Полный текст (7 814 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
بمعنى أي أو مصدرية ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ من القتل بأن يسمع الجيران صوته فينموا عليه ﴿فَأَلْقِيهِ فِى اليم﴾ البحر قيل هو نيل مصر ﴿وَلاَ تَخَافِى﴾ من الغرق والضياع ﴿وَلاَ تَحْزَنِى﴾ بفراقه ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ بوجه لطيف لتربيته ﴿وجاعلوه مِنَ المرسلين﴾ وفي هذه الآية أمران ونهيان وخبران وبشارتان والفرق بين الخوف والحزن أن الخوف غم يلحق بالإنسان لمتوقع والحزن غم يلحقه لواقع وهو فراقه والإخطار به فنهيت عنهما وبشرت برده إليها وجعله من المرسلين ورُوي أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد ورُوي أنها حين ضربها الطلق وكانت بعض القوابل الموكلات بحبالى بني إسرائيل مصافية لها فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه ودخل حبه قلبها فقالت ما جئتك إلا لأقتل مولودك وأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك حباً ما وجدت مثله فاحفظيه فلما خرجت القابلة جاءت عيون فرعون فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور ولم تعلم ما تصنع لما طاش من عقلها فطلبوا فلم يلقوا شيئاً فخرجوا وهي لا تدري مكانه فسمعت بكاءه من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله النار برداً وسلاماً فلما ألح فرعون في طلب الولد ان أوحي إليها بإلقائه في اليم فألقته في اليم بعد أن أرضعته ثلاثة أشهر
стр. 4307
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)
﴿فالتقطه آل فِرْعَوْنَ﴾ أخذه قال الزجاج كان فرعون من أهل فارس من اصطخر ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً﴾ أي ليصير الأمر إلى ذلك لا أنهم أخذوه لهذا كقولهم للموت ما تلده الوالدة وهي لم تلد لأن يموت ولدها ولكن المصير إلى ذلك كذا قاله الزجاج وعن هذا قال المفسرون إن هذه لام العاقبة والصيرورة وقال صاحب الكشاف هي لام كي التي معناها التعليل كقولك جئتك لتكرمني ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز لأن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له شبه بالداعي الذي بفعل الفاعل القتل لأجله وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء ﴿وحزنا﴾ وحزنا
стр. 4308
على حمزة وهما لغتان كالعدم والعدم
القصص (١٠ - ٨)
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خاطئين﴾ خاطين بخفيف خاطئين أبو جعفر أي كانوا مذنبين فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم وكانوا خاطئين في كل شيء فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع منهم
стр. 4309
وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)
﴿وقالت امرأة فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ﴾ روي أنهم حين التقطوا التابوت عالجوا فتحه فلم يقدروا عليه فعالجوا كسره فأعياهم فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا فعالجته ففتحته فإذا بصبي نوره بين عينيه فأحبوه وكانت لفرعون بنت برصاء فنظرت إلى وجهه فبرأت فقالت الغواة من قومه هو الذي نحذر منه فأذن لنا في قتله فهمّ بذلك فقالت آسية قرة عين لي ولك فقال فرعون لك لا لي وفي الحديث لو قال كما قالت لهداه الله تعالى كما هداها وهذا على سبيل الفرض أي لو كان غير مطبوع على قلبه كآسية لقال مثل قولها وكان أسلم كما أسلمت وقرة خبر مبتدأ محذوف أي قرة ولي ولك صفتان لقرة ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾ خاطبته خطاب الملوك أو خاطبت الغواة ﴿عسى أَن يَنفَعَنَا﴾ فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وذلك لما عاينت من النور وبرء البرصاء ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أو نتبناه فإنه أهل لأن يكون ولدا للمملوك ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ حال وذو حالها آل فرعون وتقدير الكلام فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه وقوله إن فرعون الآية جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم وما أحسن نظم هذا الكلام عند أصحاب المعاني والبيان
стр. 4310
وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)
﴿وَأَصْبَحَ﴾ وصار ﴿فُؤَادُ أُمّ موسى فَارِغاً﴾ صفراً من العقل لما دهمها من فرط الجزع لما سمعت بوقوعه في يد فرعون ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ﴾ لتظهر به والضمير لموسى والمراد بأمره وقصته وأنه ولدها قيل لما رأت الأمواج تلعب بالتابوت كادت تصيح وتقول واابناه وقيل لما سمعت أن فرعون أخذ التابوت لم تشك أنه قتله فكادت تقول واإبناه شفقة عليه وأن مخففة من الثقيلة أي إنها كادت ﴿لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا﴾ لولا ربطنا على قلبها والربط على القلب تقويته بإلهام الصبر ﴿لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ من المصدقين بوعدنا وهو إنا رادوه إليك وجواب لولا محذوف أي لأبدته أو فارغاً من الهم حين سمعت أن فرعون تبناه إن كادت لتبدي بأنه ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحاً وسروراً بما سمعت لولا أنا طامنا قلبها وسكنا قلقه الذي حدث به من شدة الفرح لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لا بتبني فرعون قال يوسف بن الحسين أمرت أن موسى بشيئين ونهيت عن شيئين وبشرت ببشارتين فلم ينفعها الكل حتى تولى الله حياطتها فربط
القصص (١٤ - ١١)
على قلبها
стр. 4311
وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)
﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ﴾ مريم ﴿قُصّيهِ﴾ اتبعي أثره لتعلمي خبره ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أي أبصرته ﴿عَن جُنُبٍ﴾ عن بعد حال من الضمير في بِهِ أو مِّنَ الضمير في بصرت ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أنها أخته
стр. 4312
وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع﴾ تحريم منع لا تحريم شرع أي منعناه أن يرضع ثدياً غير ثدي أمه وكان لا يقبل ثدي مرضع حتى أهمهم ذلك والمراضع جمع مرضع وهي المرأة التي ترضع أو جمع مرضع وهم وموضع الرضاع وهو الثدي أو الرضاع ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبل قصها أثره أو من
стр. 4313
قبل أن نرده على أمه ﴿فَقَالَتْ﴾ أخته وقد دخلت بين المراضع ورأته لا يقبل ثدياً ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ أرشدكم ﴿على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ أي موسى ﴿لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصحون﴾ النصح إخلاص العمل من شائبة الفساد رُوي أنها لما قالت وهم له ناصحون قال هامان إنها لتعرفه وتعرف أهله فخذوها حتى تخبر بقصة هذا الغلام فقالت إنما أردت وهم للملك ناصحون فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي على يد فرعون يعلله شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها فقال لها فرعون ومن أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك فقالت إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وأجرى عليها وذهبت به إلى بيتها وأنجز الله وعده في الرد فعندها ثبت واستقر في علمها أنه سيكون نبياً وذلك قوله
стр. 4314
فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)
﴿فرددناه إلى أُمّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بالمقام معه ﴿وَلاَ تَحْزَنْ﴾ بفراقه ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي وليثبت علمها مشاهدة كما علمت خبراً وقوله ولا تحزن معطوف على تقر وإنما حل لها ما تأخذه من الدينار كل يوم كما نال السدى لأنه مال حربي لا لأنه أجرة على إرضاع ولدها ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ هو داخل تحت علمها أي لتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثر الناس لا يعلمون انه حق فيرتابون ويشبه التعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت
стр. 4315
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ بلغ موسى نهاية القوة وتمام العقل وهو جمع شدة كنعمة وأنعم عند سيبويه ﴿واستوى﴾ واعتدل وتم استحكامه وهو أربعون سنة ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ نبوة ﴿وَعِلْماً﴾ فقهاً أو علماً بمصالح الدارين ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين﴾ أي كما
стр. 4316
فعلنا بموسى وأمه نفعل بالمؤمنين قال الزجاج جعل الله تعالى إيتاء العلم والحكمة مجازاة على الإحسان لأنهما يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين والعالم الحكيم من يعمل بعلمه لأنه تعالى قال وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لوكانوا يعلمون فجعلهم جهالا إذ لم يعملوا بالعلم
القصص (١٨ - ١٥)
стр. 4317
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)
﴿وَدَخَلَ المدينة﴾ أي مصر ﴿على حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا﴾ حال من الفاعل أي مختفياً وهو ما بين العشاءين أو وقت الفائلة يعني انتصاف النهار وقيل لما شب وعقل أخذ يتكلم بالحق وينكر عليهم فأخافوه فلا يدخل المدينة إلا على تغفل ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذا مِن شِيعَتِهِ﴾ ممن شايعه على دينه من بني إسرائيل قيل هو السامري وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره ﴿وهذا مِنْ عدوه﴾ من مخالفيه من القبط وهو فاتون وقيل فيهما هذا وهذا وإن كانا غائبين على جهة الحكاية أي إذا نظر إليهما الناظر قال هذا من شيعته وهذا من عدوه ﴿فاستغاثه﴾ فاستنصره ﴿الذى مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذى مِنْ عَدُوّهِ فَوَكَزَهُ موسى﴾ ضربه بجمع كفه أو بأطراف أصابعه ﴿فقضى عَلَيْهِ﴾ فقتله ﴿قَالَ هذا﴾ إشارة إلى القتل الحاصل بغير قصد ﴿مِنْ عَمَلِ الشيطان﴾ وإنما جعل قتل الكافر من عمل الشيطان وسماه ظلماً لنفسه واستغفر منه لأنه كان مستأمناً فيهم ولا يحل قتل الكافر الحربي المستأمن أو لأنه قتله قبل أن يؤذن له في القتل وعن ابن جريح ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ ظاهر العداوة
стр. 4318
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)
﴿قال رب﴾ يارب ﴿إني ظلمت نفسي﴾ بفعل صار قتل ﴿فاغفر لِى﴾ زلتي ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ زلته ﴿إِنَّهُ هو الغفور﴾ بإقالة الذلل ﴿الرحيم﴾ بإزالة الخجل
стр. 4319
قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)
﴿قَالَ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظهيرا﴾ معينا ﴿للمجرمين﴾ للكافرين
стр. 4320
وبما أنعمت على قسم جوابه محذوف تقديره أقسم بإنعامك علي بالمغفرة لأتوبن فلن أكون ظهيراً للمجرمين وأراد بمظاهرة المجرمين صحية فرعون وانتظامه في جملته وتكثيره سواده حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد
стр. 4321
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)
﴿فَأَصْبَحَ فِى المدينة خَائِفاً﴾ على نفسه من قتله القبطي أن يؤخذ به ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ حال أي يتوقع نصرة ربه وفيه دليل على أنه لا بأس بالخوف من دون الله يخلاف ما يقوله بعض الناس أنه لا يسوغ الخوف من دون الله ﴿فَإِذَا الذى﴾ إذا للمفاجأة وما بعدها مبتدأ ﴿استنصره﴾ أي موسى ﴿بالأمس يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يستغيثه والمعنى أن الإسرائيلي الذي خلصه موسى استغاث به ثانياً من قبطي آخر
القصص (٢٢ - ١٨)
﴿قَالَ لَهُ موسى﴾ أي للإسرائيلي ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ أي ضال عن الرشد ظاهر الغي فقد قاتلت بالأمس رجلاً فقتلته بسببك والرشد في التدبير ان لا يفعل فعلا يقضي إلى البلاء على نفسه وعلى من يريد نصرته
стр. 4322
فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)
﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ﴾ موسى ﴿أَن يَبْطِشَ بالذى﴾ بالقبطي الذي ﴿هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا﴾ لموسى والإسرائيلي لأنه ليس على دينهما أو لأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل ﴿قَالَ﴾ الإسرائيلي لموسى ﵇ وقد توهم أنه أراد أخذه لا أخذ القبطي إذ قال له إنك لغوي مبين ﴿يا موسى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً﴾ يعني القبطي ﴿بالأمس إِن تُرِيدُ﴾ ما تريد ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً﴾ أي قتالاً بالغضب ﴿فِى الأرض﴾ أرض مصر ﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين﴾ في كظم الغيظ وكان قتل القبطي بالأمس قد شاع ولكن خفي قاتله فلما أفشى على موسى
стр. 4323
عليه السلام علم القبطي أن قاتله موسى فأخبر فرعون فهموا بقتله
стр. 4324
وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)
﴿وجاء رجل من أقصى المدينة﴾ هو مؤمن آل فرعون وكان ابن عم فرعون ﴿يسعى﴾ صفة لرجل أو حال من رجل لأنه وصف بقوله من أقصى المدينة ﴿قَالَ يَا موسى أَنِ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أي يأمر بعضهم بعضاً بقتلك أو يتشاورون بسببك والائتمار التشارو يقال الرجلان يتآمران ويأتمران لأن كل واحد منهما يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بأمر ﴿فاخرج﴾ من المدينة ﴿إِنّى لَكَ مِنَ الناصحين﴾ لك بيان وليس بصلة الناصحين لأن الصلة لا تتقدم على الموصول كأنه قال إني من الناصحين ثم أراد أن يبين فقال لك كما يقال سقياً لك ومرحباً لك
стр. 4325
فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)
﴿فَخَرَجَ﴾ موسى ﴿مِنْهَا﴾ من المدينة ﴿خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ التعرض له في الطريق أو أن يلحقه من يقتله ﴿قَالَ رَبّ نَجّنِى مِنَ القوم الظالمين﴾ أي قوم فرعون
стр. 4326
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ﴾ نحوها والتوجه الإقبال على الشيء ومدين قرية شعيب ﵇ سميت بمدين بن إبراهيم ولم تكن في سلطان فرعون وبينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام قال ابن عباس ﵄ خرج ولم يكن له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه ﴿قَالَ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل﴾ أي وسطه ومعظم نهجه فجاء ملك فانطلق به إلى مدين
القصص (٢٤ - ٢٣)
стр. 4327
وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)
﴿وَلَمَّا وَرَدَ﴾ وصل ﴿مَاء مَدْيَنَ﴾ ماءهم الذي يسقون منه وكان بئراً ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ على جانب البئر ﴿أمة﴾ جماعة ﴿مِنَ الناس﴾ من أناس مختلفين ﴿يُسْقَوْنَ﴾ مواشيهم ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ في مكان أسفل من
стр. 4328
مكانهم ﴿امرأتين تَذُودَانِ﴾ تطردان غنمهما عن الماء لأن على الماء من هو أقوى منهما فلا تتمكنا من السقي أولئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم والذود الطرد والدفع ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ ما شأنكما وحقيقته ما مخطوبكما أي ما مطلوبكما من الذياد فسمي المخطوب جطبا ﴿قَالَتَا لاَ نَسْقِى﴾ غنمنا ﴿حتى يُصْدِرَ الرعاء﴾ مواشيهم يصدر شامى ويزيد وأبو عمر وأي يرجع والرعاء جمع راعٍ كقائم وقيام ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ﴾ لا يمكنه سقي الأغنام ﴿كَبِيرٌ﴾ في حاله أو في السن لا يقدر على رعي الغنم أبدتا إليه عذرهما في توليهما السقي بأنفسهما
стр. 4329
فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)
﴿فسقى لَهُمَا﴾ فسقى غنمهما لأجلهما رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف روي أنه نحى القوم عن رأس البئر وسألهم دلواً فأعطوه دلوهم وقالوا استق بها وكانت لا ينزعها إلا أربعون فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا بالبركة وترك المفعول في يسقون وتذودان ولا نسقي وفسقي لأن الغرض هو الفعل لا المفعول ألا ترى أنه رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم ابل مثلا وكذا في لا نسقي فسقى بالمقصود هو السقي لا المسقى ووجه مطايقة جوابهما سؤاله أنه سألهما عن سبب الذود فقالتا السبب في ذلك أنا امرأتان مستورتان ضعيفتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ونستحي من الإختلاط بهم فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا وإنما رضي شعيب ﵇ لابنتيه بسقي الماشية لأن هذا الأمر في نفسه ليس بمحظور والدين لا يأباه وأما المروءة فعادات الناس في ذلك متباينة وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصاً إذا كانت الحالة حالة ضرورة ﴿ثُمَّ تولى إِلَى الظل﴾ أي ظل سمرة وفيه دليل جواز الاستراحة في الدنيا بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة ولما طال البلاء عليه أنس بالشكوى إذ لا نقص في الشكوى إلى المولى ﴿فَقَالَ رَبّ إِنّى لِمَا﴾ لأي شيء
стр. 4330
﴿أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ﴾ قليل أو كثير غثٍ أو سمين ﴿فَقِيرٌ﴾ محتاج وعدي فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب قيل كان لم يذق طعاما سبعة أيام قد لصق بظهره بطنه ويحتمل أن يريد أني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير الدين وهو النجاة من الظالمين لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة قال ذلك رضاً بالبدل السني وفرحاً به وشكراً له وقال ابن عطاء نظر من العبودية إلى الربوبية وتكلم بلسان الافتقار
القصص (٢٧ - ٢٥)
لما ورد على سره من الأنوار
стр. 4331
فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)
﴿فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى استحياء قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ على استحياء في موضع الحال أي مستحية وهذا دليل كمال إيمانها وشرف عنصرها لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها ولم تعلم أيجيبها أن لا فأتته مستحية قد استترت بكم درعها وما في ما سقيت مصدرية أي جزاء سقيك روى أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفّل قال لهما ما أعجلكما قالتا وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي فتبعها موسى ﵇ فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لها امشي خلفي وانعتي لي الطريق ﴿فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ أي قصته وأحواله مع فرعون والقصص مصدر كالعلل سمي به المقصوص ﴿قَالَ﴾ له ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾ إذ لا سلطان لفرعون بأرضنا وفيه دليل جواز العمل بخبر الواحد ولو عبداً أو أنثى والمشي مع الأجنبية مع ذلك الاحتياط والتورع وأما أخذ الأجر على البر والمعروف فقيل إنه لا بأس به عند الحاجة كما كان لموسى ﵇ على أنه روي أنها لما قالت ليجزيك كره ذلك وإنما وإنما أجابها لئلا يخيب قصدها لأن للقاصد حرمة ولما وضع شعيب الطعام بين
стр. 4332
يديه امتنع فقال شعيب ألست جائعاً قال بلى ولكن أخاف أن يكون عوضاً مما سقيت لهما وإنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا ولا نأخذ على المعروف ثمناً فقال شعيب ﵇ هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا فأكل
стр. 4333
قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)
﴿قالت إحداهما يا أبت استأجره﴾ اتخذه أجيرا لرعي الغنم روى أن أكبرهما كانت تسمى صفراء والصغرى صفيراء وصفراء هي التي ذهبت به وطلبت إلى أبيها أن يستأجره وهي التي تزوجها ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوى الأمين﴾ فقال وما علمك بقوته وأمانته فذكرت نزع الدلو وأمرها بالمشي خلفه وورد الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أن أمانته وقوته أمران متحققان وقولها إن خير من استأجرت القوي الأمين كلام جامع لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك وقيل القوي في دينه الأمين في جوارحه وقد استغنت بهذا الكلام الجاري مجرى المثل عن أن تقول استأجره لقوته وأمانته وعن ابن مسعود ﵁ أفرس الناس ثلاث بنت شعيب وصاحب يوسف في قوله عسى أن ينفعنا وأبو بكر في عمر
стр. 4334
قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)
﴿قَالَ إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾ أزوجك ﴿إِحْدَى ابنتى هَاتَيْنِ﴾ قوله هاتين يدل على أنه كان له غيرهما وهذه مواعدة منه ولم يكن ذلك عقد نكاح إذ لو كان عقد لقال قد أنكحتك ﴿على أَن تَأْجُرَنِى﴾ تكون أجيرا
القصص (٢٩ - ٢٧)
لي من أجرته إذا كنت له أجيراً ﴿ثَمَانِىَ حِجَجٍ﴾ ظرف والحجة السنة وجمعها حجج والتزوج على رعي الغنم جائز بالإجماع لأنه من باب القيام بأمر الزوجية فلا مناقصة بخلاف التزوج على الخدمة ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً﴾ أي عمل عشر حجج ﴿فَمِنْ عِندِكَ﴾ فذلك تفضل منك ليس بواجب عليك أو فإتمامه من عندك ولا أحتمه عليك ولكنك إن فعلته فهو منك
стр. 4335
تفضل وتبرع ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بإلزام أتم الأجلين وحقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين تقول تارة أطيقه وطوراً لا أطيقه ﴿سَتَجِدُنِى إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصالحين﴾ في حسن المعاملة والوفاء بالعهد ويجوز أن يراد الصلاح على العموم ويدخل تحته حسن المعاملة والمراد باشتراطه مشيئة الله فيما وعد من الصلاح الاتكال على توفيقه فيه ومعونته لأنه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ذلك
стр. 4336
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)
﴿قال﴾ موسى ﴿ذلك﴾ مبتدأ وهوإشارة إلى ما عاهده عليه شعيب والخبر ﴿بَيْنِى وَبَيْنَكَ﴾ يعني ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم بيننا جميعاً لا يخرج كلانا عنه لا أنا فيما شرطت علي ولا أنت فيما شرطت على نفسك ثم قال ﴿أَيَّمَا الأجلين قَضَيْتُ﴾ أي أي أجل قضيت من الأجلين يعني العشرة أو الثمانية وأي نصب بقضيت وما زائدة ومؤكدة لا بهام أي وهي شرطية وجوابها ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَىَّ﴾ أي لا يعتدى علي في طلب الزيادة عليه قال المبرد قد علم أنه لا عدوان عليه في أيهما ولكن جمعهما ليجعل الأقل كالأتم في الوفاء وكما أن طلب الزيادة على الأتم عدوان فكذا طلب الزيادة على الأقل ﴿والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ هو من وكل إليه الأمر وعدى بعلى لأنه استعمل في موضع الشاهد والرقيب رُوي أن شعيباً كانت عنده عصيّ الأنبياء ﵈ فقال لموسى بالليل أدخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة ولم يزل الأنبياء ﵈ يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفاً فضن بها فقال خذ غيرها فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأناً ولما أصبح قال له شعيبا إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك فإن الكلأ وإن كان بها أكثر إلا أن فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر
стр. 4337
على كفها فمشى على أثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا التنين قد أقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى دامية فلما أبصرها رامية والتنين مقتولاً ارتاح لذلك ولما رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأناً وقال له إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كل أدرع ودرعاء فأوحي إليه في المنام أن أضرب بعصاك مسقى الغنم ففعل ثم سقى فوضعت كلهن أدرع ودرعاء فوفى له بشرطه
стр. 4338
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)
﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل﴾ قال ﵇ قضى أوفاهما وتزوج صغراهما وهذا بخلاف الرواية التي مرت ﴿وسار بأهله﴾
القصص (٣٢ - ٢٩)
بامرأته نحو مصر قال ابن عطاء لما أتم أجل المحنة ودنا أيام الزلفة وظهرت أنوار النبوة سار بأهله ليشتركوا معه في لطائف صنع ربه ﴿آنس مِن جَانِبِ الطور نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عن الطريق لأنه قد ضل الطريق ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مّنَ النار لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾
стр. 4339
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)
﴿فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن﴾ بالنسبة إلى موسى ﴿فِى البقعة المباركة﴾ بتكليم الله تعالى فيها ﴿مِنَ الشجرة﴾ العناب أو العوسج ﴿أَن يا موسى﴾ أن مفسرة أو مخففة من الثقيلة ﴿إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين﴾ قال جعفر أبصر ناراً دلته على الأنوار لأنه رأى النور في هيئة النار فلما دنا منها شملته أنوار القدس وأحاطت به جلابيب الأنس فخوطب بألطف خطاب واستدعى منه أحسن جواب فصار بذلك مكلماً شريفاً أعطى ما سأل وأمن مما خاف والجذوة باللغات الثلاث وقرىء بهن فعاصم فتح الجيم وحمزة وخلف بضمها
стр. 4340
وغيرهم بكسرها العود الغليظ كانت في رأسه نارا ولم تكن من الأولى والثانية والإبتداه الغاية أي أتاه النداء من شاطيء الوادي من قبل الشجرة ومن الشجرة بدل من شاطىء الوادي بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء أي الجانب
стр. 4341
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ونودي أن ألق عصاك فألقاها فقلبها الله ثعبانا ﴿فلما رآها تَهْتَزُّ﴾ تتحرك ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حية في سعيها وهي ثعبان في جثتها ﴿ولى مُدْبِراً وَلَمْ يعقب﴾ يرجع فقيل له ﴿يا موسى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمنين﴾ أي أمنت من أن ينالك مكروه من الحية
стр. 4342
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)
﴿اسلك﴾ أدخل ﴿يَدَكَ فِى جَيْبِكَ﴾ جيب قميصك ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاء﴾ لها شعاع كشعاع الشمس ﴿مِنْ غَيْرِ سُوء﴾ برص ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب﴾ حجازي بفتحتين وبصري الرَّهب حفص الرُّهب غيرهم ومعنى الكل الخوف والمعنى واضمم يدك إلى صدرك يذهب ما بك من فرق أي لأجل الحية عن ابن عباس ﵄ كل خائف إذا وضع يده على صدره زال خوفه وقيل معنى ضم الجناح أن الله تعالى لما قلب العصا حية فزع موسى وانقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى والمراد بالجناح اليد لأن يدي
القصص (٣٦ - ٣٢)
الإنسان بمنزلة جناحي الطائر وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه أو أريد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران ومعنى من الرهب من أجل الرهب أي إذا
стр. 4343
أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك جعل الرهب الذي كان يصيبه سببا أو علة فيما أمر به من ضم جناحه إليه ومعنى واضمم إليك جناحك واسلك يدك في جيبك على أحد التفسيرين واحد ولكن خولف بين العبارتين لاختلاف الغرضين إذ الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني إخفاء الرهب ومعنى واضمم يَدَكَ إلى جناحك في طه أدخل يمناك في أحدهما يسراك ﴿فذانك﴾ مخففا مشي ذاك ومشدداً مكي وأبو عمرو مثنى ذلك فإحدى النونين عوض من اللام المحذوفة والمراد اليد والعصا ﴿برهانان﴾ حجتان نيرتان بينتان وسميت الحجة برهاناً لإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء برهرهة ﴿من ربك إلى فرعون وملئه﴾ أي أرسلناك إلى فرعون وملائه بهاتين الآيتين ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين﴾ كافرين
стр. 4344
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)
﴿قَالَ رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أن يقتلون﴾ به بغير ياه والياء يعقوب
стр. 4345
وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)
﴿وأخي هارون هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ﴾ حفص ردا حال أي عونا يقال ردأته أعنته وبلا همز مدني ﴿يُصَدّقُنِى﴾ عاصم وحمزة صفة أي ردا مصدقا لي وغيرهما بالجزم جواب لأرسله ومعنى تصديقه موسى إعانته إياه بزيادة البيان في مظان الجدال إن احتاج إليه ليثبت دعواه لا أن يقول له صدقت ألا ترى إلى قوله هو أفصح مني لساناً فأرسله وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لتقرير البرهان لا لقوله صدقت فسبحان وباقل فيه يستويان ﴿إِنّى أَخَافُ أَنْ يُكَذّبُونِ﴾ يكذبوني في الحالتين يعقوب
следующие страницы →