Полный текст (7 814 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)
﴿هَلْ أُنَبّئُكُمْ﴾ أي هل أخبركم أيها المشركون على مَن تَنَزَّلُ الشياطين ثم نبأ فقال
стр. 4167
تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)
﴿تَنَزَّلُ على كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ مرتكب للآثام وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح وطليحة ومسيلمة ومحمد ﷺ يشتم الأفاكين ويذمهم فكيف تنزل الشياطين عليه
стр. 4168
يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)
﴿يُلْقُونَ السمع﴾ هم الشياطين كانوا قبل أن يحجبوا بالرجم يستمعون إلى الملأ الأعلى فيحفظون بعض ما يتكلمون به مما اطلعوا عليه من الغيوب ثم يوحون به إلى أوليائهم ويلقون حال أي تنزل ملقين السمع أو صفة لكل أفاك لأنه في معنى الجمع فيكون في محل الجزاء
стр. 4169
أو استئناف فلا يكون له محل كأنه قيل لم تنزل على الااكين فقيل يفعلون كيت وكيت ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كاذبون﴾ فيما يوحون به إليهم لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا وقيل يلقون إلى أوليائهم السمع أي المسموع من الملائكة وقيل الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين ويتلقون وحيهم إليهم أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس وأكثر الافاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم والأفاك الذي يكثر الإفك ولا يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني وأكثرهم مفتر عليه وعن الحسن وكلهم وإنما فرق بين وإنه لتنزيل رب العالمين وما تنزلت به الشياطين هل أنبئكم على من تنزل الشياطين وهن أخوات لأنه إذا فرق بينهن بآيات ليست منهن ثم رجع إليهن مرة بعد مرة دل ذلك على شدة العناية بهن كما إذا حدثت حديثاً وفي صدرك اهتمام بشيء فتعيد ذكره ولا تنفك عن الرجوع إليه ونزل فيمن كان يقول الشعر ويقول نحن نقول كما يقول محمد ﷺ واتبعهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم
стр. 4170
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)
﴿والشعراء﴾ مبتدأ خبره ﴿يَتَّبِعُهُمُ الغاوون﴾ أي لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وتمزيق الأعراض والقدح في الانسان ومدح من لا يستحق المدح ولا يستحسن ذلك منهم إلا
الشعراء (٢٢٧ - ٢٢٥)
الغاوون أي السفهاء أو الراوون أو الشياطين أو المشركون قال الزجاج إذا مدح أو هجا شاعر بما لا يكون وأحب ذلك قوم وتابعوه فهم الغاوون يتبعهم نافع
стр. 4171
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ﴾ من الكلام ﴿يَهِيمُونَ﴾ خبر أن أي في كل فن من الكذب يتحدثون أو في كل لغو وباطل يخوضون والهائم الذاهب على وجه لا مقصد له وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة وأبخلهم على حاتم عن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله ...
стр. 4172
فبتن بجانبيّ مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام ...
فقال وجب عليك الحد فقال قد درأ الله عني الحد بقوله
стр. 4173
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)
﴿وأنهم يقولون ما لا يَفْعَلُونَ﴾ حيث وصفهم بالكذب والخلف في الوعد ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين بقوله
стр. 4174
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)
﴿إلا الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ كعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير وكعب بن مالك ﵃ ﴿وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً﴾ أي كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر وإذا قالوا شعراً قالوه في توحيد الله تعالى والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد والأدب ومدح رسول الله والصحابة وصلحاء الأمة ونحو ذلك مما ليس فيه ذنب وقال أبو يزيد الذكر الكثير ليس بالعدد والغفلة لكنه بالحضور ﴿وانتصروا﴾ وهجوا من بعد ما ظَلَمُواْ هجوا أي ردوا هجاء من هجا رسول الله ﷺ والمسلمين وأحق الخلق بالهجاء من كذب رسول الله ﷺ وهجاه وعن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ قال له اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل وكان يقول لحسان وقل وروح القدس معك ختم السورة بما يقطع أكباد المتدبرين وهو قوله ﴿وَسَيَعْلَمْ﴾ وما فيه من الوعيد البليغ وقوله ﴿الذين ظلموا﴾ واطلافه وقوله ﴿أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ وإبهامه وقد تلاها أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنه حين عهد إليه وكان السلف يتواعظو بها قال ابن عطاء سيعلم المعرض عنا ما الذي فاته منا وأي منصوب ينقلبون على المصدر لا بيعلم لأن أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها أي يتقلبون أي الانقلاب
стр. 4175
النمل (٥ - ١)
سورة النمل
سورة النمل مكية وهي ثلاث وتسعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4176
طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)
﴿طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين﴾ أي آيات كتاب مبين وتلك إشارة إلى آيات السورة والكتاب المبين اللوح وآياته أنه قد خط فيه كل ما هو كائن فهو يبين للناظرين فيه آياته أو القرآن وآياته إنه يبين ما أودع فيه من العلوم والحكم وعلى هذا عطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى نحو هذا فعل السخي والجواد ونكر الكتاب ليكون أفخم له وقيل إنما نكر الكتاب هنا وعرفه في الحجر وعرف القرآن هنا ونكره ثمّ لأن القرآن والكتاب اسمان علمان للمنزل على محمد ﷺ ووصفان له لأنه يقرأ ويكتب فحيث جاء بلفظ التعريف فهو العلم وحيث جاء بلفظ التنكير فهو الوصف
стр. 4177
هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)
﴿هُدًى وبشرى﴾ في محل النصب على الحال من آيات أي هداية وبشارة فالعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة أو الجر على أنه بدل من كتاب أو صفة له أو الرفع على هي هدى وبشرى أو على البدل من آيات أو على أن يكون خبرا بعد خبر لتلك أي تلك آيات وهادية من الضلالة ومبشرة بالجنة وقيل هدى لجميع الخلق وبشرى ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خاصة
стр. 4178
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)
﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ يديمون على فرائضها وسننها ﴿ويؤتون الزكاة﴾ يؤدون زكاة أموالهم ﴿وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ من جملة صلة الموصول ويحتمل أن تتم الصلة عنده وهو استئناف كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإتياء الزكاة هم الموقنون بالآخرة ويدل عليه أنه عقد جملة اسمية وكرر فيها المبتدأ الذي هو هم حتى صار معناه وما يوقن بالآخرة حتى الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق
стр. 4179
إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)
﴿إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم﴾ يخلق الشهوة حتى رأوا ذلك حسناً كما قال افمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يترددون في ضلالتهم كما يكون حال الضال عن الطريق
стр. 4180
أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)
﴿أُوْلَئِكَ الذين لَهُمْ سُوء العذاب﴾ القتل والأسر يوم بدر بما كان منهم من سوء الأعمال ﴿وَهُمْ فِى الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ أشد الناس خسراناً لأنهم لو آمنوا لكانوا من الشهداء على جميع الأمم
النمل (٩ - ٦)
فخسروا ذلك مع خسران النجاة وثواب الله
стр. 4181
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)
﴿وإنك لتلقى القرآن﴾ لتؤتاه وتلقنه ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ من عند أيّ حكيم وأيّ عليم وهذا معنى تنكيرهما وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته ودقائق علمه
стр. 4182
إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)
﴿إذ﴾ منصوب باذكر كأنه قال على أثر ذلك خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى ﵇ ﴿قَالَ موسى لاِهْلِهِ﴾ لزوجته ومن معه عند مسير ممن مدين إلى مصر ﴿امكثوا إني آنست﴾ أبصرت ﴿نارا سآتيكم مّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عن حال الطريق لأنه كان قد ضله ﴿أو آتيكم بشهابٍ﴾ بالتنوين كوفي أي شعلة مضيئة قَبَسٍ نار مقبوسة بدل أو صفة وغيرهم بشهاب قبس على
стр. 4183
الإضافة لأنه يكون قبساً وغير قبس ولا تدافع بين قوله سآتيكم هنا ولعلي آتيكم في القصص مع أن أحدهما زج والآخر تيقن لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة ومجيئه بسين التسويف عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ أو كانت المسافة بعيدة وبأو لأنه بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجته جميعا لم يعد واحدة منها إما هداية الطريق وإما اقتباس النار ولم يدر أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين وهما عز الدنيا والآخرة واختلاف الألفاظ في هاتين الصورتين والقصة واحدة دليل عن جواز نقل الحديث بالمعنى وجواز النكاح بغير لفظ التزوج ﴿لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون بالنار من البرد الذي أصابكم والطاء بدل من تاء افتعل لأجل الصاد
стр. 4184
فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨)
﴿فَلَمَّا جَاءهَا﴾ أي النار التي أبصرها نُودِىَ موسى ﴿أَن بُورِكَ﴾ مخففة من الثقيلة وتقديره نودى بأن بورك والضمير ضمير الشأن وجاز ذلك من غير عوض وإن منعه الزمخشري لأن قوله بورك دعاء والدعاء يخالف غيره في أحكام كثيرة ومفسرة لأن في النداء معنى القول أي قيل له بورك أي قدس أو جعل فيه البركة والخير ﴿مَن فِى النار وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي بورك من في مكان النار وهم الملائكة ومن حول مكانها أي موسى لحدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله موسى واستنباؤه له وإظهار المعجزات عليه ﴿وسبحان الله رَبّ العالمين﴾ هو من جملة ما نودي فقد نزه ذاته عما لا يليق به من التشبيه وغيره
стр. 4185
يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)
﴿يا موسى إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم﴾ الضمير في أنه للشأن والشأن أنا الله مبتدأ وخبر العزيز الحكيم صفتان للخبر أو يرجع إلى ما دل عليه ماقبله أي إن مكلمك أنا والله بيان لأنا والعزيز الحكيم صفتان للمبين وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يده من المعجزات
стр. 4186
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠)
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ لتعلم معجزتك فتأنس بها وهو عطف على بورك
النمل (١٤ - ١٠)
لأن المعنى نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك كلاهما تفسير لنودى والمعنى قيل له بورك من في النار وقيل له ألق عصاك ويدل عليه ما ذكر في سورة القصص وأن ألق عصاك بعد قوله أن يا موسى إني على تكرير حرف التفسير ﴿فلما رآها تهتز﴾ تتحرك حال من الهاء في رآها ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حية صغيرة حال من الضمير في تهتز ﴿وَلِىُّ﴾ موسى ﴿مُدْبِراً﴾ أدبر عنها وجعلها تلى ظهره خوفا من ثوب الحية عليه ﴿ولم يعقب﴾ ولم يلتفت أو لم يرجع يقال قد عقب فلان إذا رجع يقاتل بعد أن ولى فنودى ﴿يا موسى لاَ تَخَفْ إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون﴾ أي لا يخاف عندي المرسلون حال خطابي اياهم أو لا يخاف لدي المرسلون من غيري
стр. 4187
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)
﴿إَلاَّ مَن ظَلَمَ﴾ أي لكن من ظلم من غيرهم لأن الأنبياء لا يظلمون أو لكن من ظلم منهم من زل من المرسلين فجاء غير ما أذنت له مما يجوز على الأنبياء كما فرط آدم ويونس وداود وسليمان ﵈ ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً﴾ أي أتبع توبة ﴿بَعْدَ سُوء﴾ زلة ﴿فَإِنّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أقبل توبته وأغفر زلته وأرحمه كم فأحقق أمنيته وكأنه تعريض بما قال موسى حين قتل القبطي رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى فَغَفَرَ لَهُ
стр. 4188
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢)
﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ﴾ جيب قميصك وأخرجها ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاء﴾ نيرة تغلب نور الشمس ﴿مِنْ غَيْرِ سُوء﴾ برص وبيضاء ومن غير سوء حالان ﴿في تسع آيات﴾ كلام مستأنف وفي يتعلق بمحذوف أي اذهب في تسع آيات أو وألق عصاك وأدخل يدك في جملة تسع آيات ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ إلى يتعلق بمحذوف أي مرسلاً إلى فرعون
стр. 4189
وقومه ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين﴾ خارجين عن أمر الله كافرين
стр. 4190
فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)
﴿فلما جاءتهم آياتنا﴾ أي معجزاتنا ﴿مُبْصِرَةً﴾ حال أي ظاهرة بينة جعل الإبصار لها وهو في الحقيقة لمتأمليها لملابستهم إياها بالنظر والتفكر فيها أو جعلت كأنها تبصر فتهدي لأن الأعمى لا يقدر على الاهتداء فضلاً أن يهدي غيره ومنه قولهم كلمة عمياء وعوراء لأن الكلمة الحسنة ترشد والسيئة تغوي ﴿قالوا هذا سحر مبين﴾ ظاهر لمن نأمله وقد قوبل بين المبصرة والمبين
стр. 4191
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)
﴿وَجَحَدُواْ بِهَا﴾ قيل الجحود لا يكون إلا من علم من الجاحد وهذا ليس بصحيح لأن الجحود هو الإنكار وقد يكون الإنكار للشيء للجهل به وقد يكون بعد المعرفة تعنتا كذا ذكر في الشرح التأويلات وذكر في الديوان يقال جحد حقه وبحقه بمعنى والواو في ﴿واستيقنتها﴾ للحال وقد بعدها مضمرة والاستيقان أبلغ من الإيقان ﴿أَنفُسِهِمْ﴾
النمل (١٦ - ١٤)
أي جحدوا بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم ﴿ظُلْماً﴾ حال من الضمير في جحدوا وأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات من عند الله ثم سماها سحراً بيناً ﴿وَعُلُوّاً﴾ ترفعاً عن الإيمان بما جاء به موسى ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين﴾ وهو الإغراق هنا والإحراق ثمة
стр. 4192
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)
﴿ولقد آتينا﴾ أعطينا ﴿داود وسليمان علماً﴾ طائفة من العلم أو علماً سنياً غزيراً والمراد علم الدين والحكم ﴿وقالا الحمد لله الذي فضّلنا على كثيرٍ مّن عباده المؤمنين﴾ والآيات حجة لنا على المعتزلة في ترك الأصلح وهنا محذوف ليصح عطف الواو عليه ولولا تقدير المحذوف لكان الوجه الفاء كقولك أعطيته فشكر وتقديره آتيناهما علماً فعملا به وعلماء وعرفا حق النعمة فيه وقالا الحمد لله الذي فضلنا والكثير المفضل عليه من لم يؤت علماً أو من لم يؤت مثل علمهما وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير وفي الآية دليل على شرف العلم وتقدم حملته وأهله وأن نعمة
стр. 4193
العلم من أجلّ النعم وأن من أوتيه فقد أوتي فضلاً على كثير من عباده وما سماهم رسول الله ﷺ ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة لأنهم القوام بما بعثوا من أجله وفيها أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله على ما أتوه وأن يعتقد العالم أنه إن فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم وما أحسن قوله عمر ﵁ كل الناس أفقه من عمر رضي الله عنه
стр. 4194
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)
﴿وورث سليمان داود﴾ ورث من النبوة والملك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر قالوا أوتي النبوة مثل أبيه فكأنه ورثه وإلا فالنبوة لا تورث ﴿وقال يا أيّها النّاس علّمنا منطق الطّير﴾ تشهيراً لنعمة الله تعالى واعترافاً بمكانها ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير والمنطق كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد وكان سليمان ﵇ يفهم منهم كما يفهم بعضها من بعض روي أنه صاحت فاختة فأخبر أنها تقول ليت ذا الخلق لم يخلقوا وصاح طاوس فقال يقول كما تدين تدان وصاح هدهد فقال يقول استغفروا الله يا مذنبين وصاح خطاف فقال يقول قدموا خيراً تجدوه وصاحت رحمة فقال تقول سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه وصاح قمري فأخبر أنه يقول سبحان ربي الأعلى وقال الحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله والقطاة تقول من سكت سلم والديك يقول في البعد من الناس أنس والضفدع يقول سبحان ربي القدوس ﴿وأوتينا من كلّ شيءٍ﴾ المراد به كثرة
стр. 4195
ما أوتي كما تقول فلان يعلم كل شيء ومثله وأوتيت من كل شيء ﴿إنّ هذا لهو الفضل المبين﴾
النمل (١٨ - ١٧)
قوله وارد على سبيل الشكر كقوله أنا سيد ولد آدم ولا فخر أي اقول هذا القول شكرا ولا أقوله فخر أو النون في علمنا وأوتينا نون الواحد المطاع وكان ملكاً مطاعاً فكلم أهل طاعته على الحال التي كان عليها وليس التكبر من لوازم ذلك
стр. 4196
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)
﴿وحشر﴾ وجمع ﴿لسليمان جنوده من الجنّ والإنس والطّير﴾ روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ وعشرون للجن وخمسة وعشرون للإنس وخمسة وعشرون للطير وخمسة وعشرون للوحش وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة منكوحة وسبعمائة سرية قد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وابريسم فرسخاً في فرسخ وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب وفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين وتظله الطير باجنحتها حتى لا يقع كليه حر الشمس وترفع ريح الصبا فتسير به مسيرة شهر ويروى أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله ويأمر الرخاء تسيره فأوحى الله تعالى إليه وهو يسير بين السماء والأرض إني قد زدت في ملكك أن لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك فيحكى أنه مر بحراث فقال لقد أوتى آل دواد ملكاً عظيماً فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحراث وقال إني جئت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه قال لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما أوتي آل داود ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يحبس أولهم على آخرهم أي يوقف سلاف
стр. 4197
العسكر حتى بلحقهم التوالي ليكونوا مجتمعين وذلك للكثرة العظيمة والوزع المنع ومنه قول عثمان ﵁ ما يوزع السلطان أكثر مما يزع القرآن
стр. 4198
حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)
﴿حتى إذا أتوا على وادي النّمل﴾ أي ساروا حتى إذا بلغوا وادي النمل وهو واد بالشام كثير النمل وعدي بعلى لأن اتيانهم كان من فوق فأنى بحرف الاستعلاء ﴿قالت نملةٌ﴾ عرجاء تسمى طاخية أو منذرة وعن قتادة أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوا عما شئتم فسأله ابو حنيفة ﵁ وهو شاب عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم أنثى فافحم فقال أبو حنيفة ﵁ كانت أنثى فقيل له بماذا عرفت فقال بقوله قالت نملة ولو كانت ذكراً لقال قال نملة وذلك أن النملة مثل الحمامة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي ﴿يا أيها النّمل ادخلوا مساكنكم﴾ ولم يقل ادخلن لأنه لما جعلها قائلة والنمل مقولاتهم كما يكون في أولي العقل أجرى خطابهن مجرى خطابهم ﴿لا يحطمنكم﴾ لا يكسر نكم والحطم الكسر وهو نهي مستأنف وهو في الظاهر نهي لسليمان عن الحطم وفي الحقيقة نهي لهن عن البروز والوقوف على طريقة لا أرينك ههنا أي لا تحضر هذا الموضع وقيل هو جواب الأمر وهو ضعيف يدفعه نون التأكيد لأنه من ضرورات الشعر ﴿سليمان وجنوده﴾ قيل أراد يحطمنكم جنود سليمان
النمل (٢١ - ١٩)
فجاء بما هو أبلغ ﴿وهم لا يشعرون﴾ لا يعلمون بمكانكم أي لو شعروا لم يفعلوا قالت ذلك على وجه العذر واصفة سليمان وجنوده بالعدل فسمع سليمان قولها من ثلاثة أميال
стр. 4199
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)
﴿فتبسّم ضاحكاً مّن قولها﴾ متعجباً من حذرها واهتدائها لمصالحها
стр. 4200
ونصيحتها للنمل أو فرحاً لظهور عدله وضاحكا حال مؤكدة لأن تبسم بمعنى ضحك وأكثر ضحك الأنبياء التبسم كذا قاله الزجاج ﴿وقال رب أوزعني﴾ ألهمني وحقيقة كفني عن الأشياء إلا عن شكر نعمتك ﴿أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ﴾ من النبوة والملك والعلم ﴿وعلى والديّ﴾ لأن الإنعام على الوالدين إنعام على الولد ﴿وأن أعمل صالحاً ترضاه﴾ في بقية عمري وأدخلني برحمتك وادخلني الجنة برحمتك لا بصالح عملي إذلا يدخل يدخل الجنة أحد إلا برحمته كما جاء في الحديث ﴿في عبادك الصّالحين﴾ أي في زمرة أنبيائك المرسلين أو مع عبادك الصالحين روي أن النملة أحست بصوت الجنود ولا تعلم أنهم في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرن حتى دخلن مساكنهن ثم دعا بالدعوة
стр. 4201
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠)
﴿وتفقد الطير فقال ما لي﴾ مكي وعلي وعاصم وغيرهم بسكون الياء والتفقد طلب ما غاب عنك ﴿لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين﴾ أم بمعنى بل والمعنى أنه تعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد فقال مالي لا أراه على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غيرذلك ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول بل هو غائب وذكر أن سليمان ﵇ لما حج خرج إلى اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال فنزل ليصلي فلم يجد الماء وكان الهدهد قنّاقنه وكان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة فتستخرج الشياطين الماء فتفقده لذلك وذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عنه فلم يجد عنده
стр. 4202
علمه ثم قال لسيد الطير وهو العقاب عليّ به فارتفع فنظر فإذا هو مقبل فقصده فناشده الله فتركه فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض وقال يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله فارتعد سليمان وعفا عنه
стр. 4203
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)
﴿لأعذّبنّه عذاباً شديداً﴾ بنتف ريشه وإلقائه في الشمس أو بالتفريق بينه وبين ألغه أو بإلزامه خدمة أقرآنه أو بالحبس مع أضداده وعن بعضهم أضيق السجون معاشرة الأضداد أو بإيداعه القفص أو بطرحه بين يدي النمل ليأكله وحل له تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع وإذا سخر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة ﴿أو لأذبحنّه أو ليأتينّي﴾ بالنون الثقيلة ليشاكل قوله لأعذبنه وحذف
النمل (٢٤ - ٢١)
نون العماد للتخفيف ليأتيني بنونين مكي الأولى للتأكيد والثانية للعماد ﴿بسلطانٍ مّبينٍ﴾ بحجة له فيها عذر ظاهر على غيبته والإشكال أنه حلف على أحد ثلاثة أشياء اثنان منها فعله ولا مقال فيه والثالث فعل الهدهد وهو مشكل لأنها من أين درى أنه يأتي بسلطان حتى قال والله ليأتيني بسلطان وجوابه أن معنى كلامه ليكونن أحد الأمور يعني إن كان الإتيان بسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح وإن لم يكن كان أحدهما وليس في هذا ادعاء دراية
стр. 4204
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)
﴿فمكث﴾ الهدهد بعد تفقد سليمان إياه وبضم الكاف غير عاصم وسهل ويعقوب وهما لغتان ﴿غير بعيدٍ﴾ أي مكثاً غير طويل أو غير زمان بعيد كقوله عن قريب ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفاً من سليمان فلما رجع سأله عما لقي في غيبته ﴿فقال أحطت﴾ علمت شيئاً من جميع جهاته ﴿بما لم تحط به﴾ ألهم الله الهدهد
стр. 4205
فكافح سليمان بهذا الكلام مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمة ابتلاء له في علمه وفيه دليل بطلان قوله الرافضة أن الإمام لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه ﴿وجئتك من سبإٍ﴾ غير منصرف أبو عمرو وجعله اسماً للقبيلة أو المدينة وغيره بالتنوين جعله اسماً للحي أو الأب الأكبر ﴿بنبإٍ يقينٍ﴾ النبأ الخبر الذي له شأن وقوله من سبأ بنبإٍ من محاسن الكلام ويسمى البديع وقد حسن وبدع لفظا ومعنى ههنا ألا ترى أنه لو وضع مكان بنبإ بخبر لكان المعنى صحيحاً وهو كما جاء أصح لما في النبإ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال
следующие страницы →