← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) ﴿فَهَزَمُوهُم﴾ أي طالوت والمؤمنون جالوت وجنوده ﴿بِإِذُنِ

стр. 422

الله﴾ بقضائه ﴿وقتل داود جالوت﴾ كان بيشا أبو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه وكان داود سابعهم وهو صغير يرعى الغنم فأوحى الله إلى نبيهم أن داود هو الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء وقد البقرة (٢٥١ _ ٢٥٣) مر في طريقه بثلاثة أحجار دعاه كل واحد منها أن يحمله وقالت له إنك تقتل بنا جالوت فحملها في مخلاته ورمى بها جالوت فقتله وزوجه طالوت بنته ثم حسده وأراد قتله ثم مات تائباً ﴿وآتاه الله الملك﴾ في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها وما اجتمعت بنوإسرائيل على ملك قط قبل داود ﴿والحكمة﴾ والنبوة ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء﴾ من صنعة الدروع وكلام الطيور والدواب وغير ذلك ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس﴾ هو مفعول به ﴿بَعْضُهُمْ﴾ بدل من الناس دفاع مدني مصدر دفع أو دافع ﴿بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض﴾ أي ولولا أن الله تعالى يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها من الحرث والنسل أو ولولا أن الله تعالى ينصر المسلمين على الكافرين لفسدت الأرض بغلبة الكفار وقتل الأبرار وتخريب البلاد وتعذيب العباد ﴿ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين﴾ بإزالة الفساد عنهم وهو دليل على المعتزلة في مسألة الأصلح

стр. 423

تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ خبره ﴿آيَاتُ الله﴾ يعني القصص التي اقتصها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت وإظهاره على الجبابرة على يد صبي ﴿نَتْلُوهَا﴾ حال من آيات الله والعامل فيه معنى الإشارة أو آيات الله بدل من تلك ونتلوها الخبر ﴿عَلَيْكَ بالحق﴾ باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ حيث تحير بها من غير أن تعرف بقراءة كتاب أو سماع من أهله

стр. 424

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) ﴿تِلْكَ الرسل﴾ إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في هذه السورة من آدم إلى داود أو التي ثبت علمها عند رسول الله ﵇ ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ بالخصائص وراء الرسالة لاستوائهم فيها كالمؤمنين يستوون في صفة الإيمان ويتفاوتون في الطاعات بعد الإيمان ثم بين ذلك بقوله ﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله﴾ أي كلمه الله حذف العائد من الصلة يعني منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى ﵇ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ مفعول أول ﴿درجات﴾ مفعول ثانٍ أي بدرجات أو إلى درجات يعني ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة وهو محمد ﷺ لأنه هو المفضل عليهم بإرساله إلى الكافة وبأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر وفي هذا الإبهام تفخيم وبيان أنه العلم الذي لا يشتبه على أحد والمتميز الذي لا يلتبس وقيل أريد به محمد وإبراهيم وغيرهما من البقرة (٢٥٣ _ ٢٥٥) أولى العزم من الرسل ﴿وآتينا عيسى ابن مَرْيَمَ البينات﴾ كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص وغير ذلك ﴿وأيدناه بِرُوحِ القدس﴾ قويناه بجبريل أو بالإنجيل ﴿وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقتتل﴾ أي ما اختلف لأنه سببه ﴿الذين مِن بَعْدِهِم﴾ من بعد الرسل ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات﴾ المعجزات الظاهرات ﴿ولكن اختلفوا﴾ بمشيئتى ثم بين الاختلاف فقال ﴿فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾ بمشيئتى يقول الله تعالى أجريت أمور رسلي على هذا أي لم يجتمع لأحد منهم طاعة جميع أمته في حياته ولا بعد وفاته بل اختلفوا عليه فمنهم من آمن ومنهم من كفر ﴿وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقتتلوا﴾ كرره للتأكيد أي لو شئت أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا إذ لا يجري في ملكي إلا ما يوافق مشيئتي وهذا يبطل قول المعتزلة لأنه أخبر أنه لو شاء أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا

стр. 425

وهم يقولون شاء ألا يقتتلوا فاقتتلوا ﴿ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ أثتب الإرادة لنفسه كما هو مذهب أهل السنة

стр. 426

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من ما رزقناكم﴾ في الجهاد في سبيل الله أو هو عام في كل صدقة واجبة ﴿مّن قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه﴾ أي من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه لا بيع فيه حتى تبتاعوا ما تنفقونه ﴿وَلاَ خُلَّةٌ﴾ حتى يسامحكم أخلاؤكم به ﴿وَلاَ شفاعة﴾ أي للكافرين فأما المؤمنون فلهم شفاعة أو إلا بإذنه ﴿والكافرون هُمُ الظالمون﴾ أنفسهم بتركهم التقديم ليوم حاجاتهم أو الكافرون بهذا اليوم هم الظالمون لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة مكي وبصري

стр. 427

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ لا مع اسمه وخبره وما أبدل من موضعه في موضع الرفع خبر المبتدأ وهو الله ﴿الحى﴾ الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء ﴿القيوم﴾ الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ نعاس وهو ما يتقدم النوم من الفتور ﴿وَلاَ نَوْمٌ﴾ عن المفضل السنة ثقل في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب وهو تأكيد للقيوم لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوماً وقد أوحى إلى موسى ﵇ قل لهؤلاء أنى أمسك السموات بقدرتى فلوا أخذني نوم أو نعاس لزالتا ﴿لَّهُ مَا فِى السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ ملكاً وملكاً ﴿مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ليس لأحد أن يشفع عنده إلا بإذنه وهو بيان لملكوته وكبريائه وأن أحداً لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام وفيه رد لزعم الكفار أن الأصنام تشفع لهم ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما كان قبلهم وما يكون

стр. 428

بعدهم والضمير لما فى السموات والأرض لأن فيهم العقلاء ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ﴾ من معلومه يقال في الدعاء اللهم اغفر علمك فينا أي معلومك ﴿إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ إلا بما علم ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض﴾ أى علمه ومنه الكرامة لتضمنها العلم والكراسى بالعلماء وسمي العلم كرسياً تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم وهو كقوله تعالى رَبَّنَا وَسِعْتَ كل شيء رحمة وعلما أو ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك وعرشه كذا عن الحسن أو هو سرير دون العرض فى الحديث ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بفلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة أو قدرته بدليل قوله ﴿وَلاَ يؤوده﴾ ولا يثقله ولا يشق عليه ﴿حِفْظُهُمَا﴾ حفظ السموات والأرض ﴿وَهُوَ العلى﴾ في ملكه وسلطانه ﴿العظيم﴾ في عزه وجلاله أو العلي المتعالي عن الصفات التي لا تليق به العظيم المتصف بالصفات التى تليتى به فهما جامعان لكمال التوحيد وإنما ترتبت الجمل في آية الكرسي بلا حرف عطف لأنها وردت على سبيل البيان فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمناً عليه غير ساهٍ عنه والثانية لكونه مالكاً لما يدبره والثالثة لكبرياء شأنه والرابعة لإحاطته بأحوال الخلق والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها أو لجلاله وعظم قدره وإنما فضلت هذه الآية حتى ورد فى فضلها ماو ورد ما روى عن على رضى الله عنه عن النبي ﷺ من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله وقال ﵇ سيد البشر آدم وسيد

стр. 429

العرب محمد ولا فخر وسيد الفرس سلمان وسيد الروم صهيب وسيد الحبشة بلال وسيد الجبال الطور وسيد الأيام يوم الجمعة وسيد الكلام القرآن وسيد القرآن البقرة وسيد البقرة آية الكرسي وقال ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة وقال من قرأ آية الكرسي عند منامه بعث إليه ملك يحرسه حتى يصبح وقال من قرأ هاتين الآيتين حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح وإن قرأهما حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي آية البقرة (٢٥٦ _ ٢٥٨) الكرسي وأول حم المؤمن إلى إِلَيْهِ المصير لاشتمالهما على توحيد الله تعالى وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العزة فما كان ذكرا له كان أفضل من سائر الأذكار وبه يعلم أن أشرف العلوم علم التوحيد

стр. 430

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) ﴿لا إِكْرَاهَ فِى الدين﴾ أي لا إجبار على الدين الحق وهو دين الإسلام وقيل هو إخبار في معنى النهي ورُوي أنه كان لأنصاري ابنان فتنصرا فلزمهما أبوهما وقال والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا فاختصما إلى رسول الله ﷺ فقال الأنصاري يا رسول الله أيدخل بعضي في النار وأنا أنظر فنزلت فخلاهما قال ابن مسعود وجماعة كان هذا في الابتداء ثم نسخ بالأمر بالقتال ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾ قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت﴾ بالشيطان أو الأصنام ﴿وَيُؤْمِن بالله فَقَدِ

стр. 431

استمسك﴾ تمسك ﴿بالعروة﴾ أي المعتصم والمتعلق ﴿الوثقى﴾ تأنيث الأوثق أي الأشد من الحبل الوثيق المحكم المأمون ﴿لاَ انفصام لَهَا﴾ لا انقطاع للعروة وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والمعنى فقد عقد لنفسه من الدين عقداً وثيقاً لا تحله شبهة ﴿والله سَمِيعٌ﴾ لإقراره ﴿عليم﴾ باعتقاده

стр. 432

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ أرادوا أن يؤمنوا أي ناصرهم ومتولي أمورهم ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظلمات﴾ من ظلمات الكفر والضلالة وجمعت لاختلافها ﴿إِلَى النور﴾ إلى الإيمان والهداية ووحد لاتحاد الإيمان ﴿والذين كَفَرُواْ﴾ مبتدأ والجملة هى ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت﴾ خبره ﴿يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات﴾ وجمع لأن الطاغوت في معنى الجمع يعني والذين صمموا على الكفر أمرهم على عكس ذلك أو الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبهة في الدين إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم له من حلها حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين والذين كفروا أولياؤهم الشياطين يخرجونهم من نور البينات الذي يظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة ﴿أولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون﴾

стр. 433

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) ثم عجب نبيه ﵇ وسلاه بمجادلة إبراهيم ﵇ نمرود الذي كان يدعي الربوبية بقوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ﴾ في معارضته ربوبية ربه والهاء في ربه يرجع إلى إبراهيم أو الذى حاج فهو ربهما البقرة (٢٥٨ _ ٢٥٩) ﴿أَنْ آتاه الله الملك﴾ لأنّ آتاه الله يعني أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر فحاج لذلك وهو دليل على المعتزلة في الأصلح أو حاج وقت أن أتاه الله الملك ﴿إِذْ قَالَ﴾ نصب يحاج أو بدل من أن آتاه إذا جعل بمعنى الوقت ﴿إبراهيم ربي﴾ حمزة ﴿الذى يُحِْيى وَيُمِيتُ﴾ كأنه قال له من ربك قال

стр. 434

ربي الذي يحيي ويميت ﴿قال﴾ نمرود ﴿أنا أحيي وأميت﴾ يريد اعفى عن القتل وأقتل فانقطع اللعين بهذا عند المخاصمة فزاد إبراهيم ﵇ ما لا يتأنى فيه التلبيس على الضعفة حيث ﴿قَالَ إبراهيم﴾ ﵇ ﴿فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب﴾ وهذا ليس بانتقال من حجة إلى حجة كما زعم البعض لأن الحجة الأولى كانت لازمة ولكن لما عاندا للعين حجة الأحياء بتحلية واحد وقتل آخر كلمه من وجه لا يعاند وكانوا أهل تنجيم وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم والحركة الشرقية المحسوسة لنا قسرية كتحريك الماء النمل على الرحى إلى غير جهة حركة النمل فقال إن ربي يحرك الشمس قسراً على غير حركتها فإن كنت رباً فحركها بحركتها فهو أهون ﴿فَبُهِتَ الذى كَفَرَ﴾ تحير ودهش ﴿والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين﴾ أي لا يوفقهم وقالوا إنما لم يقل نمرود فليأت ربك بالشمس من المغرب لأن الله تعالى صرفه عنه وقيل إنه كان يدعي الربوبية لنفسه وما كان يعترف بالربوبية لغيره ومعنى قوله أنا أحيي وأميت أن الذي ينسب إليه الإحياء والامانة أنا لا غيري والآية تدل على إباحة التكلم في علم الكلام والمناظرة فيه لأنه قال أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى ربه والمحاجة تكون بين اثنين فدل على أن إبراهيم حاجه أيضا ولولم يكن مباحاً لما باشرها إبراهيم ﵇ لكون الأنبياء ﵈ معصومين عن ارتكاب الحرام ولأنا أمرنا بدعاء الكفرة إلى الإيمان بالله وتوحيده وإذا دعوناهم إلى ذلك لا بد أن يطلبوا من الدليل على ذلك وذا لا يكون إلا بعد المناضرة كذا في شرح التأويلات

стр. 435

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) ﴿أَوْ كالذى مَرَّ﴾ معناه أو أرأيت مثل الذى فحذف لدلالة ألم تر عليه لأن كلتيهما كلمة تعجيب أو هو محمول على المعنى دون اللفظ تقديره أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر وقال صاحب

стр. 436

الكشف فيه الكاف زائدة والذى عطف على قوله إلى الذي حاج عن الحسن إن المار كان كافرا بالبعث لا نتظامه مع نمرود في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هى انى يحيى والأكثر أنه عزيز أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم ﵇ وانى يحيى اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء واستعظام لقدرة المحيي ﴿على قَرْيَةٍ﴾ هي بيت المقدس حيث خربه بختنصر وهي التي خرج منها الألوف ﴿وهي خاوية على عروشها﴾ ساقطة البقرة (٢٥٩ _ ٢٦٠) مع سفوفها أو سقطت السقوف ثم سقطت عليها الحيطان كل مر عرش ﴿قال أنى يحيي﴾ أي كيف ﴿هذه﴾ أي أهل هذه ﴿الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أي أحياه ﴿قَالَ﴾ له ملك ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بناء على الظن وفيه دليل جواز الاجتهاد روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس فقال قبل النظر إلى الشمس يوماً ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال أو بعض يوم ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ روي أن طعامه كان تيناً وعنباً وشرابه عصيراً ولبناً فوجد التين والعنب كما جنيا والشراب على حاله ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لم يتغير والهاء أصلية أو هاء سكت واشتقاقه من السنة على الوجهين لأن لا مهاهاء لأن الأصل سنهة والفعل سانهت يقال سانهت فلاناً أي عاملته سنة أو واو لأن الأصل سنوة والفعل سانيت ومعناه لم تغيره السنون لم يتسن بحذف الهاء في الوصل وبإثباتها في الوقف حمزة وعلي ﴿وانظر إلى حِمَارِكَ﴾ كيف تفرقت عظامه ونخرت وكان له حمار قد ربطه فمات وتفتتت عظامه أو وانظر ليه سالماً في مكانه كما ربطته وذلك من أعظم الآيات أن يعيش مائة عام من غير علف ولا ماء كما حفظ طعامه

стр. 437

وشرابه من التغير ﴿ولنجعلك آية لِلنَّاسِ﴾ فعلنا ذلك يريد إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه وقيل الواو عطف على محذوف أي لتعتبر ولنجعلك قيل أتى قومه راكباً حماراً وقال أنا عزير فكذبوه فقال هاتوا التوراة فأخذ يقرؤها عن ظهر قلبه ولم يقرا التوراة ظاهرا أحد قبل عزير فذلك كونه آية وقيل رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخاً وهو شاب ﴿وانظر إِلَى العظام﴾ أي عظام الحمار أو عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم ﴿كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب ننشرها بالرا حجازي وبصري نحييها ﴿ثمّ نكسوها﴾ أي العظام ﴿لحماً﴾ جعل اللحم كاللباس مجازاً ﴿فلمّا تبيّن له﴾ فاعله مضمر تقديره فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير ﴿قال أعلم أنّ الله على كلّ شيءٍ قديرٌ﴾ فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كقولهم ضربني وضربت زيداً ويجوز فلما تبين له ما أشكل عليه يعني أمر إحياء الموتى قال اعلم على لفظ الأمر حمزة وعلي أي قال الله له اعلم أو هو خاطب نفسه

стр. 438

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) ﴿وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبّ أَرِنِى﴾ بصرني ﴿كَيْفَ تحيي الموتى﴾ موضع كيف نصب تبحي ﴿قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ البقرة (٢٦٠ _ ٢٦١) وإنما قال له أو لم تؤمن وقد علم أنه أثبت الناس إيماناً ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين وبلى إيجابا لما بعد النفي معناه بلى آمنت ولكن لأزيد سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة فعلم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف الضروري واللام تتعلق بمحذوف تقديره ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير﴾ طاوساً وديكاً وغراباً وحمامة

стр. 439

﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ وبكسر الصاد حمزة أى امهلهن واضممهن إليك ﴿ثُمَّ اجعل على كُلِ ّجَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا﴾ ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال التي بحضرتك وفي أرضك وكانت أربعة أجبل أو سبعة جزءا بضمتين وهمز أبو بكر ﴿ثُمَّ ادعهن﴾ قل لهن تعالين بإذن الله ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ مصدر في موضع الحال أي ساعيات مسرعات في طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن وإنما أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها ليتأملها ويعرف أشكالها وهيآتها وحلاها لئلا تلتبس عليه االأحياء ولا يتوهم أنها غير تلك وروي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رءوسها ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال على كل جبل ربعاً من كل طائر ثم يصيح بها تعالين بإذن الله تعالى فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثا ثم أقبلن فانضممن إلى رءوسهن كل جثة إلى رأسها ﴿واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ﴾ لا يمتنع عليه ما يريده ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يدبر لا يفعل إلا ما فيه الحكمة

стр. 440

مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) ولما برهن على قدرته على الإحياء حث على الإنفاق في سبيل الله وأعلم أن من أنفق في سبيله فله في نفقته أجر عظيم وهو قادر عليه فقال ﴿مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله﴾ لا بد من حذف مضاف أي مثل نفقتهم ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ أو مثلهم كمثل باذر حبة ﴿أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ﴾ المنبت هو الله ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقاً يتشعب منه سبع شعب لكل واحد سنبلة وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر والممثل به موجود في الدخن والذرة وربما

стр. 441

فرخت ساق البرة فى الأرض القوية المعلة فيبلغ حبها هذا المبلغ على أن التمثيل يصح وإن لم يوجد على سبيل الفرض والتقدير ووضع سنابل موضع سنبلات كوضع قروء موضع أقراء ﴿والله يضاعف لِمَن يَشَاء﴾ أي البقرة (٢٦١ _ ٢٦٤) يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين أو يزيد على سبعمائة لمن يشاء يضعف شامى ويضعف مكي ﴿والله واسع﴾ واسع الفضل والجود ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيات المنفقين

стр. 442

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) ﴿الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِى سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا﴾ هو أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأوجب عليه حقاً له وكانوا يقولون إذا صنعتم صنيعة فانسوها ﴿وَلا أَذًى﴾ هو أن يتطاول عليه بسبب ما أعطاه ومعنى ثم إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى وأن تركهما خير من نفس الإنفاق كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله ثم استقاموا ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ﴾ أي ثواب إنفاقهم ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من بخس الأجر ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ من فوته أو لا خوف من العذاب ولا حزن بفوات الثواب ووإنما قال هنا لهم أجرهم وفيما بعد فلهم أجرهم لأن الموصول هنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ثمة

стр. 443

قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ رد جميل ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ وعفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسئول أو ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل ﴿خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ وصح الاخبار على المبتدأ الكرة لاختصاصه بالصفة ﴿والله غَنِىٌّ﴾ لا حاجة له إلى منفق يمن ويؤذي ﴿حَلِيمٌ﴾ عن معاجلته بالعقوبة وهذ وعيد له

стр. 444

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) ثم أكد ذلك بقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى كالذى﴾ الكاف نصب صفة مصدر محذوف والتقدير بطلا مثل إبطال الذي ﴿يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الأخر﴾ أي لا تبطلوا ثواب صدقاتكم بالمن والأذى كإبطال المنافق الذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يريد بإنفاقه رضا الله ولا ثواب الآخرة ورئاء مفعول له ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ مثّله ونفقته التي لا ينتفع بها البتة بحجر أملس عليه تراب ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ مطر عظيم القطر ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أجرد نقياً من التراب الذي كان عليه ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ﴾ لا يجدون ثواب شيء مما أنفقوا أو الكاف في محل النصب على الحال البقرة (٢٦٤ _ ٢٦٦) أى لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق وإنما قال لا يقدرون بعد قوله كالذي ينفق لأنه أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ ماداموا مختارين الكفر

стр. 445

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) ﴿وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتِ الله وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ أي وتصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن اخلاص قلبه ومن لابتداء الغاية وهو معطوف على المفعول له أي للإبتغاء والتثبيت والمعنى ومثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند الله ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ بستان ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ مكان مرتفع وخصها لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً بربوة عاصم وشامي ﴿أَصَابَهَا وابل فآتت أُكُلُهَا﴾

стр. 446

ثمرتها أكلها نافع ومكي وأبو عمرو ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ مثلي ما كانت تثمر قبل بسبب الوابل ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها أو مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها رضا الله تعالى زاكية عند الله زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يرى أعمالكم على إكثار وإقلال ويعلم نياتكم فيهما من رياء

стр. 447

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) وإخلاص الهمزة في ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ للإنكار أَن تَكُونَ لَهُ ﴿جَنَّةٌ﴾ بستان ﴿مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار لَهُ﴾ لصاحب البستان ﴿فِيهَا﴾ في الجنة ﴿مِن كُلّ الثمرات﴾ يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها أو أن النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع خصهما بالذكر وجعل الجنة منها وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليباً لهما على غيرهما ثم أردفهما ذكر كل الثمرات ﴿وَأَصَابَهُ الكبر﴾ الواو للحال ومعناه أن تكون له جنة وقدأصابه به الكبر والواو في ﴿وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء﴾ أولاد صغار للحال أيضاً والجملة في موضع الحال من الهاء في أصابه ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ ريح تستدير فى الأرض ثم تسطع نحوالسماء كالعمود ﴿فِيهِ﴾ في الإعصار وارتفع ﴿نَّارٌ﴾ بالظرف إذ جرى الظرف وصفاً لإعصار ﴿فاحترقت﴾ الجنة وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة رياء فإذا كان يوم القيامة البقرة (٢٦٦ _ ٢٧٠) وجدها محبطة فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة جامعة للثمار فبلغ الكبر وله أولاد ضعاف والجنة معاشهم فهلكت بالصاعقة ﴿كذلك﴾ كهذا البيان الذي بين فيما تقدم ﴿يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات﴾ في التوحيد والدين ﴿لعلكم تتفكرون﴾ فتنتبهوا

стр. 448

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) ﴿يا أيها الذين آمنوا أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ﴾ من جياد مكسوباتكم وفيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الأرض﴾ من الحب والثمر والمعادن وغيرها والتقدير ومن طيبات ما أخرجنا لكم إلا أنه حذف لذكر الطيبات ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾ ولا تقصدوا المال الردئ ﴿مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ تخصونه بالإنفاق وهو في محل الحال أي ولا تيمموا الخبيث منفقين أي مقدرين النفقة ﴿وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ﴾ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم ﴿إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه من قولك أعمض فلان عن بعض حقه إذا غض بصره ويقال للبائع أغمض أي لا تستقص كأنك لا تبصر وعن ابن عباس رضى الله عنهما كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه ﴿واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ﴾ عن صدقاتكم ﴿حَمِيدٌ﴾ مستحق للحمد أو محمود

стр. 449

الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ﴾ في الإنفاق ﴿الفقر﴾ ويقول لكم إن عاقبة إنفاقكم أن تفقروا والوعد يستعمل في الخير والشر ﴿وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء﴾ ويغريكم على البخل ومنع الصدقات واغراء الآمر للمأمور والفاحش عند العرب البخيل ﴿والله يَعِدُكُم﴾ في الإنفاق ﴿مَّغْفِرَةً مّنْهُ﴾ لذنوبكم وكفارة لها ﴿وَفَضْلاً﴾ وأن يخلف عليكم أفضل مما انفقتم أو ثوابا عليه في الآخرة ﴿والله واسع﴾ يوسع على من يشاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالكم ونياتكم

стр. 450

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩) ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء﴾ علم القرآن والسنة أو العلم النافع الموصل إلى رضا الله والعمل به والحكيم عند الله هو العالم العامل ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ ومن يؤت يعقوب أي ومن يؤته الله الحكمة ﴿فَقَدْ أُوتِىَ خيرا كثيرا﴾ تكير تعظيم أي أوتي خيراً أيّ خير كثير ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ

стр. 451

أُوْلُواْ الألباب﴾ وما يتعظ بمواعظ الله إلا ذو العقول السليمة أو العلماء العمال والمراد به الحث على العمل بما تضمنت الآي في معنى الانفاق

стр. 452

وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ﴾ في سبيل الله أو في سبيل الشيطان ﴿أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ﴾ في طاعة الله أو في معصيته ﴿فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ﴾ لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه ﴿وَمَا للظالمين﴾ الذين يمنعون الصدقات أو ينفقون أموالهم في المعاصي أو ينذرون في المعاصي أو لا يفون بالنذور ﴿مِنْ أَنصَارٍ﴾ ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه

стр. 453

إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ فنعم شيأ ابداؤها وما نكرة غير موصلة ولا موصوفة والمخصوص بالمدح هي فنعما هي بكسر النون وإسكان العين أبو عمرو ومدني غير ورش وبفتح النون وكسر العين شامي وحمزة وعلي وبكسر النون والعين غيرهم ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء﴾ وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فالإخفاء خير لكم قولوا المراد صدقات التطوع والجهر في الفرائض أفضل لنفى التهمة حتى إذا كان المزكى من لا يعرف باليسار كان إخفاؤه أفضل والمتطوع إن أراد أن يفتدى به كان إظهاره أفضل ﴿ونكفر﴾ بالنون وجزم الراء مدنى وحمزة وعلى وبالياء ورفع الراء شامي وحفص وبالنون والرفع غيرهم فمن جزم فقد عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط ومن رفع فعلى الاستئناف والياء على معنى يكفر الله ﴿عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ﴾ والنون على معنى نحن نكفر ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الإبداء والإخفاء ﴿خبير﴾ عالم

стр. 454

لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب ﴿ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء﴾ أو ليس عليك التوفيق على الهدى أو خلق الهدى وإنما ذلك إلى الله ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ من مال ﴿فَلأَِنفُسِكُمْ﴾ فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله﴾ وليست نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله أي رضا الله ولطلب ما عنده فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله أو هذا نفي معناه النهي أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ ثوابه أضعافاً مضاعفة فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها ﴿وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ ولا تنقصون كقوله ولم تظلم منه شيأ أي لم تنقص

стр. 455

لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الجار في لِلْفُقَرَاء متعلق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هذه الصدقات للفقراء ﴿الذين أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله﴾ هم الذين أحصرهم الجهاد فمنعهم من التصرف ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لاشتغالهم به ﴿ضَرْبًا فِى الأرض﴾ للكسب وقيل هم أصحاب الصفة وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم تكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار وكانوا يخرجون في كل

стр. 456

سرية بعثها رسول الله ﷺ فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى ﴿يحسبهم الجاهل﴾ بحالهم بحسبهم وبابه شامي ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة والباقون بكسر السين ﴿أَغْنِيَاء مِنَ التعفف﴾ مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة ﴿تَعْرِفُهُم بسيماهم﴾ من صفرة الوجوه ورثاثة الحال ﴿لاَ يسألون الناس إِلْحَافًا﴾ إلحاحاً قيل هو نفي السؤال والإلحاح جميعاً كقوله على لا حب لا يهتدي بمناره يريد نفي المنار والاهتداء به والإلحاح هو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشئ يعطاه وفى الحديث إن الله يحب الحيى الحليم المتعفف ويبغض البذي السآل الملحف وقيل معناه أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ لا يضيع عنده

стр. 457

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سِرّا وَعَلاَنِيَةً﴾ هما حالان أي مسرين ومعلنين يعنى يعممون الاولقات والاحوال بالصدقة لحصرهم على الخير فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال وقيل نزلت في أبي بكر الصديق رضى الله عنه حيث تصدق بأربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار وعشرة في السر وعشرة في العلانية أو فى على رضى الله عنه لم يملمك إلا أربعة دراهم تصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم

стр. 458

سراً وبدرهم علانية ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾

стр. 459

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) ﴿الذين يَأْكُلُونَ الربا﴾ هو فضل مال خال عن العوض في معاوضة مال بمال وكتب الربوا بالواو على لغة من يفخم كماكتبت الصلوة والزكوة وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع ﴿لاَ يَقُومُونَ﴾ إذا بعثوا من قبورهم ﴿إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان﴾ أي المصروع لأنه تخبط فى المعاملة فجوزى البقرة (٢٧٥ _ ٢٧٨) على المقابلة والخبط الضرب على غير استواء كحبط العشواء ﴿مِنَ المس﴾ من الجنون وهو يتعلق بلا يقومون أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع أو بيقوم أي كما يقوم المصروع من جنونه والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون الاأكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض ﴿ذلك﴾ العقاب ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا﴾ ولم يقل إنما الربا مثل البيع مع أن الكلام في الربا لا في البيع لأنه جيء به على طريقة المبالغة وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع ﴿وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا﴾ إنكار لتسويتهم بينهما إذ الحل مع الحرمة ضدان فأنى يتماثلان ودلالة على أن القياس يهدمه النص لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه ﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ﴾ فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا ﴿فانتهى﴾ فتبع

стр. 460

النهي وامتنع ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى الله﴾ يحكم في شأنه يوم القيامة وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى استحلال الربا عن الزجاج أو إلى الربا مستحلاً ﴿فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون﴾ لأنهم بالاستحلال صاروا كافرين لأن من أحل ما حرم الله فهو كافر فإذا استحق الخلود بهذا تبين أنه لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق
следующие страницы →