← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِى بَرْداً وسلاما﴾ أي ذات برد وسلام فبولغ في ذلك كأن ذاتها بردا ولام ﴿على إبراهيم﴾ أراد بردى فيسلم منك ابراهيم وعن ابن عباس ﵄ لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها والمعنى أن الله تعالى نزع عنها طبعها الذي طبعها عليها من الحر والإحراق وأبقاها على الإضاءة والإشراق كما كانت هو على كل شيء قدير

стр. 3432

وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً﴾ إحراقاً ﴿فجعلناهم الأخسرين﴾ فأرسل على نمرود وقومه البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم ودخلت بعوضة في دماغ نمرود فاهلكته

стр. 3433

وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) ﴿ونجيناه﴾ أي ابراهيم ﴿ولوطا﴾ ابن اخيه هارن من العراق ﴿إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا للعالمين﴾ أي أرض الشام بركتها أن أكثر الأنبياء منها فانتشرت في العالمين آثارهم الدينية وهي أرض خصب يطيب فيها عيش الغني والفقير وقيل ما من ماء عذب في الأرض إلا وينبع أصله من صخرة بيت المقدس روي أنه نزل بفلسطين ولوطا بالمؤتفكه بينهما مسيرة يوم وليلة وقال ﵇ اناه ستكون هجرة بعد هجرة فخيار الناس لي منهاجر ابراهيم

стр. 3434

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ قيل هو مصدر كالعافية من غير لفظ الفعل السابق أي وهبنا له هبة وقيل هي ولد الولد وقد سأل ولداً فأعطيه وأعطي يعقوب نافلة أي زيادة وفضلا من غير سؤال وهي حال من يعقوب ﴿وَكُلاًّ﴾ أي إبراهيم وإسحق ويعقوب وهو المفعول الأول لقوله ﴿جَعَلْنَا﴾ والثاني ﴿صالحين﴾ في الدين والنبوة

стр. 3435

وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) ﴿وجعلناهم أَئِمَّةً﴾ يقتدى بهم في الدين ﴿يَهْدُونَ﴾ الناس ﴿بِأَمْرِنَا﴾ بوحينا ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات﴾ وهي جميع الأعمال الصالحة وأصله أن تفعل الخيرات ثم فعلا الخيرات ثم فعل الخيرات وكذا قوله ﴿وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ والأصل وإقامة الصلاة إلا أن المضاف إليه جعل بدلاً من الهاء ﴿وَكَانُواْ لَنَا عابدين﴾ لا للإصنام فأنتم يا معشر العرب أولاد إبراهيم فاتبعوه في ذلك

стр. 3436

وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) ﴿وَلُوطاً﴾ انتصب بفعل يفسره ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ حكمة وهي ما يجب فعله من العمل الأنبياء (٧٩ - ٧٤) أو فصلاً بين الخصوم أو نبوة ﴿وَعِلْماً﴾ فقهاً ﴿ونجيناه مِنَ القرية﴾ من أهلها وهي سدوم ﴿التي كانت تعمل الخبائث﴾ اللواطة والضراطة وحذف المارة بالحصى وغيرها ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء فاسقين﴾ خارجين عن طاعة الله

стр. 3437

وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) ﴿وأدخلناه فِى رَحْمَتِنَا﴾ في أهل رحمتنا أو في الجنة ﴿إِنَّهُ مِنَ الصالحين﴾ أي جزاء له على صلاحه كام أهلكنا قومه عقاباً على فسادهم

стр. 3438

وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) ﴿وَنُوحاً﴾ أي واذكر نوحاً ﴿إِذْ نادى﴾ أي دعا على قومه بالهلاك ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبل هؤلاء المذكورين ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ أي دعاءه

стр. 3439

﴿فنجيناه وَأَهْلَهُ﴾ أي المؤمنين من ولده وقومه ﴿مِنَ الكرب العظيم﴾ من الطوفان وتكذيب أهل الطغيان

стр. 3440

وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ منعناه منهم أي من أذاهم ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء فأغرقناهم أَجْمَعِينَ﴾ صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وانثاهم

стр. 3441

وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) ﴿وداود وسليمان﴾ أي واذكرهما ﴿إِذْ﴾ بدل منهما ﴿يَحْكُمَانِ في الحرث﴾ في الرزع أو الكرم ﴿إذ﴾ ظرف ليحكمان ﴿نَفَشَتْ﴾ دخلت ﴿فِيهِ غَنَمُ القوم﴾ ليلاً فأكلته وأفسدته والنفش انتشار الغنم ليلاً بلا راع ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾ أرادهما والمتحاكمين إليهما ﴿شاهدين﴾ أي كان ذلك بلعمنا ومرأى منا

стр. 3442

فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) ﴿ففهمناها﴾ أي الحكوم أو الفتوى ﴿سليمان﴾ وفيه دليل على أن الصواب كان مع سليمان صلوات الله عليه وقصته أن الغنم رعت الحرث وأفسدته بلا راع ليلا فتحا كما إلى داود فحكم بالغنم لأهل الحرث وقد استوت قيمتاهما أي قيمة الغنم كانت على قدر النقصان من الحرث فقال سليمان هو ابن إحدى عشرة سنة غير هذا أرفق بالفريقين فعزم عليه ليحكمن فقال أي أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها والحرث إلى رب الغنم حتى يصلح الحرث ويعود كهيئة يوم أفسد ثم يترادان فقال القضاء ما قضيت وأمضى الحكم بذلك وكان ذلك باجتهاد منهما وهذا كان مع البهيمة سائق أو قائد وعند الشافعي ﵀ يجب الضمان بالليل وقال الجصاص إنما ضمنوا لانهم أرسلوها أو نسخ الضمان بقوله عليه الصلاة

стр. 3443

والسلام العجماء جبار وقال مجاهد كان هذا صلحاً وما فعله داود كان حكماً والصلح خير ﴿وَكُلاًّ﴾ من داود وسليمان ﴿آتيناه حكما﴾ نبوة الأنبياء (٨٤ - ٧٩) ﴿وَعِلْماً﴾ معرفة بموجب الحكم ﴿وَسَخَّرْنَا﴾ وذللنا ﴿مَّعَ داود الجبال يُسَبّحْنَ﴾ وهو حال بمعنى مسبحات أو استئناف كأن قائلاً قال كيف سخرهن فقال يسبحن ﴿والطير﴾ معطوف على الجبال أو مفعول معه وقدمت الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأغرب وأدخل في الإعجاز لأنها جماد روى أنه ان يمر بالجبال مسبحا وهي تجاوبه وقيل كانت تسير معه حيث سار ﴿وَكُنَّا فاعلين﴾ بالأنبياء مثل ذلك وإن كان عجباً عندكم

стр. 3444

وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾ أي عمل اللبوس والدروع واللبوس اللباس والمراد الدرع ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ شامي وحفص أي الصنعة وبالنون أبو بكر وحماد أي الله وبالياء غيرهم أي اللبوس أو الله ﴿مّن بَأْسِكُمْ﴾ من حرب عدوكم ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شاكرون﴾ استفهام بمعنى الأمر أي فاشكروا الله على ذلك

стр. 3445

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) ﴿ولسليمان الريح﴾ أي وسخرنا له الريح ﴿عَاصِفَةً﴾ حال أي شديدة الهبوب ووصفت في موضع آخر بالرخاء لأنها تجري باحتياره فكانت في وقت رخاء وفي وقت عاصة لهبوبها على حكم إرادته ﴿تَجْرِى بِأَمْرِهِ﴾ بأمر سليمان ﴿إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بكثرة الأنهار والأشجار والثمار والمراد الشام وكان منزله بها وتحمله الريح من نواحي الأرض إليها ﴿وَكُنَّا بِكُلّ شَىْء عالمين﴾ وقد أحاط علمنا بكل شيء فتجري الأشياء كلهاعلى ما يقتضيه علمنا

стр. 3446

وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢) ﴿وَمِنَ الشياطين﴾ أي وسخرنا منهم ﴿مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ في البحار بأمره لاستخراج الدر وما يكون فيها ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلك﴾ أي دون الغوص وهو بناء المحاريب والتماثيل والقصور والقدور والجفان ﴿وكنا لهم حافظين﴾ أي يزبغوا عن أمره أو يبدلوا أو يوجد منهم عناد فيما هم مسخرون فيه

стр. 3447

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) ﴿وَأَيُّوبَ﴾ أي واذكر أيوب ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ أَنّى﴾ أي دعا بأني ﴿مَسَّنِىَ الضر﴾ الضر بالفتح الضرر في كل شيء وبالضم الضرر في النفس من مرض أو هزال ﴿وَأَنتَ أرحم الراحمين﴾ ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة ن وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب فكأنه قال أنت أهل أن ترحم وأيوب أهل أن يرحم فارحمه واكشف عنه الضيم الذي مسه عن أنس ﵁ أخبر عن ضعفه حين لم يقدر على النهوض إلى الصلاة ولم يشتك وكيف يشكون من قيل له إِنَّا وجدناه صَابِراً نّعْمَ العبد وقيل إنما شكا إليه تلذذا بالنجوة لا نمه تضرراً بالشكوى والشكاية إليه غاية القرب كما أن الشكاية منه غاية البعد

стр. 3448

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ أجبنا دعاءه ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ من ضر﴾ فكشفنا ضره نعاما عليه ﴿وآتيناه أهله ومثلهم معهم﴾ روي أن أيوب ﵇ كان رومياً من ولد اسحق بن إبراهيم ﵇ وله سبعة بنين وسبع بنات وثلاثة آلاف بعير وسبعة الاف شاة وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ونخيل فابتلاه الله تعالى بذهاب ولده وماله وبمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو ثلاث سنين

стр. 3449

قالت له امرأته يوما لو دعوت الله فقال كما كانت مدة الرخاء فقالت ثمانين سنة فقال أنا أستحي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي فلما كشف الله عنه أحيا ولده بأعيانهم ورزقه مثلهم معهم ﴿رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا﴾ هو مفعول له ﴿وذكرى للعابدين﴾ يعني رحمة لأيوب وتذكرة لغيره من العبادين ليصبروا كصبره فيثابوا به

стр. 3450

وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) ﴿وإسماعيل﴾ بن ابراهيم ﴿وإدريس﴾ بن شيث بن آدم ﴿وَذَا الكفل﴾ أي اذكرهم وهو الياس أو زكريا أو يوشع بن نون وسمي به لأنه ذو الحظ من الله والكفل الحظ ﴿كُلٌّ مّنَ الصابرين﴾ أي هؤلاء المذكورون كلهم موصوفون بالصبر

стр. 3451

وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) ﴿وأدخلناهم فِى رَحْمَتِنَا﴾ نبوتنا أو النعمة في الآخرة ﴿إِنَّهُمْ مّنَ الصالحين﴾ أي ممن لا يشوب صالاحهم كدر الفساد

стр. 3452

وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) ﴿وَذَا النون﴾ أي اذكر صاحب الحوت والنون الحوت فأضيف إليه ﴿إِذ ذَّهَبَ مغاضبا﴾ حال أي مراغما لقومه ومعن مغاضبته لقومه أن أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها روي أنه برم بقومه لطول ما ذكرهم فلم يتعظوا وأقاموا على كفرهم فراغمهم وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضباً لله وبغضاً للكفر وأهله وكان عليه ان يصابروا وينتظر الإذن من الله تعالى في المهاجرة عنهم فابتلي ببطن الحوت ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نقدر﴾ نضيق ﴿عليه﴾ وعنى ابن ابن عباس ﵄ أنه دخل يوماً على معاوية فقال لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك قال وما هي يا معاوية فقرأ الآية فقال أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه قال هذا من القدر لا من القدرة ﴿فنادى فِى الظلمات﴾ أي في الظلمة الشديدة المتكائفة في بطن الحوت كقوله ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وتركهم في ظلمات أو ظلمة الليل والبحر بطن الحوت

стр. 3453

﴿أن﴾ أي بأنه ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ﴾ أو بمعنى أي ﴿سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ لنفسي في خروجي من قومي قبل أن تأذن لي في الحديث ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له وعن الحسن ما نجاه الله الا باقراره على نفسه بالظلم

стр. 3454

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) ﴿فاستجبنا لَهُ ونجيناه مِنَ الغم﴾ غم الزلة والوحشة والوحدة ﴿وكذلك نُنجِى المؤمنين﴾ إذا دعونا واستغاثوا بنا نجى شامي وأبو بكر بإدغام الأنبياء (٩٣ - ٨٩) النون في الجيم عند البعض لأن النون لا تدغم في الجيم وقيل تقديره النجاء للمؤمنين فسكن الياء تخفيفاً وأسند الفعل إلى المصدر ونصب المؤمنين بالنجاء لكن فيه إقامة المصدر مقام الفاعل مع وجود المفعول وهذا لا يحوز وفيه تسكين الياء وبابه الضرورات وقيل أصله ننجى من التنجية فحذفت النون الثانية لاجتماع النونين كما حذفت إحدى التاءين في تَنَزَّلُ الملائكة

стр. 3455

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً﴾ سأل ربه أن يرزقه ولداً يرثه ولا يدعه وحيداً بلا وارث ثم رد أمره إلى الله مستسلماً فقال ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين﴾ أي فان لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث أي باق

стр. 3456

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) ﴿فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى﴾ ولداً ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ جعلناها صالحة للولادة بعد العقار أي بعد عقرها أو حسنة وكانت سيئة الخلق ﴿إنهم﴾ أي الأنبياء المذكورين ﴿كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الخيرات﴾ أي أنهم إنما استحقوا الإجابة إلى طلباتهم لمبادرتهم أبواب الخير ومسارعتهم في تحصيلها

стр. 3457

﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ أي طمعاً وخوفاً كقوله يحذر الآخرة ويرجو لنا رحمة ربه وهما مصدران في موضع الحال أو المفعول له أي للرغبة فينا والرهبة منا ﴿وَكَانُواْ لَنَا خاشعين﴾ متواضعين خائفين

стр. 3458

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) ﴿والتى﴾ أي واذكر التي ﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ حفظته من الحلال والحرام ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ أجرينا فيها روح المسيح أو أمرنا جبريل فنفخ في جيب درعها فأحدثنا بذلك النفخ عيسى في بطنها وإضافة الروح إليه تعالى لتشريف عيسى ﵇ ﴿وجعلناها وابنها آية﴾ مفعول ثان ﴿للعالمين﴾ وإنما لم يقل آيتين كما قال وجعلنا الليل والنهار آيتين لأن حالهما بمجموعها آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير فحل أو التقدير وجعلناها آية وابنها كذلك فآية مفعول المعطوفي عليه ويدل عليه قراءة من قرأ آيتين

стр. 3459

إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة﴾ الأمة الملة وهذه إشارة إلى ملة الإسلام وهي ملة جميع الأنبياء وأمة واحدة حال أي متوحدة غير متفرقة والعامل ما دل عليه اسم الإشارة أي أن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها يشار إليها ملة واحدة غير مختلفة ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاعبدون﴾ أي ربيتكم اختياراً فاعبدوني شكراً وافتخاراً والخطاب للناس كافة

стр. 3460

وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) ﴿وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أصل الكلام وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الأنبياء (٩٨ - ٩٣) الالتفات والمعنى وجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً وصاروا فرقاً وأحزاباً ثم توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون﴾ فنجازيهم على أعمالهم

стр. 3461

فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ شيئاً ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بما يجب الإيمان به ﴿فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي فإن سعيه مشكور مقبول والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه وقد نفى نفي الجنس ليكون أبلغ ﴿وَإِنَّا لَهُ﴾ للسعي أي الحفظة بأمرنا ﴿كاتبون﴾ في صحيفة عمله فنثيبه به

стр. 3462

وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) ﴿وَحَرَامٌ﴾ وحرم كوفي غير حفص وخلف وهما لغتان كحل وحلال وزنا وضده ومعنى المراد بالحرام الممتنع وجوده ﴿على قَرْيَةٍ أهلكناها أَنَّهُمْ لا يرجعون﴾ والمعنى ممتنع على أو حكمنا بإهلاكهم ذلك وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المذكور غير المكفور أنهم لا يرجعون من الكفر إلى الاسلام

стр. 3463

حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) ﴿حتى﴾ هي التي يحكى بعدها الكلام والكلام المحكي الجملة من الشرط والجزاء أعني ﴿إِذَا﴾ وما في حيزها ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي فتح سدهما فحذف المضاف كما حذف المضاف إلى قرية فتّحت شامي وهما قبيلتان من جنس الإنس يقال الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج ﴿وَهُمْ﴾ راجع إلى الناس المسوقين إلى المحشر وقيل هم يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد ﴿مّن كُلّ حَدَبٍ﴾ نشز من الأرض أي ارتفاع ﴿يَنسِلُونَ﴾ يسرعون

стр. 3464

وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) ﴿واقترب الوعد الحق﴾ أي القيامة وجواب إذا ﴿فَإِذَا هِىَ﴾ وهي إذا المفاجأة وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء كقوله إِذَا هم يقنطون فإذا جاءت الفاء معها تعاونتاً على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد ولو قيل فهي شاخصة أو إذا هي شاخصة كان سديداً

стр. 3465

وهي ضمير مبهم يوضحه الأبصار ويفسره ﴿شاخصة أبصار الذين كَفَرُواْ﴾ أي مرتفعة الأجفان لا تكاد تطرف من هول ما هم فيه ﴿يا ويلنا﴾ متعلق بمحذوف تقديره يقولون يا ويلنا ويقولون حال من الذين كفروا ﴿قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مّنْ هذا﴾ اليوم ﴿بَلْ كُنَّا ظالمين﴾ بوضعنا العبادة في غير موضعها

стр. 3466

إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ يعني الأصنام وإبليس وأعوانه لأنهم بطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم الأنبياء (١٠٤ - ٩٨) في حكم عبدتهم ﴿حصب﴾ حطب وقرئ حطب ﴿جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ فيها داخلون

стр. 3467

لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) ﴿لو كان هؤلاء آلهة﴾ كما زعمتم ﴿مَّا وَرَدُوهَا﴾ ما دخلوا النار ﴿وَكُلٌّ﴾ أي العابد والمعبود ﴿فِيهَا﴾ في النار ﴿خالدون لَهُمْ﴾ للكفار

стр. 3468

لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) ﴿فِيهَا زَفِيرٌ﴾ أنين وبكاء وعويل ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يسمعون﴾ شيئا لأنهم صاروا صماً وفي السماع نوع أنس فلم يعطوه

стр. 3469

إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى﴾ الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن وهي السعادة أو البشرى بالثواب أو التوفيق للطاعة نزلت جوابا بالقول ابن الزبعري عند تلاوته ﵇ على صناديد قريش إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله إلى قوله خالدون أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى المسيح وبنو مليح الملائكة على أن قوله وما تعبدون لايتنا ولهم لأن مالمن لا يعقل إلا أنهم أهل عناد فزيد

стр. 3470

في البيان ﴿أولئك﴾ يعني عزيراً والمسيح والملائكة ﴿عَنْهَا﴾ عن جهنم ﴿مُبْعَدُونَ﴾ لأنهم لم يرضوا بعبادتهم وقيل المراد بقوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى جميع المؤمنين لما روي ان عليا ﵁ قرأ هذه الآية ثم قال أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وقال الجنيد ﵀ سبقت لهم منا العناية في البداية فظهرت لهم الولاية في النهاية
следующие страницы →