Полный текст (7 814 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)
﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ قال
стр. 3817
سعيد ابن المسيب كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزوة مع النبى ﷺ وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والمريض والأعرج وعند اقاربهم ويأتونهم أن يأكلوا من بيوتهم وكانوا بتحرجون من ذلك ويقولون نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة فنزلت الآية رخصة لهم ﴿وَلاَ على أَنفُسِكُمْ﴾ أي حرج ﴿أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ أي بيوت أولادكم لأن ولد الرجل بعضه وحكمه حكم نفسه ولذا لم يذكر الأولاد فى الآية وقد قال ﵊ أنت ومالك لأبيك أو بيوت أزواجكم لأن الزوجين صارا كنفس واحدة فصار بيت المرأة كبيت الزوج ﴿أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم﴾ لأن الاذن من هؤلاء ثابت دلالة ﴿أو ما ملكتم مّفاتحة﴾ جمع مفتح وهو ما يفتح به الغلق قال ابن عباس رضى الله عنه هو وكيل الرجل وقيمه فى ضيعته وما شيته له أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن من ماشيته أريد بملك المفاتيح كونها في يده وحفظه وقيل أريد به بيت عبده لأن العبدو ما في يده لمولاه ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ يعني أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحد أو جمعا وهو من يصدقك مودته وكان الرجل من السلف يدخل دارٍ صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء فاذا حضر مولاها
النور (٦٢ - ٦١)
فاخبرته اعتقها سرور بذلك فأما الآن فقد غلب الشح على الناس فلا يأكل إلا بإذن ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً﴾ مجتمعين ﴿أَوْ أَشْتَاتاً﴾ متفرقين جمع
стр. 3818
شت نزلت في بني ليث بن عمرو وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظر انهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة أو في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم أو تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف اناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً﴾ من هذه البيوت لتأكلوا ﴿فَسَلّمُواْ على أنفسكم﴾ اى فابدءوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة أو بيوتا فارغة أو مسجد فقولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ﴿تحية﴾ نصب بسلموا لأنها في معنى تسليماً نحو قعدت جلوساً ﴿مِنْ عِندِ الله﴾ أي ثابتة بأمره مشروعة من لدنه أو لأن التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله ﴿مباركة طَيّبَةً﴾ وصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق ﴿كَذَلِكَ يُبَيّنُ الله لكم الآيات لعلكم تعقلون﴾ لكى تعقلوا أو تفهموا
стр. 3819
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)
﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ أي الذي يجمع له الناس نحو الجهاد والتدبير في الحرب وكل اجتماع في الله حتى الجمعة والعيدين ﴿لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يستأذنوه﴾ أى ويأذن لهم ولما أراد الله أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله ﷺ بغير إذنه إذا كانوا معه على أمر جامع جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره وذلك مع تصدير الجملة بأنما وإيقاعٍ المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين ثم عقبه بما يزيده توكيداً وتشديداً حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿إن الذين يستأذنونك أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ﴾ وضمنه شيئاً آخر وهو أنه جعل الاستئذان كالصداق لصحة
стр. 3820
الإيمانين وعرض بحال المنافقين وتسالهم لو اذا ﴿فإذا استأذنوك﴾ في الانصراف ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أمرهم ﴿فَأْذَن لّمَن شئت منهم﴾ فيه رفع شأنه ﵊ ﴿واستغفر لَهُمُ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وذكر الاستغفار للمستأذنين دليل على أن الأفضل أن لا يستأذن قالوا وينبغي أن يكون الناس
النور (٦٤ - ٦٢)
كذلك مع أئمتهم مقدميهم فى الدين والعلم يظاهرونهم ولا يفرقون عنهم إلا بإذن قيل نزلت يوم الخندق كان المنافقون يرجعون إلى منازلهم من غير استئذان
стр. 3821
لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)
﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بعضا﴾ اى إذا احتاج رسول الله ﷺ إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تقربوا منه إلا بإذنه ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي أو لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم كما يسمي بعضكم بعضاً ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه فلا تقولوا يا محمد ولكن يا نبي الله يا رسول الله مع التوفير والتعظيم والصوت المخفوض ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ﴾ يخرجون قليلاً قليلاً ﴿مِنكُمْ لِوَاذاً﴾ حال أي ملاوذين اللواذ والملاوذة هو أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا أي ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض ﴿فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي الذين يصدون عن أمره دون المؤمنين وهم المنافقون يقال له خالفه إلى الأمر إذا ذهب إليه دونه ومنه وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنها كم عنه وخالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه والضمير فى أمر الله سبحانه أو للرسول ﵊ والمعنى عن طاعته ودينه ومفعول يحذر ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ محنة في الدنيا أو قتل أو زلازل وأهوال أو تسليط سلطان جائر أو قسوة القلب عن معرفة الرب
стр. 3822
أو إسباغ النعم استدراجاً ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة والآية تدل على أن الأمر للايجاب
стр. 3823
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)
﴿أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى السماوات والأرض﴾ ألا تنبيه على أن لا يخالفوا أمر من له ما فى السموات والأرض ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ أدخل قد ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد والمعنى أن جميع ما في السموات والأرض مختص به خلقاً وملكاً وعلماً فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين وإن كانوا يجتهدون فى سترها ﴿ويوم يرجعون إليه﴾ وبفتح الباء وكسر الجيم يعقوب أي ويعلم يوم يردون إلى جزائه وهو يوم القيامة والخطاب والغيبة في قوله قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات ويجوز أن يكون ما أنتم عليه عاما ويرجعون إليه يجوز أن يكونا جميعا للمنافقين ﴿فَيُنَبّئُهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿بِمَا عَمِلُواْ﴾ بما أبطنوا من سوء أعمالهم ويجازيهم حق جزائهم ﴿والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ﴾ فلا يخفي عليه خافية وروى أن ابن عباس رضى الله عنه قرأ سورة النور على المنبر في الموسم وفسرها على وجه لو سمعت الروم به لا سلمت والله أعلم
стр. 3824
الفرقان (٣ - ١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3825
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)
﴿تبارك﴾ تفاعل من البركة وهى كثرة الخبر وزيادته ومعنى تبارك الله تزايد خبره وتكاثر أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله وهي كلمة كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله وحده والمستعمل منه الماضي فحسب ﴿الذى نَزَّلَ الفرقان﴾ هو مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما وسمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل والحلال والحرام أو لأنه لم ينزل جملة ولكن مفرقاً مفصولاً بين بعضه وبعض فى الانزال ألا ترى إلى قوله وقرآنا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ ونزلناه تنزيلا ﴿على عبده﴾ محمد ﵊ ﴿لِيَكُونَ﴾ العبد أو الفرقان ﴿للعالمين﴾ للجن والإنس وعموم الرسالة من خصائصه ﵊ ﴿نَذِيراً﴾ منذراً أي مخوفاً أو إنذاراً كالنكير بمعنى الإنكار ومنه قوله تعالى فَكَيْفَ كَانَ عذابى ونذر
стр. 3826
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)
﴿الذى﴾ رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو على الإبدال من الذي نزل وجوز الفصل بين البدل والمبدل منه بقوله ليكون لان المبدل صلته نزل وليكون تعليل له فكأنه المبدل منه لم يتم إلا به أو نصب على المدح ﴿لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ على الخلوص ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ كما زعم اليهود والنصارى في عزير والمسيح ﵉ ﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾
стр. 3827
كما زعمت الثنوية ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء﴾ أي أحدث كل شئ وحده لا كما يقوله المجوس والثنوية من النور والظلمة ويزدان واهر من ولا شبهة فيه لمن يقول إن الله شئ ويقول بخلق القرآن لأن الفاعل بجميع صفاته لا يكون مفعولاً له على أن لفظ شئ اختص بما يصح أن يخلق بقرينة وخلق وهذا أوضح دليل لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ فهيأه لما يصلح له بلا خلل فيه كما أنه الإنسان على هذا الشكل الذي تراه فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في الدين والدنيا أوقدره للبقاء إلى أمد معلوم
стр. 3828
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)
﴿واتخذوا﴾ الضمير للكافرين لا ندراجهم تحت العالمين أو لدلالة نذيراً عليهم لأنهم المنذرون ﴿من دونه آلهة﴾ أي الأصنام ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي أنهم آثروا على عبادة من هو منفرد بالألوهية والملك والخلق والتقدير عبادة عجزة لا يقدرون على خلق شئ وهم يخلقون ﴿ولا يملكون﴾
الفرقان (٨ - ٣)
﴿لأَِنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ ولا يستطيعون لأنفسهم دفع ضرر عنها ولا جلب نفع إليها ﴿وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً﴾ إماتة ﴿ولا حياة﴾ أي إحياء ﴿وَلاَ نُشُوراً﴾ إحياء بعد الموت وجعلها كالعقلاء لزعم عابديها
стр. 3829
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)
﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا﴾ ما هذا القرآن ﴿إِلاَّ إِفْكٌ﴾ كذب ﴿افتراه﴾ اختلقه واخترعه محمد من عند نفسه ﴿وَأعانَهُ عليه قومٌ آخرون﴾ أي اليهود وعداس ويسار وأبو فكيهة الرومى قاله النضر بن الحرث ﴿فقد جاؤوا ظُلْماً وَزُوراً﴾ هذا إخبار من الله رد للكفرة فيرجع الضمير إلى الكفار وجاء يستعمل في معنى فعل فيعدى تعديتها أو حذف الجار وأوصل الفعل أي بظلم وزور وظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من
стр. 3830
العجمي الرومي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب والزور أن بهتوه بنسبة ما هو برئ منه إليه
стр. 3831
وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)
﴿وقالوا أساطير الأولين﴾ أو هو أحاديث المتقدمين وما سطروه كرستم وغيره جمع أسطار وأسطورة كأحدوثة ﴿اكتتبها﴾ كتبها لنفسه ﴿فَهِىَ تملى عَلَيْهِ﴾ أي تلقى عليه من كتابه ﴿بُكْرَةً﴾ أول النهار ﴿وَأَصِيلاً﴾ آخره فيحفظ ما يملى عليه ثم يتلوه علينا
стр. 3832
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)
﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿أَنزَلَهُ﴾ أي القرآن ﴿الذى يَعْلَمُ السر فِى السماوات والأرض﴾ أي يعلم كل سر خفى فى السموات والأرض يعني أن القرآن لما اشتمل على علم الغيوب التي يستحيل عادة أن يعلمها محمد ﵊ من غير تعليم دل ذلك على أنه من عند علام الغيوب ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ فيمهلهم ولا يعاجلهم بالعقوبة وإن استوجبوها بمكابرتهم
стр. 3833
وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)
﴿وقالوا ما لهذا الرسول﴾ وقعت اللام في المصحف مفصولة عن الهاء وخط المصحف سنة لا تغير وتسميتهم إياه بالرسول سخرية منهم كأنهم قالوا أي شئ لهذا الزاعم إنه رسول ﴿يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الأسواق﴾ حال والعامل فيها هذا ﴿لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾
стр. 3834
أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)
﴿أَوْ يُلْقِى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أي إن صح أنه رسول الله فما باله يأكل الطعام كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش ثم نزلوا عن ذلك الاقتراح إلى أن يكون إنساناً معه ملك حتى بتساندا في الإنذار والتخويف ثم نزلوا إلى أن يكون مرفودا بكنز يلقى إليه
الفرقان (١١٣ - ٨)
من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش ثم نزلوا إلى أن يكون رجلاله بستان يأكل هو منه كالمياسير أو نأكل نحن
стр. 3835
كقراءة علي وحمزة وحسن عطف المضارع وهو يلقى وتكون على أَنَزلَ وهو ماض لدخول المضارع وهو فَيَكُونُ بينهما وانتصب فَيَكُونُ على القراءة المشهورة لأنه جواب لَوْلاَ بمعنى هلا وحكمه حكم الاستفهام وأراد بالظالمين في قوله ﴿وَقَالَ الظالمون﴾ إياهم بأعيانهم غير أنه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا وهم كفار قريش ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا﴾ سحر فجن أو ذا سحر وهو الرئة عنوا أنه بشر لا ملك
стр. 3836
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)
﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ﴾ بينوا ﴿لَكَ الأمثال﴾ الأشباه أي قالوا فيك تلك الأقوال واخترعوا لك الصفات والأحوال من المفتري والمملي عليه والمسحور ﴿فُضّلُواْ﴾ عن الحق ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً﴾ فلا يجدون طريقاً إليه
стр. 3837
تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)
﴿تَبَارَكَ الذى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذلك جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ أي تكاثر خير الذي إن شاء وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور وجنات بدل من خيرا ويجعل بالرفع مكي وشامي وأبو بكر لأن الشرط إذا وقع ماضياً زفى جزائه الجزم والرفع
стр. 3838
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)
﴿بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة﴾ عطف على ما حكى عنهم يقول بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة أو متصل بما يليه كأنه قال بل كذبوا بالساعة فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بها ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً﴾ وهيأنا للمكذبين بها ناراً شديدة في الاستعار
стр. 3839
إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)
﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ أي النار أي قابلتهم ﴿مِن مكان بعيد﴾ أى إذا كانت منهم يمر أى الناظرين في البعد ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ أي سمعوا صوت
стр. 3840
غليانها وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر أو إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار
стр. 3841
وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)
﴿وإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا﴾ من النار ﴿مَكَاناً ضَيّقاً﴾ مكي فإن الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذا وصفت الجنة بأن عرضها السموات والأرض وعن ابن عباس رضى الله عنه أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح ﴿مُقْرِنِينَ﴾ أي وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرّنون في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال أو يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة وفي أرجلهم الأصفاد ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ﴾ حينئذ ﴿ثُبُوراً﴾ هلاكاً أي قالوا أو اثبوراه
الفرقان (١٨ - ١٥)
أي تعال يا ثبور فهذا حينك فيقال لهم
стр. 3842
لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)
﴿لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ أي إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير
стр. 3843
قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥)
﴿قُلْ أذلك خَيْرٌ﴾ أي المذكور من صفة النار خير ﴿أَمْ جَنَّةُ الخلد التى وَعِدَ المتقون﴾ أي وعدها فالراجع إلى الموصول محذوف وإنما قال أذلك خير في النار توبيخاً للكفار ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء﴾ ثواباً ﴿وَمَصِيراً﴾ مرجعاً وإنما قيل كانت لأن ما وعد الله كأنه كان لتحققه أو كان ذلك مكتوباً في اللوح قبل أن خلقهم
стр. 3844
لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)
﴿لهم فيها ما يشاؤون﴾ أى ما يشاءونه ﴿خالدين﴾ حال من الضمير فى يشاءون والضمير فى ﴿كان﴾ لما يشاءون ﴿على ربك وعدا﴾ أى موعودا ﴿مسؤولا﴾ مطلوباً أو حقيقاً أن يسأل أو قد سأله المؤمنون والملائكة فى دعواتهم ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة رَبَّنَا
стр. 3845
وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ
стр. 3846
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧)
﴿ويوم نحشرهم﴾ للبعث عند الجمهور وبالياء مكة ويزيد ويعقوب وحفص ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ يريد المعبودين من الملائكة والمسبح وعزيز وعن الكلبي يعني الأصنام ينطقها الله وقيل عام وما يتناول العقلاء وغيرهم لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبوديهم ﴿فَيَقُولُ﴾ وبالنون شامى ﴿أأنتم أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل﴾ والقياس ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه فى هذا الطريق والأصل إلى الطريق أو للطريق وضل مطاوع أضله والمعنى أأنتم أو قعتموهم في الضلال عن طريق الحق بإدخال الشبه أم هم ضلوا عنه بأنفسهم وإنما لم يقل أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل وزد أنتم وهم لأن السؤال ليس عن الفعل ووجوده لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب وإنما هو عن متوليه فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام ليعلم أنه المسئول عنه وفائدة سؤالهم مع علمه تعالى بالمسئول عنه أن يجيبوا بما أجابوا به حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم فنزيد حسرتهم
стр. 3847
قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)
﴿قَالُواْ سبحانك﴾ تعجب منهم مما قيل لهم وقصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له نبي أو ملك أو غيرهما نداً ثم قالوا ﴿مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء﴾ أي ما كان يصح لنا ولا يستقيم أن نتولى أحداً دونك فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا على أن يتولونا دونك نتخذ يزيد واتخذ يتعدى إلى مفعول واحد نحو اتخذ ولياً وإلى مفعولين نحو اتخذنا فلانا وليا قال
الفرقان (٢٠ - ١٨)
الله تعالى أَمِ اتخذوا الِهَةً مّنَ الأرض
стр. 3848
وقال واتخذ الله ابراهيم خليلا فالقراءة الاولى من المتعدى لواحد وهو من أولياء والأصل أن نتخذ أولياء وزيدت من لتأكيد معنى النفى والقراءة الثانية من المتعدي إلى المفعولين فالمفعول الأول ما بني له الفعل والثانى من أولياء ومن للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء لأن من لا تزاد في المفعول الثاني بل في الأول تقول ما اتخذت من أحد ولياً ولا تقول ما اتخذت أحداً من ولى ﴿ولكن متعتهم وآباءهم﴾ بالأموال والأولاد وطول العمر والسلامة من العذاب ﴿حتى نَسُواْ الذكر﴾ أي ذكر الله والإيمان به والقرآن والشرائع ﴿وَكَانُواْ﴾ عند الله ﴿قَوْماً بُوراً﴾ أي هلكى جمع بائر كعائذ وعوذ ثم يقال للكفار بطريق الخطاب عدولاً عن الغيبة
стр. 3849
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول ونظيرها يا أهل الكتاب قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل إلى قوله فَقَدْ جَاءكُمْ بشير ونذير قول القائل ... قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم ... القفول قد جئنا خراساناً ...
﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بقولكم فيهم إنهم آلهة والباء على هذا كقوله بَلْ كَذَّبُواْ بالحق والجار والمجرور يدل من الضمير كأنه قيل فقد كذبوا بما تقولون وعن قنبل بالياء ومعناه فقد كذبوكم بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء والباء على هذا كقولك كتبت بالقلم ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً ولا نصرا﴾ أى قما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ينصروكم وبالتاء حفص أي فما
стр. 3850
تستطيعون أنتم يا كفار صرف العذاب عنكم ولا نصر أنفسكم ثم خاطب المكلفين على العموم بقوله ﴿وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ﴾ أي يشرك لأن الظلم وضع الشئ في غير موضعه ومن جعل المخلوق شريك خالقه فقد ظلم يؤيده قوله تعالى إِنَّ الشرك لظلم عظيم ﴿نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ فسر بالخلود في النار وهو يليق بالمشرك دون الفاسق الأعلى قول المعتزلة والخوارج
стр. 3851
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِى الأسواق﴾ كسرت إن لأجل اللام في الخبر والجملة بعد إلا صفة لموصوف محذوف والمعنى وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور أي من المرسلين ونحوه وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ أَيُّ وَمَا مِنَّا أَحَدٌ قِيلَ هو احتجاج على من قال ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق وتسلية للنبى ﵊ ﴿وجعلنا بعضكم﴾
الفرقان (٢٣ - ٢٠)
﴿لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ أي محنة وابتلاء وهذا تصبير لرسول الله ﷺ عما عيروه به من الفقر ومشيه في الأسواق يعني أنه جعل الأغنياء فتنة للفقراء فيغني من يشاء ويفقر من يشاء ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ على هذه الفتنة فتؤجروا أم لا تصبرون فيزداد غمكم وحكي أن بعض الصالحين تبرم بضنك عيشه فخرج ضجرا افرأى خصيا فى مواكب ومراكب فخطر بباله شئ فإذا بمن يقرأ هذه الآية فقال بلى فصبراً ربنا أو جعلتك فتنة لهم لأنك لو كنت غينا صاحب كنوز وجنان لكانت طاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا فإنما بعثناك فقيراً لتكون طاعى من يطيعك خالصة لنا ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ عالماً بالصواب فيما يبتلي به أو بمن يصبر ويجزع
стр. 3852
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)
﴿وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ﴾ لا يأملون ﴿لِقَاءنَا﴾ بالخبر لأنهم كفرة لا يؤمنون بالبعث أو لا يخافون عقابنا إما لأن الراجي قلق فيما يرجوه كالخائف أو لأن الرجاء في لغة تهامة الخوف ﴿لولا﴾ هلا ﴿أنزل علينا الملائكة﴾ رسلاً دون البشر أو شهوداً على نبوته ودعوى رسالته ﴿أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ جهرة فيخبرنا برسالته واتباعه ﴿لَقَدِ استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ﴾ أي أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد فى قلوبهم ﴿وعتوا﴾ وتجاوزوا الحد في الظلم ﴿عُتُوّاً كَبِيراً﴾ وصف العتو بالكبر فبالغ في إفراطه أي أنهم لم يجسروا على هذا القول العظيم إلا أنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو واللام في لقد جواب قسم محذوف
стр. 3853
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)
﴿يوم يرون الملائكة﴾ أى يوم الموت أو يوم البعث ويوم منصوب بمادل عليه ﴿لاَ بشرى﴾ أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى وقوله ﴿يومئذ﴾ مؤكد ليوم يرون أو بإضمار اذكر أي اذكر يوم يرن الملائكة ثم أخبر فقال لا بشرى بالجنة يومئذ ولا ينتصب بيرون لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا ببشرى لأنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله ولأن المنفي بلا لا يعمل فيما قبل لا ﴿لّلْمُجْرِمِينَ﴾ ظاهر في موضع ضمير أو عام يتناولهم بعمومه وهم الذين اجترموا الذنوب والمراد الكافرون لأن مطلق الأسماء يتناول أكمل المسميات ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي الملائكة ﴿حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ حراماً محرماً عليكم البشرى أي جعل الله ذلك حراما عليكم انما البشرى للمؤمنين والحجر مصدروالكسر والفتح لغتان وقرئ بهما وهو من حجره إذا منعه وهو من المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها
стр. 3854
ومحجور التأكيد معنى الحجر كما قالوا موت مائت
стр. 3855
وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)
﴿وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هباء منثورا﴾
الفرقان (٢٧ - ٢٣)
هو صفة ولا قدوم هنا ولكن مثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف ونحو ذلك بحال من خالف سلطانه وعصاه فقدم إلى أشيائه وقصد إلى ما تحت يديه فأفسدها ومزقها كل ممزق ولم يترك لها أثر او الهباء ما يخرج من الكوة مغ ضوء الشمس شبيها بالغار والمنثور المفرق وهو استعارة عن جعله بحيث لا يقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع
следующие страницы →