← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

الرفعة وعن الحسن ما أمر الله أن نرفع بالبناء ولكن بالتعظيم ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ يتلى فيها كتابه أو هو عام في كل ذكر ﴿يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال﴾ أي يصلي له فيها بالغداة صلاة الفجر وبالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين وإنما وحد الغدو لأن صلاته صلاته صلاة واحدة وفي الآصال صلوات والآصال جمع أصل جمع أصيل وهو العشي

стр. 3782

رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) ﴿رِجَالٌ﴾ فاعل يسبح يسبح شامي وأبو بكر ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة أعني له فيها بالغدو ورجال مرفوع بمادل عليه يسبح أي يسبح له ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ﴾ النور (٣٩ - ٣٧) لا تشغلهم ﴿تجارة﴾ في السفر ﴿وَلاَ بَيْعٌ﴾ في الحضر وقيل التجارة الشراء إطلاقاً لاسم الجنس على النوع أو خص البيع بعد ماعم لأنه أو غل في الإلهاء من الشراء لأن الربح في البيعة الرابحة متيقن وفي الشراء مظنون ﴿عَن ذِكْرِ الله﴾ باللسان والقلب ﴿وَإِقامِ الصلاة﴾ أي عن إقامة الصلاة التاء في إقامة عوض من العين الساقطة للأعلال الأصل إقوام فلما قلبت الواو ألفاً اجتمع ألفان فحذفت أحدهما لالتقاء الساكنين فأدخلت التاء عوضاً عن المحذوف فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام التاء فأسقطت ﴿وَإِيتاء الزكاة﴾ أي وعن إيتاء الزكاة والمعنى لا تجارة لهم حتى تلهيهم كأولياء العزلة أو يبيعون ويشترون ويذكرون الله مع ذلك وإذا حضرت الصلاة قاموا إليها غير متثاقلين كأولياء العشرة ﴿يخافون يَوْماً﴾ أي يوم القيامة ويخافون حال من الضمير في تلهيهم أو صفة أخرى لرجال ﴿تتقلب فيه القلوب﴾ ببلوغها إلى الجناجر ﴿والأبصار﴾ بالشخوص والزرقة أو تتقلب القلوب إلى الإيمان بعد الكفران والأبصار إلى العيان بعد إنكاره للطغيان كقوله فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ اليوم حديد

стр. 3783

لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) ﴿لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ﴾ أي يسبحون ويخافون

стр. 3784

ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم أي ليجزيهم ثوابهم مضاعفاً ويزيدهم على الثواب الموعود على العمل تفضلاً ﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي يثيب من يشاء ثواباً لا يدخل في حساب الخلق هذه صفات المهتدين بنور الله فأما الذين ضلوا عنه فالمذكورون في قوله

стр. 3785

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب﴾ هو مايرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهر يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري ﴿بقيعة﴾ بقاع أو جمع قاع وهوالمنبسط المستوي من الأرض كجيرة في جار ﴿يَحْسَبُهُ الظمان﴾ يظنه العطشان ﴿مَاءً حتى إِذَا جَاءهُ﴾ أى جاء إلى ماتوهم أنه ماء ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ كما ظنه ﴿وَوَجَدَ الله﴾ أي جزاء الله كقوله يجد الله غفورا رحيما أي يجد مغفرته ورحمته ﴿عِندَهُ﴾ عند الكافر ﴿فوفاه حِسَابَهُ﴾ أي أعطاه جزاء عمله وافياً كاملا وحد بعد الجمع حملاً على كل واحد من الكفار ﴿والله سَرِيعُ الحساب﴾ لأنه لا يحتاج إلى عد وعقد ولا يشغله حساب عن حساب أو قريب حسابه لأن ما هو آتٍ قريب شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق من الأعمال الصالحة التى يحسبها تنفعه عندالله وتنجيه من عذابه ثم يخيب في العاقبة أمله ويلقى خلاف ما قدر بسراب يراه الكافر بالساهرة النور (٤٣ - ٤٠) وقد غلبه عطش يوم القيامة فيحسبه ماء فيأتيه فلا يجد ما رجاه ويجد زبانية الله عنده يأخذونه فيعتلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق وهم الذين قال الله فيهم عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا قيل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان يترهب ملتمساً للدين في الجاهلية فلما جاء الإسلام كفر

стр. 3786

أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) ﴿أو كظلمات في بحر﴾ أو هنا كأوفى أَوْ كَصَيّبٍ ﴿لُّجّىّ﴾ عميق كثير الماء منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر

стр. 3787

﴿يغشاه﴾ يغشى البحر أو من فيه أى يعلوه ويغطيه ﴿موج﴾ هوما ارتفع من الماء ﴿مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أي من فوق الموج وظلمة السحاب على الموج ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ أي الواقع فيه ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ مبالغة في لم يرها أي لم يقرب أن يراها فضلاً عن أن يراها شبه أعمالهم أولاً في فوات نفعها وحضور ضررها بسراب لم يجده من خدعه من بعيد شيئاً ولم يكفه خيبة وكمدا ان يجد شيئاً كغيره من السراب حتى وجد عنده الزبانية تعتليه إلى النار وشبهها ثانياً في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة وفي خلوها عن نور الحق بظلمات متراكمة من لج البخر والأمواج والسحاب ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ من لم يهده الله لم يهتد عن الزجاج في الحديث خلق الله الخلق ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل

стр. 3788

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) ﴿ألم تر﴾ ألم تعلم يا محمد علما يقوم مقام العيان في الإيقان ﴿أَنَّ الله يُسَبّحُ لَهُ مَن فِى السماوات والأرض والطير﴾ عطف على من ﴿صافات﴾ حال من الطير أي يصففن أجنحتهن في الهواء ﴿كُلٌّ قَدْ علم صلاته وتسبيحه﴾ الضمير فى علم لكل أو الله وكذا في صلاته وتسبيحه والصلاة الدعاء ولم يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التى لا يكاد العقلاء يهتدون إليها ﴿والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ لا يعزب عن علمه شئ

стр. 3789

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) ﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾ لأنه خالقها ومن ملك شيئاً فبتمليكه إياه ﴿وإلى الله المصير﴾ مرجع الكل

стр. 3790

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِى﴾ يسوق إلى حيث يريد ﴿سَحَابًا﴾ جمع سحابة دليله ﴿ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ﴾ وتذكيره للفظ أي يضم بعضه إلى بعض ﴿ثم يجعله ركاما﴾ مترا كما بعضه فوق بعض النور (٤٥ - ٤٣) ﴿فَتَرَى الودق﴾ المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال ﴿وَيُنَزّلُ﴾ وينزل مكي ومدني وبصري ﴿مّنَ السماء﴾ لابتداء الغاية لأن الابتداء الإنزال من السماء ﴿مِن جِبَالٍ﴾ من للتبعيض لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي ﴿فِيهَا﴾ في السماء ﴿مِن بَرَدٍ﴾ للبيان أو الأوليان للابتداء والآخرة للتبعيض ومعناه أنه ينزل البرد من السماء من جبال فيها وعلى الأول مفعول ينزل من جبال أي بعض جبال فيها ومعنى من جبال فيها من برد أن يخلق الله في السماء جبال برد كما خلق في الأرض جبال حجر أو يريد الكثرة بذكر الجبال كما يقال فلان يملك جبالاً من ذهب ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ بالبرد ﴿مَن يَشَآء﴾ أي يصيب الإنسان وزرعه ﴿ويصرفه عن من يشاء﴾ فلا يصيبه أو يعذب من يشاء ويصرفه عمن يشاء فال يعذبه ﴿يكاد سنا برقه﴾ ضوئه ﴿يذهب بالأبصار﴾ يخطفها يَذْهَبُ يزيد على زيادة الباء

стр. 3791

يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤) ﴿يقلب الله الليل والنهار﴾ يصرفها في الاختلاف طولاً وقصراً والتعاقب ﴿إِنَّ فِى ذلك﴾ فى إزجاء السحاب إلى وإنزال الودق والبرد وتقليب الليل والنهار ﴿لَعِبْرَةً لأَِوْلِى الأبصار﴾ لذوي العقول وهذا من تعديد الدلائل على ربوبيته حيث ذكر تسبيح من فى السموات والارض وما يطير بينهما ودعاء هم له وتسخير السحاب إلى آخر ما ذكر فهى براهين لائحة على وجوده دلائل واضحة على صفاته لم نظر وتدبير ثم بين دليلاً آخر فقال تعالى

стр. 3792

وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) ﴿والله خَلَقَ كُلَّ﴾ خالق كل حمزة وعلي ﴿دَابَّةٍ﴾ كل حيوان

стр. 3793

يدب على وجه الأرض ﴿مِن مَّاء﴾ أي من نوع من الماء مختص بتلك الدابة أومن ماء مخصوص وهو النطفة ثم خالف بين المخلوقات منالنطفة فمنها هوام ومنها بهائم ومنها أناسي وهو كقوله يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بعض فى الأكل وهذا دليل على أن لها خالقا ومدبرا والالم نختلف لاتفاق الأصل وإنماعرف الماء في قوله وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شئ حى لأن المقصود ثم أن أجناس الحيوان مخلوقة من جنس الماء وأنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها وسائط قالوا إن أول ما خلق الله الماء فخلق من النار والريح والطين فخلق من النارالجن ومن الريح الملائكة ومن الطين آدم ودواب الأرض ولما كانت الدابة تشمل المميز وغير المميز غلب المميز فأعطى ماراءه حكمه كأن الدواب كلهم مميزون فمن ثم قيل ﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على بَطْنِهِ﴾ كالحية والحوت وسمي الزحف على البطن مشياً استعارة كما يقال في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر أو على طرائق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى على رجلين﴾ كالإنسان النور (٥٠ - ٤٥) والطير ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على أَرْبَعٍ﴾ كالبهائم وقدم ما هوأعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل أو غيرها ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع ﴿يَخْلُقُ الله مَا يَشَاء﴾ كيف يشاء ﴿إِنَّ الله على كل شيء قدير﴾ لا يتعذر عليه شئ

стр. 3794

لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) ﴿لقد أنزلنا آيات مبينات والله يَهْدِى مَن يَشَاء﴾ بلطفه ومشيئته ﴿إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ إلى دين الإسلام الذي يوصل إلى جنته والآيات لإلزام حجته لما ذكر إنزال الآيات ذكر بعدها افتراق الناس إلى ثلاث فرق فرقة صدقت ظاهراً وكذبت باطناً وهم المنافقون وفرقة صدقت ظاهراً وباطناً وهم المخلصون وفرقة كذبت ظاهراً وباطناً وهم الكافرون على هذا الترتيب وبدأ بالمنافقين فقال

стр. 3795

وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) ﴿وَيِقُولُونَ امَنَّا بالله وبالرسول﴾ بألسنتهم ﴿وَأَطَعْنَا﴾ الله

стр. 3796

والرسول ﴿ثم يتولى﴾ يعرض على الانقياد لحكم الله ورسوله ﴿فَرِيقٌ مّنْهُمْ مّن بَعْدِ ذلك﴾ أي من بعد قولهم آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين﴾ أي المخلصين وهو إشارة إلى القائلين آمنا وأطعنا لا إلى الفرق المتولي وحده وفيه إعلام من الله بأن جميعهم منتفٍ عنهم الإيمان لاعتقادهم ما يعتقد هؤلاء والاعتراض وإن كان من بعضهم فالرضا بالإعراض من كلهم

стр. 3797

وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) ﴿وَإِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ﴾ أي إلى رسول الله كقولك أعجبني زيد وكرمه تريد زيد وكرمه تريد كرم زيد ﴿لِيَحْكُمَ﴾ الرسول ﴿بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي فاجأ من فريق منهم الإعراض نزلت في بشر المنافق إلى كعب بن الأشرف ويقول إن محمداً يحيف علينا

стр. 3798

وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) ﴿وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الحق﴾ أي إذا كان الحق لهم على غيرهم ﴿يَأْتُواْ إِلَيْهِ﴾ إلى الرسول ﴿مُذْعِنِينَ﴾ حال أي مسرعين في الطاعة طلبا لحقهم لارضا بحكم رسولهم قال الزجاج الإذعان الإسراع مع الطاعة والمعنى أنهم لمعرفتهم أنه ليس معك إلا الحق المر والعدل البحث يمتنعون عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق لئلا تنتزعه من احداقهن بقضائك عليهم لخصومهم وإن ثبت له حق على خصم أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك لتأخذ لهم ما وجب لهم في ذمة الخصم

стр. 3799

أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) ﴿أَفِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارتابوا أَمْ يَخَافُونَ أن﴾ النور (٥٣ - ٥٠) ﴿يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ قسم الأمر في صدورهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه ثم أبطل خوفهم حيفه بقوله ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هم الظالمون﴾ أى يخافون أو يحيف عليهم لمعرفتهم

стр. 3800

بحاله وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم وذلك شئ لا يستطيعونه فى مجلس رسول الله ﵊ قمن ثم يأبون المحاكمة إليه

стр. 3801

إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين﴾ وعن الحسن قول بالرفع والنصب أفرى لأن أولى الاسمين بكونه إسما لكان أوعليهما في التعريف وأن يقولوا أوغل بخلاف قول المؤمنين ﴿إِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ﴾ النبى ﵊ ليحكم أي ليفعل الحكم ﴿بَيْنَهُمْ﴾ بحكم الله الذي أنزل عليه ﴿أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا﴾ قوله ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أمره ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ الفائزون

стр. 3802

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢) ﴿وَمَن يُطِعِ الله﴾ في فرائضه ﴿وَرَسُولُهُ﴾ في سننه ﴿وَيَخْشَ الله﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما يستقبل ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفائزون﴾ وعن بعض الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت له هذه الآية وهي جامعة لأسباب الفوز ويتقه بسكون الهاء أبو عمرو وأبو بكر بنية الوقف وبسكون القاف وبكسر الهاء مختلسة حفص وبكسر القاف والهاء غيرهم

стр. 3803

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم﴾ أي حلف المنافقون بالله جهد اليمين لأنهم بذلوا فيها مجهودهم وجهد يمينه مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها وذلك إذا بالغٍ في اليمين وبلغ غاية شدتها ووكادتها وعن ابن عباس رضى الله عنهما من قال بالله فقد جهد يمينه وأصل أقسم جهد اليمين أقسم بجهد اليمين جهداً فجذف الفعل وقدم المصدر فوضع موضعه مضافاً إلى المفعول كقوله فضرب الرقاب وحكم هذا المنصوب حكم الحال كأنه قال جاهدين أيمانهم ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ أي لئن أمرنا محمد بالخروج إلى الغزو لغزونا أو بالخروج من ديارنا لخرجنا ﴿قُل لاَّ تُقْسِمُواْ﴾ لا تحلفوا كاذبين لأنه معصية ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾ أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة مبتدأ محذوف

стр. 3804

الخبر أو خبر مبتدأ محذوف أي الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب كطاعة الخلص من المؤمنين لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها ﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يعلم ما في ضمائركم ولا يخفى عليه شئ من سرائركم وانه النور ٥٥ - ٥٤) فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم

стр. 3805

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤) ﴿قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات هو أبلغ في تبكيتهم ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ﴾ يريد فإن تتولوا فما ضررتموه وإنما ضررتم أنفسكم فإن الرسول ليس عليه إلا ما حمله الله تعالى وكلفه من أداء الرسالة فإذا أدى فقد خرج عن عهدة تكليفه وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ أي وإن أطعتموه فيما يأمركم وينهاكم فقد أحرزتم نصيبكم من الهدى فالضرر في توليكم والنفع عائدان إليكم ﴿وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين﴾ وما على الرسول إلا أن يبلغ ماله نفع في قلوبكم ولا عليه ضرر في توليكم والبلاغ بمعنى التبليغ كالأداء بمعنى التأدية والمبين الظاهر لكونه مقروناً بالآيات والمعجزات ثم ذكر المخلصين فقال

стр. 3806

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات﴾ الخطاب للنبى ﵊ ولمن معه منكم للبيان وقيل المراد به المهاجرون ومن للتبعيض ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرض﴾ أي أرض الكفار وقيل أرض الكفار وقيل أرض المدينة والصحيح أنه عام لقوله ﵊ ليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل ﴿كما استخلف﴾ استخلف أبوبكر ﴿الذين مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ

стр. 3807

دِينَهُمُ الذى ارتضى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ﴾ وليبدلنهم بالتخفيف مكي وأبو بكر ﴿مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ وعدهم الله أن ينصر الاسلام على الكفر ويورثهم الأرض ويجعلهم فيها خلفاء كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة وأن يميز الدين المرتضى وهو دين الاسلام وتمكينه تثبيته وتعضيده وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه وذلك أن رسول الله ﷺ وأصحابه مكثوا بمكة عشر ينين خائفين ولما ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى قال رجل ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح فنزلت فقال ﵊ لا تغبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وافتتحوا أبعد بلاد المشرق والمغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم واستولوا على الدنيا والقسم المتلقى باللام والنون في ليستخلفنهم محذوف تقديره وعدهم الله وأقسم النور (٥٨ - ٥٥) ليستخلفنهم أو نزل وعد الله في تحققه منزلة القسم فتلقى بما يتلقى به القسم كأنه أقسم الله ليستخلفنهم ﴿يَعْبُدُونَنِى﴾ إن جعلته استئنافاً فلا محل له كأنه قيل ما لهم يستخلفون ويؤمنون فقال يعبدونني موحدين ويجوز أن يكون حالاً بدلاً من الحال الأولى وإن جعلته حالا عن وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم فمحله النصب ﴿لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً﴾ حال من فاعل يعبدون أي يعبدونني موحدين ويجوز أن يكون حالاً بدلاً من الحال الأولى ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك﴾ أي بعد الوعد والمراد كفران النعمة كقوله تعالى فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون﴾ هم الكاملون في فسقهم حيث كفروا تلك النعمة الجسيمة وجسروا على غمطها قالوا أول من كفر هذه النعمة قتلة عثمان رضى الله عنه فاقتتلوا

стр. 3808

بعدما كانوا إخواناً وزال عنهم الخوف والآية أوضح دليل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم أجمعين لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم

стр. 3809

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) ﴿واقيموا الصلاة﴾ معطوف على أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا يضر الفصل وإن طال ﴿وَاتُواْ الزكاة وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ فيما يدعوكم إليه وكررت طاعة الرسول تأكيداً لوجوبها ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي لكي ترحموا فإنها من مستجلبات الرحمة ثم ذكر الكافرين فقال

стр. 3810

لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧) ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ في الأرض﴾ أى فائنين الله بأن لا يقدر عليهم فيها فالتاء خطاب للنبى ﵊ وهو الفاعل والمفعولان الذين كفروا ومعجزين بالياء شامى وحمزة والفاعل النبى ﷺ لتقدم ذكره والمفعولان الذين كفروا ومعجزين ﴿وَمَأْوَاهُمُ النار﴾ معطوف على لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ كَأَنَّهُ قِيلَ الذين كَفَرُواْ لاَ بفوتون الله وَمَأْوَاهُمُ النار ﴿وَلَبِئْسَ المصير﴾ أي المرجع النار

стр. 3811

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ أمربأن يستأذن العبيد والإماء ﴿والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم منكم﴾ أى الأطفال الذين لم يحتملوا من الأحرار وقرئ بسكون اللام تخفيفاً ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾ في اليوم والليلة وهي ﴿مّن قَبْلِ صلاة الفجر﴾ لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مّنَ الظهيرة﴾ وهي نصف النهار في القيظ لأنها وقت وضع الثياب للقيلولة ﴿وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء﴾ لأنه وقت التجرد من ثياب اليقضة والالتحاف بثياب النوم النور (٥٩ - ٥٨) ﴿ثلاث عورات لكم﴾ أى هى أوقات ثلاث عورات فحذف المبتدأ والمضاف وبالنصب كوفي غير حفص

стр. 3812

بدلاً من ثلاث مرات أي أوقات ثلاث عورات وسمي كل واحد من هذه الأحوال عورة لأن الإنسان يختل تستره فيها والعورة الخلل ومنها الأعور المختل العين دخل غلام من الأنصار يقال له مدلج وددت أن الله نهى عن الدخول في هذه الساعات إلا بالإذن فانطلق إلى النبي ﷺ وقد نزلت عليه الآية ثم عذرهم في ترك الاستئذان وراء هذه المرات بقوله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي لا اثم عليكم وعلى المذكورين في الدخول بغير استئذان بعدهن ثم بين العلة في ترك الاستئذان في هذه الأوقات بقوله ﴿طَوافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أي هم طوافون بحوائج البيت ﴿بَعْضُكُمْ﴾ مبتدأ خبره ﴿على بَعْضٍ﴾ وتقديره بعضكم طائف على بعض فحذف طائف لدلالة طوافون عليه ويجوز أن تكون الجملة بدلاً من التي قبلها وأن تكون مبينة مؤكدة يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة يطوفون عليكم للخدمة وتطوفون عليهم للاستخدام فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت لأفضى إلى الحرج وهو مدفوع فى الشرع بالنص ﴿كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات﴾ أي كما بين حكم الاستئذان يبين لكم غيره من الآيات التي احتجتم إلى بيانها ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ في بيان مراده

стр. 3813

وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ﴾ أي الأحرار دون المماليك ﴿الحلم﴾ أي الاحتلام أي إذا بلغوا وأرادوا الدخول عليكم ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُواْ﴾ في جميع الأوقات ﴿كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال أو الذين ذكروا من قبلهم فى قوله يا أيها الذين آمنوا لاَ تَدْخُلُواْ

стр. 3814

بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ الآية والمعنى أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن إلا في العورات الثلاث فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم بلغوا بالاحتلام أو بالسن وجب أن يفطموا عن تلك العادة وتحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات كالرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن والناس عن هذا غافلون وعن ابن عباس رضى الله عنه ثلاث آيات جحدهن الناس الإذن كله وقوله إن أكرمكم عند الله أتقاكم وإذا حضر القسمة وعن سعيد بن جبير يقولون هي منسوخة والله ما هي بمنسوخة وقوله ﴿كذلك يُبَيّنُ الله لكم آياته والله عليم﴾ بمصالح الأنام ﴿حكيم﴾ فيما تبين من الأحكام

стр. 3815

وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) ﴿والقواعد﴾ جمع قاعد لأنها من الصفات المختصة بالنساء كالطالق والحائض النور (٦١ - ٦٠) أي اللاتي قعدن عن الحيض والولد لكبرهن ﴿مّنَ النساء﴾ حال ﴿اللاتى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ يطعمن فيه وهى فى محل الرفع صفة للمبتدأ وهي القواعد والخبر ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾ إثم ودخلت الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط بسبب الألف واللام ﴿أَن يَضَعْنَ﴾ في أن يضعن ﴿ثِيَابَهُنَّ﴾ أي الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار ﴿غَيْرِ﴾ حال ﴿متبرجات بِزِينَةٍ﴾ أي غير مظهرات زينة يريد الزينة الخفية كالشعر والنحر والساق ونحو ذلك أي لا يقصدن بوضعها التبرج ولكن التخفيف وحقيقة التبرج تكلف اظهار ما يجب إخفاؤه ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ﴾ أي يطلبن العفة عن وضع الثياب فيستترن وهو مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ لَّهُنَّ والله سَمِيعٌ﴾ لما يعلن ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يقصدن

стр. 3816

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ قال

стр. 3817

سعيد ابن المسيب كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزوة مع النبى ﷺ وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والمريض والأعرج وعند اقاربهم ويأتونهم أن يأكلوا من بيوتهم وكانوا بتحرجون من ذلك ويقولون نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة فنزلت الآية رخصة لهم ﴿وَلاَ على أَنفُسِكُمْ﴾ أي حرج ﴿أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ أي بيوت أولادكم لأن ولد الرجل بعضه وحكمه حكم نفسه ولذا لم يذكر الأولاد فى الآية وقد قال ﵊ أنت ومالك لأبيك أو بيوت أزواجكم لأن الزوجين صارا كنفس واحدة فصار بيت المرأة كبيت الزوج ﴿أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم﴾ لأن الاذن من هؤلاء ثابت دلالة ﴿أو ما ملكتم مّفاتحة﴾ جمع مفتح وهو ما يفتح به الغلق قال ابن عباس رضى الله عنه هو وكيل الرجل وقيمه فى ضيعته وما شيته له أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن من ماشيته أريد بملك المفاتيح كونها في يده وحفظه وقيل أريد به بيت عبده لأن العبدو ما في يده لمولاه ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ يعني أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحد أو جمعا وهو من يصدقك مودته وكان الرجل من السلف يدخل دارٍ صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء فاذا حضر مولاها النور (٦٢ - ٦١) فاخبرته اعتقها سرور بذلك فأما الآن فقد غلب الشح على الناس فلا يأكل إلا بإذن ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً﴾ مجتمعين ﴿أَوْ أَشْتَاتاً﴾ متفرقين جمع

стр. 3818

شت نزلت في بني ليث بن عمرو وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظر انهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة أو في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم أو تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف اناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً﴾ من هذه البيوت لتأكلوا ﴿فَسَلّمُواْ على أنفسكم﴾ اى فابدءوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة أو بيوتا فارغة أو مسجد فقولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ﴿تحية﴾ نصب بسلموا لأنها في معنى تسليماً نحو قعدت جلوساً ﴿مِنْ عِندِ الله﴾ أي ثابتة بأمره مشروعة من لدنه أو لأن التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله ﴿مباركة طَيّبَةً﴾ وصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق ﴿كَذَلِكَ يُبَيّنُ الله لكم الآيات لعلكم تعقلون﴾ لكى تعقلوا أو تفهموا

стр. 3819

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ أي الذي يجمع له الناس نحو الجهاد والتدبير في الحرب وكل اجتماع في الله حتى الجمعة والعيدين ﴿لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يستأذنوه﴾ أى ويأذن لهم ولما أراد الله أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله ﷺ بغير إذنه إذا كانوا معه على أمر جامع جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره وذلك مع تصدير الجملة بأنما وإيقاعٍ المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين ثم عقبه بما يزيده توكيداً وتشديداً حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿إن الذين يستأذنونك أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ﴾ وضمنه شيئاً آخر وهو أنه جعل الاستئذان كالصداق لصحة

стр. 3820

الإيمانين وعرض بحال المنافقين وتسالهم لو اذا ﴿فإذا استأذنوك﴾ في الانصراف ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أمرهم ﴿فَأْذَن لّمَن شئت منهم﴾ فيه رفع شأنه ﵊ ﴿واستغفر لَهُمُ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وذكر الاستغفار للمستأذنين دليل على أن الأفضل أن لا يستأذن قالوا وينبغي أن يكون الناس النور (٦٤ - ٦٢) كذلك مع أئمتهم مقدميهم فى الدين والعلم يظاهرونهم ولا يفرقون عنهم إلا بإذن قيل نزلت يوم الخندق كان المنافقون يرجعون إلى منازلهم من غير استئذان
следующие страницы →