Полный текст (7 814 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)
﴿قَالَ إِنّى عَبْدُ الله﴾ ولما أسكتت بأمر الله لسانها الناطق أنطق الله اللسان الساكت حتى اعترف
مريم (٣٦ - ٣٠)
بالعبودية وهو ابن أربعين ليلة أو ابن يوم روي أنه أشار بسبابته وقال بصوت رفيع إني عبد الله وفيه رد لقول النصارى ﴿آتاني الكتاب﴾ الإنجيل ﴿وَجَعَلَنِى نَبِيّاً﴾ روي عن الحسن أنه كان في المهد نبياً وكلامه معجزته وقيل معناه أن ذلك سبق في قضائه أو جعل الآتي لا محالة كأنه وجد
стр. 3117
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)
﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ نفاعاً حيث كنت أو معلماً للخير ﴿وَأَوْصَانِى﴾ وأمرني ﴿بالصلاة والزكاة﴾ إن ملكت مالاً وقيل صدقة الفطر أو تطهير البدن ويحتمل وأوصاني بأن آمركم بالصلاة والزكاة ﴿مَا دُمْتُ حَياً﴾ نصب على الظرف أي مدة حياتي
стр. 3118
وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)
﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِى﴾ عطفاً على مباركاً أي باراً بها أكرمها وأعظمها ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً﴾ متكبراً ﴿شقيا﴾ عاقا
стр. 3119
وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)
﴿والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ﴾ يوم ظرف والعامل فيه الخبر وهو علي ﴿وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ أي ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلي إن كان حرف التعريف للعهد وإن كان للجنس فالمعنى وجنس السلام علي وفيه تعريض باللعنة على أعداء مريم وابنها لأنه إذا قال وجنس السلام عليّ فقد عرض بأن ضده عليكم إذ المقام مقام مناكرة وعناد فكان مئنة لمثل هذا التعريض
стр. 3120
ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)
﴿ذلك﴾ مبتدأ ﴿عِيسَى﴾ خبره ﴿ابن مَرْيَمَ﴾ نعته أو خبر ثان أي ذلك الذي قال أني كذا وكذا عيسى بن مريم لا كما قالت النصارى إنه إله أو ابن الله ﴿قَوْلَ الحق﴾ كلمة الله فالقول الكلمة والحق الله وقيل له كلمة الله لأنه ولد بقوله كن بلا واسطة أب وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أو بدل من عيسى ونصبه شامي وعاصم على المدح أو على المصدر أي أقول قول الحق هو ابن مريم وليس بإله كما يدعونه ﴿الذى فِيهِ يَمْتُرُونَ﴾ يشكون من المرية الشك أو يختلفون من المراء فقالت اليهود ساحر كذاب وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة
стр. 3121
مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)
﴿مَا كَانَ للَّهِ﴾ ما ينبغي له ﴿أَن يتخذ من ولد﴾ جيء بمن لتأكيد النفي ﴿سبحانه﴾ نزه ذاته عن اتخاذ الولد ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ بالنصب شامي أي كما قال لعيسى كن فكان من غير أب ومن كان متصفاً بهذا كان منزها أن يشبه الحيوان الوالد
стр. 3122
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)
﴿وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ بالكسر شامي وكوفي على الابتداء وهو من كلام عيسى يعني كما أنا عبده فأنتم عبيده علي وعليكم أن نعبده ومن فتح عطف على بالصلاة أي وأوصاني بالصلاة
مريم (٤٠ - ٣٦)
وبالزكاة وبأن الله ربي وربكم أو علقه بما بعده أي ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه ﴿هذا﴾ الذي ذكرت ﴿صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً
стр. 3123
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)
﴿فاختلف الأحزاب﴾ الحزب الفرقة المنفردة برأيها عن غيرها وهم ثلاث فرق نسطورية ويعقوبية وملكانية ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ من بين أصحابه أو من بين قومه أو من بين الناس وذلك أن النصارى اختلفوا في عيسى حين رفع ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى قول ثلاثة كانوا عندهم
стр. 3124
أعلم أهل زمانهم وهو يعقوب ونسطور وملكان فقال يعقوب هو الله هبط إِلى الأرض ثم صعد إلى السماء وقال نسطور كان ابن الله أظهره ما شاء ثم رفعه إليه وقال الثالث كذبوا كان عبداً مخلوقاً نبياً فتبع كل واحد منهم قوم ﴿فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من الأحزاب إذ الواحد منهم على الحق ﴿مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة أو من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء جوارحهم بالكفر أو من مكان الشهادة أو وقتها أو المراد يوم اجتماعهم للتشاور فيه وجعله عظيماً لفظاعة ما شهدوا به في عيسى
стр. 3125
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الجمهور على أن لفظه أمر ومعناه التعجب والله تعالى لا يوصف بالتعجب ولكن المراد أن إسماعهم وإبصارهم جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صما وعمياً في الدنيا قال قتادة إن عموا وصموا عن الحق في الدنيا فما أسمعهم وما أبصرهم بالهدى يوم لا ينفعهم وبهم مرفوع المحل على الفاعلية كأكرم بزيد فمعناه كرم زيد جداً ﴿لكن الظالمون اليوم﴾ أقيم الظاهر مقام المضمر أي لكنهم اليوم في الدنيا بظلمهم أنفسهم حيث تركوا الاستماع والنظر حين يجدي عليهم ووضعوا العبادة في غير موضعها ﴿فِى ضلال﴾ عن الحق ﴿مُّبِينٌ﴾ ظاهر وهو اعتقادهم عيسى إلها معبوداً مع ظهور آثار الحدث فيه شعار بأن لا ظلم أشد من ظلمهم
стр. 3126
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)
﴿وَأَنذِرْهُمْ﴾ خوفهم ﴿يَوْمَ الحسرة﴾ يوم القيامة لأنه يقع فيه الندم على ما فات وفي الحديث إذا رأوا منازلهم في الجنة أن لو آمنوا ﴿إِذْ﴾ بدل من يوم الحسرة أو ظرف للحسرة وهو مصدر ﴿قُضِىَ الأمر﴾ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار ﴿وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ﴾ هنا عن الاهتمام
стр. 3127
لذلك المقام ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ لا يصدقون به وهم وهم حالان أي وأنذرهم على هذا الحال غافلين غير مؤمنين
стр. 3128
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)
﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ أي نتفرد بالملك والبقاء عند تعميم الهلك والفناء وذكر من لتغليب العقلاء ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ بضم الياء وفتح الجيم وفتح الياء يعقوب أي يردون فيجازون جزاء وفاقا
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)
﴿واذكر﴾
مريم (٤٥ - ٤١)
لقومك ﴿فِى الكتاب﴾ القرآن ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ قصته مع أبيه ﴿إنه كان صديقا نبيا﴾ بغير همزه وهمزة نافع قيل الصادق المستقيم في الأفعال والصديق المستقيم في الأحوال فالصديق من أبنية المبالغة ونظيرة الضحيك والمراد فرط صدقه وكثرة ما صدق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله أي كان مصدقاً لجميع الأنبياء وكتبهم وكان نبياً في نفسه وهذه الجملة وقعت اعتراضاً بين إبراهيم وبين ما هو بدل منه وهو
стр. 3129
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)
﴿إذ قال﴾ وجاز ان يتعلق إذ بكان او بصديقا نبياً أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه بتلك المخاطبات والمراد بذكر الرسول إياه وقصته في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس ويبلغه إياهم كقوله واتل عليهم نبأ إبراهيم وإلا فالله عزوعلا هو ذاكره ومورده فى تنزيله ﴿لأبيه يا أبت﴾ بكسر التاء وفتحها ابن عامر والتاء عوض من ياء الإضافة ولا يقال يا أبتي لئلا يجمع بين العوض والمعوض منه ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ﴾ المفعول فيهما منسي غير منوي ويجوز أن يقدر أي لا يسمع شيئاً ولا يبصر شيئاً ﴿وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً﴾ يحتمل أن يكون شيئاً في موضع المصدر أي شيئاً من الاعناء وأن يكون مفعولاً به من قولك أغن عنى وجهك اى بعد
стр. 3130
يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣)
﴿يا أبت إِنّى قَدْ جَاءنِى مِنَ العلم﴾ الوحي أو معرفة الرب ﴿مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ ما في ما لا يسمع وما لم يأتك يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة ﴿فاتبعنى أَهْدِكَ﴾ أرشدك ﴿صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ مستقيماً
стр. 3131
يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)
﴿يا أبت لا تعبد الشيطان﴾ لاتطعه فيما سوَّل من عبادة الصنم ﴿إِنَّ الشيطان كان للرحمن عصيا﴾ عاصيا
стр. 3132
يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)
﴿يا أبت إِنّى أَخَافُ﴾ قيل أَعلم ﴿أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مّنَ الرحمن فَتَكُونَ للشيطان وَلِيّاً﴾ قرينا في النار تليه ويليك فانظر في نصيحته كيف راعى المجاملة والرفق والخلق الحسن كما أمر نفى الحديث أوحي إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فطلب منه أولاً العلة في خطئه طلب منبه على تماديه موقظ لإفراطه وتناهيه لأن من يعبد أشرف الخلق منزلة وهم الأنبياء كان محكوما عليه بالعى المبين فكيف بمن يعبد حجراً أو شجراً لا يسمع ذكر عابده ولا يرى هيأت عبادته ولا يدفع عنه بلاء ولا يقضي له حاجة ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقاً به متلطفاً فلم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال إن معي شيئاً من العلم ليس معك وذلك علم الدلالة على الطريق السوي فهب أني وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه ثم ثلث بنهيه عما كان عليه بأن الشيطان
مريم (٥١ - ٤٦)
الذي عصى الرحمن الذي جميع النعم منه أوقعك في عبادة الصنم وزينها لك فأنت عابده في الحقيقة ثم ربَّع بتخويفه سوء العاقبة وما يجره ما هو فيه من التبعة
стр. 3133
والوبال مع مراعاة الأدب حيث لم يصرح بأن العقاب لاحق به وأن العذاب لاصق به بل قال أخاف أن يمسك عذاب بالتنكير المشعر بالتقليل كأنه قال إني أخاف أن يصيبك نَفَيان من عذاب الرحمن وجعل ولابه الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب كما أن رضوان الله أكبر من الثواب في نفسه وصدر كل نصيحة بقوله ياأبت توسلاً إليه واستعطافاً وإشعاراً بوجوب احترام الأب وان كان كافرا ثم
стр. 3134
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)
﴿قَالَ﴾ آزر توبيخاً ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى يا إبراهيم﴾ أي أترغب عن عبادتها فناداه باسمه ولم يقابل يا أبت بيا ابنى وقدم الخبر على المبتدء لأنه كان أهم عنده ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ عن شتم الأصنام ﴿لأرجمنك﴾ لأقتلنك بالرجام أولأضربنك بها حتى تتباعد أو لأشتمنك ﴿واهجرنى﴾ عطف على محذوف يدل عليه لأرجمنك تقديره فاحذرني واهجرني ﴿مَلِيّاً﴾ ظرف أي زماناً طويلاً من الملاوة
стр. 3135
قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)
﴿قَالَ سلام عَلَيْكَ﴾ سلام توديع ومتاركة أو تقريب وملاطفة ولذا وعد بالاستغفار بقوله ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي﴾ سأسأل الله أن يجعلك من أهل المغفرة بأن يهديك للإسلام ﴿إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً﴾ ملطفاً بعموم النعم أو رحيماً أو مكرماً والحفاوة الرأفة والرحمة والكرامة
стр. 3136
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾ أراد بالاعتزال المهاجرة من أرض بابل إلى الشام ﴿وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي ما تعبدون من أصنامكم ﴿وادعوا﴾ وأعبد ﴿رَبّى﴾ ثم قال تواضعاً وهضماً للنفس ومعرضاً بشقاوتهم بدعاء آلهتهم ﴿عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا﴾ أي كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام
стр. 3137
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)
﴿فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ ولما اعتزل الكفار ومعبودهم ﴿وَهَبْنَا لَهُ إسحاق﴾ ولداً ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ نافلة ليستأنس بهما ﴿وَكُلاًّ﴾ كل واحد منهما ﴿جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾ أي لما ترك الكفار الفجار لوجهه عوضه أولاداً مؤمنين أنبياء
стр. 3138
وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)
﴿وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا﴾ هي المال والولد ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ﴾ ثناء حسناً وهو الصلاة على إبراهيم وآل إبراهيم في الصلوات وعبر باللسان عما يوجد باللسان كما عبر باليد عما يطلق باليد وهي العطية ﴿عَلِيّاً﴾ رفيعا مشهورا
стр. 3139
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)
﴿واذكر فِى الكتاب موسى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾ كوفي غير المفضل أي أخلصه الله واصطفاه ومخلصا بالكسر غيرهم أي
مريم (٥٧ - ٥١)
أخلص هو العبادة لله تعالى فهو مخلص بماله من السعادة بأصل الفطرة ومخلص فيما عليه من العبادة بصدق الهمة ﴿وَكَانَ رَسُولاً نبيا﴾ الرسول الذي معه كتاب الأنبياء والنبي الذي ينبيء عن الله وإن لم يكن معه كتاب كيوشع
стр. 3140
وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)
﴿وناديناه﴾ دعوناه وكلمناه ليلة الجمعة ﴿مِن جَانِبِ الطور﴾ هو جبل بين مصر ومدين ﴿الأيمن﴾ من اليمين أي من ناحية اليمين والجمهور على أن المراد أيمن موسى ﵇ لأن الجبل لا يمين له والمعنى أنه حين أقبل من مدين يريد مصر نودي من الشجرة وكانت في جانب الجبل على يمين موسى ﵇ ﴿وَقَرَّبْنَاهُ﴾ تقريب منزلة ومكانة لا منزل ومكان ﴿نَجِيّاً﴾ حال أي مناجياً كنديم بمعنى منادم
стр. 3141
وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا﴾ من أجل رحمتنا وترؤفنا عليه ﴿أَخَاهُ﴾ مفعول ﴿هارون﴾ بدل منه ﴿نَبِيّاً﴾ حال أي وهبنا له نبوة أخيه والا فهرون كان أكبر سناً منه
стр. 3142
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)
﴿واذكر فِى الكتاب إسماعيل﴾ هو ابن إبراهيم في الأصح ﴿إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد﴾ وافيه وعد رجلاً أن يقيم مكانه حتى يعود اليه فانتظر سنة في مكانه حتى عادو ناهيك انه وعد من نسفه الصبر على الذبح فوفى وقيل لم يعدر به موعداً إلا أنجزه وإنما خصه بصدق الوعد وإن كان موجوداً في غيره من الأنبياء تشريفاً له ولأنه المشهور من خصاله ﴿وَكَانَ رَسُولاً﴾ إلى جرهم ﴿نَبِيّاً﴾ مخبراً منذراً
стр. 3143
وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ أمته لأن النبي أبو أمته وأهل بيته وفيه دليل على أنه لم يداهن غيره ﴿بالصلاة والزكاة﴾ يحتمل أنه إنما خصت هاتان العبادتان لأنهما أما العبادات البدنية والمالية ﴿وكان عند ربه مرضيا﴾ قريء مرضوا على الأصل
стр. 3144
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦)
﴿واذكر فِى الكتاب إِدْرِيسَ﴾ هو أخنوخ أول مرسل بعد آدم ﵇ وأول من خط بالقلم وخاط اللباس ونظر في علم النجوم والحساب واتخذ الموازين والمكاييل والأسلحة فقاتل بني قابيل وقولهم سمي به لكثرة دراسته كتب الله لا يصح لأنه لو كان أفعيلاً من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفاً فامتناعه من الصرف دليل العجمة ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً﴾ أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة
стр. 3145
وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)
﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ هو شرف النبوة والزلفى عند الله وقيل معناه رفعته الملائكة إلى السماء الرابعة وقد رآه النبي ﷺ ليلة المعراج فيها وعن الحسن إلى الجنة لا شيء أعلى من الجنة وذلك أنه حبب لكثرة عبادته إلى الملائكة فقال لملك الموت أذقني الموت بهن عليّ ففعل ذلك بإذن الله فحيى وقال أدخلني النار أزدد رهبة ففعل ثم قال أدخلني الجنة أزدد رغبة ثم قال له اخرج فقال قد ذقت الموت ووردت النار فما أنا بخارج من الجنة فقال الله بإذني فعل وبإذني دخل فدعه
стр. 3146
أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)
﴿أَوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى المذكورين في السورة من زكرياء
مريم (٦٠ - ٥٨)
إلى إدريس ﴿الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين﴾ من للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ﴿من ذرية آدم﴾ من للتبعيض وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبي نوح ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ إبراهيم من ذرية من حمل مع نوح لأنه ولد سام بن نوح ﴿ومن ذرية إبراهيم﴾ واسمعيل واسحق ويعقوب ﴿وإسرائيل﴾ أي ومن ذرية إسرائيل أي يعقوب وهم موسى وهرون وزكريا ويحيى وعيسى لأن مريم من ذريته ﴿وَمِمَّن﴾ يحتمل العطف على من الأولى والثانية ﴿هَدَيْنَا﴾ لمحاسن الإسلام ﴿واجتبينا﴾ من الأنام أو لشرح الشريعة وكشف الحقيقة ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن﴾ أي إذا تليت عليهم كتب الله المنزلة وهو كلام مستأنف إن جعلت الذين خبرا لأولئك وإن جعلته صفة له كان خبراً يتلى بالياء قتيبه لوجود الفاصل مع أن قتيبة لوجود الفاصل مع أن التأنيث غير حقيقي ﴿خروا سجدا﴾ سقطوا على وجوههم ساجدين رغبةً ﴿وَبُكِيّاً﴾ باكين رهبة جمع باكٍ كسجود وقعود في جمع ساجد وقاعد في الحديث اتلوا القرآن وابكوا وإن لم تبكوا فتباكوا وعن صالح المري قرأت القرآن على رسول الله ﷺ في المنام فقال لي يا صالح هذه القراءة فأين البكاء ويقول في سجود التلاوة سبحان ربي الأعلى ثلاثاً
стр. 3147
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ فجاء من بعد هؤلاء المفضلين ﴿خَلْفٌ﴾ أولاد سوء وبفتح اللام العقب الخير عن ابن عباس هم اليهود ﴿أَضاعُوا الصلاة﴾ تركوا الصلاة المفروضة ﴿واتبعوا الشهوات﴾ ملاذ النفوس وعن علي ﵁ من بنى الشديد وركب المنظور ولبس
стр. 3148
المشهور وعن قتادة ﵁ هو في هذه الأمة ﴿فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً﴾ جزاء غي وكل شر عند العرب غي وكل خير رشاد وعن ابن عباس وابن مسعود هو وادٍ في جهنم أعدّ للمصرين على الزن وشارب الخمر وآكل الربا والعاق وشاهد الزور
стр. 3149
إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)
﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾ رجع عن كفره ﴿وَآمَنَ﴾ بشرطه ﴿وَعَمِلَ صالحا﴾ بعد إيمانه ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة﴾ بضم الياء وفتح الخاء مكي وبصري وأبو بكر ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ أي لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم ولا يمنعونه بل يضاعف لهم أو لا يظلمون شيئاً من الظلم
стр. 3150
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)
﴿جنات﴾ بدل من الجنة لأن الجنة تشتمل على جنات عدن لأنها جنس أو نصب عل المدح ﴿عدن﴾ معرفة لأنه علم لمعنى العدن وهو الإقامة أو علم لأرض الجنة لكونها
مريم (٦٥ - ٦١)
مكان إقامة ﴿التى وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ﴾ أي عباده التائبين المؤمنين الذين يعلمون الصالحات كما سبق ذكرهم ولأنه أضافهم إليه وهو للاختصاص وهؤلاء أهل الاختصاص ﴿بالغيب﴾ أي وعدها وهي غائبة عنهم غير حاضرة أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها ﴿إِنَّهُ﴾ ضمير الشأن أو ضمير الرحمن ﴿كَانَ وَعْدُهُ﴾ أي موعوده وهو الجنة ﴿مَأْتِيّاً﴾ أي هم يأتونها
стр. 3151
لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)
﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ في الجنة ﴿لَغْواً﴾ فحشاً أو كذبا أو مالا طائل تحته من الكلام وهو المطروح منه وفيه تنبيه على وجوب تجنب اللغو واتقائه حيث نزه الله عنه داره التي لا تكليف فيها ﴿إِلاَّ سلاما﴾ أي لكن يسمعون سلام من الملائكة أو من بعضهم على بعض أو لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة فهو استثناء منقطع عند الجمهور وقيل
стр. 3152
معنى السلام هو الدعاء بالسلامة ولما كان أهل دار السلام أغنياء عن الدعاء بالسلامة كان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ أي يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار من الدنيا إذ لا ليل ولا نهار ثم لأنهم في النور أبداً وإنما يعرفون مقدار النهار برفع الحجب ومقدار الليل بإرخائها والرزق بالبكرة والعشي أفضل العيش عند العرب فوصف الله جنته بذلك وقيل أراد دوام الرزق كما تقول أنا عند فلان بكرة وعشياً تريد الدوام
стр. 3153
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)
﴿تِلْكَ الجنة التى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي نجعلها ميراث أعمالهم يعني ثمرتها وعاقبتها وقيل يرثون المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا لأن الكفر موت حكماً ﴿مَن كَانَ تقيا﴾ عن الشرك
стр. 3154
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﵇ قال يا جبريل ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزل ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ﴾ والتنزل على معنيين معنى النزول على مهل ومعنى النزول على الإطلاق والأول أليق هنا يعني أن نزولنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي له ما قدامنا وما خلفنا من الأماكن وما نحن فيها فلا نتمالك أن ننتقل من مكان إلى مكان إلا بأمر الله ومشيئته وهو الحافظ العالم بكل حركة وسكون وما يحدث من الأحوال لا تجوز عليه الغفلة والنسيان فأنى لنا أن نتقلب في ملكوته إلا إذا أذن لنا فيه
стр. 3155
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)
﴿رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بدل من ربك أو خبر مبتدأ محذوف أي هو رب السموات
مريم (٦٨ - ٦٥)
والأرض ثم قال لرسوله لما عرفت أنه
следующие страницы →