فأنكرت في نفسك ألا تفاتحني بالسؤال ولا تراجعني فيه حتى أكون أنا الفاتح عليك وهذا من أدب المتعلم مع العالم والمتبوع مع التابع

стр. 3029

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) ﴿فانطلقا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السفينة خَرَقَهَا﴾ فانطلقا على ساحل البحر يطلبان السفينة فلما ركباها قال أهلها هما من اللصوص وقال صاحب السفينة أرى وجوه الأنبياء فحملوهما بغير نول فلما لججوا أخذ الخضر الفأس

стр. 3030

فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء فجعل موسى بسد الخرق بثيابه ثم ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ ليَغرق حمزة وعلي من غرق ﴿لَقَدْ جِئْتَ شيئا إمرا﴾ الكهف (٧٧ - ٧٢) أتيت شيئاً عظيماً من أمر الأمر إذا عظم

стр. 3031

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) ﴿قَالَ﴾ أي الخضر ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ فلما رأى موسى أن الخرق لا يدخله الماء ولم يفر من السفينة

стр. 3032

قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) ﴿قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ﴾ بالذي نسيته أو بشيء نسيته أو بنسياني أراد أنه نسي وصيته ولا مؤاخذة على الناس أو أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة ﴿وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِى عُسْراً﴾ رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه أي ولا تغشني عسراً من أمري وهو اتباعه إياه أي ولا تعسر على متابعتك ويسرها عليَّ بالإغضاء وترك المناقشة

стр. 3033

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) ﴿فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ﴾ قيل ضرب برأسه الحائط وقيل أضجعه ثم ذبحه بالسكين وإنما قال فقتله بالفاء وقال خرقها بغير فاء لأن خرقها جعل جزاء للشرط وجعل قتله من جملة الشرط معطوفاً عليه والجزاء ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ وإنما خولف بينهما لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب وقد تعقب القتل لقاء الغلام ﴿زَكِيَّةً﴾ زاكية حجازي وأبو عمرو وهي الطاهرة من الذنوب إما لأنها طاهرة عنده لأنه لم يرها قد اذنبت أو لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي لم تقتل نفساً فيقتص منها وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن نجدة الحروري كتب إليه كيف جاز قتله وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل الولدان فكتب إليه إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ وبضم الكاف حيث كان مدني وأبو بكر وهو المنكر وقيل النكر أقل من الإمر لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة أو معناه

стр. 3034

جئت شيئاً أنكر من الأول لأن الخرق يمكن تداركه بالسد ولا يمكن تدارك القتل

стр. 3035

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ معي صبرا﴾ زاد ذلك هنا لأن النكر فيه أكثر

стр. 3036

قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا﴾ بعد هذه الكرة أو المسألة ﴿فَلاَ تُصَاحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً﴾ أعذرت فيما بيني وبينك في الفراق ولدني بتخفيف النون مدني وأبو بكر

стр. 3037

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) ﴿فانطلقا حتى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ هي انطاكية أو الأبلة وهي أبعد أرض الله من السماء ﴿استطعما أَهْلَهَا﴾ استضافاً ﴿فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا﴾ ضيفه أنزله وجعله ضيفه قال ﵇ كانوا أهل قرية لئاماً وقيل شر القرى التي تبخل بالقرى ﴿فوجدا فيها﴾ الكهف (٨١ - ٧٧) في القرية ﴿جِدَاراً﴾ طوله مائة ذراع ﴿يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ يكاد يسقط استعيرت الإرادة للمداناة والمشارقة كما استعير الهم العزم لذلك ﴿فَأَقَامَهُ﴾ بيده أو مسحه بيده فقام واستوى أو نقضه وبناه كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم وقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسألة فلم يجدا مواسياً فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رآى من الحرمان ومساس الحاجة أن ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ أي لطلبت على عملك جعلا حتى تستدفع به الضرورة لتخذت بتخفيف التاء وكسر الخاء وإدغام الذال بصري وبإظهارها مكي وبتشديد التاء وفتح الخاء وإظهار الذال حفص وبتشديد التاء وفتح الخاء وإدغام الذال في

стр. 3038

التاء غيرهم والتاء في تخذ أصل كما في تبع واتخذا افتعل منه كاتبع من تبع وليس من الأخذ في شيء

стр. 3039

قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) ﴿قَالَ هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ﴾ هذا إشارة إلى السؤال الثالت أي هذا الاعتراض سبب الفراق والأصل هذا فراق بيني وبينك وقد قرئ به فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به ﴿سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾

стр. 3040

أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين يَعْمَلُونَ فِى البحر﴾ قيل كانت لعشرة أخوة خمسة منهم زمنى وخمسة يعملون في البحر ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أجعلها ذات عيب ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ﴾ أمامهم أو خلفهم وكان طريقهم في رجوعهم عليه وما كان عندهم خبرة أعلم الله به الخضر وهو جلندي ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ أي يأخذ كل سفينة صالحة لا عيب فيها غصباً وإن كانت معيبة تركها وهو مصدر أو مفعول له فإن قلت قوله فأردت أن أعيبها مسبب عن خوف الغضب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب قلت المراد به التأخير وإنما قدم للعناية

стр. 3041

وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) ﴿وَأَمَّا الغلام﴾ وكان اسمه الحسين ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طغيانا وَكُفْراً﴾ فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغياناً عليهما وكفرا لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه ويلحق بهما شراً وبلاء أو يعد بهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا بسببه وهو من كلام الخضر وإنما خشي الخضر منه ذلك لأنه تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره وإن كان من قول الله تعالى فمعنى فخشينا فعلمنا إن عاش أن يصير سبباً لكفر والديه

стр. 3042

فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ يبَدِّلهما ربهما مدني وابو عمرو ﴿خيرا منه زكاة﴾ طهارة ونقاء من الذنوب ﴿وأقرب رحما﴾ رحما وعطفا وزكاة

стр. 3043

وحرما تمييز روى أنه ولدت لهما جارية الكهف (٨٣ - ٨٢) تزوجها نبي فولدت نبيا أو أبدلهما ابنا مؤمنا مثلهما رحما شامي وهما لغتان

стр. 3044

وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢) ﴿وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لغلامين﴾ أصرم وصريم ﴿يَتِيمَيْنِ فِى المدينة﴾ هي القرية المذكورة ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا﴾ أي لوح من ذهب مكتوب فيه عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله أو مال مدفون من ذهب وفضة أو صحف فيها علم والأول أظهر وعن قتادة أحل الكنز لمن قبلنا وحرم علينا وحرمت الغنيمة عليهم وأحلت لنا ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا﴾ قيل جدهما السابع ﴿صالحا﴾ ممن يصحبني وعن الحسين بن علي ﵄ أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما بم حفظ الله الغلامين قال بصلاح أبيهما قال فأبي وجدي خير منه ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ أي الحلم ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً﴾ مفعول له أو مصدر منصوب بارادة ربك لأنه في معنى رحمهما ﴿مّن رَّبّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ﴾ وما فعلت ما رأيت ﴿عَنْ أَمْرِى﴾ عن اجتهادي وإنما فعلته بأمر الله والهاء تعود على الكل أو إلى الجدار ﴿ذلك﴾ أي الأجوبة الثلاثة ﴿تَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ حذف التاء تخفيفا وقد زال أقدام أقوام من الضلال في تفضيل الولي على النبي وهو كفر جلي حيث قالوا أمر موسى بالتعلم من الخضر وهو وليّ والجواب أن الخضر نبي وإن لم يكن كما زعم البعض فهذا ابتلاء في حق موسى ﵇ على أن أهل الكتاب يقولون إن موسى هذا ليس موسى بن عمران إنما هو موسى بن مانان ومن المحال أن يكون الوليّ وليًّا إلا بإيمانه بالنبي ثم يكون النبي دون الوليّ ولا غضاضة في طلب موسى العلم لأن الزيادة في العلم مطلوبة وإنما ذكر

стр. 3045

أولاً فأردت لانه فساد في الظاهر وهو فعله وثالثاً فأراد ربك لأنه إنعام محض وغير مقدور البشر وثانياً فأردنا لأنه إفساد من حيث الفعل إنعام من حيث التبديل وقال الزجاج معنى فأردنا فاراد الله ومثله في القرآن كثير

стр. 3046

وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) ﴿ويسألونك﴾ أي اليهود على جهة الإمتحان أو أبو جهل وأشياعه ﴿عَن ذِى القرنين﴾ هو الإسكندر الذي ملك الدنيا قيل ملكها مؤمنان ذو القرنين وسليمان وكافران نمرود وبختنصر وكان بعد نمرود وقيل كان عبداً صالحاً ملّكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وسخر له النور والظلمة فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه وقيل نبياً وقيل ملكا من الملائكة وعن علي ﵁ أنه قال ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبد صالحا فضرب عن قرنه الأمن في طاعة الله فمات ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله أراد نفسه قيل كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى وقال ﵇ سمي ذا القرنين لانه طاف قرني الكهف (٨٨ - ٨٣) الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها وقيل كان له قرنان أي ضفيرتان أو انقرض في وقته قرنان من الناس أو لأنه ملك الروم وفارس أو الترك والروم أو كان لتاجه قرنان أو على رأسه ما يشبه القرنين أو كان كريم الطرفين أبا وأما وكان من الروم ﴿قل سأتلو عَلَيْكُم مّنْهُ﴾ من ذي القرنين ﴿ذِكْراً﴾

стр. 3047

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض﴾ جعلنا له فيها مكان واعتلاء ﴿وآتيناه مِن كُلّ شَىْء﴾ أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه ﴿سَبَباً﴾ طريقاً موصلاً إليه

стр. 3048

فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة

стр. 3049

فأراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً يوصله إليه حتى بلغ وكذلك أراد المشرق فأتبع سبباً وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً فأتبع سبباً ثم أتبع كوفي وشامي الباقون بوصل الألف وتشديد التاء عن الأصمعي أتبع لحق واتبع اقتفى وإن لم يلحق

стр. 3050

حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) ﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس﴾ أي منتهى العمارة نحو المغرب وكذا المطلع قال ﷺ بدء أمره أنه وجد في الكتب أن أحد أولاد سام يشرب من عين الحياة فيخلد فجعل يسير في طلبها والخضر وزيره وابن خالته فظفر فشرب ولم يظفر ذو القرنين ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ذات حمأة من حمئت البئر إذا صارت فيها الحمأة حامية شامي وكوفي غير حفص بمعنى حارة وعن أبي ذر كنت رديف رسول الله ﷺ على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال أتدري يا أبا ذر أين تغرب هذه قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تغرب في عين حمئة وكان ابن عباس ﵄ عند معاوية فقرأ معاوية حامية فقال ابن عباس حمئة فقال معاوية لعبد الله بن عمر كيف تقرؤها فقال كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب قال في ماء وطين كذلك نجد في التوارة فوافق قول ابن عباس ﵄ ولا تنافي فجازان تكون العين جامعة للوصفين جميعاً ﴿وَوَجَدَ عِندَهَا﴾ عند تلك العين ﴿قَوْماً﴾ عراة من الثياب لباسهم جلود الصيد وطعامهم ما لفظ البحر وكانوا كفارا ﴿قلنا يا ذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ إن كان نبياً فقد أوحى الله إليه بهذا وإلا فقد أوحي إلى نبي فأمره النبي به أو كان إلهاماً خير بين أن يعذبهم بالقتل إن أصروا على أمرهم وبين أن يتخذ فيهم حسناً بإكرامهم وتعليم
следующие страницы →