← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد﴾ أي وعد العذاب ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ أن العذاب نازل بالمكذب

стр. 4272

قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) ﴿قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذي تستعجلون﴾ استعجلوا العذاب الموعود وقيل لهم عسى أن يكون ردفكم بعضه وهو عذاب يوم بدر فزيدت اللام للتأكيد كالباء في ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو دنالكم وأزف لكم ومعناه تبعكم ولحقكم وعسى ولعل وسوف في وعد الملوك ووعيدهم يدل على صدق الأمر وجده فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده

стр. 4273

وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ﴾ أي إفضال ﴿عَلَى الناس﴾ بترك المعاجلة بالعذاب ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ أي أكثرهم لا يعرفون حق النعمة فيه ولا يشكرونه فيستعجلون العذاب بجهلهم

стр. 4274

وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) ﴿وإن ربك ليعلم ما تكن﴾ تخفي النمل (٨١ - ٧٤) ﴿صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يظهرون من القول فليس تأخير العذاب عنهم لخفاء حالهم ولكن له وقت مقدر أو أنه يعلم ما يخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله ﷺ ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك بما يستحقونه وقريء تكنّ يقال كننت الشيء وأكننته إذا

стр. 4275

سترته وأخفيته

стр. 4276

وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥) ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِى السماء والأرض إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ﴾ سمى الشيء الذي يغيب ويخفي غائبة وخافية والتاء فيمها كالتاء في العاقبة ونظائرهما الرمية والذبيحة والنطيحة في أنها أسماء غير صفات ويجوز أن يكونا صفتين وتاؤهما للمبالغة كالرواية كأنه قال وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وقد علمه الله وأحاط به وأثبته في اللوح المحفوظ والمبين الظاهر البيّن لمن ينظر فيه من الملائكة

стр. 4277

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) ﴿إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل﴾ أي يبين لهم ﴿أَكْثَرَ الذى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فإنهم اختلفوا في المسيح فتحزبوا فيه أحزاباً ووقع بينهم التناكر في أشياء كثيرة حتى لعن بعضهم بعضاً وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه لو أنصفوا وأخذوا به وأسلموا يريد اليهود والنصارى

стр. 4278

وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن القرآن ﴿لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤمِنِينَ﴾ لمن أنصف منهم وآمن أي من بني إسرائيل أو منهم ومن غيرهم

стр. 4279

إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) ﴿إِن رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم﴾ بين من آمن بالقرآن ومن كفر به ﴿بِحُكْمِهِ﴾ بعدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً أو بحكمته ويدل عليه قراءة من قرأ بحكمه جمع حكمة ﴿وَهُوَ العزيز﴾ فلا يرد قضاؤه ﴿العليم﴾ بمن يقضي له وبمن يقضي عليه أو العزيز في انتقامه من المبطلين العليم بالفضل بينهم وبين المحقين

стр. 4280

فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ أمره بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين ﴿إِنَّكَ عَلَى الحق المبين﴾ وعلل التوكل بأنه على الحق الأبلج وهو الدين الواضح الذي لا يتعلق به شك وفيه بيان أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بالله وبنصرته

стр. 4281

إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعاء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ وَمَا أَنتَ بِهَادِى العمى عَن ضلالتهم﴾ لما كانوا لا يعون ما يسمعون ولا به ينتفعون شبهوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس وبالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون وبالعمي حيث يضلون الطريق ولا يقدر أحدا أن ينزع ذلك عنهم ويجعلهم هداة بصراء الى الله تعالى ثم أكد حال الصم بقوله إذا ولوا مدبرين لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبراً كان أبعد عن إدراك صوته ولا يسمع الصُّمُّ مكي وكذا في الروم وَمَا أَنتَ تَهْدِى العمى وكذا في الروم حمزة ﴿إِنْ تُسْمعُ إِلاَّ من يؤمن بآياتنا﴾ أي ما يجدي النمل (٨٦ - ٨١) إسماعك إلا على الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته أي يصدقون بها ﴿فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾ مخلصون من قوله بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله يعني جعله سالماً لله خالصاً له

стр. 4282

وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢) ﴿وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم﴾ سمى معنى القول مؤداه بالقول وهو ما وعدوا من قيام الساعة والعذاب وقوعه حصوله والمراد مشارفة الساعة وظهور أشراطها وحين لا تنفع التوبة ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مّنَ الأرض تُكَلّمُهُمْ﴾ هي الجساسة في الحديث طولها ستون ذراعاً لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب ولها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان وقيل لها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن إبل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هرة وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية فتقول ﴿أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾ أي لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات وتقول ألا لعنة

стр. 4283

الله على الظالمين أو تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام أو بأن هذا مؤمن وأن هذا كافر وفتح أن كوفي وسهل على حذف الجار أي تكلمهم بأن وغيرهم كسروا لأن الكلام بمعنى القول أو بإضمار القول أي تقول الدابة ذلك ويكون المعنى بآيات ربنا أو حكاية لقول الله تعالى عند ذلك ثم ذكر قيام الساعة فقال

стр. 4284

وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾ من للتبعيض أي واذكر يوم نجمع من كل أمة من الأمم زمرة ﴿مّمَّن يُكَذّبُ﴾ من للتبيين ﴿بآياتنا﴾ المنزلة على أنبيائنا ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يحبس أولهم في آخرهم حتى يجتمعوا ثم يساقون إلى موضع الحساب وهذه عبارة عن كثرة العدد وكذا الفوج عبارة عن الجماعة الكثيرة

стр. 4285

حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) ﴿حتى إذا جاؤوا﴾ حضروا موقف الحساب والسؤال ﴿قَالَ﴾ لهم تعالى تهديداً ﴿أكذبتم بآياتي﴾ المنزلة على رسلي ﴿وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً﴾ الواو للحال كأنه قال أكذبتم بآياتي بادىء الرأي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها وأنها حقيقة بالتصديق أو بالتكذيب ﴿أم ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حيث لم تتفكروا فيها فإنكم لم تخلقوا عبثاً

стр. 4286

وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) ﴿وَوَقَعَ القول عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ ينطقون﴾ أي يغشاهم العذاب الموعد بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار كقوله هذا يَوْمُ لاَ ينطقون

стр. 4287

أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) ﴿ألم يروا أنا جعلنا الليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً﴾ حال جعل الإبصار للنهار وهو لأهله والتقابل مراعى من حيث المعنى لأن معنى مبصراً

стр. 4288

ليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب ﴿إِنَّ فِى ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾ النمل (٩٠ - ٨٧) يصدقون فيعتبرون وفيه دليل على صحة البعث لأن معناه ألم يعلموا أنا جعلنا الليل والنهار قواماً لمعاشهم في الدنيا ليعلموا أن ذلك لم يجعل عبثاً بل محنة وابتلاء ولابد عند ذلك من ثواب وعقاب فإذا لم يكونا في هذه الدار فلابد من دار أخرى للثواب والعقاب

стр. 4289

وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) ﴿وَيَوْمَ﴾ واذكر يوم ﴿يُنفَخُ فِى الصور﴾ وهو قرن أو جمع سورة والنافخ إسرافيل ﵇ ﴿فَفَزِعَ مَن فِى السماوات وَمَن فِى الأرض﴾ اختير فزع على يفزع للإشعار بتحقق الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون ﴿إِلاَّ مَن شَاء الله﴾ إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة قالوا لهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ﵈ وقيل الشهداء وقيل الحور وخزنة النار وحملة العرش وعن جابر ﵁ منهم موسى ﵇ لأنه صعق مرة ومثله وَنُفِخَ فِى الصور فصعق من في السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾ حمزة وحفص وخلف اتوه غيرهم وأصله آتيوه ﴿داخرين﴾ حال أي صاغرين ومعنى الإتيان حضورهم الموقف ورجوعهم إلى أمره تعالى وانقيادهم له

стр. 4290

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) ﴿وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا﴾ بفتح السين شامي وحمزة ويزيد وعاصم وبكسرها غيرهم حال من المخاطب ﴿جَامِدَةً﴾ واقفة ممسكة عن الحركة من جمد في مكانه إذا لم يبرح وَهِىَ تَمُرُّ حال من الضمير المنصوب في تحسبها ﴿مَرَّ السحاب﴾ أي مثل مر السحاب زالمعنى أنك إذا رأيت الجبال وقت النفخة ظننتها ثابتة في مكان واحد لعظمها وهي تسير سيراً سريعاً كالسحاب إذا ضربته الريح وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد إذا تحركت لا تكاد تبين حركتها كما قال النابغة في صفة جيش ...

стр. 4291

بأرعن مثل الطود يحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج ... صُنْعَ الله مصدر عمل فيه مادل عليه ممر لأن مرورها كمر السحاب من صنع الله فكأنه قيل صنع الله ذلك صنعاً وذكر اسم الله لأنه لم يذكر قبل ﴿الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء﴾ أي أحكم خلقه ﴿إِنَّهُ خبير بما تفعلون﴾ مكي بصرى غير سهل وأبو بكر غير يحيى وغيرهم بالتاء أي أنه عالم بما يفعل العباد فيكافئهم على حسب ذلك ثم لخص ذلك بقوله

стр. 4292

مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) ﴿من جاء بالحسنة﴾ أي بقوله لا إله إلا الله عند الجمهور ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا﴾ أي فله خير حاصل من جهتها وهو الجنة وعلى هذا لا يكون خير بمعنى أفضل ويكون منها في موضع رفع صفة الخبر أي بسببها وهم من فزع كوفي من فزع شديد مفرط الشدة هو خفو النار أو من فزع ما وإن قل وبغير تنوين غيرهم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ كوفي ومدني وبكسر الميم غيرهم والمراد يوم القيامة آمنون أمن يعدي بالجار وبنفسه كقوله فأمنوا مكر الله

стр. 4293

وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) ﴿وَمَن جَاء بالسيئة﴾ بالشرك ﴿فَكُبَّتْ﴾ ألقيت ﴿وُجُوهُهْم في النار﴾ يقال كببت الرجل ألقيته على وجهه أي ألقوا على رؤوسهم في النار أو عبر عن الجملة بالوجه كما بعبر بالرأس والرقبة عنها أي ألقوا في النار ويقال لهم تبكيتاً عند الكب ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الشرك والمعاصي

стр. 4294

إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ البلدة﴾ مكة ﴿الذى حَرَّمَهَا﴾ جعلها حرماً آمناً يأمن فيها اللاجيء إليها ولا يختلي خلاها ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها ﴿وَلَهُ كُلُّ شَىء﴾ مع هذه البلدة فهو مالك الدنيا والآخرة ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾ المنقادين له

стр. 4295

وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) ﴿وأن أتلو القرآن﴾ من التلاوة أو من التلو كقوله واتبع ما يوحى إليك من ربك أمر رسوله بأن يقول أمرت أن أخص الله وحده بالعبادة ولا اتخذ له شريكاً كما فعلت قريش وأن أكون من الحنفاء الثابتين علة ملة الإسلام وأن أتلو القرآن لأعرف الحلال والحرام وما يقتضيه الإسلام وخص مكة من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده إليه وأعظمها عنده وأشار إليها بقوله هذه إشارة تعظيم لها وتقريب دالاً على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها وجعل دخول كل شيء تحت ربوبيته وملكوته كالتابع لدخولها تحتهما ﴿فَمَنُ اهتدى﴾ باتباعه إياي فيما أنا بصدده من توحيد الله ونفي الشركاء عنه والدخول في الملة الحنيفية واتباع ما أنزل عليّ من الوحي ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ﴾ فمنفعة اهتدائه راجعا إليه لا إلى ﴿ومن ضل فقل إنما أَنَاْ مِنَ المنذرين﴾ أي ومن ضل ولم يتبعني فلا عليّ وما أنا إلا رسول منذر وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين

стр. 4296

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣) ﴿وقل الحمد لله سيريكم آياته فَتَعْرِفُونَهَا﴾ ثم أمره أن يحمد الله على ما خوّله من نعمة النبوة التي لا توازيها نعمة وأن يهدد أعداءه بما سيريهم الله من آياته في الآخرة فسيستيقنون بها وقيل هو انشقاق القمر والدخان وما حل بهم

стр. 4297

من نقمات الله في الدنيا ﴿وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء مدني وشامي وحفص ويعقوب خطاب لأهل مكة وبالياء غيرهم أي كل عمل يعملونه فإن الله عالم به غير غافل عنه فالغفة والسهو لا يجوزان عليه

стр. 4298

القصص (٥ - ١) سورة القصص مكية ثمانون وثمان آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4299

طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) ﴿طسم تلك آيات الكتاب المبين﴾ يقال بان الشيء وأبان بمعنى واحد ويقال أبنته فأبان لازم ومتعدٍ أي مبين خيره وبركته أو مبين للحلال والحرام والوعد والوعيد والإخلاص والتوحيد

стр. 4300

نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) ﴿نَتْلُواْ عَلَيْكَ﴾ نقرأ عليك أي يقرؤه جبريل بأمرنا ومفعول نتلوا ﴿من نبإ موسى وفرعون﴾ أي نتلوا عليك بعض خبرهما ﴿بالحق﴾ حال أي محقين ﴿لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لمن سبق في علمنا أنه مؤمن لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم

стр. 4301

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ جملة مستأنفة كالتفسير للجمل كأن قائلاً قال وكيف كان نبؤهما فقال إن فرعون ﴿عَلاَ﴾ طغى وجاوز الحد في الظلم واستكبر وافتخر بنفسه ونسي العبودية ﴿فِى الأرض﴾ أي أرض مملكته يعني مصر ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾ فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه أو فرقاً مختلفة يكرم طائفة ويهين أخرى فأكرم القبطي وأهان الإسرائيلي ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ﴾ هم بنو إسرائيل ﴿يذبح أبناءهم ويستحيي نِسَاءهُمْ﴾ أي يترك البنات أحياء للخدمة

стр. 4302

وسبب ذبح الأبناء أن كاهناً قال له يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده وفيه دليل على حمق فرعون فإنه إن صدق الكاهن لم ينفعه القتل وإن كذب فما معنى القتل ويستضعف حال من الضمير في جعل او صفة لشيعا أو كلام مستأنف ويذبح بدل من يستضعف ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾ أي إن القتل ظلماً إنما هو فعل المفسدين إذ لا طائل تحته صدق الكاهن أو كذب

стр. 4303

وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ﴾ نتفضل وهو دليل لنا في مسألة الأصلح وهذه الجملة معطوفة على إن فرعون علا في الأرض لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسير لنبأ موسى وفرعون واقتصاصاً له أو حال من يستضعف أي يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم وإرادة اله تعالى كائنة فجعلت كالمقارنة لاستضعافهم ﴿عَلَى الذين استضعفوا فِى الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ قادة يقتدى بهم في الخير القصص (٨ - ٥) أو قادة إلى الخير أو ولاة وملوكاً ﴿وَنَجْعَلَهُمْ الوارثين﴾ أي يرثون فرعون وقومه ملكهم وكل ما كان لهم

стр. 4304

وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦) ﴿وَنُمَكّنَ﴾ مكن له إذا جعل له مكاناً يقعد عليه أو يرقد ومعنى التمكين ﴿لَهُمْ فِى الأرض﴾ أي أرض مصر والشام أن يجعلها بحيث لا تنبو بهم ويسلطهم وينفذ أمرهم ﴿وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا﴾ بضم النون ونصب فرعون وما بعده وبالياء ورفع فرعون وما بعده على حمزة وأي يرون منهم ما حذروه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم ويرى نصب عطف على المنصوب قبله كقراءة النون أو رفع على الاستئناف ﴿مِنْهُمْ﴾ من بني إسرائيل ويتعلق بنرى دون يحذرون لأن الصلة لا تتقدم على الموصول ﴿مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ﴾ الحذر التوقي من الضرر

стр. 4305

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) ﴿وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى﴾ بالإلهام أو بالرؤيا أو بإخبار ملك كما كان لمريم وليس هذا وحي رسالة ولا تكون هي رسولاً ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ أن

стр. 4306

بمعنى أي أو مصدرية ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ من القتل بأن يسمع الجيران صوته فينموا عليه ﴿فَأَلْقِيهِ فِى اليم﴾ البحر قيل هو نيل مصر ﴿وَلاَ تَخَافِى﴾ من الغرق والضياع ﴿وَلاَ تَحْزَنِى﴾ بفراقه ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ بوجه لطيف لتربيته ﴿وجاعلوه مِنَ المرسلين﴾ وفي هذه الآية أمران ونهيان وخبران وبشارتان والفرق بين الخوف والحزن أن الخوف غم يلحق بالإنسان لمتوقع والحزن غم يلحقه لواقع وهو فراقه والإخطار به فنهيت عنهما وبشرت برده إليها وجعله من المرسلين ورُوي أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد ورُوي أنها حين ضربها الطلق وكانت بعض القوابل الموكلات بحبالى بني إسرائيل مصافية لها فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه ودخل حبه قلبها فقالت ما جئتك إلا لأقتل مولودك وأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك حباً ما وجدت مثله فاحفظيه فلما خرجت القابلة جاءت عيون فرعون فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور ولم تعلم ما تصنع لما طاش من عقلها فطلبوا فلم يلقوا شيئاً فخرجوا وهي لا تدري مكانه فسمعت بكاءه من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله النار برداً وسلاماً فلما ألح فرعون في طلب الولد ان أوحي إليها بإلقائه في اليم فألقته في اليم بعد أن أرضعته ثلاثة أشهر

стр. 4307

فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْنَ﴾ أخذه قال الزجاج كان فرعون من أهل فارس من اصطخر ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً﴾ أي ليصير الأمر إلى ذلك لا أنهم أخذوه لهذا كقولهم للموت ما تلده الوالدة وهي لم تلد لأن يموت ولدها ولكن المصير إلى ذلك كذا قاله الزجاج وعن هذا قال المفسرون إن هذه لام العاقبة والصيرورة وقال صاحب الكشاف هي لام كي التي معناها التعليل كقولك جئتك لتكرمني ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز لأن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له شبه بالداعي الذي بفعل الفاعل القتل لأجله وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء ﴿وحزنا﴾ وحزنا

стр. 4308

على حمزة وهما لغتان كالعدم والعدم القصص (١٠ - ٨) ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خاطئين﴾ خاطين بخفيف خاطئين أبو جعفر أي كانوا مذنبين فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم وكانوا خاطئين في كل شيء فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع منهم

стр. 4309

وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩) ﴿وقالت امرأة فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ﴾ روي أنهم حين التقطوا التابوت عالجوا فتحه فلم يقدروا عليه فعالجوا كسره فأعياهم فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا فعالجته ففتحته فإذا بصبي نوره بين عينيه فأحبوه وكانت لفرعون بنت برصاء فنظرت إلى وجهه فبرأت فقالت الغواة من قومه هو الذي نحذر منه فأذن لنا في قتله فهمّ بذلك فقالت آسية قرة عين لي ولك فقال فرعون لك لا لي وفي الحديث لو قال كما قالت لهداه الله تعالى كما هداها وهذا على سبيل الفرض أي لو كان غير مطبوع على قلبه كآسية لقال مثل قولها وكان أسلم كما أسلمت وقرة خبر مبتدأ محذوف أي قرة ولي ولك صفتان لقرة ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ خاطبته خطاب الملوك أو خاطبت الغواة ﴿عسى أَن يَنفَعَنَا﴾ فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وذلك لما عاينت من النور وبرء البرصاء ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أو نتبناه فإنه أهل لأن يكون ولدا للمملوك ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ حال وذو حالها آل فرعون وتقدير الكلام فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه وقوله إن فرعون الآية جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم وما أحسن نظم هذا الكلام عند أصحاب المعاني والبيان

стр. 4310

وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) ﴿وَأَصْبَحَ﴾ وصار ﴿فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً﴾ صفراً من العقل لما دهمها من فرط الجزع لما سمعت بوقوعه في يد فرعون ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ﴾ لتظهر به والضمير لموسى والمراد بأمره وقصته وأنه ولدها قيل لما رأت الأمواج تلعب بالتابوت كادت تصيح وتقول واابناه وقيل لما سمعت أن فرعون أخذ التابوت لم تشك أنه قتله فكادت تقول واإبناه شفقة عليه وأن مخففة من الثقيلة أي إنها كادت ﴿لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا﴾ لولا ربطنا على قلبها والربط على القلب تقويته بإلهام الصبر ﴿لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ من المصدقين بوعدنا وهو إنا رادوه إليك وجواب لولا محذوف أي لأبدته أو فارغاً من الهم حين سمعت أن فرعون تبناه إن كادت لتبدي بأنه ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحاً وسروراً بما سمعت لولا أنا طامنا قلبها وسكنا قلقه الذي حدث به من شدة الفرح لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لا بتبني فرعون قال يوسف بن الحسين أمرت أن موسى بشيئين ونهيت عن شيئين وبشرت ببشارتين فلم ينفعها الكل حتى تولى الله حياطتها فربط القصص (١٤ - ١١) على قلبها
следующие страницы →