Полный текст (7 814 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)
﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فِي السلم﴾ وبفتح السين حجازي وعلي وهو الاستسلام والطاعة أي استسلموا لله وأطيعوه أو الإسلام والخطاب لأهل الكتاب لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم أو للمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم ﴿كافة﴾ لا يخرج أحدمنكم يده عن طاعته حال من الضمير في ادخلوا أي جميعاً أو من السلم لأنها تؤنث كأنهم أمروا أن يدخلوا في الطاعات كلها أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها وكافة من الكف كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان﴾ وساوسه ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ظاهر العداوة
стр. 352
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)
﴿فإن زللتم﴾ ملتم عن الدخول فيه هو الحق ﴿فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ﴾ غالب لا يمنعه شيء من عذابكم ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يعذب إلا بحق ورُوي أن قارئاً قرأ غفور رحيم فسمعه
стр. 353
أعرابي لم يقرأ القرآن فأنكره وقال ليس هذا من كلام الله إذ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل والعصيان لأنه إغراء عليه
стр. 354
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)
﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ ما ينتظرون ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله﴾ أي أمر الله وبأسه كقوله أَوْ يأتى أمر ربك فجاءها بأسنا أو المأتي به محذوف بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه للدلالة عليه بقوله إن الله
البقرة (٢١٠ _ ٢١٣)
عزيز ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جمع ظلة وهي ما أظلك ﴿من الغمام﴾ السحاب وهو للتهويل إذ الغمام مظنة الرحمة فإذا أنزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول ﴿والملائكة﴾ أي وتأتي الملائكة الذين وكلوا بتعذيبهم أو المراد حضورهم يوم القيامة ﴿وَقُضِىَ الأمر﴾ أي وتم أمر إهلاكهم وفرغ منه ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ أي أنه ملّك العباد بعض الأمور فترجع إليه الأمور يوم النشور ترجع الأمور حيث كان شامي وحمزة وعلي
стр. 355
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)
﴿سَلْ﴾ أصله اسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين بعد حذفها واستغني عن همزة الوصل فصار سل وهو أمر للرسول أو لكل أحد وهو سؤال تقريع كما يسئل الكفرة يوم القيامة ﴿بني إسرائيل كَمْ آتيناهم مّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتهم أو من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام وكم استفهامية أو خبرية ﴿وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله﴾ هي آياته وهي أجل نعمة من الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة وتبديلهم إياها إن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رجسهم أى وحرفوا آيات الكتب الدالة على دين محمد ﵇ ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ﴾ من بعد ما عرفها وصحت عنده لأنه إذا لم يعرفها فكأنها غائبة عنه ﴿فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ لمن استحقه
стр. 356
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)
﴿زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا﴾ المزين هو الشيطان زين لهم الدنيا
стр. 357
وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا يريدون غيرها أو الله تعالى بخلق الشهوات فيهم ولأن جميع الكائنات منه ويدل عليه قراءة من قرأ زين للذين كفروا الحيوة الدنيا ﴿ويسخرون من الذين آمنوا﴾ كانو يسخرون من فقراء المؤمنين كابن مسعود وعمار وصهيب ونحوهم أي لا يريدون غير الدنيا وهم يسخرون ممن لا حظ له فيها أو ممن يطلب غيرها ﴿والذين اتقوا﴾ عن الشرك وهم هؤلاء الفقراء ﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ لأنهم في جنة عالية وهم في نار هاوية ﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ بغير تقتير بعنى أنه يوسع على من أراد التوسعة عليه كما وسع على قارون وغيره وهذه التوسعة عليكم من الله لحكمة وهى استدراجكم بالنعمة ولو كانت كرامة لكان المؤمنون أحق بها منكم
стр. 358
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)
﴿كَانَ الناس أُمَّةً واحدة﴾ متفقين على دين الإسلام من آدم إلى نوح ﵉ أو هم نوح ومن كان معه في السفينة فاختلفوا ﴿فَبَعَثَ الله النبيين﴾ ويدل على حذفه قوله تعالى لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فيه وقراءة عبد الله كان الناس أمة واحدة فاختلفوا وقوله تعالى
البقرة (٢١٣ _ ٢١٤)
﴿وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا﴾ أو كان النا أمة واحدة كفاراً فبعث الله النبيين فاختلفوا عليهم والأول الأوجه ﴿مُبَشّرِينَ﴾ بالثواب للمؤمنين ﴿وَمُنذِرِينَ﴾ بالعقاب للكافرين وهما حالان ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب﴾ أي مع كل واحد منهم كتابه ﴿بالحق﴾ بتبيان الحق ﴿ليحكم﴾ الله او الكتاب اوالنبى المنزل عليه ﴿بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ﴾ في دين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق ﴿وَمَا اختلف فِيهِ﴾ في الحق ﴿إِلاَّ الذين أُوتُوهُ﴾ أي الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف أي ازدادوا في الاختلاف لما أنزل
стр. 359
عليهم الكتاب ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات﴾ على صدقه ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ مفعول له أي حسداً بينهم وظلماً لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم ﴿فهدى الله الذين آمنوا لِمَا اختلفوا فِيهِ﴾ أي هدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف فيه ﴿مِنَ الحق﴾ بيان لما اختلفوا فيه ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بعلمه ﴿والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صراط مستقيم﴾
стр. 360
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)
﴿أم حسبتم﴾ أم منقطة لا متصلة لأن شرطها أن يكون قبلها همزة الاستفهام كقولك أعندك زيد أم عمرو أى أيهما عندك وجوابه زيدان كان عند زيد أو عمرو إن كان عنده عمرو وأما أم المنقطعة فتقع بعد الاستفهام وبعد الخبر وتكون بمعنى بل والهمزة والتقدير بل أحسبتم ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجئ البينات تشجيعا لرسول الله ﷺ والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴿أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم﴾ أي ولم يأتكم وفي لما معنى التوقع يعني أن إتيان ذلك متوقع منتظر ﴿مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ﴾ مضوا أي حالهم التي هي مثل في الشدة ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ من النبيين والمؤمنين ﴿مَسَّتْهُمْ﴾ بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلاً قال كيف كان ذلك المثل فقيل مستهم ﴿البأساء﴾ أي البؤس ﴿والضراء﴾ المرض والجوع ﴿وَزُلْزِلُواْ﴾ وحركوا بأنواع البلايا وأزعجوا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة ﴿حتى يَقُولَ الرسول والذين آمنوا مَعَهُ﴾ إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه من المؤمنين ﴿متى نَصْرُ الله﴾ أي بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك ومعناه طلب النصر وتمنيه واستطالة
стр. 361
زمان الشدة فقيل لهم ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ إجابة لهم
البقرة (٢١٥ _ ٢١٧)
إلى طلبهم من عاجل النصر يقول بالرفع نافع على حكاية حال ماضية نحو شربت الابل حتى يجئ البعير يجر بطنه وغيره بالنصب على إضمار أن ومعنى الاستقبال لأن أن علم له
стр. 362
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)
ولما قال عمرو بن الجموح وهو شيخ كبير وله مال عظيم ماذا ننفق من اموالنا وأين نضعها نزل ﴿يسألونك مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ فقد تضمن قوله ما أنفقتم من خير بيان ما ينفقونه وهو كل خير وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها عن الحسن هي في التطوع ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيجزى عليه
стр. 363
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال﴾ فرض عليكم جهاد الكفار ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ من الكراهة فوضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقولها ... فإنما هي إقبال وإدبار ...
كأنه فى نفسه كراهة لفرط كراهتم له أو هو فعل بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز أي وهو مكروه لكم ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وهو خير لكم﴾ فأنتم تكروهون الغزو وفيه إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة وإما الشهادة والجنة ﴿وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا﴾ وهو القعود عن الغزو ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر ﴿والله يَعْلَمُ﴾ ما هو خير لكم ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم
стр. 364
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)
ونزل فى سرية بعثها رسول الله ﷺ فقاتلوا المشركين وقد أهل هلال رجب وهم لا يعلمون ذلك فقالت قريش قد استحل محمد ﵇ الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف ﴿يسألونك عَنِ الشهر الحرام﴾ أي يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ بدل الاشتمال من الشهر وقرىء عن قتال فيه على تكرير العامل كقوله للذين استضعفوا لمن آمن منهم ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي إثم كبير قتال مبتدأ وكبير خبره وجاز الابتداء بالنكرة لأنها وقد وصفت بغيه وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله تعالى ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي منع المشركين رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت عام الحديبية وهو متبدأ ﴿وكفر به﴾
أى بالله عطف عليه ﴿والمسجد الحرام﴾ عطف على سبيل الله أي وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وزعم الفراء أنه معطوف على الهاء في به أي كفر به وبالمسجد الحرام ولا يجوز عند البصريين العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار فلا تقول مررت به وزيد ولكن تقول وبزيد ولو كان معطوفاً على الهاء هنا لقيل وكفر به وبالمسجد الحرام ﴿وإخراج أهله﴾ أى أهل المسجد الحرم وهم رسول الله ﷺ والمؤمنون وهو عطف عليه أيضاً ﴿مِنْهُ﴾ من المسجد الحرام وخبر الأسماء الثلاثة ﴿أَكْبَرُ عِندَ الله﴾ أي مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن ﴿والفتنة﴾ الإخراج أو الشرك ﴿أَكْبَرُ مِنَ القتل﴾ في الشهر الحرام أو تعذيب الكفار المسلمين أشد قبحاً من قتل هؤلاء المسلمين في الشهر الحرام ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ﴾ أي إلى الكفر وهو إخبار
стр. 365
عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم وحتى معناها التعليل نحو فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة أي يقاتلونكم كي يردوكم وقوله تعالى ﴿إن استطاعوا﴾ استبعاد لا ستطاعتهم كقولك لعدوك إن ظفرت بي فلا تبق علي وأنت واثق بأنه لا يظفر بك ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ أي يمت على الردة ﴿فأولئك حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والآخرة﴾ لما يفوتهم بالردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام وفي الآخرة من الثواب وحسن المآب ﴿وأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون﴾ وبها احتج الشافعي ﵀ على أن الردة لا تحبط العمل حتى يموت عليها وقلنا قد علق الحبط بنفس الردة بقوله تعالى ﴿وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حبط عمله﴾ والأصل عندنا أن المطلق لا يحمل على المقيد وعنده يحمل عليه فهو بناء على هذا
стр. 366
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)
ولما قالت السرية أيكون لنا أجر المجاهدين فى سبيل الله نزل ﴿إن الذين آمنوا والذين هَاجَرُواْ﴾ تركوا مكة وعشائرهم ﴿وجاهدوا فِي سبيل الله﴾ مع المشركين ولا وقف عليه لأن ﴿أولئك يَرْجُونَ رحمة الله﴾ خبر إن قيل من رجا طلب ومن خاف هرب ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ
стр. 367
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)
! نزل في الخمر أربع آيات نزل بمكة وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال ثم إن عمر ونفراً من الصحابة قالوا يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل
البقرة (٢١٩ _ ٢٢٠)
مسلبة للمال فنزل ﴿يسألونك عَنِ الخمر والميسر﴾ فشربها قوم وتركها آخرون ثم دعا عبد الرحمن ابن عوف جماعة فشربوا وسكروا وأم بعضهم فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون فنزل لاَ تَقْرَبُواْ
стр. 368
الصلاة وَأَنتُمْ سكارى فقل من يشربها ثم دعا عتبان بن مالك جماعة فلما سكروا منها تخاصموا وتضاربوا فقال عمر اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل إِنَّمَا الخمر والميسر إلى قوله فهل انتم منتهون فقال عمر انتهينا يا رب وعن علي رضى الله عنه لو وقعت قطرة في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها ولو وقعت في بحر ثم جف ونبت فيه الكلأ لم أرعه والخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب وسميت بمصدر خمره خمراً إذا ستره لتغطيتها العقل والميسر القمار مصدر من يسر كالموعد من فعله يقال يسرته إذا قمرته واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة بلا كد وتعب أو من اليسار كأنه سلب يساره وصفة الميسر أنه كانت لهم عشرة أقداح سبعة منها عليها خطوط وهو الفذ وله سهم والتوأم وله سهمان والرقيب وله ثلاثة والحلس وله أربعة والنافس وله خمسة والمسبل وله ستة والمعلى وله سبعة وثلاثة أغفال لا نصيب لها وهي المنيح والسفيح والوغد فيجعلون الأقداح في خريطة ويضعونها على يد عدل ثم يجلجلها ويدخل يده ويخرج باسم رجل قدحاً قدحاً منها فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجذور كله وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه وفي حكم الميسر أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما والمعنى يسألونك عما في تعاطيهما بدليل ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ بسبب التخاصم والتشاتم وقول الفحش والزور كثير حمزة وعلي ﴿ومنافع لِلنَّاسِ﴾ بالتجارة في الخمر والتلذذ بشربها وفى الميسر بارتفاق الفقراء أو نيل المال بلا كد ﴿وَإِثْمُهُمَا﴾ وعقاب الإثم في تعاطيهما ﴿أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ لأن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة ﴿ويسألونك مَاذَا
стр. 369
يُنفِقُونَ قُلِ العفو﴾ أي الفضل أي أنفقوا ما فضل عن قدر الحاجة وكان التصدق بالفضل في أول الإسلام فرضاً فإذا كان الرجل صاحب زرع أمسك قوت سنة وتصدق بالفضل وإذا كان صانعاً أمسك قوت يومه وتصدق بالفضل فنسخت بآية الزكاة العفو أبو عمرو فمن نصبه جعل ماذا
اسماً واحدا فى موضع النصب بينفقون والتقدير قل ينفقون العفو ومن رفعه جعل ما مبتدأ وخبره ذا مع صلته فذا بمعنى الذي وينفقون صلته أي ما الذي ينفقون فجاء الجواب العفو أي هو العفو فإعراب الجواب كإعراب السؤال ليطابق الجواب السؤال ﴿كذلك﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي تبييناً مثل هذا التبيين ﴿يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات لعلكم تتفكرون﴾
стр. 370
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)
﴿فِى الدنيا﴾ أي في أمر الدنيا ﴿والآخرة﴾ وفي يتعلق بتتفكرون أي تتفكرون فيما يتعلق بالدارين
البقرة (٢٢٠ _ ٢٢١)
فتاخذون بما هو أصلح لكم أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع ويجوز أن يتعلق بيبين أي يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون ولما نزل أن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما اعتزلوا اليتامى وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم وذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزل ﴿ويسألونك عَنِ اليتامى قُلْ إصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ أي مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأمواهم خير من مجانبتهم ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ﴾ وتعاشروهم ولم تجانبوهم ﴿فَإِخوَانُكُمْ﴾ فهم إخوانكم في الدين ومن حق الأخ أن يخالط أخاه ﴿والله يَعْلَمُ المفسد﴾ لأموالهم ﴿من المصلح﴾ لهم فيجازيه على حسب مداخلته فاحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح ﴿وَلَوْ شَاءَ الله﴾ إعناتكم
стр. 371
﴿لأَعْنَتَكُمْ﴾ لحملكم على العنت وهو المشقة وأخرجكم فلم يطلق لكم مداخلتهم ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ﴾ غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يكلف إلا وسعهم وطاقتهم
стр. 372
وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)
ولما سأل مرثد النبى ﷺ عن أن يتزوج عناق وكانت مشركة نزل ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ أي لا تتزوجوهن يقال نكح إذا تزوج وأنكح غيره زوجه ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ ولو كان الحال أن المشركة تعجبكم وتحبونها ﴿وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين﴾ ولا تزوجوهم بمسلمة كدا قاله الزجاج وقال جامع العلوم حذف أحد المفعولين والتقدير ولا تنكحوهن المشركين ﴿حتى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ ثم بين علة ذلك فقال ﴿أولئك﴾ وهو إشارة إلى المشركات والمشركين ﴿يَدْعُونَ إِلَى النار﴾ إلى الكفر الذي هو عمل أهل النار فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا ﴿والله يدعو إِلَى الجنة والمغفرة﴾ أي وأولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة وما يوصل إليهما فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بعلمه أو بأمره ﴿وَيُبَيِنُ آياته لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يتذكرون﴾ يتعظون
стр. 373
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)
كانت العرب لم يؤاكلوا الحائض ولم يشاربوها ولم يساكنوها كفعل اليهود والمجوس فسأل أبو الدحداح رسول الله ﷺ عن ذلك وقال يارسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حضن فنزل
البقرة (٢٢٢ _ ٢٢٣)
﴿ويسألونك عَنِ المحيض﴾
стр. 374
هو مصدر يقال حاضت محيضاً كقولك جاء مجيئاً ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أي المحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه ﴿فاعتزلوا النساء فِي المحيض﴾ فاجتنبوهن أي فاجتنبوا مجامعتهن وقيل إن النصارى كانوا يجامعونهن لا يبالون بالحيض واليهود كانوا يعتزلونهن في كل شيء فأمر الله بالاقتصاد بين الأمرين ثم عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يجتنب ما اشتمل عليه الازار ومحمد ﵀ لا يوجب إلا اعتزال الفرج وقالت عائشة رضى الله عنها يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ﴾ مجامعين أو ولا تقربوا مجامعتهن ﴿حتى يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد كوفي غير حفص أي يغتسلن وأصله يتطهرن فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجيهما غيرهم يطهرن أي ينقطع دمهن والقراءتان كآيتين فعملنا بهما وقلنا له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل عملاً بقراءة التخفيف وفي أقل منه لا يقربها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت الصلاة عملاً بقراءة التشديد والحمل على هذا أولى من العكس لأنه حينئذ يجب ترك العمل بإحداهما لما عرف وعند الشافعى ﵀ لا يقربها حتى تطهر وتتطهر دليله قوله تعالى ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فجامعوهن فجمع بينهما ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ من المأتى الذي أمركم الله به وحلله لكم وهو القبل ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين﴾ من ارتكاب ما نهوا عنه أو العوادين إلى الله تعالى وإن زلوا فزلوا والمحبة لمعرفته بعظم عفو الله حيث لا ييأس ﴿وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ بالماء أو المتنزهين من أدبار النساء أو من الجماع في الحيض أو من الفواحش
стр. 375
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)
كان اليهود يقولون إذا أتى الرجل أهله باركة أتى الولد أحول فنزل ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ مواضع حرث لكم وهذا مجاز شبهن بالمحاريث تشبيهاً لما يلقى في أرحامهن من النطف التى منها النسل بالبذور والولد
стр. 376
بالبنات ووقع قوله ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ بياناً وتوضيحاً لقوله ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ أي إن المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث لا مكان الفرث تنبيهاً على أن المطلوب الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لإقضاء الشهوة فلا تأتوهن إلا من المأتي الذي نيط به هذا المطلوب ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنى شِئْتُمْ﴾ جامعوهن متى شئتم أو كيف شئتم باركة أو مستلقية أو مضطجعة بعد أن يكون المأتي واحداً وهو موضع الحرث وهو تمثيل أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم لا يحظر عليكم جهة دون جهة وقوله هو أذى فاعتزلوا النساء من حيث أمركم الله فأتوا حرثكم أنى شئتم من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة فعلى كل مسلم أن يتأدب بها ويتكلف مثلها في المحاورات والمكاتبات ﴿وَقَدّمُواْ لأَِنفُسِكُمْ﴾ ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة وما هو خلاف ما نهيتم عنه أو هو طلب
البقرة (٢٢٣ _ ٢٢٦)
الولد أو والتسمية على الوطء ﴿واتقوا الله﴾ فلا تجترءوا على المناهي ﴿واعلموا أَنَّكُم ملاقوه﴾ صائرون إليه فاستعدوا للقائه ﴿وَبَشِّرِ المؤمنين﴾ بالثواب يا محمد وإنما جاء يسئلونك ثلاث مرات بلا واو ثم مع واو ثلاثا لأن سؤالهم عن تلك الحوادث الأول كأنه وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف لأن كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ وسألوا عن الحوادث الأخر فى وقت واحد فجئ بحرف الجمع لذلك
стр. 377
وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)
﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم﴾ العرضة فعلة بمعنى مفعول كالقبضة وهي اسم ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيتعرض دونه ويصير حاجزاً ومانعاً منه تقول فلان عرضة دون الخير وكان الرجل يحلف على بعض الخيرات من صلة رحم أو إصلاح ذات بين أو إحسان إلى أحد أو عبادة ثم يقول أخاف الله أن أحنث في يميني فيترك البرّ إرادة البر في يمينه فقيل لهم ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم
стр. 378
أي حاجزاً لما حلفتم عليه وسمي المحلوف عليه يميناً بتلبسه باليمين كقوله ﵇ من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وقوله ﴿أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس﴾ عطف بيان لأيمانكم أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس واللام تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق أن تبروا بالفعل أو بالعرضة أي ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا ﴿والله سميعٌ﴾ لأيمانكم ﴿عليمٌ﴾ بنياتكم
стр. 379
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)
﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم﴾ اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولغو اليمين الساقط الذي لا يعتد به في الأيمان وهو أن يحلف على شيء يظنه على ما حلف عليه والأمر بخلاقه والمعنى لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم وعندالشافعى ﵀ هو ما يجري على لسانه من غير قصد للحلف نحو لا والله وبلى والله ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم﴾ ولكن يعاقبكم ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ بما اقترفته من إثم القصد إلى الكذب في اليمين وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس وتعلق الشافعي بهذا النص على وجوب الكفارة في الغموس لأن كسب القلب العزم والقصد والمؤاخذة غير مبينة هنا وبينت في المائدة فكان البيان ثمة بياناً هنا وقلنا المؤاخذة هنا مطللقة وهي في دار الجزاء والمؤاخذة ثم مقيدة بدار الابتلاء فلا يصح حمل البعض على البعض ﴿والله غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم
стр. 380
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)
﴿للذين يؤلون﴾ يقسمون وهى
البقرة (٢٢٦ _ ٢٢٨)
قراءة ابن عباس رضى الله عنه ومن في ﴿مِن نّسَائِهِمْ﴾ يتعلق بالجار والمجرور أي للذين كما تقول لك متى نصرة ولك مني معونة أي للمؤلين من نسائهم ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي استقر للمؤلين ترقب أربعة أشهر لا بيؤلون لأن آلى بعدى بعلى يقال آلى فلان على امرأته وقول القائل آلى فلان من امرأته وهم توهمه من هذه الآية ولك أن تقول عدى بمن لما فى هذا القسم من معنى فكأنه قيل يبعدون من نسائهم مؤلين ﴿فإن فاؤوا﴾ في الأشهر لقراءة عبد الله فإن فاءوا فيهن أي رجعوا إلى الوطء عن الإصرار بتركه ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ حيث شرع الكفارة
стр. 381
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)
﴿وإن عزموا الطلاق﴾ بترك الفئ فتربصوا إلى مضي المدة ﴿فَإِنَّ الله سَمِيعٌ﴾ لإبلائه ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيته وهو وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة وعند الشافعى ﵀ معناه فإن فاءوا وإن عزموا بعد مضي المدة لأن الفاء للتعقيب وقلنا قوله فإن فاءوا وإن عزموا تفصيل لقوله للذين يؤلون من نسائهم والتفصيل يعقب المفصل كما تقول أنا نزيلكم هذا الشهر فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم إلا ريثما أتحول
стр. 382
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)
﴿والمطلقات﴾ أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ خبر في معنى الأمر وأصل الكلام ولتتربص المطلقات وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً ونحوه قولهم في الدعاء رحمك الله أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها وبناءه على المتبدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام واثبات بخلاف الفعلية وفي ذكر الأنفس تهييج لهن
стр. 383
على التربص وزيادة بعث لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص ﴿ثلاثة قُرُوءٍ﴾ جمع قرء أو قرء وهو الحيض لقوله ﵇ دعي الصلاة أيام أقرائك وقوله طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ولم يقل طهران وقوله تعالى ﴿واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أشهر﴾ فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار ولأن المطلوب من العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام دون الطهر ولذلك كان الاستبراء من الأمة بالحيضة ولأنه لو كان طهرا كما قال الشافعى لا نقضت العدة بقرأين وبعض الثالث فانتقض العدد عن الثلاثة لأنه إذا طلقها لآخر الطهر فذا محسوب من العدة عنده وإذا طلقها في آخر الحيض فذا غير محسوب من العدة عندنا والثلاث اسم خاص لعدد مخصوص لا يقع على ما دونه ويقال أقرأت المرأة إذا حاضت وامرأة مقرئ وانتصاب ثلاثة على أنه مفعول به أي يتربصن مضي ثلاثة قروء أو على الظرف أي يتربصن مدة ثلاثة قروء وجاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الإقراء
البقرة (٢٢٨ _ ٢٢٩)
لاشتراكهما في الجمعية اتساعاً ولعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الأقراء فأوثر عليه تنزيلاً لقليل الاستعمال منزلة المهمل ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الولد أو من دم الحيض أو منهما وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها أو كتمت حيضها وقالت وهي حائض قد طهرت استعجالاً للطلاق ثم عظم فعلهن فقال ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر﴾ لأن من آمن بالله وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ البعول جمع بعل والتاء لاحقة لتأنيث الجمع ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أى أزواجهن أولى برجعتهن
стр. 384
وفيه دليل على أن الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء حيث سماه زوجاً بعد الطلاق ﴿فِي ذلك﴾ في مدة ذلك التربص والمعنى أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها وكان هو أحق منها لا أن لها حقاً في الرجعة ﴿إِنْ أَرَادُواْ﴾ بالرجعة ﴿إصلاحا﴾ لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن ولم يريدوا مضارتهن ﴿ولهن مثل الذي﴾ يجب لهم ﴿عليهن﴾ من الأمر والنهي ﴿بالمعروف﴾ بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلف أحد الزوجين صاحبه ما ليس له والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب في كونه حسنة لا في جنس الفعل فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال ﴿وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ درجة﴾ زيادة الحق وفضيلة بالقيام بأمرها وإن اشتركا في اللذة والاستمتاع أو بالإنفاق وملك النكاح ﴿والله عَزِيزٌ﴾ لا يعترض عليه في أموره ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يأمر إلا بما هو صواب وحسن
стр. 385
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)
﴿الطلاق مَرَّتَانِ﴾ الطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم أى التطيلق الشرعى تطيلقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير كقوله ﴿ثم ارجع البصر كرتين﴾ أي كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين وهو دليل لنا في أن الجمع بين الطلقتين والثلاثة بدعة في طهر واحد لأن الله تعالى أمرنا بالتفريق لأنه وإن كان ظاهره الخبر فمعناه الأمر ولا يؤدي إلى الخلف في خبر الله تعالى لأن الطلاق على وجه الجمع قد يوجد وقيل قالت أنصارية إن زوجي قال لا أزال أطلقك ثم أراجعك فنزلت الطلاق مرتان أي الطلاق الرجعي مرتان لأنه لا رجعة بعد الثالث ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ برجعة
стр. 386
والمعنى فالواجب عليكم إمساك بمعروف ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدة وقيل بأن لا يطلقها الثالثة في الطهر الثالث ونزل في جميلة وزوجها ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها وقد أعطاها حديقة
البقرة (٢٢٩ _ ٢٣١)
فاختلعت منه بها وهو أول خلع كان في الإسلام ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أيها الأزواج أو الحكام لأنهم الآمرون الأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون ﴿أن تَأخُذُواْ مِمَّآ آتَيتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ مما أعطيتموهن من المهور ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ إلا أن يعلم الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيها الولاة وجاز أن يكون أول الخطاب للأزواج وآخره للحكام ﴿أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ فلا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما أعطت ﴿فِيمَا افتدت بِهِ﴾ فيما افتدت به نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر إلا أن يخافا حمزة على البناء للمفعول وإبدال ألا يقيما من ألف الضمير وهو من بدل الاشتمال نحو خيف زيد تركه إقامة حدود الله ﴿تِلْكَ حُدُودَ الله﴾ أي ما حد من النكاح واليمين والإيلاء والطلاق والخلع وغير ذلك ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ فلا تجاوزوها بالمخالفة ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فأولئك هُمُ الظالمون﴾ الضارون أنفسهم
стр. 387
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)
﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ مرة ثالثة بعد المرتين فإن قلت الخلق طلاق عندنا وكذا عند الشافعى ﵀ في قول فكأن هذه تطليقة رابعة قلت الخلع طلاق ببدل فيكون طلقة ثالثة وهذا بيان للتلك أي فإن طلقها الثالثة ببدل فحكم التحليل كذا ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ من بعد التطليقة الثالثة ﴿حتى تَنْكِحَ زَوْجًا
стр. 388
غَيْرَهُ﴾ حتى يتزوج غيره والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج وفيه دليل على أن النكاح ينعقد بعبارتهم والإصابة شرطت بحيث العسيلة كما عرف في أصول الفقه والفقه فيه أنه لما أقدم على فراق لم يبق للندم مخلص لم تحل له إلا بدخول فحل عليها ليمتنع عن ارتكابه ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ الزوج الثاني بعد الوطء ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ على الزوج الأول وعليها ﴿أَن يَتَرَاجَعَا﴾ أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج ﴿إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية ولم يقل إن علما أنهما يقيمان لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيّنُهَا﴾ وبالنون المفضل ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يفهمون ما بين لهم
стр. 389
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها يقال لعمر الإنسان أجل وللموت الذى ينتهى
البقرة (٢٣١ _ ٢٣٢)
به أجل ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي فإما أن يراجعها من غير طلب ضرار بالمراجعة وإما أن يخليها حتى تنقضي عدتها وتبين من غير ضرار ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ مفعول له أو حال أي مضارين وكان الرجل يطلق المرأة ويتركها حتى يقرب انقضاء عدتها ثم يراجعها لا عن حاجة ولكن ليطوّل العدة عليها فهو الإمساك ضراراً ﴿لتعتدوا﴾ لتظلموهن أو لتلجئهون إلى الاقتداء ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ يعني الإمساك للضرار ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بتعريضها لعقاب الله ﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله هزوا﴾ أى جدوا فى الأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها وإلا فقد اتخذتموها هزواً يقال لمن لم يجد فى الامر إنما أنت لاعب وهازئ ﴿واذكروا نعمة الله عَلَيْكُمْ﴾
стр. 390
بالإسلام وبنبوة محمد ﵇ ﴿وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة﴾ من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ بما أنزل عليكم وهو حال ﴿واتقوا الله﴾ فيما امتحنكم به ﴿واعلموا أَنَّ الله بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ من الذكر والاتقاء والاتعاظ وغير ذلك وهو أبلغ وعد ووعيد
следующие страницы →