← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) ﴿كُلُواْ مِن طيبات﴾ حلالات ﴿مَا رزقناكم﴾ أنجيتكم وواعدتك ورزقتكم كوفي غير عاصم ﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾ ولا تتعدوا حدود الله فيه بأن تكفروا النعم وتنفقوها في المعاصي أولا يظلم بعضكم بعضاً ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى﴾ عقوبتي ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هوى﴾ هلك أو سقط سقوطا لا نهوض قرا على فيحل ويحلل والباون بكسرهما فالمسكور في معنى الوجوب من حل الدين بحل إذ وجب اداؤ وجب أداؤه والمضموم في معنى النزول

стр. 3292

وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢) ﴿وإني لغفار لمن تاب﴾ عن الشرك ﴿وآمن﴾ وحد الله تعالى وصدقه فيما أنزل ﴿وَعَمِلَ صالحا﴾ أدى الفرائض ﴿ثُمَّ اهتدى﴾ ثم استقام وثبت على الهدى وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح

стр. 3293

وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) ﴿وما أعجلك﴾ أي وأي شيء بك ﴿عن قومك يا موسى﴾ أي عن السبعين الذين اختارهم وذلك أن مضى معهم إلى الطور على الموعد طه (٨٧ - ٨٤) كلام ربه وأمرهم ان يتبعوه قال تعالى واما أعجلك أي أي شيء أوب عجلتك استفهام انكار وما مبتدأ وأعجلك الخبر

стр. 3294

قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) ﴿قَالَ هُمْ أُوْلاء على أَثَرِى﴾ أي هم خلفي يلحقون بي وليس بيني وبين وبينهم الا مسافة يسيرة ثم كر موجب العجلة فقال ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ﴾ أي إلى الموعد الذي وعدت ﴿لترضى﴾ لتزداد عني رضاً وهذا دليل على جواز الاجتهاد

стр. 3295

قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ ألقيناهم في فتنة ﴿مِن بَعْدِكَ﴾ من بعد خروجك من بينهم والمراد بالقوم الذين خلفهم مع هرون ﴿وَأَضَلَّهُمُ السامرى﴾ بدعائه إياهم إلى عبادة العجل وإجاتهم له وهومنسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة وقيل كان علجاً من كرمان فاتخذ عجلاً واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً

стр. 3296

فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) ﴿فرجع موسى﴾ من مناجاة ربه ﴿إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفًا﴾ شديد الغضب أو حزيناً ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ وعدهم الله أن يعطيهم التوراة التي فيها هدى ونور وكانت ألف سورة كل سوره ألف آية يحمل أسفارها سبعون جملاً ولا وعد أحسن من ذلك ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد﴾ أي مدة مفارقتي إياكم والعهد والزمان يقال طال عهدي بك أي طال زماني بسبب مفارقتك ﴿أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ﴾ أي أردتم أن تفعلوا فعلاً يجب به عليكم الغضب من ربكم ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى﴾ وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الآيات فأخلفوا موعده باتخاذ العجل

стр. 3297

قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) ﴿قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾ فتح الميم مدني وعاصم وبضمها حمزة وعلي وبكسرها غيرهم أي ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا امرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا وأرينا لما أخلفنا موعدك ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده ﴿ولكنا حُمّلْنَا﴾ بالضم والتشديد حجازي وشامي وحفص وبفتح الحاء والميم مع التخفيف غيرهم ﴿أَوْزَاراً مّن زِينَةِ القوم﴾ أثقالاً من حلي القبط أو أرادوا بالاوزار أنها آثام وتبعات لأنهم قد استعارها ليلة الخروج من مصر بعلة أن لنا غداً عيداً فقال السامري إنما حبس موسى لشؤم حرمتها لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب وليس

стр. 3298

للمستأمن أن يأخذ مال الحربي على أن الغنائم لم تكن تحل حينئذ فأحرقوها فخبأ في حفرة النار قالب عجل فانصاغت عجلاً مجوفاً فخار بدخول الريح في مجار منها أشباه العروق وقيل نفخ فيه تراباً من موضع قوائم فرس جبريل ﵇ يوم طه (٩٣ - ٨٧) الغرق وهو فرس حياة فحي فخار ومالت طباعهم إلى الذهب فعبدوه ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ في نار السامري التي أوقدها في الحفرة وأمرنا أن نطرح فيها الحلي ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامرى﴾ ما معه من الحلي في النار أو ما معه من التراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام

стр. 3299

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ﴾ السامري من الحفرة ﴿عِجْلاً﴾ خلقه الله تعالى من الحلي التي سبكتها النار ابتلاء ﴿جَسَداً﴾ مجسداً ﴿لَّهُ خُوَارٌ﴾ صوت وكان يخور كما تخور العجاجيل ﴿فَقَالُواْ﴾ أي السامري وأتباعه ﴿هذا إلهكم وإله موسى﴾ فأجاب عامتهم الا اثنى عشر ألفا ﴿فنسي﴾ موسى ربه هنا وذهب يطلبه عند الطور أو هو ابتداء كلام من الله تعالى أي نسي السامري ربه وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر أو نسي السامري الاستدلال على أن العجل لا يكون إلهاً بدليل قوله

стр. 3300

أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ﴾ أي أنه لا يرجع فان مخففة من الثقيلة ﴿إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ أي لا يجيبهم ﴿وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ أي هو عاجز عن الخطاب والضر والنفع فكيف تتخذونه إلهاً وقيل إنه ما خار إلا مرة

стр. 3301

وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ﴾ لمن عبدوا العجل ﴿هارون مِن قَبْلُ﴾ من قبل رجوع موسى إليهم ﴿يا قوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ ابتليتم بالعجل فلا تعبدوه ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن﴾ لا العجل ﴿فاتبعونى﴾ كونوا على ديني الذي هو الحق ﴿وَأَطِيعُواْ أَمْرِى﴾ في ترك عبادة العجل

стр. 3302

قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عاكفين﴾ أي لن نزال مقيمين على العجل وعبادته ﴿حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى﴾ فننظره هل يعبده كما عبدناه وهل صدق السامري أم لا فلما رجع موسى

стр. 3303

قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) ﴿قَالَ يَا هارون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ﴾ بعبادة العجل

стр. 3304

أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) ﴿أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ بالياء في الوصل والوقف مكي وافقه أبو عمرو ونافع في الوصل وغيرهم بلا ياء أي ما دعاك إلى أن لا تتبعني لوجود التعلق بين الصارف عن فعل الشيء وبين الداعي إلى تركه وقيل لا مزيدة المعنى أي شيء منعك أن تتبعني حين لم يقبلوا قولك وتلحق بي وبين الداعي إلى تركه وقيل لا مزيدة والمعنى أي شيء منعك أن تتبعني حين لم يقبلوا قولك وتحلق بي وتخبرني وما منعك أن تتبعني في الغضب لله وهلا قاتلت من كفر بمن آمن ومالك لم تباشر الأمر كما كنت أبشاره أنا لو كنت شاهداً ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ أي الذي أمرتك به من القيام بمصالحهم ثم أخذ بشعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله غضباً وإنكاراً عليه لأن الغيرة في الله ملكته

стр. 3305

قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) ﴿قال يا ابن أم﴾ ويخفض الميم شامي وكوفي غير حفص وكان لأبيه وأمه عند الجمهور ولكنه ذكر الأم استعطافاً طه (٩٨ - ٩٤) وترفيقاً ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى﴾ ثم ذكر عذره فقال ﴿إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ﴾ إن قاتلت بعضهم ببعض ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إسرائيل﴾ أو خفت أن تقول إن فارقتهم واتبعتك ولحق بي فريق وتبع السامري فريق فَرَّقْتَ بين بني اسرائيل ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ ولم تحفظ ﴿قَوْلِي﴾ اخلفني في قومي وأصلح وفيه دليل على جواز الاجتهاد

стр. 3306

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) ثم أقبل موسى على السامري منكراً عليه حيث حيث ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ﴾ ما أمرك الذي تخاطب عليه ﴿يا سامري﴾

стр. 3307

قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ وبالتاء حمزة وعلى قال الزجاج بصر علم وأبصر نظر أي علمت ما لم يعلمه بنو اسرائيل قال موسى وماذك قال رأيت جبريل على فرس الحياة فألقي في نفسي أن أقبض من أثره فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ولحم ودم ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ القبضة المرة من القبض وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر كضرب الامير وقرئ فقبضت قبضة فالضاد بجميع الكف والصاد بأطراف الأصابع ﴿مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ أي من أثر فرس الرسول وقرئ بها ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ فطرحتها في جوف العجل ﴿وكذلك سَوَّلَتْ﴾ زينت ﴿لِى نَفْسِى﴾ أن أفعله ففعلته اتباعاً لهواي وهو اعتراف بالخطأ واعتذار

стр. 3308

قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) ﴿قَالَ﴾ له موسى ﴿فاذهب﴾ من بيننا طريداً ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة﴾ ما عشت ﴿أَن تَقُولَ﴾ لمن أراد مخالطتك جاهلاً بحالك ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ أي لا يمسني أحد ولا أمسه فمنع مخالطة الانس منعا كليا وحرمع عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته وإذا اتفق أن يماس أحداً حم الماس والممسوس وكان يهيم في البرية يصبح لا مساس ويقال إن ذلك موجود في أولاده إلى الآن وقيل أراد موسى ﵇ أن يقتله فمنعه الله تعالى مه لسخائه ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ أي لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض ينجزه لك في الآخرة بعدما عاقبك بذاك في الدنيا لَّن تُخْلَفَهُ مكي وأبو عمر وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً ﴿وانظر إلى إلهك الذى ظَلْتَ عَلَيْهِ﴾ وأصله ظللت فحذف اللام الأولى تخفيفاً ﴿عَاكِفاً﴾ مقيماً ﴿لَّنُحَرّقَنَّهُ﴾ بالنار ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ﴾ لنذرينه ﴿فِى اليم نَسْفاً﴾ فحرقه وذراه في البحر فشرب بعضهم من مائه حباله فظهرت على شفاهم صفرة الذهب

стр. 3309

إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨) ﴿إِنَّمَا إلهكم الله الذى لا إله إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْء عِلْماً﴾ تمييز أي وسع علمه كل شيء

стр. 3310

كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) ومحل الكاف في ﴿كذلك﴾ نصب أي مثل ما اقتصصنا عليك قصة طه (١٠٥ - ٩٩) موسى وفرعون ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ﴾ من أخبار الأمم الماضية تكثيراً لبيناتك وزيادة في معجزاتك ﴿وَقَدْ آتيناك﴾ أي أعطيناك ﴿مّن لَّدُنَّا﴾ من عندنا ﴿ذِكْراً﴾ قرآناً فهو ذكر عظيم وقرآن كريم فيه النجاة لمن أقبل عليه وهو مشتمل على الأقاصيص والأخبار الحقيقة بالتفكر والاعتبار

стр. 3311

مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن هذا الذكر وهو القرآن ولم يؤمن به ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القيامة وِزْراً﴾ عقوبة ثقيلة سماها وزراً تشبيهاً في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الثقيل الذي ينقض ظهره ويلقى عليه بهره أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم

стр. 3312

خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) ﴿خالدين﴾ حال من الضمير في يَحْمِلُ وإنما جمع على المعنى ووحد في فَإِنَّهُ حملاً على لفظ من ﴿فِيهِ﴾ في الوزر أي في جزاء الوزر وهو العذاب ﴿وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً﴾ ساء في حكم بئس وفيه ضمير مبهم يفسره حملا وهو تمييز اللام في لهم للبيان كما في هيتك لك والمخصوص بالذم محذوف لدلالة الوزر السابق عليه تقديره ساء الحمل حملاً وزرهم

стр. 3313

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) ﴿يوم ينفخ﴾ بدل من يوم القيامة تنفخ أبو عمرو ﴿فِى الصور﴾ القرن أو هو جمع صورة أي ننفخ الأرواح فيها دليله قراءة قتادة الصور بفتح الوّاو جمع صورة ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ حال أي عمياً كما قال وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عميا وهذا لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق

стр. 3314

يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) ﴿يتخافتون﴾ يتسارون ﴿بينهم﴾ أي يقول لبعضم سراً لهول ذلك اليوم ﴿إِن لَّبِثْتُمْ﴾ ما لبثتم في الدنيا ﴿إِلاَّ عَشْراً﴾ أي عشر ليال يستقصرون مدة لبثهم في القبور أو في الدنيا لما يعاينون من الشدائد التي تذكرهم أيام النعمة والسرور فيتأسفون عليها ويصفونها بالقصر لأن أيام السرور قصار أو لأنها ذهبت عنهم والذاهب وإن طالت مدته قصير بالانتهاء ولا استطالتهم الآخرة لأنها أبداً يستقصر إليها عمر الدنيا ويقال لبث أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في الآخرة وقد رجح الله قول من يكون اشد تقالا منه بقوله

стр. 3315

نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤) ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أعد لهم قولاً ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ وهو كقوله قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بعض يوم فاسأل العادين

стр. 3316

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) ﴿ويسألونك عن الجبال﴾ سألوا النبي ﷺ ما يصنع بالجبال يوم القيامة وقيل لم يسأل وتقديره إن سألوك ﴿فَقُلْ﴾ ولذا قرن بالفاء بخلاف سائر السؤالات مثل قوله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض قل هو اذى وقوله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إصلاح لهم خير يسئلونك عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ يسئلونك عن الساعة ايان مرساها طه (١١١ - ١٠٥) قل أنما علمها عند ربي ويسئلونك عن الروح قل الروح ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلو لأنها سؤالات تقدمت فورد جوابها ولم يكن فيها معنى الشرط فلم يذكر الفاء ﴿يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً﴾ أي يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فيفرقها كما يذرى الطعام وقال الخليل يقلعها

стр. 3317

فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) ﴿فَيَذَرُهَا﴾ فيذر مقارها أو يجعل الضمير للأرض للعلم بها كقوله مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا ﴿قَاعاً صَفْصَفاً﴾ مستوية ملساء

стр. 3318

لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) ﴿لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً﴾ انخفاضاً ﴿وَلا أَمْتاً﴾ ارتفاعا والعوج بالكسر وإن كان في المعاني كما أن المفتوح في الأعيان والأرض عين ولكن لما استوت الأرض استواء لا يمكن أن يوجد فيها اعوجاج بوجه ما وان دقت الحيلة ولطفت جرب مجرى المعاني

стр. 3319

يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أضاف اليوم إلى وقت نسف الجبال أي يوم إذ نسفت وجاز أن يكون بدلا بعد من يوم القيامة ﴿يَتَّبِعُونَ الداعى﴾ إلى المحشر أي صوت الداعي وهو اسرافيل حي ينادي على صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلمي إلى عرض الرحمن فيقبلون من كل أوب على صوبه لا يعدلون عنه ﴿لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي لا يعوج له مدعو بل يستوون إليه من غير انحراف متبعين لصوته ﴿وَخَشَعَتِ﴾ وسكنت ﴿الأصوات للرحمن﴾ هيبة وإجلالاً ﴿فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً﴾ صوتاً خفيفاً لتحريك الشفاه وقيل هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت أي لا تسمع إلا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر

стр. 3320

يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن﴾ محل من رفع على البدل من الشفاعة بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن أي أذن للشافع في الشفاعة ﴿وَرَضِىَ له قولا﴾ أي رضي الله تعالى عنه قولاً لأجله بأن يكون المشفوع له مسلماً أو نصب على المدح لانه مفعول تنفع

стр. 3321

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم تقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ أي بما أحاط به علم الله فيرجع الضمير إلى أو يرجع الضمير إلى الله لأنه تعالى ليس بمحاط

стр. 3322

وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) ﴿وَعَنَتِ﴾ خضعت وذلت ومنه قيل للأسير عانٍ ﴿الوجوه﴾

стр. 3323

أي أصحابها ﴿لِلْحَىّ﴾ الذي لا يموت وكل حياة يتعقبها الموت فهي كأن لم تكن ﴿القيوم﴾ الدائم القائم عل كل نفس بما كسبت أو القائم بتدبير الخلق ﴿وَقَدْ خَابَ﴾ يئس من رحمة الله ﴿مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ من حمل إلى موقف القيامة شركاً لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ولا ظلم أشد من جعل طه (١١٦ - ١١٢) المخلوق شريك من خلقه

стр. 3324

وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢) ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ الصالحات الطاعات ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ مصدق بما جاء به محمد ﵇ وفيه دليل أنه يستحق اسم الإيمان بدون الأعمال الصالحة وأن الإيمان شرط قبولها ﴿فَلاَ يَخَافُ﴾ أي فهو لا يخاف فَلاَ يخف عن النهي مكي ﴿ظلما﴾ أن يزاد في سيآته ﴿وَلاَ هَضْماً﴾ ولا ينقص من حسناته وأصل الهضم النقص والكسر

стр. 3325

وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) ﴿وكذلك﴾ عطف على كذلك نقص أي ومثل ذلك الا يزال ﴿أَنْزَلْنَاهُ قُرْانًا عَرَبِيّا﴾ بلسان العرب ﴿وَصَرَّفْنَا﴾ كررنا ﴿فِيهِ مِنَ الوعيد لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يجتنبون الشرك ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾ الوعيد أو القرآن ﴿ذِكْراً﴾ عظة أو شرفاً بإيمانهم به وقيل أو بمعنى الواو

стр. 3326

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤) ﴿فتعالى الله﴾ ارتفع عن فنون الظنون وأوهام الأفهام وتنزه عن مضاهاة الأنام ومشابهة الأجسام ﴿الملك﴾ الذي يحتاج إليه الملوك ﴿الحق﴾ المحق في الألوهية ولما ذكر القرآن وإنزاله قال استطراداً وإذا لقنك جبريل ما يوحى إليك من القرآن فتأن عليك ريثما يسمعك ويفهمك ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾ بقراءته ﴿مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ ﴿وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً﴾ بالقرآن ومعانيه وقيل ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم

стр. 3327

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) ﴿ولقد عهدنا إلى آدم﴾ أي أوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة يقال في أوامر الملوك ووصاياهم تقدم الملك إلى فلان وأوصى إليه وعزم عليه وعهد إليه فعطف قصة آدم على وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد والمعنى وأقسم قسماً لقد أمرنا أباهم آدم ووصيناه أن لا يقرب الشجرة ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبل وجودهم فخالف إلى ما نهي عنه كما أنهم يخالفون يعني أن أساس أمر بني آدم على ذلك وعرقهم راسخ فيه ﴿فَنَسِىَ﴾ العهد أي النهي والأنبياء ﵈ يؤاخذون بالنسيان الذي لو تكلفوا لحفظوه وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً قصداً إلى الخلاف لأمره أو لم يكن آدم من أولي العزم. والوجود بمعنى العلم ومفعولاه لَهُ عَزْماً أو بمعنى نقيض العدم أي وعد مناله عزما وله متعلق بنجد

стр. 3328

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) ﴿وإذ قلنا﴾ منصوب باذكر ﴿للملائكة اسجدوا لآِدَمَ﴾ قيل هو السجود اللغوي الذي هو الخضوع والتذلل أو كان آدم كالقبلة لضرب تعظيم له فيه ﴿فَسَجَدُواْ إِلاَّ إبليس﴾ عن ابن عباس ﵄ أن إبليس كان ملكاً من جنس المستثنى منهم وقال الحسن الملائكة لباب الخليفة طه (١٢٣ - ١١٧) من الأرواح ولا يتناسلون وإبليس من نار السموم وإنما صح استثناؤه منهم لأنه كان يصحبهم ويعبد الله معهم ﴿أبى﴾ جملة مستأنفة كأنه جواب لمن قال لم لم يسجدوا والوجه أن لا يقدر له مفعول وهو السجود المدلول عليه بقوله فسجد وأن يكون معناه أظهر الإباء وتوقف

стр. 3329

فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) ﴿فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك﴾ حين لم يسجد ولم يرفضك ﴿فلا يخرجنكما من الجنة﴾ فلا يكون سببا لاحراجكما ﴿فتشقى﴾ فتتعب فى طلب الموت ولم يعل فتشقيا سراعاه لرؤس الاى او ادخلت تبعاً أو لأن الرجل هو الكافل لنفقة المرأة وروي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه

стр. 3330

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا﴾ في الجنة ﴿وَلاَ تعرى﴾ عن الملابس لأنها معدة أبداً فيها
следующие страницы →