Полный текст (7 814 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِى الأسواق﴾ كسرت إن لأجل اللام في الخبر والجملة بعد إلا صفة لموصوف محذوف والمعنى وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور أي من المرسلين ونحوه وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ أَيُّ وَمَا مِنَّا أَحَدٌ قِيلَ هو احتجاج على من قال ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق وتسلية للنبى ﵊ ﴿وجعلنا بعضكم﴾
الفرقان (٢٣ - ٢٠)
﴿لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ أي محنة وابتلاء وهذا تصبير لرسول الله ﷺ عما عيروه به من الفقر ومشيه في الأسواق يعني أنه جعل الأغنياء فتنة للفقراء فيغني من يشاء ويفقر من يشاء ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ على هذه الفتنة فتؤجروا أم لا تصبرون فيزداد غمكم وحكي أن بعض الصالحين تبرم بضنك عيشه فخرج ضجرا افرأى خصيا فى مواكب ومراكب فخطر بباله شئ فإذا بمن يقرأ هذه الآية فقال بلى فصبراً ربنا أو جعلتك فتنة لهم لأنك لو كنت غينا صاحب كنوز وجنان لكانت طاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا فإنما بعثناك فقيراً لتكون طاعى من يطيعك خالصة لنا ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ عالماً بالصواب فيما يبتلي به أو بمن يصبر ويجزع
стр. 3852
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)
﴿وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ﴾ لا يأملون ﴿لِقَاءنَا﴾ بالخبر لأنهم كفرة لا يؤمنون بالبعث أو لا يخافون عقابنا إما لأن الراجي قلق فيما يرجوه كالخائف أو لأن الرجاء في لغة تهامة الخوف ﴿لولا﴾ هلا ﴿أنزل علينا الملائكة﴾ رسلاً دون البشر أو شهوداً على نبوته ودعوى رسالته ﴿أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ جهرة فيخبرنا برسالته واتباعه ﴿لَقَدِ استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ﴾ أي أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد فى قلوبهم ﴿وعتوا﴾ وتجاوزوا الحد في الظلم ﴿عُتُوّاً كَبِيراً﴾ وصف العتو بالكبر فبالغ في إفراطه أي أنهم لم يجسروا على هذا القول العظيم إلا أنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو واللام في لقد جواب قسم محذوف
стр. 3853
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)
﴿يوم يرون الملائكة﴾ أى يوم الموت أو يوم البعث ويوم منصوب بمادل عليه ﴿لاَ بشرى﴾ أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى وقوله ﴿يومئذ﴾ مؤكد ليوم يرون أو بإضمار اذكر أي اذكر يوم يرن الملائكة ثم أخبر فقال لا بشرى بالجنة يومئذ ولا ينتصب بيرون لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا ببشرى لأنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله ولأن المنفي بلا لا يعمل فيما قبل لا ﴿لّلْمُجْرِمِينَ﴾ ظاهر في موضع ضمير أو عام يتناولهم بعمومه وهم الذين اجترموا الذنوب والمراد الكافرون لأن مطلق الأسماء يتناول أكمل المسميات ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي الملائكة ﴿حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ حراماً محرماً عليكم البشرى أي جعل الله ذلك حراما عليكم انما البشرى للمؤمنين والحجر مصدروالكسر والفتح لغتان وقرئ بهما وهو من حجره إذا منعه وهو من المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها
стр. 3854
ومحجور التأكيد معنى الحجر كما قالوا موت مائت
стр. 3855
وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)
﴿وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هباء منثورا﴾
الفرقان (٢٧ - ٢٣)
هو صفة ولا قدوم هنا ولكن مثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف ونحو ذلك بحال من خالف سلطانه وعصاه فقدم إلى أشيائه وقصد إلى ما تحت يديه فأفسدها ومزقها كل ممزق ولم يترك لها أثر او الهباء ما يخرج من الكوة مغ ضوء الشمس شبيها بالغار والمنثور المفرق وهو استعارة عن جعله بحيث لا يقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع
стр. 3856
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)
ثم بين فضل أهل الجنة على أهل النار فقال ﴿أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ تمييز المستقر المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم يتجالسون ويتحادثون ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ مكاناً يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم ولا نوم في الجنة ولكنه سمي مكان استراحتهم إلى الحور مقيلاً على طريق التشبيه وروي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وفى لفظ الا حسن تهكم بهم
стр. 3857
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)
﴿وَيَوْمَ﴾ واذكر يوم ﴿تَشَقَّقُ السماء﴾ والأصل تتشقق فحذف التاء كوفي وأبو عمرو وغيرهم أدغمها في الشين ﴿بالغمام﴾ لما كان انشقاق السماء بسبب طلوع الغمام منها جعل الغمام كأنه الذي تشقق به السماء كما تقول شققت السنام بالشفرة فانشق بها ﴿وَنُزّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ ونزل الملائكة مكي وتنزيلاً على هذا مصدر من غير لفظ العقل والمعنى أن السماء تنفتح بغمام أبيض يخرج منها وفى الغمام الملائكة ينزلون فى أيديهم صحائف أعمالهم العباد
стр. 3858
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)
﴿الملك﴾ مبتدأ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفه ﴿الحق﴾ نعته ومعناه الثابت
стр. 3859
لأن كل ملك يزول يومئذ فلا يبقى إلا ملكه ﴿للرحمن﴾ خبره ﴿وَكَانَ﴾ ذلك اليوم ﴿يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً﴾ شديداً يقال عسر عليه فهو عسير وعسر ويفهم منه يسره على المؤمنين ففي الحديث يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة صلوها في الدنيا
стр. 3860
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ﴾ عض اليدين كناية عن الغيظ والحسرة لأنه من روادفها فتذكر الرادفة ويدل بها على المردوف فيرتفع الكلام به في طبقة الفصاحة ويجد السامع عنده فى نفسه من الروعة مالا يجده عند لفظ المكنّى عنه واللام في الظالم للعهد وأريد به عقبة لما تبين أو للجنس فيتناول عقبة وغيره من الكفار ﴿يقول يا ليتني اتخذت﴾ فى الدنيا ﴿مع الرسول﴾ محمد ﵊ ﴿سبيلا﴾ طريقا إلى النجاى والجنة وهو الايمان
стр. 3861
يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨)
﴿يا ويلتى﴾ وقرئ يا ويلتي بالياء وهو الأصل لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته يقول لها تعالي
الفرقان (٣٢ - ٢٨)
فهذا أوانك وإنما قلبت الياء ألفاً كما فى صحارى ومدارى ﴿لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ فلان كناية عن الأعلام فإن أريد بالظالم عقبة لما روى أنه اتخذ ضيافة فدعا رسول الله ﵊ فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل فقال له أبيّ بن خلف وهو خليله وجهي من وجهك حرام إلا أن ترجع فارتد فالمعنى يا ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً فكنى عن اسمه وإن أريد به الجنس فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم لا محالة فجعل كناية عنه وقيل وهو كناية عن الشيطان
стр. 3862
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)
﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذكر﴾ أي عن ذكر الله أو القرآن أو الإيمان ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءنِى﴾ من الله ﴿وَكَانَ الشيطان﴾ أي خليله سماه شيطاناً
стр. 3863
لأنه أضله كما يضله الشيطان أو إبليس لأنه الذى حمله على مخالفة المضل ومخالفة الرسول ﴿للإنسان﴾ المطيع له ﴿خَذُولاً﴾ هو مبالغة من الخذلان إى محمد من عادة الشيطان ترك من يواليه وهذا حكاية كلام الله أو كلام الظالم
стр. 3864
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)
﴿وقال الرسول﴾ أى ﵊ فى الدنيا ﴿يا رب إن قومي﴾ قريشا ﴿اتخذوا هذا القرآن مَهْجُوراً﴾ متروكاً أي تركوه ولم يؤمنوا به من الهجران وهو مفعول ثان لا تخذوا وفى هذا تعظيم للشكاية وتخويف لقومه لأن الأنبياء إذا شكوا إليه قومهم حل بهم العذاب ولم ينظروا ثم أقبل عليه مسلياً ووعده النصرة عليهم فقال
стр. 3865
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوّاً مّنَ المجرمين وكفى بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ أي كذلك كان كل نبى قبلك مبتلى مبتلى بعداوة قومه وكفاك بي هادياً إلى طريق قهرهم والانتصار منهم وناصراً لك عليهم والعدو يجوز أن يكون واحدا وجميعا والباء زائدة أي وكفى ربك هادياً وهو تمييز
стр. 3866
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)
﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي قريش أو اليهود ﴿لولا نزل عليه القرآن جُمْلَةً﴾ حال من القرآن أي مجتمعاً ﴿واحدة﴾ يعني هلا أنزل عليه دفعة واحدة في وقت واحد كما أنزلت الكتب الثلاثة وماله أنزل على التفاريق وهو فضول من القول ومماراة بما لا طائل تحته لأن أمر الاعجاز الاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو متفرقا ونزل هنا بمعنى أنزل وإلا لكان متدافعاً بدليل جملة واحدة وهذا اعتراض فاسد لأنهم تحدوا بالإتيان بسورة واحدة من أصغر السور فأبرزوا صفحة عجزهم حتى لا ذوا بالمناصبة وفرعوا إلى المحاربة وبذلوا المهج ومالوا إلى الحجج ﴿كذلك﴾ جواب لهم أي كذلك أنزل مفرقاً في عشرين سنة أو في ثلاث وعشرين وذلك في كذلك إشارة إلى مدلول قوله لولا نزل عليه القرآن جملة لأن معناه
стр. 3867
لم أنزل عليك القرآن مفرقا
الفرقان (٣٥ - ٣٢)
فأعلم أن ذلك ﴿لِنُثَبّتَ بِهِ﴾ بتفريقه ﴿فُؤَادَكَ﴾ حتى تعيه ونحفظه لأن المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا بعد شئ وجزا ولو ألقي عليه جملة واحدة لعجز عن حفظه أو لنثبت به فؤادك عن الضجر بتواتر الوصول وتتابع الرسول لأن قلب المحب يسكن بتواصل كتب المحبوب ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ معطوف على الفعل الذي تعلق به كذلك كأنه قال كذلك فرقناه ورتلناه أي اقرأه بترسل وتثبت أو بيناه تبييناً والترتيل التبيين في ترسل وتثبت
стр. 3868
وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)
﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة كأنه مثل في البطلان ﴿إِلاَّ جئناك بالحق﴾ إلا أتيناك بالجواب الحق الذي لا محيد عنه ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ وبما هو أحسن معنى ومؤدى من مثلهم أي من سؤالهم وإنما حذف من مثلهم لأن في الكلام دليلاً عليه كما لو قلت رأيت زيداً وعمرا وإن كان عمرو أحسن وجها فيه دليل على أنك تريد من زيد ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه فقالوا تفسير هذا الكلام كيت وكيت كما قيل معناه كذا وكذا أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون هلا أنزل عليك القرآن جملة إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا أن تعطاه وما هو أحسن تكشيفاً لما بعثت عليه ودلالة على صحته يعنى أن تنزيله مفرقا وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كلما نزل شئ منها أدخل في الإعجاز من أن ينزل كله جملة
стр. 3869
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)
﴿الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شر﴾ الذين مبتدأ ثان وشر خبر أولئك وأولئك مع شر خبر الذين أو التقدير هم الذين أو أعنى الذين وأولئك
стр. 3870
مستأنف ﴿مَكَاناً﴾ أي مكانة ومنزلة أو مسكناً ومنزلاً ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أي وأخطأ طريقاً وهو من الإسناد المجازي والمعنى إن حاملكم على هذه السؤالات أنكم تضلون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوههم إلى جهنم لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه ومنزلة سبيلكم أضل من سبيله وفي طريقته قوله قُلْ هل أنبئكم بشر من ذلك مثورة عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ الآية وعن النبى ﷺ يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف صنف على الدواب وصنف على أرجلهم وصنف على وجوههم قيل يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم فقال ﵊ الذى أمشاكم على أقدامكم يمشيهم على وجوههم
стр. 3871
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥)
﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ التوراة كما آتيناك القرآن ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هارون﴾ بدل أو عطف بيان ﴿وَزِيراً﴾ هو في اللغة من يرجع إليه من الوزر وهو الملجأ والوزارة لا تنافي النبوة فقد كان يبعث فى الزمن
الفرقان (٤٠ - ٣٦)
الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يؤازر بعضهم بعضا
стр. 3872
فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)
﴿فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ إلى فرعون وقومه وتقديره فذهبا إليهم وأنذرا فكذبوهما ﴿فدمرناهم تَدْمِيراً﴾ التدمير الإهلاك بأمر عجيب أراد اختصار القصة فذكر أولها وآخرها لأنهما المقصود من القصة أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم
стр. 3873
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أي ودمرنا قوم نوح ﴿لَّمَّا كذبوا الرسل﴾ يعنى نوحا وادريس وشيئا أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيباً للجميع ﴿أغرقناهم﴾ بالطوفان ﴿وجعلناهم﴾ وجعلنا إغراقهم أو
стр. 3874
قصتهم ﴿للناس آية﴾ عبرة يعتبرون بها ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ وهيأنا ﴿للظالمين﴾ لقوم نوح وأصله وأعتدنا لهم إلا أنه أراد تظليمهم فأظهر أو هو عام لكل من ظلم ظلم شرك ويتناولهم بعمومه ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ أى النار
стр. 3875
وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)
﴿وَعَاداً﴾ دمرنا عاداً ﴿وَثَمُودَ﴾ حمزة وحفص على تأويل القبيلة وغيرهما وثموداً على تأويل الحي أو لأنه اسم الأب الأكبر ﴿وأصحاب الرس﴾ هم قوم شعيب كانوا يعبدون الأصنام فكذبوا شعيباً فبيناهم حول الرس وهي البئر غير مطوية انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم وقيل الرس قرية قتلوا نبيهم فهلكوا أو هم أصحاب الأخدود والرس الأخدود ﴿وَقُرُوناً﴾ وأهلكنا أمماً ﴿بَيْنَ ذلك﴾ المذكور ﴿كَثِيراً﴾ لا يعلمها إلا الله أرسل إليهم فكذبوهم فأهلكوا
стр. 3876
وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)
﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال﴾ بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾ أي أهلكنا إهلاكاً وَكُلاًّ الأول منصوب بما دل عليه ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال وهو أنذرنا أو حذرنا والثانى بتبرنا لأنه فارغ له
стр. 3877
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني أهل مكة ﴿عَلَى القرية﴾ سدوم وهي أعظم قرى قوم لوط وكانت خمساً أهلك الله أربعاً مع أهلها وبقيت واحدة ﴿التى أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء﴾ أي أمطر الله عليها الحجارة يعني أن قريشاً مروا كثيرة في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء ومطر السوء مفعول ثانٍ والأصل أمطرت القرية مطراً أو مصدر محذوف الزوائد أي إمطار السوء ﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا﴾ أما شاهدوا ذلك بأبصارهم عند سفرهم الشام فيتفكروا فيؤمنوا ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ بل كانوا قوماً كفرة بالبعث لا يخافون بعثا فلا يؤمنون أو
стр. 3878
لا يأملون نشورا كما يأمله المؤمنون لطعمهم فى الوصول إلى ثواب
الفرقان (٤٤ - ٤١)
أعمالهم
стр. 3879
وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)
﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ﴾ إن نافية ﴿إِلاَّ هزوا﴾ اتخذه هزؤا فى معنى استهزأ به والأصل اتخذه موضع هزؤا ومهزوءا به ﴿أهذا الذي﴾ محكى بعد القول المضمر وهذا استصغار واستهزاء أى قائلين أهذا الذي ﴿بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ والمحذوف حال والعائد إلى الذى محذوف أي بعثه
стр. 3880
إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)
﴿إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾ أن مخففة من الثقيلة واللام فارغة وهو دليل على فرط مجاهدة رسول الله ﷺ في دعوتهم وعرض المعجزات عليهم حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام لولا فرط لجاجهم ولستمساكهم بعبادة آلهتهم ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب﴾ هو وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه وإن طالت مدة الإمهال ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ هو كالجواب عن قولهم إن كاد ليضلنا لأنه نسبة لرسول الله ﷺ إلى الضلال إذ لا يضل غيره إلا من هو ضال فى نفسه
стр. 3881
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)
﴿أرأيت مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ أي من أطاع هواه فيما يأتي ويذر فهو عابد هواه وجاعله إلهه فيقول الله تعالى لرسوله هذا الذي لا يرى معبوداً إلا هواه كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى يروى أن الواحد من أهل الجاهلية كان يعبد الحجر فإذا مر بحجر أحسن منه ترك الأوّل وعبد الثاني وعن الحسن هو في كل متع هواه ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ أي حفيظاً تحفظه من متابعة هواه وعبادة ما يهواه أفأنت تكون عليه موكلاً فتصرفه عن الهوى إلى الهدى عرفه أن إليه التبليغ فقط
стр. 3882
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أم منقطعة معناه بل أتحسب كأن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالاضراب عنها اليها وهى كونهم مسلوبي الأسماع والعقول لأنهم لا يلقون إلى استماع الحق أذناً ولا إلى تدبره عقلاً ومشبهين بالأنعام التي هي مثل في الغفلة والضلالة فقد ركبهم الشيطان بالاستدلال لتركهم الاستدلال ثم هم أرجح ضلالة منها لأن الأنعام تسبح ربها وتسجد له وتطيع من يعلفها وتعرف من يحسن إليها ممن يسئ إليها وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لمراعيها ومشاربها وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي وقالوا للملائكة روح وعقل والبهائم نفس وهوى والآدمي مجمع الكل ابتلاء فإن غلبته النفس والهوى فضلته الأنعام وإن غلبته الروح والعقل فضل الملائكة الكرام وإنما
الفرقان (٤٨ - ٤٥)
ذكر الأكثر لأن فيهم من لم يصده عن الإسلام إلا حب الرياسة وكفى به داء عضالاً ولأن فيهم من آمن
стр. 3883
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥)
﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ﴾ ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته ﴿كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ أي بسطه فعم الأرض وذلك من حين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس في قول الجمهور لأنه ظل ممدود لا شمس معه ولا ظلمة وهو كما قال في ظل الجنة وظل ممدود لا شمس معه ولا ظلمة ﴿وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾ أي دائماً لا يزول ولا نذهبه الشمس ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ﴾ على الظل ﴿دَلِيلاً﴾ لأنه بالشمس يعرف الظل ولولا الشمس لما عرف الظل فالأشياء تعرف بأضدادها
стр. 3884
ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)
﴿ثُمَّ قبضناه﴾ أي أخذنا ذلك الظل الممدود ﴿إِلَيْنَا﴾ إلى حيث أردنا
стр. 3885
﴿قَبْضاً يَسِيراً﴾ سهلاً غير عسير أو قليلا قليلا أى جزأ فجزأ بالشمس التى تأتى عليه وجاء بثم لتفاضل ما بين الأمور فكأن الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم من الثاني شبه تباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت
стр. 3886
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)
﴿وهو الذي جعل لكم الليل لِبَاساً﴾ جعل الظلام الساتر كاللباس ﴿والنوم سُبَاتاً﴾ راحة لأبدانكم وقطعاً لأعمالكم والسبت القطع والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته وقيل السبات الموت المسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة وهو كقوله تعالى وهو الذى يتوفاكم بالليل ويعضده ذكر النشور في مقابلته ﴿وَجَعَلَ النهار نشورا﴾ إذا لنشور انبعاث من النوم كنشور الميت أى ينشر فيه الخلق للمعاش وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته والحياة عبرة لمن اعتبر وقال لقمان لابنه كما تنام فتوعظ كذلك تموت فتنشر
стр. 3887
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)
﴿وَهُوَ الذى أَرْسَلَ الرياح﴾ الريح مكي والمراد الجنس ﴿بُشَرًا﴾ تخفيف بشر جمع بشور ﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ أي قدام المطر لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر وهذه استعارة ملحية ﴿وأنزلنا من السماء ماء﴾ مطر ﴿طَهُوراً﴾ بليغاً في طهارته والطهور صفة كقولك ماء طهور أي طاهر واسم كقولك لما يتطهر به طهور كالوضوء والوقود لما يتوضأ به وتوقد به النار ومصدر بمعنى التطهر كقولك تطهرت طهورا حسنا ومنه قوله ﵊ إلا بطهور أي بطهارة وما حكي عن ثعلب هو
стр. 3888
ما كان طاهراً في نفسه مطهرا لغيره وهو مذهب الشافعى رحمه الله تعالى ان كان هذا زيادة بيان الطهارة فحسن ويعضده قوله تعالى وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم من السماء ليطهركم به وإلا فليس فعول من التفعيل فى شئ وقياسه على ما هو مشتق من الأفعال المعتدية كقطوع ومنوع غير سديد لأن بناء
الفرقان (٥٢ - ٤٩)
الفعول للمبالغة فإن كان الفعل متعدياً فالفعول متعدوان كان لازماً فلازم
стр. 3889
لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)
﴿لّنُحْيِىَ بِهِ﴾ بالمطر ﴿بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ ذكّر ميتاً على إرادة البلد أو المكان ﴿وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا﴾ أى نسقى الماء البهائم والناس ومما خلقنا حال من أنعاماً وأناسي أي أنعاماً وأناسى مما خلقنا وسقى وأسقى لغتان وقرأ المفضل والبرجمي ونسقيه والأناسي جمع انسى على القياس ككرسى وكراسى وإنسان وأصله أناسين كسرحان وسراحين فأبدلت النون ياء وأدغمت وقدم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسي لأن حياتها سبب لحياتهما وتخصيص الأنعام من الحيوان الشارب لأن عامة منافع الأناسي متعلقة بها فكأن الانعام عليهم بسقى الانعام كالأنعام بسقيهم وتنكير البلدة لأنه يريد بعض بلاد هؤلاء المتبعدين على مظان الماء ولما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصفه بالطهورية شرط الاحياء
стр. 3890
وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)
﴿وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾ ليذكروا حمزة وعلي يريد ولقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب المنزلة على الرسل وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة
следующие страницы →