Полный текст (7 814 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
والمعنى فالواجب عليكم إمساك بمعروف ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان﴾ بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدة وقيل بأن لا يطلقها الثالثة في الطهر الثالث ونزل في جميلة وزوجها ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها وقد أعطاها حديقة
البقرة (٢٢٩ _ ٢٣١)
فاختلعت منه بها وهو أول خلع كان في الإسلام ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أيها الأزواج أو الحكام لأنهم الآمرون الأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون ﴿أن تَأخُذُواْ مِمَّآ آتَيتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ مما أعطيتموهن من المهور ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ إلا أن يعلم الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيها الولاة وجاز أن يكون أول الخطاب للأزواج وآخره للحكام ﴿أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ فلا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما أعطت ﴿فِيمَا افتدت بِهِ﴾ فيما افتدت به نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر إلا أن يخافا حمزة على البناء للمفعول وإبدال ألا يقيما من ألف الضمير وهو من بدل الاشتمال نحو خيف زيد تركه إقامة حدود الله ﴿تِلْكَ حُدُودَ الله﴾ أي ما حد من النكاح واليمين والإيلاء والطلاق والخلع وغير ذلك ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ فلا تجاوزوها بالمخالفة ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فأولئك هُمُ الظالمون﴾ الضارون أنفسهم
стр. 387
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)
﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ مرة ثالثة بعد المرتين فإن قلت الخلق طلاق عندنا وكذا عند الشافعى ﵀ في قول فكأن هذه تطليقة رابعة قلت الخلع طلاق ببدل فيكون طلقة ثالثة وهذا بيان للتلك أي فإن طلقها الثالثة ببدل فحكم التحليل كذا ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ من بعد التطليقة الثالثة ﴿حتى تَنْكِحَ زَوْجًا
стр. 388
غَيْرَهُ﴾ حتى يتزوج غيره والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج وفيه دليل على أن النكاح ينعقد بعبارتهم والإصابة شرطت بحيث العسيلة كما عرف في أصول الفقه والفقه فيه أنه لما أقدم على فراق لم يبق للندم مخلص لم تحل له إلا بدخول فحل عليها ليمتنع عن ارتكابه ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ الزوج الثاني بعد الوطء ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ على الزوج الأول وعليها ﴿أَن يَتَرَاجَعَا﴾ أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج ﴿إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية ولم يقل إن علما أنهما يقيمان لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيّنُهَا﴾ وبالنون المفضل ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يفهمون ما بين لهم
стр. 389
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها يقال لعمر الإنسان أجل وللموت الذى ينتهى
البقرة (٢٣١ _ ٢٣٢)
به أجل ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي فإما أن يراجعها من غير طلب ضرار بالمراجعة وإما أن يخليها حتى تنقضي عدتها وتبين من غير ضرار ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ مفعول له أو حال أي مضارين وكان الرجل يطلق المرأة ويتركها حتى يقرب انقضاء عدتها ثم يراجعها لا عن حاجة ولكن ليطوّل العدة عليها فهو الإمساك ضراراً ﴿لتعتدوا﴾ لتظلموهن أو لتلجئهون إلى الاقتداء ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ يعني الإمساك للضرار ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بتعريضها لعقاب الله ﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله هزوا﴾ أى جدوا فى الأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها وإلا فقد اتخذتموها هزواً يقال لمن لم يجد فى الامر إنما أنت لاعب وهازئ ﴿واذكروا نعمة الله عَلَيْكُمْ﴾
стр. 390
بالإسلام وبنبوة محمد ﵇ ﴿وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة﴾ من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ بما أنزل عليكم وهو حال ﴿واتقوا الله﴾ فيما امتحنكم به ﴿واعلموا أَنَّ الله بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ من الذكر والاتقاء والاتعاظ وغير ذلك وهو أبلغ وعد ووعيد
стр. 391
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي انقضت عدتهن فدل سياق الكلامين على اقتران البلوغين لأن النكاح يعقبه هنا وذا يكون بعد العدة الأولى الرجعة وذا يكون في العدة ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فلا تمنعوهن العضل المنع والتضييق ﴿أَن يَنكِحْنَ﴾ من أن ينكحن ﴿أزواجهن﴾ الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن وفيه إشارة إلى انعقاد النكاح بعبارة النساء والخطاب للازواج الذين يعضلون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلماً ولا يتركونهن يتزوجهن من شئن من الأزواج سموا أزواجاً باسم ما يؤول إليه أو للأولياء في عضلهن أن يرجعن إلى أزواجهن الذين كانوا أزواجاً لهن سموا أزواجاً باعتبار ما كان نزلت فى معقل بن يسار حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأول أو للناس أي لا يوجد فيما بينكم عضل لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين ﴿إِذَا تراضوا بَيْنَهُم﴾ إذا تراضى الخطاب والنساء ﴿بالمعروف﴾ بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط أو بمهر المثل والكفء لأن عند عدم أحدهما للأولياء أن يتعرضوا والخطاب في ﴿ذلك﴾ للنبى ﷺ أو لكل واحد ﴿يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ منكم يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ فالمواعظ
البقرة (٢٣٢ _ ٢٣٣)
إنما تنجح فيهم ﴿ذلكم﴾ أي ترك العضل والضرار ﴿أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي لكم من أدناس الآثام أو أزكى وأطهر أفضل وأطيب ﴿والله يَعْلَمُ﴾ ما في ذلك من الزكاء والطهر ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك
стр. 392
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)
﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن﴾ خبر في معنى الأمر المؤكد كيتربصن وهذا الأمر على وجه الندب أو على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدى امه أو لم توجد له ظئرا وكان الأب عاجزاً عن الاستئجار أو أراد الوالدات المطلقات وإيجاب النفقة والكسوة لأجل الرضاع ﴿حَوْلَيْنِ﴾ ظرف ﴿كَامِلَيْنِ﴾ تأمين وهو تأكيد لأنه مما يتسامح فيه فإنك تقول أقمت عند فلان حولين ولم تستكملهما ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة﴾ بيان لمن توجه إليه الحكم أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة والحاصل أن الأب يجب عليه إرضاع ولده دون الأم وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه ولا يجوز استئجار الأم ما دامت زوجة أو معتدة ﴿وَعلَى المولود له﴾ الهاء يعود إلى اللام بمعنى الذي والتقدير وعلى الذي يولد له وهو الوالد وله في محل الرفع على الفاعلية كعليهم في المغضوب عليهم وإنما قيل على المولود له دون الوالد ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهم إذ الأولاد للآباء والنسب إليهم لا إليهن فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظار ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله ﴿واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف﴾ بلا إسراف ولا تقتير وتفسيره ما يعقبه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضارا ﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ وجدها أو قدر إمكانها ولتكليف إلزام ما يؤثره في الكلفة وانتصاب وسعها على أنه مفعول ثان لتكلف لاعلى الاستثناء ودخلت إلا بين المفعولين ﴿لاَ تُضَارَّ﴾ مكي وبصري بالرفع على الإخبار ومعناه النهي وهو يحتمل البناء للفاعل والمفعول وأن يكون الأصل تضار بكسر الراء أو
стр. 393
تضار بفتحها الباقون لا تضار على النهي والأصل تضار أسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية فالتقى الساكنان ففتحت الثانية لالتقاء الساكنين ﴿والدة بِوَلَدِهَا﴾ أي لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد وأن تقول بعد ما ألفها الصبى اطلب له ظئرا وما أشبه ذلك ﴿وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ أي ولا يضار مولود له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيء مما وجب عليه من رزقها وكسوتها أو يأخذه منها وهي
تريد إرضاعه وإذا كان مبنياً للمفعول فهو نهي عن أن يلحق بها الضرار من قبل الزوج وعن أن يلحق الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد أو تضار بمعنى تضر والباء من صلته أى لا تضر والدة ولدها فلا تسئ غذاءه
البقرة (٢٣٣ _ ٢٤٣)
وتعهده ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يقصر فى حقها فتقصرهى فى حق الولد وإنما قيل بولدها وبولده لأنه لما نهيت المرأة عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافا لها عليه وكذلك الوالد ﴿وَعَلَى الوارث﴾ عطف على قوله وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن وما بينهما تفسير للمعروف معترض بين المعطوف والمعطوف عليه أي وعلى وارث الصبي عند عدم الأب ﴿مثل ذلك﴾ أي مثل الذي كان على أبيه في حياته من الرزق والكسوة واختلف فيه فعند ابن أبي ليلى كل من ورثه وعندنا من كان ذا رحم محرم منه لقراءة ابن مسعود رضى الله عنه وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك وعند الشافعى ﵀ لا نفقة فيما عدا الولاد ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ يعني الأبوين ﴿فِصَالاً﴾ فطاماً صادراً ﴿عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ بينهما ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ في ذلك زاد على الحولين أو نقصا وهذه توسعة بعد التحديد والتشاور استخراج الرأي من شرت العسل إذا استخرجته وذكره ليكون التراض عن تفكر فلا يضر الرضيع فسبحان الذي
стр. 394
أدب الكبير ولم يهمل الصغير واعتبر اتفاقهما لأن للأب النسبة والولاية وللأم الشفقة والعناية ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم﴾ أي لأولادكم عن الزجاج وقيل استرضع منقول من أرضع يقال أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها الصبي معدّى إلى مفعولين أي أن تسترضعوا المراضع أولادكم فحذف أحد المفعلولين يعني غير الأم عند إبائها أو عجزها ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم﴾ إلى المراضع ﴿ما آتيتم﴾ ما أردتم إيتاءه من الأجرة أتيتم مكي من أتى إليه إحسنانا إذا فعله ومنه قوله كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً أي مفعولاً والتسليم ندب لا شرط للجواز ﴿بالمعروف﴾ متعلق بسلمتم أي سلمتم الأجرة إلى المراضع بطيب نفس وسرور ﴿واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا تخفى عليه أعمالكم فهو يجازيكم عليها
стр. 395
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)
﴿والذين يتوفون منكم﴾ تقول توفيت الشئ واستوفيته إذا أخذته وافياً تاماً أي تستوفى أرواحهم ﴿وَيَذَرُونَ﴾ ويتركون ﴿أزواجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ أي وزوجات الذين يتوفون منكم يتربصن أي يعتددن أو معناه يتربصن بعدهم بأنفسهن فحذف بعد هم للعلم به وإنما احتيج إلى تقديره لأنه لا بد من عائد يرجع إلى المبتدأ في الجملة التي وقعت خبراً يتوفون المفضل أي يستوفون آجالهم ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أي وعشر ليال والأيام داخلة معها ولا يستعمل التذكير فيه ذهاباً إلى الأيام تقول صمت عشراً ولو ذكرت لخرجت من كلامهم ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ فإذا انقضت عدتهن ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الأئمة والحكام ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِى أنفسهن﴾ من التعرض للخطاب ﴿بالمعروف﴾ بالوجه الذى لا ينكره الشرع
البقرة (٢٣٤ _ ٢٦٣)
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالم بالبواطن
стр. 396
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)
﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء﴾ الخطبة الاستنكاح والتعريض أن تقول لها إنك بجميلة أو صالحة ومن غرضي أن أتزوج ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه ولا يصرح بالنكاح فلا يقول إني أريد أن أتزوجك والفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشئ بغير لفظه الموضوع له والتعريض أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قالوا ... وحسبك بالتسليم مني تقاضيا ...
فكأنه إمالة الكلام إلى غرض يدل على الغرض ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ﴾ أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرضين ولا مصرحين ﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ لا محالة ولا تنفكون عن النطق النطق برغبتكم فيهن فاذكروهن ﴿ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سرا﴾ جماعا لأنه مما يسر أي لا تقولوا في العدة إني قادر على هذا العمل ﴿إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا وإلا متعلق بلا تواعدوهن أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة ﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح﴾ من عزم الأمر وعزم عليه وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقد النكاح لأن العزم على الفعل يتقدمه فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى ومعناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح أو ولا تقطعوا عقدة النكاح لأن حقيقة العزم القطع ومنه الحديث لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل وروي لمن لم يبيت الصيام أي ولا تعزموا على عقدة النكاح ﴿حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ﴾ حتى
стр. 397
تنقضي عدتها وسميت العدة كتاباً لأنها فرضت بالكتاب يعني حتى يبلغ التربص المكتوب عليها أجله أي غايته ﴿واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ﴾ من العزم على ملا يجوز ﴿فاحذروه﴾ ولا تعزموا عليه ﴿واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يعاجلكم بالعقوبة
стр. 398
لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)
ونزل فيمن طلق امرأته ولم يكن سمى لها مهراً ولا جامعها ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أى لا تبعة عليكم من إيجاب مهر ﴿إِن طَلَّقْتُمُ النساء﴾ شرط ويدل على جوابه لا جناح عليكم والتقدير إن طلقتم النساء فلا جناح عليكم ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ما لم تجامعوهن
البقرة (٢٣٦ _ ٢٣٧)
وما شرطية أي إن لم تمسوهن تماسوهن حمزة وعلي حيث وقع لأن الفعل واقع بين اثنين ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إلا أن تفرضوا لهن فريضة أو حتى تفرضوا وفرض الفريضة تسمية المهر وذلك أن المطلقة غير الموطوءة لها نصف المسمى إن سمى لها مهر وإن لم يسم لها مهر فليس لها نصب مهر المثل بل تجب المتعة والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله ﴿وإن طلقتموهن﴾ إلى قوله ﴿فنصف ما فرضتم﴾ فقوله فنصف ما فرضتم إثبات للجناح المنفي ثمة ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ معطوف على فعل محذوف تقديره فطلقوهن ومتعهون والمتعة درع وملحفة وخمار ﴿عَلَى الموسع﴾ الذي له سعة ﴿قدره﴾ مقدراه الذي يطيقه قدره فيهما كوفي غير أبي بكر وهما لغتان ﴿وَعَلَى المقتر﴾ الضيق الحال ﴿قدره﴾ ولا تجب المتعة عندنا إلا لهذه وتستحب لسائر المطلقات ﴿متاعا﴾ تأكيد لمتعوهن أي تمتيعاً ﴿بالمعروف﴾ بالوجه الذي يحسن فى الشرع والمروءة ﴿حقا﴾ صفة لمتاعا أي متاعاً واجباً عليهم أو حق ذلك حقاً ﴿عَلَى المحسنين﴾ على المسلمين أو على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتيع وسماهم قبل الفعل محسنين كقوله ﵇ من قتل قتيلاً فله سلبه وليس هذا
стр. 399
الإحسان هو التبرع بما ليس عليه إذ هذه المتعة واجبة
стр. 400
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)
ثم بين حكم التي سمى لها مهراً في الطلاق قبل المس فقال ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ أن مع الفعل بتأويل المصدر في موضع الجر أي من قبل مسكم إياهن ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ في موضع الحال ﴿لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ مهراً ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ يريد المطلقات وأن مع الفعل في موضع النصب على الاستثناء كأنه قيل فعليكم نصف ما فرضتم في جميع الأوقات إلا وقت عفوهن عنكم من المهر والفرق بين الرجال يعفون والنساء يعفون أن الواو في الأول ضميرهم والنون علم الرفع والواو في الثاني لام الفعل والنون ضميرهن والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل ﴿أو يعفو﴾ عطف على محله ﴿الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾ هو الزوج كذا فسره على رضى الله عنه وهو قول سعيد بن جبير وشريح ومجاهد وأبي حنيفة والشافعي على الجديد رضى الله عنهم وهذا لأن الطلاق بيده فكان بقاء العقد بيده والمعنى أن الواجب شرعاً هو النصف إلا أن تسقط هي الكل أو يعطي هو الكل تفضلاً وعند مالك والشافعي في القديم هو الولي قلنا هو لا يملك التبرع بحق الصغير فكيف يجوز حمله عليه ﴿وَأَن تَعْفُواْ﴾ مبتدأ خبره ﴿أَقْرَبُ للتقوى﴾ والخطاب للأزواج والزوجات على سبيل التغليب ذكره الزجاج أي عفو الزوج بإعطاء كل المهر خير له وعفو المرأة بإسقاط كله خير لها أو للأزواج ﴿وَلاَ تنسوا الفضل﴾ التفضيل ﴿بينكم﴾
البقرة (٢٣٧ _ ٢٤٠)
أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض ﴿إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم على تفضلكم
стр. 401
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)
﴿حافظوا عَلَى الصلوات﴾ داوموا عليها بمواقيتها وأركانها وشرائطها ﴿والصلاة الوسطى﴾ بين الصلوات أي الفضلى من قولهم
стр. 402
للأفضل الأوسط وإنما أفردت وعطفت على الصلوات لانفرادها بالفصل وهى صلاة العصر عند أبي حنيفة ﵀ وعليه الجمهور لقوله ﵇ يوم الأحزاب شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم ناراً وقال ﵇ إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان حتى توارت بالحجاب وفي مصحف حفصة والصلاة الوسطى صلاة العصر ولانها بين صلاتى الليل وصلاة النهار وفضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم وقيل صلاة الظهر لأنها في وسط النهار أو صلاة الفجر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل أو صلاة المغرب لأنها بين الأربع والمثنى ولأنها بين صلاتي مخافتة وصلاتي جهر أو صلاة العشاء لأنها بين وترين أو هي غير معينة كليلة القدر ليحفظوا الكل ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ﴾ في الصلاة ﴿قانتين﴾ حال أي مطيعين خاشعين أو ذاكرين الله في قيامكم والقنوت أن تذكر الله قائماً أو مطيلين القيام
стр. 403
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره ﴿فَرِجَالاً﴾ حال أي فصلوا راجلين وهو جمع راجل كقائم وقيام ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ وحداناً بإيماء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ فإذا زال خوفكم ﴿فاذكروا الله﴾ فصلوا صلاة الأمن ﴿كَمَا عَلَّمَكُم﴾ أي ذكراً مثل ما علمكم ﴿مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ من صلاة الأمن
стр. 404
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)
﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم﴾ بالنصب شامي وأبو عمرو وحمزة وحفص أي فليوصوا وصية عن الزجاج غيرهم بالرفع أي فعليهم وصيةٌ ﴿متاعا﴾ نصب بالوصية لأنها مصدر أو
стр. 405
تقديره متعوهن متاعاً ﴿إِلَى الحول﴾ صفة لمتاعا ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ مصدر مؤكد كقولك هذا القول غير ما تقول أو بدل من متاعاً والمعنى أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا أى يتفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن وكان ذلك مشروعاً في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا﴾ إلى قوله أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا والناسخ متقدم عليه تلاوة ومتأخر نزولاً كقوله تعالى ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ مع قوله تعالى ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السماء﴾ ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ بعد الحول ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ في ما فعلن في أنفسهن﴾ من
البقرة (٢٤٠ _ ٢٤٥)
التزين والتعرض للخطاب ﴿مِن مَّعْرُوفٍ﴾ مما ليس بمنكر شرعاً ﴿والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ﴾ فيما حكم
стр. 406
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)
﴿وللمطلقات متاع﴾ أي نفقة العدة ﴿بالمعروف حَقّا﴾ نصب على المصدر ﴿عَلَى المتقين﴾
стр. 407
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)
﴿كَذَلِكَ يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ هو في موضع الرفع لأنه خبر لعل ووأن اريد به المتعة فالمراد غير المطلقة المذكروة وهي على سبيل الندب
стр. 408
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأولين وتعجيب من شأنهم ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب ﴿إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم﴾ من قرية قيل واسط وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم بدعاء حزقيل ﵇ وقيل هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم
стр. 409
﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ في موضع النصب على الحال وفيه دليل على الألوف الكثيرة لأنها جمع كثرة وهي جمع ألف لا آلف ﴿حَذَرَ الموت﴾ مفعول له ﴿فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ﴾ أي فأماتهم الله وإنما جئ به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته وتلك ميتة خارجة عن العادة وفيه تشجيع للمسلمين على الجهاد وأن الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفر فأولى أن يكون في سبيل الله ﴿ثُمَّ أحياهم﴾ ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وقضائه وهو معطوف على فعل محذوف تقديره فماتوا ثم احياهم أو لما كان معنى قوله فقال لهم الله موتوا فأماتهم كان عطفاً عليه معنى ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس﴾ حيث يبصرهم ما يعتبرون به كما بصر أولئك وكما بصركم باقتصاص خبرهم أو لذو فضل على الناس حيث أحيا أولئك ليعتبروا فيفوزوا ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم النشور ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ ذلك والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثاً على الجهاد ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل الله وهو قوله
стр. 410
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)
﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ فحرض على الحهاد بعد الاعلام بأن الفرار من الموت لا يغني وهذا الخطاب لأمة محمد ﵇ أو لمن أحياهم ﴿واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ﴾ يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرونه
стр. 411
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)
﴿مِنْ﴾ استفهام في موضع رفع بالابتداء ﴿ذَا﴾ خبره ﴿الذي﴾ نعت لذا أو بدل منه ﴿يُقْرِضُ الله﴾ صلة الذي سمى ما ينفق في سبيل الله قرضاً لأن القرض ما يقبض ببدل ببدل مثله من بعد سمى به لأن المقرض يقطعه من ماله
البقرة (٢٤٥ _ ٢٤٧)
فيدفعه إليه والقرض القطع منه المفراض وقرض الفأر والانقراض فنبههم بذلك على أنه لا يضيع عنده وأنه يجزيهم عليه لا محالة ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ بطيبة النفس من المال الطيب والمراد النفقة في الجهاد لأنه لما أمر بالقتال في
стр. 412
سبيل الله ويحتاج فيه إلى المال حث على الصدقة ليتهيأ أسباب الجهاد ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ بالنصب عاصم على جواب الاستفهام وبالرفع أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي عطفاً على يقرض أو هو مستأنف أي فهو يضاعفه فيضعفه شامي فيضعفه مكي ﴿أَضْعَافًا﴾ في موضع المصدر ﴿كَثِيرَةٍ﴾ لا يعلم كنهها إلا الله وقيل الواحد بسبعمائة ﴿والله يقبض ويبسط﴾ يقتر الرزق على عباده ويوسعه عليهم فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيق بالسعة ويبصط حجازي وعاصم وعلي ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم على ما قدمتم
стр. 413
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)
﴿ألم تر إلى الملإ﴾ الأشراف لأنهم يملئون القلوب جلالة والعيون مهابة ﴿من بني إسرائيل﴾ من للتبعيض ﴿مِن بَعْدِ موسى﴾ من بعد موته ومن لابتداء الغاية ﴿إِذْ قَالُواْ﴾ حين قالوا ﴿لِنَبِىّ لهم﴾ هو شمعون أو يوشع أو اشمويل ﴿ابعث لَنَا مَلِكًا﴾ أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره ﴿نقاتل﴾ بالنون والجزم على الجواب ﴿فِى سَبِيلِ الله﴾ صلة نقاتل ﴿قَالَ﴾ النبي ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ عسيتم حيث كان نافع ﴿إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال﴾ شرط فاصل بين اسم عسى وخبره وهو ﴿أَلاَّ تقاتلوا﴾ والمعنى هل قاربتم أن لا تقاتلوا يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون وتجبنون فأدخل هل مستفهماً عما هو متوقع عنده وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نقاتل فِى سَبِيلِ الله﴾ وأي داعٍ لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا فيه ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا﴾ الواو في وقد للحال وذلك أن قوم جالوت كانوا يسكنون بين مصر وفلسطين فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة
стр. 414
وأربعين يعنون إذا بلغ الأمر منا هذا المبلغ فلا بد من الجهاد ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال﴾ أي أجيبوا إلى ملتمسهم ﴿تَوَلَّوْاْ﴾ أعرضوا عنه ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ﴾ وهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر ﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾ وعيد لهم على ظلمهم بترك الجهاد
стр. 415
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ﴾ هو اسم أعجمي كجالوت وداود ومنع من الصرف
البقرة (٢٤٧ _ ٢٤٨)
للتعريف والعجمة ﴿مَلِكًا﴾ حال ﴿قَالُواْ أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا﴾ أي كيف ومن أين وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ﴾ الواو للحال ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ المال﴾ أي كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك وأنه فقير ولا بد للملك من مال يعتضد به وإنما قالوا ذلك لأن النبوة كانت في سبط لاوي بن يعقوب ﵇ والملك في سبط يهوذا وهو كان من سبط بنيامين وكان رجلاً سقاء أو دباغاً فقيراً وروي أنه نبيهم دعا الله حيث طلبوا منه ملكاً فأتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت ﴿قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ﴾ الطاء في اصطفاه بدل من التاء لمكان الصاد الساكنة أي اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم ولا اعتراض على حكمه ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب والمال وهما العم المبسوط والجسامة فقال ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً﴾ مفعول ثانٍ ﴿فِي العلم والجسم﴾ قالوا كان أعلم بني إسرائيل بالحرب والديانات في وقته وأطول من كل إنسان برأسه ومنكبه والبسطة السعة والامتداد والملك لا بد أن يكون من أهل العلم فإن الجاهل ذليل مزدري غير منتفع به وأن يكون حسيما لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب ﴿والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن
стр. 416
يَشَاء﴾ أي الملك له غير منازع فيه وهو يؤتيه من يشاء إيتاءه وليس ذلك بالوراثة ﴿والله واسع﴾ أى واسع الفضل والعطاء يوسع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يصطفيه للملك
стр. 417
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)
فثمة طلبوا من نبيهم آية على اصطفاء الله طالوت ﴿وقال لهم نبيهم إن آية مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت﴾ أي صندوق التوراة وكان موسى ﵇ إذا قاتل قدمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ﴾ سكون وطمأنينة ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ هى رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشئ من التوارة ونعلا موسى وعمامة هرون ﵉ ﴿مما ترك آل موسى وآل هارون﴾ أى مما تركه موسى وهرون والآل مقحم لتفخيم شأنهما ﴿تَحْمِلُهُ الملائكة﴾ يعني التابوت وكان رفعه الله بعد موسى فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه والجملة في موضع الحال وكذا فيه سكينة ومن ربكم نعت لسكينة ومما ترك نعت لبقية ﴿إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ إن في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله قد ملك طالوت عليكم
البقرة (٢٤٩ _ ٢٥١)
إن كنتم مصدقين
стр. 418
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ﴾ خرج ﴿بالجنود﴾ عن بلده إلى جهاد العدو وبالجنود في موضع الحال أي مختلطاً بالجنود وهم ثمانون ألفاً وكان الوقت قيظاً وسألوا أن يجري الله لهم نهراً ﴿قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم﴾ مختبركم أي يعاملكم معاملة المختبر ﴿بِنَهَرٍ﴾ وهو نهر فلسطين ليتميز المحق في الجهاد من المعذر ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ﴾ كريما ﴿فَلَيْسَ مِنّي﴾ فليس من أتباعي
стр. 419
وأشياعي ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ ومن لم يذقه من طعم الشئ إذا ذاقه ﴿فَإِنَّهُ مِنّى﴾ وبفتح الياء مدني وأبو عمرو واستثنى ﴿إِلا مَنِ اغترف﴾ من وقوله فمن شرب منه فليس مني والجملة الثانية في حكم المتأخرة عن الاستثناء إلا أنها قدمت للعناية ﴿غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ غرفة حجازي وأبو عمرو بمعنى المصدر وبالضم بمعنى المعروف ومعناه الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكرع والدليل عليه ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ﴾ أي فكرعوا ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ﴾ وهم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ﴾ أي النهر ﴿هُوَ﴾ طالوت ﴿والذين آمنوا مَعَهُ﴾ أي القليل ﴿قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم﴾ أي لا قوة لنا ﴿بِجَالُوتَ﴾ هو جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد وكان في بيضته ثلثمائة رطل من الحديد ﴿وَجُنودِهِ قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله﴾ يوقنون بالشهادة قيل الضمير في قالوا للكثير الذين انخذلوا والذين يظنون هم القليل الذين ثبتوا معه وروى أنه الغرفة كانت تكفى الرجل لشربه وأدواته والذين شربوا منه اسودت شفاههم وغلبهم العطش ﴿كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ كم خبرية وموضعها رفع بالابتداء ﴿غَلبَت﴾ خبرها ﴿فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله﴾ بنصره ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ بالنصر
стр. 420
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)
﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ خرجوا لقتالهم ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ أصبب ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ على القتال ﴿وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا﴾ بتقوية قلوبنا وإلقاء الرعب في صدور عدونا ﴿وانصرنا عَلَى القوم الكافرين﴾ أعنا عليهم
стр. 421
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)
﴿فَهَزَمُوهُم﴾ أي طالوت والمؤمنون جالوت وجنوده ﴿بِإِذُنِ
стр. 422
الله﴾ بقضائه ﴿وقتل داود جالوت﴾ كان بيشا أبو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه وكان داود سابعهم وهو صغير يرعى الغنم فأوحى الله إلى نبيهم أن داود هو الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء وقد
البقرة (٢٥١ _ ٢٥٣)
مر في طريقه بثلاثة أحجار دعاه كل واحد منها أن يحمله وقالت له إنك تقتل بنا جالوت فحملها في مخلاته ورمى بها جالوت فقتله وزوجه طالوت بنته ثم حسده وأراد قتله ثم مات تائباً ﴿وآتاه الله الملك﴾ في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها وما اجتمعت بنوإسرائيل على ملك قط قبل داود ﴿والحكمة﴾ والنبوة ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء﴾ من صنعة الدروع وكلام الطيور والدواب وغير ذلك ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس﴾ هو مفعول به ﴿بَعْضُهُمْ﴾ بدل من الناس دفاع مدني مصدر دفع أو دافع ﴿بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض﴾ أي ولولا أن الله تعالى يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها من الحرث والنسل أو ولولا أن الله تعالى ينصر المسلمين على الكافرين لفسدت الأرض بغلبة الكفار وقتل الأبرار وتخريب البلاد وتعذيب العباد ﴿ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين﴾ بإزالة الفساد عنهم وهو دليل على المعتزلة في مسألة الأصلح
стр. 423
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)
﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ خبره ﴿آيَاتُ الله﴾ يعني القصص التي اقتصها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت وإظهاره على الجبابرة على يد صبي ﴿نَتْلُوهَا﴾ حال من آيات الله والعامل فيه معنى الإشارة أو آيات الله بدل من تلك ونتلوها الخبر ﴿عَلَيْكَ بالحق﴾ باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ حيث تحير بها من غير أن تعرف بقراءة كتاب أو سماع من أهله
стр. 424
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)
﴿تِلْكَ الرسل﴾ إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في هذه السورة من آدم إلى داود أو التي ثبت علمها عند رسول الله ﵇ ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ بالخصائص وراء الرسالة لاستوائهم فيها كالمؤمنين يستوون في صفة الإيمان ويتفاوتون في الطاعات بعد الإيمان ثم بين ذلك بقوله ﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله﴾ أي كلمه الله حذف العائد من الصلة يعني منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى ﵇ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ مفعول أول ﴿درجات﴾ مفعول ثانٍ أي بدرجات أو إلى درجات يعني ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة وهو محمد ﷺ لأنه هو المفضل عليهم بإرساله إلى الكافة وبأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر وفي هذا الإبهام تفخيم وبيان أنه العلم الذي لا يشتبه على أحد والمتميز الذي لا يلتبس وقيل أريد به محمد وإبراهيم وغيرهما من
البقرة (٢٥٣ _ ٢٥٥)
أولى العزم من الرسل ﴿وآتينا عيسى ابن مَرْيَمَ البينات﴾ كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص وغير ذلك ﴿وأيدناه بِرُوحِ القدس﴾ قويناه بجبريل أو بالإنجيل ﴿وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقتتل﴾ أي ما اختلف لأنه سببه ﴿الذين مِن بَعْدِهِم﴾ من بعد الرسل ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ولكن اختلفوا﴾ بمشيئتى ثم بين الاختلاف فقال ﴿فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾ بمشيئتى يقول الله تعالى أجريت أمور رسلي على هذا أي لم يجتمع لأحد منهم طاعة جميع أمته في حياته ولا بعد وفاته بل اختلفوا عليه فمنهم من آمن ومنهم من كفر ﴿وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقتتلوا﴾ كرره للتأكيد أي لو شئت أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا إذ لا يجري في ملكي إلا ما يوافق مشيئتي وهذا يبطل قول المعتزلة لأنه أخبر أنه لو شاء أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا
стр. 425
وهم يقولون شاء ألا يقتتلوا فاقتتلوا ﴿ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ أثتب الإرادة لنفسه كما هو مذهب أهل السنة
следующие страницы →