Полный текст (7 814 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
ومولد آبائه ولما وعد رسوله الرد إلى ميعاده قال ﴿قُلْ﴾ للمشركين ﴿رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى﴾ يعني نفسه وما له من الثواب في ميعاده ﴿وَمَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ﴾ يعني المشركين وما يستحقونه من العذاب في معادهم من في محل نصب بفعل مضمر أي يعلم
стр. 4412
وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)
﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يلقى﴾ يوحى ﴿إِلَيْكَ الكتاب﴾ القرآن ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ﴾ هو محمول على المعنى أي وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة من ربك أو إلا بمعنى لكن للاستدراك أي ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك الكتاب ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين﴾ معيناً لهم على دينهم
стр. 4413
وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)
﴿ولا يصدنك عن آيات الله﴾ هو على الجمع أي ألا يمنعنك هؤلاء عن العمل بآيات الله أي القرآن ﴿بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ الآيات أي بعد وقت انزاله واذ يضاف إليه أسماء الزمان كقولك حينئذ وتومئذ ﴿وادع إلى رَبّكَ﴾ إلى توحيده وعبادته ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾
стр. 4414
وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)
﴿ولا تدع مع الله إلها آخر﴾ قال ابن عباس ﵄ الخطاب في الظاهر للنبي ﷺ والمراد أهل دينه ولأن العصمة لا تمنع النهي والوقف على آخر لازم لأنه لو وصل لصار ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ صفة لآلها آخر وفيه من الفساد ما فيه ﴿كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ أي إلا إياه فالوجه يعبر به عن الذات وقال مجاهد يعني علم العلماء إذا أريد به وجه الله ﴿لَهُ الحكم﴾ القضاء في خلقه ﴿وَإِلَيْهِ يرجعون﴾ بفتح التاء وكسر الجيم يعقوب والله أعلم
стр. 4415
العنكبوت (٤ - ١)
سورة العنكبوت مكية وهي تسع وستون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4416
الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)
﴿الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا امنا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ الحسبان قوة أحد النقيضين على الآخر كالظن بخلاف الشك فهو الوقوف بينمها والعلم فهو القطع على أحدهما ولا يصح تعليقهما لمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل فلو قلت حسبت زيداً وظننت الفرس لم يكن شيئاً حتى تقول حسبت زيداً عالماً وظننت الفرس جواداً لأن قولك زيد عالم والفرس جواد كلام دال على مضمون فإذا أردت الأحبار على ذلك المضمون ثابتاً عندك على وجه الظن لا اليقين أدخلت على شطري الجملة فعل الحسبان حتى يتم لك غرضك والكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان هنا أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يقتنون وذلك أن تقديره أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا فالترك أول مفعولي حسب ولقولهم آمنا هو الخبر وأما غير مفتونين فتتمة الترك لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير كقول عنترة
فتركته جزر السباع يفشنه
стр. 4417
ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبا ن تقدران تقول تركهم غير مفتونين لقولهم آمناً على تقدير حاصل ومستقر قيل اللام هو استفهام توبيخ والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء وسائر الطاعات الشاقة وهجر الشهوات وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ومصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وروي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله ﷺ قد جزعوا من أذى المشركين أو في عمار بن ياسر وكان يعذب في الله
стр. 4418
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)
﴿ولقد فتنا﴾ اختبرنا وهو موصول بأحسب أو بلا يفتنون ﴿الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ بأنواع الفتن فمنهم من يوضع المنشار على رأسه فيفرق فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه ومنهم من يمشط بأمشاط الحديد ما يصرفه ذلك عن دينه ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ الله﴾ بالامتحان ﴿الذين صَدَقُوا﴾ في الإيمان ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين﴾ فيه ومعنى علمه تعالى وهو عالم بذلك فيما لم يزل أن يعلمه موجوداً عند وجوده كما علمه قبل وجوده أنه يوجد والمعنى وليتميزن الصادق منهم من الكاذب قال بن عطاء يتبين صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء فمن شكر في أيام الرخاء وصبر في أيام البلاء فهو من الصادقين ومن بطر في أيام الرخاء وجزع في أيام البلاء فهو من الكاذبين
стр. 4419
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)
﴿أم حسب الذين يعملون السيئات أن﴾
أي الشرك والمعاصي ﴿أَن يَسْبِقُونَا﴾ أي يفوتونا يعني أن الجزاء يلحقهم لا محالة واشتمال صلة أن على مسند ومسند إليه سد مفعولين كقوله أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة ويجوزأن يضمن حسب معنى قدر وأم منقطعة ومعنى الإضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه وقالوا الأول في المؤمنين وهذا في الكافرين ﴿سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ما في موضع رفع على
стр. 4420
معنى ساء الحكم حكمهم أو نصب على معنى ساء حكماً يحكمون والمخصوص بالذنب محذوف أي بئس حكماً يحكمونه حكمهم
стр. 4421
مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)
﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله﴾ أي يأمل ثوابه أو يخاف حسابه فالرجاء يحتملهما ﴿فَإِنَّ أَجَلَ الله﴾ المضروب للثواب والعقاب ﴿لأَتٍ﴾ لا محالة فاليبادر للعمل الصالح الذي يصدق رجاءه ويحقق أمله ﴿وَهُوَ السميع﴾ لما يقوله عباده ﴿العليم﴾ بما يفعلونه فلا يفوته شيء ما وقال الزجاج من للشرط ويرتفع بالابتداء وجواب الشرط فإن أجل الله لات كقولك إن كان زيد الدار فقد صدق الوعد
стр. 4422
وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)
﴿وَمَن جَاهَدَ﴾ نفسه بالصبر على طاعة الله أو الشيطان بدفع وساوسه أو الكفار ﴿فَإِنَّمَا يجاهد لِنَفْسِهِ﴾ لأن منفعة ذلك ترجع إليها ﴿إِنَّ الله لَغَنِىٌّ عَنِ العالمين﴾ وعن طاعتهم ومجاهدتهم وإنما أمر ونهى رحمة لعباده
стр. 4423
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)
﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ﴾ أي الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام
стр. 4424
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)
﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾ وصى حمكمه حكم أمر في معناه وتصرفه يقال وصيت زيداً بأن يفعل خيراً كما تقول أمرته بأن يفعل ومنه قوله وصى بها ابراهيم بنيه أي وصاهم بكلمة التوحيد وأمرهم بها وقولك وصيت وزيدا بعمر ومعناه وصيته بتعهد عمرو ومراعاته ونحو ذلك وكذلك معنى قوله ووصينا الإنسان بوالديه حسناً ووصيناه بإيتاء والديه حسناً أو بإيلاء والديه حسناً أي فعلاً ذا حسن أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه كقوله وَقُولُواْ للناس حسنا ويجوز أن يجعل حسناً من باب قولك زيدا بإضمار
стр. 4425
اضرب إذا رأيته متهيأ للضرب فتنصبه بإضمار أولهما أو افعل بهما لأن التوصية بهما دالة عليه وما بعده مطابق له كأنه قال قلنا أولهما معروفاً ولا تطعهما في الشرك إذا حملاك عليه وعلى هذا التفسيران وقف على بوالديه وابتدىء حسناً حسن الوقف على التفسير الأول لابد من إضمار القول معناه وقلنا ﴿وَإِن جاهداك﴾ أيها الإنسان ﴿لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ به علم﴾ أي لا علم بإلهيته والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كأنه قال لتشرك بي شيئاً لا يصح أن يكون إلهاً ﴿فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ في ذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
العنكبوت (١٢ - ٨)
﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ مرجع من آمن منكم ومن أشرك ﴿فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فأجازيكم حق جزائكم وفي ذكر المرجع والوعيد تحذير من متابعتهما على الشرك وحث على الثبات والاستقامة في الدين روي أن سعد بن أبي وقاص لما أسلم نذرت أمه أن لا تأكل ولا تشرب حتى يرتد فشكا إلى النبي ﷺ فنزلت هذه الآية والتي في لقمان والتي في الأحقاف
стр. 4426
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)
﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ هو مبتدأ والخبر ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى الصالحين﴾ في جملتهم والصلاح من أبلغ صفات المؤمنين وهو متمنى الأنبياء ﵈ قال سليمان ﵇ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين وقال يوسف ﵇ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين أو في مدخل الصالحين وهو الجنة ونزلت في المنافقين
стр. 4427
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)
﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله﴾ أي إذا مسه أذى من الكفار ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله﴾ أي
стр. 4428
جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله تعالى ﴿وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي وإذا نصر الله المؤمنين وغنهم اعترضوهم وقالوا إنا كنا معكم أي متابعين لكم في دينكم ثابتين عليه بثباتكم فأعطونا نصيبنا من الغنم ﴿أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ العالمين﴾ أي هو أعلم بما في صدور العالمين من العالمين بما في صدورهم ومن ذلك ما في صدور هؤلاء من النفاق وما في صدرو المؤمنين من الإخلاص ثم وعد المؤمنين وأوعد المنافقين بقوله
стр. 4429
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)
﴿وليعلمن الله الذين آمنوا وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين﴾ أي حالهما ظاهرة عند من يملك الجزاء عليهما
стр. 4430
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)
﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ أموراهم باتباع سبيلهم وهي طريقتهم التي كانوا عليها في دينهم وأمروا أنفسهم بحمل خطاياهم فعطف الأمر على الأمر وأرادوا ليجتمع هذان الأمران في الحصول أن تتبعوا سيبلنا وأن نحمل خطاياكم والمعنى تعليق الحمل بالاتباع أي إن تتبعوا سبيلنا حملنا خطاياكم وهذا قول صناديد قريش كانوا يقولون لمن آمن منهم لا نبعث نحن ولا أنتم فإن كان ذلك فإنا نتحمل عنكم الإثم ﴿وَمَا هُمْ بحاملين مِنْ خطاياهم مّن شَىْء إِنَّهُمْ لكاذبون﴾ لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على
العنكبوت (١٧ - ١٣)
خلافه كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف
стр. 4431
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ أي أثقال أنفسهم يعني أوزارهم بسب كفرهم ﴿وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أي أثقالاً أخر غير الخطايا التي ضمنوا للمؤمنين حملها وهي أثقال الذين كانوا سبباً في ضلالهم وهو كما قال لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يضلونهم بغير علم
стр. 4432
﴿وليسألن يَوْمَ القيامة عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ يختلقون من الأكاذيب والأباطيل
стр. 4433
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ كان عمره ألفاً وخمسين سنة بعث على رأس أربعين ولبث في قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين وعن وهب أنه عاش ألفاً وأربعمائة سنة فقال له ملك الموت يا أطول الأنبياء عمراً كيف وجدت الدنيا قال كدار لها بابان دخلت وخرجت ولم يقل تسعمائة وخمسين سنة لأنه لو قيل كذلك لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره وهذا التوهم زائل هنا فكأنه قيل تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد إلا أن ذلك أخصر وأعذب لفظاً وأملأ بالفائدة ولأن القصة سبقت لما ابتلي به نوح ﵇ من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لنبينا ﵇ فكان ذكر الألف أفخم وأوصل إلى الغرض وجيء بالمميز أولاً بالسنة ثم بالعام لأن تكرارا لفظ واحد في كلام واحد حقيق بالاجتناب في البلاغة ﴿فَأَخَذَهُمُ الطوفان﴾ هو ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل أو نحوهما ﴿وَهُمْ ظالمون﴾ أنفسهم بالكفر
стр. 4434
فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)
﴿فأنجيناه﴾ أي نوحاً ﴿وأصحاب السفينة﴾ وكانوا ثمانية وسبعين نفساً نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم ﴿وجعلناها﴾ أي السفينة أو الحادثة أو القصة ﴿آية﴾ عبرة وعظة ﴿للعالمين﴾ يتعظون بها
стр. 4435
وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)
﴿وإبراهيم﴾ نصب بإضمار اذكر وأبدل عنه ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدل اشتمال لأن الأحيان تشتمل على ما فيها أو معطوف على نوح أي وأرسلنا ابراهيم أو ظرف لأرسلنا يعني أرسلناه حين بلغ من السن أو العلم مبلغاً صلح فيه لأن يعظ قومه ويأمرهم بالعبادة
стр. 4436
والتقوى وقرأ إبراهيم النخعي وأبو حنيفة ﵄ ابراهيم بالرفع على معنى ومن المرسلين إبراهيم ﴿لِقَوْمِهِ اعبدوا الله واتقوه ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من الكفر ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن كان لكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم
стр. 4437
إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أوثانا﴾ أصناماً ﴿وتخلقون﴾
العنكبوت (١٩ - ١٧)
وتكذبون أو تصنعون وقرأ أبو حذيفة والسلمى ﵄ وتخلّقون من خلق بمعنى التكثير في خلق ﴿إِفْكاً﴾ وقرىء أفكا وهو مصدر نحو كذب ولعب والإفك مخفف منه كالكذب واللعب من أصلهما واختلافهم الإفك تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله ﴿إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق ﴿فابتغوا عِندَ الله الرزق﴾ كله فإنه هو الرزاق وحده لا يرزق غيره ﴿واعبدوه واشكروا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فاستعدوا للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه وبفتح التاء وكسر الجيم يعقوب
стр. 4438
وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)
﴿وَإِن تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين﴾ أي وإن تكذبوني فلا تضروني بتكذيبكم فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم وما ضروهم وإنما ضروا أنفسهم حيث حل بهم العذاب بسبب تكذيبهم وأما الرسول فقد تم أمره حيث بلغ البلاغ المبين الذي زال معه الشك وهو اقترانه بآيات الله ومعجزاته أو وإن كنت مكذباً فيما بينكم فلي في سائر الأنبياء اسوة حيث كذبوا وعلى الوسول أن يبلغ وما عليه أن يصدق ولا يكذب وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله فما كان جواب قومه
стр. 4439
محتملة أو تكون من جملة قول إبراهيم ﵇ لقومه والمراد بالأمم قبله قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله ﷺ وشأن قريش بين أول قصة إبراهيم وآخرها فإن قلت فالجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه فلا تقول مكة وزيد قائم خير بلاد الله قلت نعم وبيانه أن إيراد قصة إبراهيم ﵇ ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله ﷺ وأن تكون مسلاة له بأن أباه إبراهيم ﵇ كان مبتلى نحو ما ابتلى به من شرك قومه وعبادتهم الأوثان فاعترض بقوله وإن تكذبوا على معنى إنكم يا معشر قريش إن تكذبوا محمداً فقد كذب إبراهيم قومه وكل أمة نبيها لأن قوله فقد كذب أمم من قبلكم لابد من تناوله لأمة إبراهيم وهو كما ترى اعتراض متصل ثم سائر الآيات بعدها من توابعها لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله وهدم الشرك وتوهين قواعده وصفة قدرة الله تعالى وسلطانه ووضوح حجته وبرهانه
стр. 4440
أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)
﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ﴾ وبالتاء كوفي غير حفص ﴿كيف يبدئ الله الخلق﴾ أي قدروا ذلك وعلموه وقوله ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ليس بمعطوف على يبدىء
العنكبوت (٢٤ - ١٩)
وليست الرؤية واقعة عليه وإنما هو إخبار على حياله بالإعادة بعد الموت كما وقع النظر في قوله كَيْفَ بَدَأَ الخلق ثُمَّ الله ينشىء النشأة الآخرة على البدء دون الإنشاء بل هو معطوف على جملة قوله أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق ﴿إِنَّ ذلك﴾ أي الإعادة ﴿عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ سهل
стр. 4441
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)
﴿قُلْ﴾ يا محمد وإن كان من كلام إبراهيم فتقديره وأوحينا إليه أن قل ﴿سِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق﴾ على كثرتهم واختلاف أحوالهم لتعرفوا عجائب فطرة الله لمشاهدة وبدأ وأبدأ بمعنى ﴿ثم الله ينشئ النشأة الآخرة﴾ أي البعث وبالمد حيث كان مكي وأبو عمرو وهذا
стр. 4442
دليل على أنهما نشأتان وأن كل واحدة منهما إنشاء أي ابتداء واختراع وإخراج من العدم إلى الوجود غير أن الآخرة لأن الكلام معهم وقع في الإعادة فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء فإذا لم يعجزه الإبداء وجب أن لا يعجزه الإعادة فكأنه قال ثم ذلك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشيء النشأة الآخرة فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ﴾ قادر
стр. 4443
يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)
﴿يُعَذّبُ مَن يَشَاء﴾ بالخذلان ﴿وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء﴾ بالهداية أو بالحرص والقناعة أو بسوء الخلق وحسنة أو الاعراض عن الله وبالإقبال عليه أو بمتابعة البدع وبملازمة السنة ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ تردون وترجعون
стр. 4444
وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)
﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ ربكم أي لا تفوتونه إن هربتم من حكمه وقضائه ﴿فِى الأرض﴾ الفسيحة ﴿وَلاَ فِى السماء﴾ التي هي أفسح منها وأبسط لو كنتم فيها ﴿وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ﴾ يتولى أموركم ﴿وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ولا ناصر يمنعكم من عذابي
стр. 4445
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)
﴿والذين كفروا بآيات الله﴾ بدلائله على وحدانيته وكتبه ومعجزاته ﴿وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى﴾ جنتي ﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عذاب أليم﴾
стр. 4446
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ قوم إبراهيم حين دعاهم إلى الإيمان ﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرّقُوهُ﴾ قال بعضهم لبعض أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين فكانوا جميعاً في حكم القائلين فاتفقوا تحريقه ﴿فَأَنْجَاهُ الله
стр. 4447
مِنَ النار﴾ حين قذفوه فيها ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ فيما فعلوا به وفعلنا ﴿لآيات لقوم يؤمنون﴾
العنكبوت (٢٨ - ٢٤)
روي أنه لم ينتفع في ذلك اليوم بالنار يعني يوم ألقي إبراهيم في النار وذلك لذهاب حرها
стр. 4448
وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)
﴿قال﴾ إبراهيم لقومه ﴿إِنَّمَا اتخذتم مّن دُونِ الله أوثانا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحياة الدنيا﴾ حمزة وحفص مودةً بينكم مدني وشامي وحماد ويحيي وخلف مودة بينكم مكي وبصري وعلي مودةٌ بينكم الشمني والبرجمي النصب على وجهين على التعليل أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها كما يتفق الناس على مذهب فيكون ذلك سبب تجابهم وأن يكون مفعولاً ثانياً كقوله اتخذ إلهه هواه وما كافة أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم على تقدير حذف المضاف أو اتخذتموها مودة بينكم أي مودودة بينكم كقوله وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله وفي الرفع وجهان أن يكولا خبرا لأن ما موصولة وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي مودة بينكم والمعنى أن الأوثان مودة بينكم أي مودودة أو سبب مودة ومن أضاف المودة جعل بينكم اسماً لا ظرفاً كقوله شهادة بينكم ومن نوّن مودة ونصب بينكم فعلى الظرف ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ تتبرأ الأصنام من عابديها ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ أي يوم القيامة يقوم بينكم التلاعن فيلعن الأتباع القادة ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار﴾ أي مأوى العابد والمعبود والتابع والمتبوع ﴿وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين﴾ ثمة
стр. 4449
فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)
﴿فآمن لَهُ﴾ لإبراهيم ﵇ ﴿لُوطٌ﴾ هو ابن أخي إبراهيم وهو أول من آمن له حين رأى النار لم تحرقه ﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم
стр. 4450
﴿إِنّى مُهَاجِرٌ﴾ من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين وهي من برية الشام ومن ثم قالوا الكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان وكان معه في هجرته لوط وسارة وقد تزوجها إبراهيم ﴿إلى رَبّى﴾ إلى حيث أمرني ربي بالهجرة إليه ﴿إِنَّهُ هُوَ العزيز﴾ الذي يمنعني من أعدائي ﴿الحكيم﴾ الذي لا يأمرني إلا بما هو خير
следующие страницы →