← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

كهيعص (١) ﴿كهيعص﴾ قال السدي هو اسم الله الأعظم وقيل هو اسم للسورة وقرأ علي ويحيى بكسر الهاء والياء ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب وأبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء وحمزة بعكسه وغيرهم بفتحهما

стр. 3082

ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) ﴿ذكر رحمة رَبّكَ﴾ خبر مبتدأ أي هذا ذكر ﴿عَبْدَهِ﴾ مفعول الرحمة ﴿زَكَرِيَّا﴾ بالقصر حمزة وعلي وحفص وهو بدل من عبده

стр. 3083

إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) ﴿إِذْ﴾ ظرف للرحمة ﴿نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً﴾ دعاه دعاء سرا كما هو المأمور به وهو أبعد عن الرياء وأقرب إلى الصفاء أو أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في أوان الكبر لأنه كان ابن خمس وسبعين أو ثمانين سنة

стр. 3084

قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) ﴿قَالَ رَبّ﴾ هذا تفسير الدعاء وأصله يا ربي فحذف حرف النداء والمضاف اليه اختصار ﴿إِنّى وَهَنَ العظم مِنّى﴾ ضعف وخص العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته ولأنه أشد ما فيه وأصلبه فإذا وهن كان ما وراءه أوهن ووحده لأن الواحد منه الجسد قد أصابه الوهن ﴿واشتعل الرأس شيبا﴾ تمييز أي فشا فى

стр. 3085

رأسي الشيب واشتعلت النار إذا تفرقت في التهابها وصارت شعلا شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر وأخذه منه كل ما أخذ باشتعال النار ولا ترى كلاماً أفصح من هذا ألا ترى أن أصل الكلام يا رب قد شخت إذ الشيخوخة تشتمل على ضعف البدن وشيب الرأس المتعرض لها وأقوى منه ضعف بدني وشاب رأسي ففيه مزيد والتقرير للتفصيل وأقوى منه وهنت عظام بدني ففه عدول عن التصريح إلى الكناية فهي أبلغ منه وأقوى منه أنا وهنت عظام بدني وأقوى منه إني وهنت بدني وأقوى منه إني وهنت العظام من بدني ففيه سلوك طريقي الإجمال والتفصيل وأقوى منه إني وهنت العظام مني ففيه ترك توسيط البدن وأقوى منه إني وهن العظم مني لشمول الوهن العظام فرداً فرداً باعتبار ترك جمع العظم إلى الإفراد لصحه حصول وهن المجموع بالبعض دون كل فرد فرد ولهذا تركت الحقيقة في شاب رأسي إلى أبلغ وهي الاستعارة فحصل اشتعل شيب رأسي وأبلغ منه اشتعل رأسي شيباً لإسناد الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس لإفادة شمول الاشتعال الرأس إذ وزان اشتعل مريم (٨ - ٤) شيب رأسي واشتعل رأسي شيباً وزان اشتعل النار في بيتي واشتعل بيتي ناراً والفرق نير ولأن فيه الإجمال والتفصيل كما عرف في طريق التمييز وأبلغ منه واشتعل الرأس مني شيباً لما مر وأبلغ منه واشتعل الرأس شيباً ففيه اكتفاء بعلم المخاطب إنه رأس زكريا بقرينة العطف على وهن العظم ﴿ولم أكن بدعائك﴾ مصدر ومضاف إلى المفعول أي بدعائي إياك ﴿رَبّ شَقِيّاً﴾ أي كنت مستجاب الدعوة قبل اليوم سعيداً به غير شقي فيه يقال سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها ومشقي إذا خاب ولم ينلها وعن بعضهم أن محتاجاً سأله وقال أنا الذي أحسنت إلي وقت كذا فقال مرحباً بمن توسل بنا إلينا وقت حاجته وقضى حاجته

стр. 3086

وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) ﴿وَإِنّي خِفْتُ الموالى﴾ هم عصبته أخوته وبنو عمه وكانوا شرار بني إسرائيل فخافهم أن يغيروا الدين وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته فطلب عقباً صالحاً من صلبه يقتدي به في إحياء الدين ﴿مِن وَرَائِى﴾ بعد موتي وبالقصر

стр. 3087

وفتح الياء كهداي مكي وهذا الظرف لا يتعلق بخفت لأن وجود خوفه بعد موته لا يتصور ولكن بمحذوف أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت فعل الموالي وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي أو خفت الذين يلون الأمر من ورائي ﴿وَكَانَتِ امرأتى عَاقِرًا﴾ عقيماً لا تلد ﴿فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ﴾ اختراعا منك بلا سبب لأن امرأتي لا تصلح للولادة ﴿وَلِيّاً﴾ ابنا يلي أمرك بعدي

стр. 3088

يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) ﴿يرثني ويرث﴾ برفعهما صفة لوليا أي هب لي ولداً وارثاً مني العلم ومن آل يعقوب النبوة ومعنى وراثة النبوة أنه يصلح لأن يوحى إليه ولم يرد أن نفس النبوة تورث وبجزمهما أبو عمرو وعلي على أنه جواب للدعاء يقال ورثته وورثت منه ﴿من آل يعقوب﴾ يعقوب بن اسحق ﴿واجعله رَبّ رَضِيّاً﴾ مرضياً ترضاه أو راضياً عنك وبحكمك

стр. 3089

يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) فأجاب الله تعالى دعائه وقال ﴿يا زكريا إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام اسمه يحيى﴾ تولى الله تسميته تشريفاً له نبشرك بالتخفيف حمزة ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾ لم يسم أحد بيحيى قبله وهذا دليل على أن الاسم الغريب جدير بالأثرة وقيل مثلاً وشبيها ولم يكن له مثل في أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط وأنه ولد بين شيخ وعجوز وأنه كان حصوراً فلما بشرته الملائكة به

стр. 3090

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) ﴿قَالَ رَبّ أنّى﴾ كيف ﴿يَكُونُ لِي غلام﴾ وليس هذا باستبعاد بل هو استكشاف أنه بأي طريق يكون أيوهب له وهو وامرأته بتلك الحال أم يحولان شابين ﴿وَكَانَتِ امرأتى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً﴾ أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام مريم (١٦ - ٩) كالعود اليابس من أجل الكبر والطعن في السن العالية عتيا وصليا

стр. 3091

وجثيا وبكيا بكسر الأوائل حمزة وعلي وحفص إلا في بكيا

стр. 3092

قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) ﴿قَالَ كذلك﴾ الكاف رفع أي الأمر كذلك تصديق له ثم ابتدأ ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾ أو نصب بقال وذلك إشارة إلى مبهم يفسره ﴿هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ﴾ أي خلق يحيى من كبيرين سهل ﴿وقد خلقتك من قبل﴾ أوجدتك من قبل يحيى خلقناك حمزة وعلي ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ لأن المعدوم ليس بشيء

стр. 3093

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) ﴿قال رب اجعل لي آية﴾ علامة أعرف بها حبل امرأتي ﴿قال آيتك أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِياً﴾ حال من ضمير تكلم أي حال كونك سوى الأعضاء واللسان يعني علامتك أن تمنع الكلام فلا تطيقه وأنت سليم الجوراح ما بك خرس ولا بكم ودل ذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران على أن المنع من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن إذ ذكر الأيام يتناول ما بإزائها من الليالي وكذا ذكر الليالي يتناول ما بإزائها من الأيام عرفاً

стр. 3094

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) ﴿فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب﴾ من موضع صلاته وكانوا ينتظرونه ولم يقدر أن يتكلم ﴿فأوحى إِلَيْهِمْ﴾ أشار بإصبعه ﴿أَن سَبّحُواْ﴾ صلوا وان هي المفسرة ﴿بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ صلاة الفجر والعصر

стр. 3095

يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) ﴿يَا يحيى﴾ أي وهبنا له يحيى وقلنا له بعد ولادته وأوان الخطاب يا يحيى ﴿خُذِ الكتاب﴾ التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾ حال أي بجد واستظهار بالتوفيق والتأييد ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم﴾ الحكمة وهو فهم التوراة والفقه في الدين ﴿صَبِيّاً﴾ حال قيل دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي فقال ما للعب خلقنا

стр. 3096

وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) ﴿وحنانا﴾ شفقة ورحمة لابويه وغيرهما عطفا عى الحكم ﴿من لدنا﴾ من عندنا ﴿وزكاة﴾ طهارة وصلاحاً فلم يعمد بذنب ﴿وَكَانَ تَقِيّا﴾ مسلما مطيعا

стр. 3097

وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) ﴿وَبَرّا بوالديه﴾ وباراً بهما لا يعصيهما ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً﴾ متكبراً ﴿عَصِيّاً﴾ عاصياً لربه

стр. 3098

وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) ﴿وسلام عَلَيْهِ﴾ أمان من الله له ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ من أن يناله الشيطان ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ من فتاني القبر ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾ من الفزع الأكبر قال ابن عيينة إنها أوحش المواطن

стр. 3099

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) ﴿واذكر﴾ يا محمد ﴿فِى الكتاب﴾ القرآن ﴿مَرْيَمَ﴾ أي اقرأ عليم في القرآن قصة مريم ليقفوا عليها ويعلموا ما جرى عليها ﴿إِذْ﴾ بدل من مريم بدل اشتمال إذ الأحيان مريم (٢١ - ١٦) مشتملة على ما فيها وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا لوقوع هذه القصة العجيبة فيه ﴿انتبذت مِنْ أَهْلِهَا﴾ أي اعتزلت ﴿مَكَاناً﴾ ظرف ﴿شَرْقِياً﴾ أي تخلت للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس أومن دارها معتزلة عن الناس وقيل قعدت في مشرقه للاغتسال من الحيض

стр. 3100

فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) ﴿فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً﴾ جعلت بينها وبين أهلها حجاباً يسترها لتغتسل وراءه ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا روحنا﴾ جبريل ﵇ والإضافة للتشريف وإنما سمي روحاً لأن الدين يحيا به وبوحيه ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً﴾ أي فتمثل لها جبريل في صورة آدمي شاب أمرد وضئ الوجه جعد الشعر ﴿سَوِيّاً﴾ مستوى الخلق وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه ولو بدالها في صورة الملائكة لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه

стр. 3101

قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) ﴿قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله فإني عائذة به منك

стр. 3102

قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) ﴿قَالَ﴾ جبريل ﵇ ﴿إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ﴾ أمنها مما خافت وأخبر أنه ليس بآدمي بل هو رسول من استعاذت به ﴿لأَِهَبَ لَكِ﴾ بإذن الله تعالى أو لأكون سببا في هبة الغلام بالنفخ في الدرع ليهب لك أي الله أبو عمرو ونافع ﴿غلاما زكيا﴾ طاهرا من الذنوب أو نامياً على الخير والبركة

стр. 3103

قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) ﴿قَالَتْ أنّى﴾ كيف ﴿يَكُونُ لِي غلام﴾ ابن ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾ زوج بالنكاح ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ فاجرة تبغي الرجال أي تطلب الشهوة من أي رجل كان ولا يكون الولد عادة إلا من أحد هذين والبغي فعول عند المبرد بغوي فقلبت الواو ياء وأدغمت وكسرت الغين إتباعاً ولذا لم تلحق تاء التأنيث كما لم تلحق في امرأة صبور وشكور وعند غيره هي فعيل ولم تلحقها الهاء لأنها بمعنى مفعولة وإن كانت بمعنى فاعلة فهو قد يشبه به مثل إن رحمة الله قريب

стр. 3104

قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) ﴿قَالَ﴾ جبريل ﴿كذلك﴾ أي الأمر كما قلت لم يمسك رجل نكاحاً أو سفاحاً ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ﴾ أي إعطاء الولد بلا أب علي سهل ﴿ولنجعله آية لّلْنَّاسِ﴾ تعليل معلله محذوف أي ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك أو هو معطوف على تعليل مضمر أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية للناس أي عبرة وبرهاناً على قدرتنا ﴿وَرَحْمَةً مّنَّا﴾ لمن أمن به ﴿وَكَانَ﴾ خلق عيسى ﴿أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾ مقدراً مسطوراً في اللوح

стр. 3105

فلما اطمأنت إلى قوله منها فنفخ في جيب درعها مريم (٢٥ - ٢٢) فوصلت النفخة إلى بطنها

стр. 3106

فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) ﴿فحملته﴾ اى الموهوب وكان سنها ثلاث عشرة سنه أو عشر أو عشرين ﴿فانتبذت بِهِ﴾ اعتزلت وهو في بطنها والجار والمجرور في موضع الحال عن ابن عباس رضى الله عنهما كانت مدة الحمل ساعة واحدة كما حملته نبذته وقيل ستة أشهر وقيل سبعة وقيل ثمانية ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى وقيل حملته في ساعة ووضعته في ساعة ﴿مكانا قصيا﴾ بعيدا عن أهلها وراء الجبل وذلك لأنها لما أحست بالحمل هربت من قومها مخافة اللائمة

стр. 3107

فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) ﴿فَأَجَاءهَا﴾ جاء بها وقيل ألجأها وهو منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل الى معنى الالجاء ألاتراك لا تقول جئت المكان وأجاء فيه زيد ﴿المخاض﴾ وجع الولادة ﴿إلى جذع النخلة﴾ اصلها وكانت يابسة وكان الوقت شتاء وتعريفها مشعر بأنها كانت نخلة معروفة وجاز أن يكون التعريف للجنس أي جذع هذه الشجرة كأنه تعالى أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب لأنه خرسة النفساء أي طعامها ثم ﴿قَالَتْ﴾ جزعاً مما أصابها ﴿يا ليتني مت قبل هذا﴾ اليوم مدني وكوفي غير أبي بكر وغيرهم بالضم يقال مات يموت ومات يمات ﴿وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾ شيئاً متروكاً لا يعرف ولا يذكر بفتح النون حمزة وحفص بالكسر غيرهما ومعناهما واحد وهو الشيء الذي حقه أن يطرح وينسى لحقارته

стр. 3108

فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) ﴿فناداها من تحتها﴾ أي الذي تحتها فمن فاعل وهو جبريل ﵇ لأنِه كان بمكان منخفض عنها أو عيسى ﵇ لأنه خاطبها مت تحت ذيلها من تحتها مدني وكوفي سوى أبي بكر والفاعل

стр. 3109

مضمر وهو عيسى ﵇ أو جبريل والهاء في تحتها للنخلة ولشدة ما لقيت سليت بقوله ﴿أَلاَّ تَحْزَنِى﴾ لا تهتمي بالوحدة وعدم الطعام والشراب ومقالة الناس وان بمعنى أي ﴿قد جعل ربك تحتك﴾ قربك أو تحت أمرك إن أمرته أن يجري جري وإن أمرته أن يقف وقف ﴿سَرِيّاً﴾ نهرا صغيرا عند الجمهور وسئل النبي ﷺ عن السري فقال هو الجدول وعن الحسن سيداً كريماً يعني عيسى ﵇ وروي أن خالد بن صفوان قال له إن العرب تسمي الجدول سرياً فقال الحسن صدقت ورجع إلى قوله وقال ابن عباس ﵄ ضرب عيسى أو جبريل ﵉ بعقبه الأرض فظهرت عين ماء عذب فجرى النهر اليابس فاخضرت النخلة وأثمرت وأينعت ثمرتها فقيل لها

стр. 3110

وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) ﴿وَهْزِّي﴾ حركي ﴿إِلَيْكَ﴾ إلى نفسك ﴿بِجِذْعِ النخلة﴾ قال أبو علي الباء زائدة أي هزي جذع النخلة ﴿تساقط عَلَيْكِ﴾ بإدغام التاء الأولى في الثانية مكي ومدني وشامي وأبو عمرو وعلي وأبو بكر والأصل تتساقط بإظهار التاءين وتساقط بفتح التاء والقاف وطرح التاء الثانية وتخفيف السين حمزة ويساقط بفتح الياء والقاف وتشديد السين يعقوب وسهل وحماد ونصير وتساقط حفص من المفاعلة وتسقط ويسقط مريم (٣٠ - ٢٥) وتَسقُطْ ويَسقُطْ التاء للنخلة والياء للجذع فهذه تسع قراآت ﴿رُطَباً﴾ تمييز أو مفعول به على حسب القراءة ﴿جَنِيّاً﴾ طرياً وقالوا التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وقيل ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض من العسل

стр. 3111

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) ﴿فَكُلِى﴾ من الجني ﴿واشربى﴾ من السري ﴿وَقَرّى عينا﴾ بالولد الرضي وعينا تمييز أي طيبي نفساً بعيسى وارفضي عنك ما أحزنك

стр. 3112

﴿فَإِمَّا﴾ أصله إن ما فضمت إن الشرطية إلى ما وأدغمت فيها ﴿تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً فَقُولِى إِنّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً﴾ أي فإن رأيت آدمياً يسألك عن حالك فقولي إني نذرت للرحمن صمتاً وإمساكاً عن الكلام وكانوا يصومون عن الكلام كما يصومون عن الأكل والشرب وقيل صياماً حقيقة وكان صيامهم فيه الصمت فكان الزامه الزامه وقد نهى رسول الله ﷺ عن صوم الصمت فصار ذلك منسوخاً فينا وإنما أمرت أن تنذر السكوت لأن عيسى ﵇ يكفيها الكلام بما يبرئ به ساحتها ولئلا تجادل السفهاء وفيه دليل على أن السكوت عن السفيه واجب وما قُدعَ سفيه بمثل الإعراض ولا أطلق عنانه بمثل العراض وإنما أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة وقد تسمى الإشارة كلاماً وقولاً ألا ترى إلى قول الشاعر في وصف القبور ... وتكلمت عن أوجه تبلى ... وقيل كان وجوب الصمت بعد هذا الكلام أو سوغ لها هذا القدر بالنطق ﴿فَلَنْ أُكَلّمَ اليوم إِنسِيّاً﴾ آدميا

стр. 3113

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) ﴿فَأَتَتْ بِهِ﴾ بعيسى ﴿قَوْمَهَا﴾ بعد ما طهرت من نفاسها ﴿تَحْمِلُهُ﴾ حال منها أي أقبلت نحوهم حاملة إياه فلما رأوه معها ﴿قَالُواْ يا مريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ بديعاً عجيباً والفري القطع كأنه يقطع العادة

стр. 3114

يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) ﴿يا أخت هارون﴾ وكان أخاها من أبيها ومن أفضل بني إسرائيل أو هو أخو موسى ﵇ وكانت من أعقابه وبينهما ألف سنة وهذا كما يقال يا أخا همدان أي يا واحدا منهم أو رجل صال أو صالح في زمانها شبهوها به في الصلاح أو شتموها به ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ﴾ عمران ﴿امرأ سَوْء﴾ زانياً ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ﴾ حنة ﴿بَغِيّاً﴾ زانية

стр. 3115

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ إلى عيسى أن يجيبهم وذلك أن عيسى ﵇ قال لها لا تحزني وأحيلي بالجواب علي وقيل أمرها جبريل بذلك ولما أشارت إليه غضبوا وتعجبوا و ﴿قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ﴾ حدث ووجد ﴿فِى المهد﴾ المعهود ﴿صَبِيّاً﴾ حال

стр. 3116

قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) ﴿قَالَ إِنّى عَبْدُ الله﴾ ولما أسكتت بأمر الله لسانها الناطق أنطق الله اللسان الساكت حتى اعترف مريم (٣٦ - ٣٠) بالعبودية وهو ابن أربعين ليلة أو ابن يوم روي أنه أشار بسبابته وقال بصوت رفيع إني عبد الله وفيه رد لقول النصارى ﴿آتاني الكتاب﴾ الإنجيل ﴿وَجَعَلَنِى نَبِيّاً﴾ روي عن الحسن أنه كان في المهد نبياً وكلامه معجزته وقيل معناه أن ذلك سبق في قضائه أو جعل الآتي لا محالة كأنه وجد

стр. 3117

وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ نفاعاً حيث كنت أو معلماً للخير ﴿وَأَوْصَانِى﴾ وأمرني ﴿بالصلاة والزكاة﴾ إن ملكت مالاً وقيل صدقة الفطر أو تطهير البدن ويحتمل وأوصاني بأن آمركم بالصلاة والزكاة ﴿مَا دُمْتُ حَياً﴾ نصب على الظرف أي مدة حياتي

стр. 3118

وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِى﴾ عطفاً على مباركاً أي باراً بها أكرمها وأعظمها ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً﴾ متكبراً ﴿شقيا﴾ عاقا

стр. 3119

وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ﴿والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ﴾ يوم ظرف والعامل فيه الخبر وهو علي ﴿وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ أي ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلي إن كان حرف التعريف للعهد وإن كان للجنس فالمعنى وجنس السلام علي وفيه تعريض باللعنة على أعداء مريم وابنها لأنه إذا قال وجنس السلام عليّ فقد عرض بأن ضده عليكم إذ المقام مقام مناكرة وعناد فكان مئنة لمثل هذا التعريض

стр. 3120

ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ﴿ذلك﴾ مبتدأ ﴿عِيسَى﴾ خبره ﴿ابن مَرْيَمَ﴾ نعته أو خبر ثان أي ذلك الذي قال أني كذا وكذا عيسى بن مريم لا كما قالت النصارى إنه إله أو ابن الله ﴿قَوْلَ الحق﴾ كلمة الله فالقول الكلمة والحق الله وقيل له كلمة الله لأنه ولد بقوله كن بلا واسطة أب وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أو بدل من عيسى ونصبه شامي وعاصم على المدح أو على المصدر أي أقول قول الحق هو ابن مريم وليس بإله كما يدعونه ﴿الذى فِيهِ يَمْتُرُونَ﴾ يشكون من المرية الشك أو يختلفون من المراء فقالت اليهود ساحر كذاب وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة
следующие страницы →