Полный текст (7 814 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
سرية بعثها رسول الله ﷺ فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى ﴿يحسبهم الجاهل﴾ بحالهم بحسبهم وبابه شامي ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة والباقون بكسر السين ﴿أَغْنِيَاء مِنَ التعفف﴾ مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة ﴿تَعْرِفُهُم بسيماهم﴾ من صفرة الوجوه ورثاثة الحال ﴿لاَ يسألون الناس إِلْحَافًا﴾ إلحاحاً قيل هو نفي السؤال والإلحاح جميعاً كقوله على لا حب لا يهتدي بمناره يريد نفي المنار والاهتداء به والإلحاح هو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشئ يعطاه وفى الحديث إن الله يحب الحيى الحليم المتعفف ويبغض البذي السآل الملحف وقيل معناه أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ لا يضيع عنده
стр. 457
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)
﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سِرّا وَعَلاَنِيَةً﴾ هما حالان أي مسرين ومعلنين يعنى يعممون الاولقات والاحوال بالصدقة لحصرهم على الخير فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال وقيل نزلت في أبي بكر الصديق رضى الله عنه حيث تصدق بأربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار وعشرة في السر وعشرة في العلانية أو فى على رضى الله عنه لم يملمك إلا أربعة دراهم تصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم
стр. 458
سراً وبدرهم علانية ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾
стр. 459
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)
﴿الذين يَأْكُلُونَ الربا﴾ هو فضل مال خال عن العوض في معاوضة مال بمال وكتب الربوا بالواو على لغة من يفخم كماكتبت الصلوة والزكوة وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع ﴿لاَ يَقُومُونَ﴾ إذا بعثوا من قبورهم ﴿إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان﴾ أي المصروع لأنه تخبط فى المعاملة فجوزى
البقرة (٢٧٥ _ ٢٧٨)
على المقابلة والخبط الضرب على غير استواء كحبط العشواء ﴿مِنَ المس﴾ من الجنون وهو يتعلق بلا يقومون أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع أو بيقوم أي كما يقوم المصروع من جنونه والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون الاأكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض ﴿ذلك﴾ العقاب ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا﴾ ولم يقل إنما الربا مثل البيع مع أن الكلام في الربا لا في البيع لأنه جيء به على طريقة المبالغة وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع ﴿وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا﴾ إنكار لتسويتهم بينهما إذ الحل مع الحرمة ضدان فأنى يتماثلان ودلالة على أن القياس يهدمه النص لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه ﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ﴾ فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا ﴿فانتهى﴾ فتبع
стр. 460
النهي وامتنع ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى الله﴾ يحكم في شأنه يوم القيامة وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى استحلال الربا عن الزجاج أو إلى الربا مستحلاً ﴿فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون﴾ لأنهم بالاستحلال صاروا كافرين لأن من أحل ما حرم الله فهو كافر فإذا استحق الخلود بهذا تبين أنه لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق
стр. 461
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)
﴿يَمْحَقُ الله الربا﴾ يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه ﴿وَيُرْبِى الصدقات﴾ ينميها ويزيدها أي يزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه وفي الحديث ما نقصت زكاة من مال قط ﴿والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ عظيم الكفر باستحلال الربا ﴿أَثِيمٍ﴾ متمادٍ فى الاثم بأكله
стр. 462
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)
﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قيل المراد به الذين آمنوا بتحريم الربا
стр. 463
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا﴾ أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها روى أنها
البقرة (٢٧٨ _ ٢٨٢)
نزلت في ثقيف وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ كاملي الإيمان فإن دليل كماله امتثال المأمور به
стр. 464
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)
﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله ورسوله﴾ فاعلموا بها من أذن بالشئ إذا علم يؤيده قراءة الحسن فأيقنوا فآذنوا حمزة وأبو بكر غير ابن غالب فأعلموا بها غيركم ولم يقل بحرب الله ورسوله لأن هذا أبلغ لأن المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ورسوله وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله ﴿وَإِن تُبتُمْ﴾ من الارتباء ﴿فلكم رؤوس أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ﴾ المديونين بطلب الزيادة عليها ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ بالنقصان منها
стр. 465
وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)
﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة ذو إعسار ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ فالحكم أو فالأمر نظرة أي إنظار ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ يسار ميسرة نافع وهما لغتان ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ﴾ بالتخفيف عاصم أى تتصدقوا برؤس أموالكم أو ببعضها على من أعسر من غرمائكم وبالتشديد غيره فالتخفيف على حذف إحدى التاءين والتشديد على الإدغام ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ في القيامة وقيل أريد بالتصدق الإنظار لقوله ﵇ لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه خير لكم فتعملوا به جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه
стр. 466
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)
﴿واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ ترجعون أبو عمرو فرجع لازم ومتعدٍ قيل هي آخر آية نزل بها جبريل ﵇ وقال ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقر وعاش رسول الله ﷺ بعدها أحداً وعشرين يوماً أو أحداً وثمانين أو سبعة أيام أو ثلاث ساعات ﴿ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا
стр. 467
كَسَبَتْ﴾ أي جزاء ما كسبت ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ بنقصان الحسنات وزيادة السيآت
стр. 468
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)
﴿يا أيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ أي إذا داين بعضكم بعضاً يقال داينت الرجل إذا عاملته بدين معطياً أو آخذاً ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ مدة معلومة كالحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج ووإنما احتيج إلى ذكر الدين ولم يقل إذا تداينتم إلى اجل مسمى ليترجع الضمير إليه في قوله ﴿فاكتبوه﴾ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال وإنما أمر بكتابة الدين لأن ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود والمعنى إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه والأمر
البقرة (٢٨٢)
للندب وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن المراد به السلم وقال لما حرم الله الربا أباح السلف المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه أطول آية وفيه دليل على اشتراط الأجل في السلم ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم﴾ بين المتداينين ﴿كاتب بالعدل﴾ هو متعلق بكاتب صفة له أي كاتب مأمون على ما يكتب يكتب بالاحتياط لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص وفيه دليل أن يكون الكاتب فقيهاً عالماً بالشروط حتى يجئ مكتوبه معدلا بالشرع وهو أمر للمتدينين بتخير الكاتب وألا يستكتبوا إلا فقيهاً ديناً حتى يكتب ما هو متفق عليه ﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ ولا يمتنع واحد من الكتاب ﴿أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله﴾ مثل ما علمه الله كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير وكما متعلق بأن يكتب ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ تلك الكتابة لا يعدل عنها ﴿وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق﴾ ولا يكن المملي إلا من وجب عليه
стр. 469
الحق لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به فيكون ذلك إقراراً على نفسه بلسانه والإملال والإملاء لغتان ﴿وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ﴾ وليتق الله الذي عليه الدين ربه فلا يمتنع عن الإملاء فيكون جحوداً لكل حقه ﴿وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئاً في الإملاء فيكون جحوداً لبعض حقه ﴿فَإن كَانَ الذى عَلَيْهِ الحق سَفِيهًا﴾ أي مجنوناً لأن السفه خفة في العقل أو محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ صبياً ﴿أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ لعي به أو خرس أو جهل باللغة ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ الذي يلي أمره ويقوم به ﴿بالعدل﴾ بالصدق والحق ﴿واستشهدوا شَهِيدَيْنِ﴾ واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين ﴿مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ من رجال المؤمنين والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام وشهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة عندنا ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا﴾ فإن لم يكن الشهيدان ﴿رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان﴾ فليشهد رجل وامرأتان وشهادة الرجال مع النساء تقبل فيما عدا الحدود والقصاص ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهداء﴾ ممن تعرفون عدالتهم وفيه دليل على أن غير المرضي شاهد ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى﴾ لأجل أن تنسى إحداهما الشهادة فتذكرها الأخرى إن تضل إحداهما على الشرط فتذكر بالرفع والتشديد حمزة كقوله وَمَنْ عاد فينتقم الله منه
البقرة (٢٨٢)
فَتُذْكِر بالنصب مكي وبصري من الذّكرُ لا من الذَّكر ﴿وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ﴾ لأداء الشهادة أو للتحمل لئلا تتوى حقوقهم وسماهم شهداء قبل التحمل تنزيلاً لما يشارف منزلة الكائن فالأوّل للفرض والثاني للندب ﴿ولا تسأموا﴾ ولا تملوا قال الشاعر ...
стр. 470
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم ...
والضمير في ﴿أَن تَكْتُبُوهُ﴾ للدين أو الحق ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾ على أي حال كان الحق من صغر أو كبر وفيه دلالة جواز السلم في الثياب لأن ما يكال أو يوزن لا يقال فيه الصغير والكبير وإنما يقال في الذرعي ويجوز أن يكون الضمير للكتاب وأن يكتبوه مختصرا أو مشبعا ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾ إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته ﴿ذلكم﴾ إشارة إلى أن تكتبوه لأنه في معنى المصدر أي ذلك الكتب ﴿أَقْسَطُ﴾ أعدل من القسط وهو العدل ﴿عَندَ الله﴾ ظرف لا قسط ﴿وَأَقْوَمُ للشهادة﴾ وأعون على إقامة الشهادة وبنى أفعلا التفضيل أى أقسط وأقوم من اقسط وأقام على مذهب سيبويه ﴿وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ﴾ وأقرب من انتفاء الريب للشاهد والحاكم وصاحب الحق فإنه قد يقع الشك في المقدار والصفات وإذا رجعوا إلى المكتوب زال ذلك وألف أدنى منقلبة من واو لأنه من الدنو ﴿إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً﴾ عاصم أي إلا أن تكون التجارة تجارة أو إلا أن تكون المعاملة تجارة حاضرة غيره تجارة حاضرة على كان التامة أي إلا أن تقع تجارة حاضرة أو هي ناقصة والاسم تجارة حاضرة والخير ﴿تديرونها﴾ وقوله ﴿بينكم﴾ ظرف لتديرونها ومعنى إدارتها بينهم تعاطيها يداً بيد ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾ يعني إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد فلا بأس ألا تكتبوها لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين ﴿وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ أمر بالإشهاد على التبايع مطلقاً ناجزاً أو كالئاً لأنه أحوط وأبعد من وقوع الاختلاف أو أريد به وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعني التجارة الحاضرة على أن الإشهاد كافٍ فيه دون الكتابة والأمر للندب ﴿وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ يحتمل البناء للفاعل لقراءة عمر رضى الله عنه ولا يضارر وللمفعول
стр. 471
لقراءة ابن عباس رضى الله عنهما ولا يضار والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما وعن التحريف والزيادة والنقصان أو النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم ويلزّا أولاً يعطي الكاتب حقه من الجعل أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ﴾ وإن تضاروا ﴿فإنه﴾ فان
البقرة (٢٨٢ _ ٢٨٤)
الضرار ﴿فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ مأثم ﴿واتقوا الله﴾ في مخالفة أ ﴿وَيُعَلّمُكُمُ الله﴾ شرائع دينه ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يلحقه سهو ولا قصور
стр. 472
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)
﴿وَإِن كُنتُمْ﴾ أيها المتداينون ﴿على سَفَرٍ﴾ مسافرين ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان﴾ فرهان مكي وأبو عمرو أي فالذي يستوثق به رهن وكلاهما جمع رهن كقف وسقف وبغل وبغال ورهن في الأصل مصدر سمي به ثم كسر تكسير الأسماء ولما كان السفر مظنة لا عواز الكتب والإشهاد أمر على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد لأن السفر شرط تجويز الارتهان وقوله ﴿مَّقْبُوضَةٌ﴾ يدل على اشتراط القبض لا كما زعم مالك أن الرهن يصح بالإيجاب والقبول بدون القبض ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين بحسن ظنه به فلم يتوثق بالكتابة والشهود والرهن ﴿فَلْيُؤَدِّ الذى اؤتمن أمانته﴾ دينه وائتمن افتعل من الأمن وهو حث للمدين على أن يكون عند ظن الدائن وأمنه منه وائتمانه له وأن يؤدي إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه وسمي الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك الارتهان منه ﴿وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ﴾ في إنكار حقه
стр. 473
﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة﴾ هذا خطاب للشهود ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ ارتفع قلبه بآثم على الفاعلية كأنه قيل فإنه يأثم قلبه أو بالابتداء وآثم خبر مقدم والجملة خبران وإنما أسند إلى القلب وحده والجملة هي الآئمة لا القلب وحده لأن كتمان الشهادة أن يضمرها في القلب ولا يتكلم بها فلما كان إثماً مقترفاً مكتسباً بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ كما تقول هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي ولأن القلب رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله فكأنه قيل فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان منه ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح ألا ترى أن أصل الحسنات والسيآت الإيمان والكفر وهما من أفعال القلوب وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب وعن ابن عباس رضى الله عنهما أكبر الكبائر الإشراك بالله وشهادة الزور وكتمان الشهادة ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من كتمان الشهادة وإظهارها ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليه شيء
стр. 474
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)
﴿لِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض﴾ خلقاً وملكاً ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أو تخفوه﴾
يعني من السوء ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ الله﴾ يكافئكم ويجازيكم ولا تدخل الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه ولكن ما اعتقده وعزم عليه والحاصل أن عزم الكفر كفر وخطرة الذنوب من غير عزم معفوة وعزم الذنوب إذا ندم عليه ورجع عنه واستغفر منه مغفور فأما إذا هم بسيئة وهو ثابت على ذلك إلا أنه منع عنه بمانع ليس باختياره فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله أي بالعزم على الزنا لا يعاقب عقوبة الزنا وهل يعاقب عقوبة عزم الزنا قيل لا لقوله ﵇ إن الله عفى عن أمتي ما حدثت به أنفسها
стр. 475
ما لم تعمل أو تتكلم به والجمهور على أن الحديث في الخطرة دون العزم وأن المؤاخذة في العزم ثابتة وإليه مال الشيخ أبو منصور وشمس الأئمة الحلواني رحمهما الله والدليل عليه قوله تعالى ﴿إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أن تشيع الفاحشة﴾ الآية وعن عائشة ﵂ ما هم العبد بالمعصية من غير عمل يعاقب على ذلك ما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا وفي أكثر التفاسير أنه لما نزلت هذه الآية جزعت الصحابة رضى الله عنهم وقالوا أنؤاخذ بكل ما حدثت به أنفسنا فنزل قوله ﴿آمن الرسول﴾ إلى قوله ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ فتعلق ذلك بالكسب دون العزم وفي بعضها أنها نسخت بهذه الآية والمحققون على أن النسخ يكون في الأحكام لا في الأخبار ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ برفعهما شامي وعاصم أي فهو يغفر ويعذب ويجزمهما غيرهم عطفاً على جواب الشرط وبالإدغام أبو عمرو وكذا في الإشارة والبشارة وقال صاحب الكشاف مدغم الراء فى اللام لاحن مخطئ لأن الراء حرف مكرر فيصير بمنزلة المضاعف ولا يجوز ادغام المضاعف وراوية عن ابى عمرو مخطى مرتين لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس في العربية ما يؤذن بجهل عظيم ﴿والله على كُلِّ شَىْءٍ﴾ من المغفرة والتعذيب وغيرهما ﴿قدير﴾ قادر
стр. 476
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)
﴿آمن الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون﴾ إن عطف المؤمنون على الرسول كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في ﴿كُلٌّ﴾ راجعاً إلى الرسول والمؤمنون أى كلهم ﴿آمن بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ووقف عليه وإن كان مبتدأ كان عليه كل مبتدأ ثانياً والتقدير كل منهم وآمن خبر المبتدأ
стр. 477
الثاني والجملة خبر الأول وكان الضمير للمؤمنين ووحد ضمير كل من آمن على معنى كل واحد منهم آمن وكتابه حمزة وعلي يعني القرآن أو الجنس ﴿لاَ نُفَرِّقُ﴾ أي يقولون لا نفرق بل نؤمن بالكل ﴿بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ أحد في بمعنى الجمع ولذا دخل عليه بين وهو لا يدخل إلا على اسم يدل على أكثر
البقرة (٢٨٥ _ ٢٨٦)
من واحد تقول المال بين القوم ولا تقول المال بين زيد ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا﴾ أجبنا قولك ﴿أطعنا﴾ أمرك ﴿غُفْرَانَكَ﴾ أي اغفر لنا غفرانك فهو منصوب بفعل مضمر ﴿رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير﴾ المرجع وفيه إقرار بالبعث والجزاء والآية تدل على بطلان الاستثناء في الإيمان وعلى بقاء الإيمان لمرتكب الكبائر
стр. 478
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)
﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا﴾ محكي عنهم أو مستأنف ﴿إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ إلا طاقتها وقدرتها لأن التكليف لا يرد إلا بفعل يقدر عليه المكلف كذا في شرح التأويلات وقال صاحب الكشاف الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى غاية الطاقة والمجهود فقد كان في طاقة الإنسان أن يصلي أكثر من الخمس ويصوم أكثر من الشهر ويحج أكثر من حجة ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾ ينفعها ما كسبت من خير ويضرها ما اكتسبت من شر وخص الخير بالكسب والشر بالاكتساب لأن الافتعال للانكماش والنفس تنكمش في الشر وتتكلف للخير ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا﴾ تركنا أمراً من أوامرك سهواً ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ودل هذا على جواز المؤاخذة فى النسيان والخطأ خلافا للمعتزلة لا مكان التحرز عنهما في الجملة ولولا جواز المؤاخذة بهما لم يكن للسؤال معنى ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ عبأ يأصر حامله أي يحبسه مكانه لثقله استعير للتكليف الشاق من نحو قتل الأنفس وقطع
стр. 479
موضع النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا﴾ كاليهود ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ من العقوبات النازلة بمن قبلنا ﴿واعف عنا﴾ امح سيآتنا ﴿واغفر لنا﴾ واسترد ذنوبنا وليس بتكرار فالأول للكبائر والثاني للصغائر ﴿وارحمنا﴾ بتثقيل ميزاننا مع افلاسنا أو الأول من المسخ والثاني من الخسف والثالث من الغرق ﴿أَنتَ مولانا﴾ سيدنا ونحن عبيدك أو ناصرنا أو متولي أمورنا ﴿فانصرنا عَلَى القوم الكافرين﴾ فمن حق المولى أن ينصر عبيده في الحديث من قرأ آمن الرسول إلى آخره في ليلة كفتاه وفيه من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل ويجوز أن يقال قرأت سورة البقرة أو قرأت البقرة لما روى عن على رضى الله عنه خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش وقال بعضهم يكره ذلك بل يقال قرأت السورة التي تذكر فيها البقرة والله أعلم
стр. 480
آل عمران (١ _ ٦)
سورة آل عمران نزلت بالمدينة وهى مائتا آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 481
الم (١)
﴿الم الله﴾ حركت الميم لالتقاء الساكنين أعني سكونها وسكون لام الله وفتحت لخفة الفتحة ولم تكسر للياء وكسر الميم قبلها تحامياً عن توالي الكسرات وليس فتح الميم لسكونها وسكون ياء قبلها إذ لو كان كذلك لوجب فتحها في حم ولا يصح أن يقال إن فتح الميم هو فتحة همزة الله نقلت إلى الميم لأن تلك الهمزة همزة وصل تسقط في الدرج وتسقط معها حركتها ولو جاز نقل حركتها لجاز إثباتها وإثباتها غير جائز وأسكن يزيد والأعشى الميم وقطعا الألف والباقون بوصل الألف وفتح الميم
стр. 482
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)
والله مبتدأ ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ خبره وخبر لا مضمر التقدير لا إله في الوجود إلا هو وهو في موضع الرفع بدل من موضع لا واسمه ﴿الحي القيوم﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو الحى أو بدل من هو والقيوم فيعول من قام وهو القائم بالقسط والقائم على كل نفس بما كسبت
стр. 483
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)
﴿نَزَّلَ﴾ أي هو نزل ﴿عَلَيْكَ الكتاب﴾ القرآن ﴿بالحق﴾ حال أي نزله حقاً ثابتاً ﴿مُصَدِّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لما قبله ﴿وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل﴾ هما اسمان
стр. 484
أعجميان وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنهما بتفعلة وافعيل إنما يصح بعد كونهما عربيين وإنما قيل نزل الكتاب وأنزل التوراة والإنجيل لأن القرآن نزل منجماً ونزل الكتابان جملة
стр. 485
مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)
﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبل القرآن ﴿هُدًى لّلنَّاسِ﴾ لقوم موسى وعيسى أو لجميع الناس ﴿وَأَنزَلَ الفرقان﴾ أي جنس الكتب لأن الكل يفرق بين الحق والباطل أو الزبور أو كرر ذكره القرآن بما هو نعت له تفخيماً لشأنه ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأيات الله﴾ من كتبه المنزلة وغيرها ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والله عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾ ذو عقوبة شديدة لا يقدر على مثلها منتقم
стр. 486
إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)
﴿إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء﴾ أي في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض أي هو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن وهو مجازيهم عليه
стр. 487
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)
﴿هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من الصور
آل عمران (٦ _ ٧)
المختلفة ﴿لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز﴾ في سلطانه ﴿الحكيم﴾ في تدبيره روي أنه لما قدم وفد بني نجران وهم ستون راكباً أميرهم العاقب وعمدتهم السيد وأسقفهم وحبرهم أبو حارثة خاصموا في أن عيسى إن لم يكن ولداً لله فمن أبوه فقال ﵇ ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه قالوا بلى قال ألم تعلموا أن الله تعالى حي لا يموت وعيسى يموت وأن ربنا قيم على العباد يحفظهم ويرزقهم وعيسى لا يقدر على ذلك وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وعيسى لا يعلم إلا ما علم وإنه صور عيسى في الرحم كيف شاء فحملته أمه ووضعته وأرضعته وكان يأكل ويحدث وربنا منزه عن ذلك كله فانقطعوا فنزل فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية
стр. 488
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)
﴿هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب﴾ القرآن ﴿مِنْهُ﴾ من الكتاب ﴿آيات محكمات﴾ أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه ﴿هُنَّ أُمُّ الكتاب﴾ أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها وترد إليها ﴿وَأُخَّرُ﴾ وآيات أخر ﴿متشابهات﴾ مشتبهات محتملات مثال ذلك ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ فالاستواء يكون بمعنى الجلوس وبمعنى القدرة والاستيلاء ولا يجوز الأول على الله تعالى بدليل المحكم وهو قوله ﴿ليس كمثله شيء﴾ أو المحكم ما أمر الله به في كل كتاب أنزله نحو قوله ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ الآيات ﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه﴾ الآيات والمتشابه ما وراءه أو مالا يحتمل إلا وجهاً واحداً وما احتمل أوجهاً أو ما يعلم تأويله وما لا يعلم تأويله أو الناسخ الذي يعمل به والمنسوخ الذي لا يعمل به وإنما لم يكن كل القرآن محكماً لما في المتشابه من الابتلاء به والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ ميل عن الحق وهم أهل البدع ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تشابه﴾ فيتعلقون بالمشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق ﴿مِنْهُ ابتغاء الفتنة﴾ طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم ﴿وابتغاء تَأْوِيلِهِ﴾ وطلب أن يؤولوه التأويل الذي يشتهونه ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويله إلا الله﴾ أى لا يهتدى أى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله ﴿والراسخون فِي العلم﴾ والذين رسخوا أي ثبتوا فيه وتمكنوا وعضوا فيه بضرس قاطع مستأنف عند الجمهور والوقف عندهم على قوله إلا الله وفسروا المتشابه بما استأثر الله بعلمه وهو مبتدأ عندهم والخبر ﴿يقولون آمنا به﴾ وهو ثناء منه
آل عمران (٧ _ ١١)
تعالى عليهم بالإيمان على
стр. 489
التسليم واعتقاد الحقية بلا تكييف وفائدة إنزال المتشابه الإيمان به واعتقاد حقية ما أراد الله به ومعرفة قصور إفهام البشر عن الوقوف على مالم يجعل لهم إليه سبيلاً ويعضده قراءة أبي ويقول الراسخون وعبد الله إن تأويله إلا عند الله ومنهم من لا يقف عليه ويقول بأن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه ويقولون كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به أي بالمتشابه أو بالكتاب ﴿كُلٌّ﴾ من متشابهه ومحكمه ﴿مِّنْ عِندِ رَبّنَا﴾ من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ وما يتعظ وأصله يتذكر ﴿إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب﴾ أصحاب العقول وهو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل وقيل يقولون حال من الراسخين
стр. 490
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)
﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ لا تملها عن الحق بخلق الميل في القلوب ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ للعمل بالمحكم والتسليم للمتشابه ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ من عندك نعمة بالتوفيق والتثبيت ﴿إِنَّكَ أَنتَ الوهاب﴾ كثير الهبة والآية من مقول الراسخين ويحتمل الاستئناف أي قولوها وكذلك التي بعدها وهي
стр. 491
رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ﴾ أي تجمعهم لحساب يوم ولجزاء يوم ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك في وقوعه ﴿إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد﴾ الموعد والمعنى أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك إن الجواد لا يخيب سائله أي لا يخلف ما وعد المسلمين والكافرين من الثواب والعقاب
стр. 492
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ برسول الله ﴿لَن تُغْنِيَ﴾ تنفع أو تدفع ﴿عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله﴾ من عذابه ﴿شَيْئاً﴾ من الأشياء ﴿وأولئك هم وقود النار﴾ حطبها
стр. 493
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)
﴿كدأب آل فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ الدأب مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله والكاف مرفوع المحل تقديره دأب هؤلاء الكفرة في تكذيب الحق كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم أو منصوب المحل بلن تغنى أى لن تغنى عنهم مثل مالم تغن عن أولئك كداب بلا همز حيث كان أبو عمرو ﴿كذبوا بآياتنا﴾ تفسير لدأبهم مما فعلوا أو فعل بهم على أنه جواب سؤال مقدر من حالهم ويجوز أن يكون حالاً أي قد كذبوا ﴿فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ﴾ بسبب ذنوبهم يقال أخذته بكذا أى جازيته عليه
آل عمران (١١ _ ١٤)
﴿والله شَدِيدُ العقاب﴾ شديد عقابه فالإضافة غير محضة
стр. 494
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)
﴿قل للذين كفروا﴾ هم مشكرو مكة ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ يوم بدر ﴿وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾ من الجهنام وهى بئر عميقة بالياء فيها حمزة وعلي ﴿وَبِئْسَ المهاد﴾ المستقر جهنم
стр. 495
قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)
﴿قد كان لكم آية﴾ الخطاب لمشركي قريش ﴿فِي فِئَتَيْنِ التقتا﴾ يوم بدر ﴿فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله﴾ وهم المؤمنون ﴿وأخرى﴾ وفئة أخرى ﴿كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ﴾ يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين ألفين أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم ترونهم نافع أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة أو مثلي أنفسهم ولا يناقض هذا ما قال في سورة الأنفال وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لأنهم قللوا أولا فى
следующие страницы →