← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) ﴿يَعْلَمُونَ﴾ بدل من لا يعلمون وفيه بيان أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز عن تحصيل الدنيا وقوله ﴿ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا﴾ يفيد للدنيا ظاهر او باطنا فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها وباطنها أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها إليها بالطاعه وبالأعمال الصالحة وتنكير الظاهر الروم (٩ - ٧) يفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهراً واحداً من جملة ظواهرها ﴿وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غافلون﴾ هم الثانية مبتدأ وغافلون خبره والجملة خبرهم الأولى وفيه بيان أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرها

стр. 4517

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) ﴿أو لم يَتَفَكَّرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ﴾ يحتمل أن يكون ظرفاً كانه قيل أو لم يثبتوا التفكر في أنفسهم أي في قلوبهم الفارغة من الفكر والتفكر لا يكون إلا في القلوب ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين كقوله اعتقده في قلبك وأن يكون صلة للتفكر نحو تفكر في الأمر وأجال فيه فكره ومعناه على هذا أولم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات وهم أعلم بأحوالها منهم بأحوال ما عداها فيتدبروا ما أودعها الله ظاهراً وباطناً من غرائب الحكمة الدالة على التدبير دون الإهمال وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازى فيه على الإحسان إحساناً وعلى الإساءة مثلها حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها جارٍ على الحكمة في التدبير وأنه لا بد لها من الانتهاء إ لى ذلك الوقت ﴿مَّا خَلَقَ الله السماوات والأرض وما بينهما﴾ متعلق بالقول المحذوف ومعناه أو لم يتفكروا فيقولوا هذا القول وقيل معناه

стр. 4518

فيعلموا لأن في الكلام دليلاً عليه ﴿إِلاَّ بالحق وَأَجَلٍ مُّسَمًى﴾ أي ما خلقها باطلاً وعبثاً بغير حكمة بالغة ولا لتبقى خالدة إنما خلقها مقرونة بالحق مصحوبة بالحكمة وبتقدير أجلٍ مسمى لا بدلها من أن تنتهي إليه وهو قيام الساعة ووقت الحساب والثواب والعقاب ألا ترى إلى قوله أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا ترجعون كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثاً ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس بِلِقَاء رَبّهِمْ﴾ بالبعث والجزاء ﴿لكافرون﴾ لجاحدون وقال الزجاج أي لكافرون بلقاء ربهم

стр. 4519

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ هو تقرير لسيرهم في البلاد ونظرهم إلى آثار المدمرين من عاد وثمود وغيرهم من الأمم العاتية ثم وصف حالهم فقال ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الأرض﴾ وحرثوها ﴿وَعَمَرُوهَا﴾ أي المدمرون ﴿أكثر﴾ صفة مصدر محذوف وما مصدرية في ﴿مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ أي من عمارة أهل مكة ﴿وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾ وتقف عليها لحق الحذف أي فلم يؤمنوا فأهلكوا ﴿فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فما كان تدميره إياهم ظلماً لهم ﴿ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ولكنهم ظلموا الروم (١٦ - ١٠) أنفسهم حيث عملوا ما أوجب تدميرهم

стр. 4520

ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) ﴿ثُمَّ كَانَ عاقبة﴾ بالنصب شامي وكوفي ﴿الذين أساؤوا السوأى﴾ تأنيث الأسوأ وهو الأقبح كما أن الحسنى تأنيث الأحسن ومحلها رفع على أنها اسم كان عند من نصب عاقبة على الخبر ونصب عند من رفعها والمعنى أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار ثم كانت عاقبتهم السوأى إلا أنه وضع الظهر وهو الذين أساءوا موضع المضمر أي العقوبة التي هي أسوأ العقوبا ت في الآخرة وهي النار التي أعدت للكافرين ﴿أن كذبوا﴾ لأن

стр. 4521

كذبوا أوبان وهو يدل على أن معنى أساءوا كفروا ﴿بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون﴾ يعني ثم كان عاقبة الكافرين النار لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها

стр. 4522

اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) ﴿الله يَبْدَأُ الخلق﴾ ينشئهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يحييهم بعد الموت ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وبالياء أبو عمرو وسهل

стр. 4523

وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) ﴿ويوم تقوم الساعة يبلس﴾ يبأس ويتحير يقال ناظرته فأبلس إذا لم ينبس ويئس من أن يحتج ﴿المجرمون﴾ المشركون

стр. 4524

وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مّن شُرَكَائِهِمْ﴾ من الذين عبدوهم ﴿من دون الله﴾ وكتب شفعؤا في المصحف بواو قبل الألف كما كتب علمؤا بنى اسرائيل وكذلك كتبت السوأى بالألف قبل الياء إثباتاً للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَائِهِمْ كافرين﴾ أي يكفرون بآلهتهم ويجحدونها أو وكانوا فى الدينا كافرين بسببهم

стр. 4525

وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ الضمير في يتفرقون للمسلمين والكافرين لدلالة ما بعده عليه حيث قال

стр. 4526

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) ﴿فأما الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ﴾ أي بستان وهي الجنة والتنكير لإبهام أمرها وتفخيمه ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يسرون يقال حبره إذا سره سروراً تهلل له وجهه وظهر فيه أثره ثم اختلف فيه لاحتمال وجوه المسار فقيل يكرمون وقيل يحلون وقيل هو السماع فى الجنة

стр. 4527

وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) ﴿وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا وَلِقَاء الآخرة﴾ أي البعث ﴿فَأُوْلَئِكَ فِى

стр. 4528

العذاب مُحْضَرُونَ﴾ مقيمون لا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم كقوله وما هم بخارجين منها

стр. 4529

فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد فقال ﴿فَسُبْحَانَ الله﴾ والمراد بالتسبيح ظاهره الذي هو تنزيه الله من السوء والنثاء عليه بالخير فى هذه الروم (٢١ - ١٧) الأوقات لما يتجدد فيها من نعمة الله الظاهرة أو الصلاة فقيل لابن عباس هل تجد الصلوات الخمس في القرآن فقال نعم وتلا هذه الآية وهو نصب على المصدرو المعنى نزهوه عما لا يليق أو صلوا لله ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الفجر

стр. 4530

وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) ﴿وَلَهُ الحمد فِى السماوات والأرض﴾ اعتراض ومعناه أن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه وفى السموات حال من الحمد ﴿وَعَشِيّاً﴾ صلاة العصر وهو معطوف على حين تمسون وقوله عشياً متصل بقوله الا كثران الصلوات الخمس فرضت بمكة

стр. 4531

يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾ الطائر من البيضة أو الإِنسان من النطفة أو المؤمن من الكافر ﴿وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ أي البيضة من الطائر أو النطفة من الإِنسان أو الكافر من المؤمن والميت بالتخفيف فيهما مكي وشامي وأبو عمرو وأبو بكر وحماد بالتشديد غيرهم ﴿ويحيي الأرض﴾ بالنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ تخرجون حمزة وعلي وخلف أي ومثل ذلك الإخراج تخرجون من قبوركم والكاف في محل النصب بتخرجون والمعنى أن الإبداء والإعادة يتساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الميت

стр. 4532

من الحى وعكسة روى ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال من قرأ فسبحان الله حين تمسون إلى الثلاث وآخر سورة والصفات دبر كل صلاة كتب له من الحسنات عدد نجوم السماء وقطر الأمطار وورق الأشجار وتراب الأرض فإذا مات أجري له بكل حرف عشر حسنات في قبره قال ﵇ من قرأ حين يصبح فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ماب فاته فى يومه ومن نقالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته

стр. 4533

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) ﴿ومن آياته﴾ ومن علامات ربوبيته وقدرته ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ﴾ أي أباكم ﴿مّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ﴾ أي آدم وذريته ﴿تَنتَشِرُونَ﴾ تنصرفون فيما فيه معاشكم وإذا للمفاجأة وتقديره ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً منتشرين فى الأرض

стр. 4534

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) ﴿ومن آياته أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ أي حواء خلقت من ضلع آدم ﵇ والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال أو من شكل أنفسكم وجنسها لامن جلس آخر وذلك لما بين الاثنين من جنس واحد من الإلف والسكون وما بين الجنسين الروم (٢٥ - ٢١) المخلفين من التنافر يقال سكن إليه إذا مال إليه ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي جعل بينكم التواد والتراحم بسبب الزواج وعن الحسن المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد وقيل المودة للشابة والرحمة للعجوز وقيل المودة والرحمة من الله والفرك من الشيطان أي بغض المرأة زوجها وبغض الزوج المرأة ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلمون أن قوام الدنيا بوجود التناسل

стр. 4535

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) ﴿ومن آياته خَلْقُ السماوات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي اللغات أو أجناس النطق وأشكاله ﴿وألوانكم﴾ كالسواد والبياض وغيرهما ولاختلاف ذلك وقع التعارف وإلا فلو تشا كلت واتفقت لوقع التجاهل والالتباس ولتعطلت المصالح وفي ذلك آية بينة حيث ولدوا من أب واحد وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله متفاوتون ﴿إِنَّ فِى ذلك لآيات للعالمين﴾ جمع عالم وبكسر اللام حفص جمع عالِم ويشهد للكسر قوله تعالى وَمَا يَعْقِلُهَا الا العالمون

стр. 4536

وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) ﴿ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم مّن فَضْلِهِ﴾ هذا من باب اللف وترتيبه ومن آياته منامكم فى الومانين وابتغاؤكم فيهما والجمهور على الأول لتكرره في القرآن وأسد المعاني ما دل عليه القرآن ﴿إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي يسمعون سماع تدبر بآذان واعية

стр. 4537

وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) ﴿ومن آياته يُرِيكُمُ البرق﴾ في يريكم وجهان إضمار أن كما فى حرف ابن مسعود رضى الله عنه وإنزال الفعل منزلة المصدر وبهما فسر المثل تسمع بالمعيدي خير من أن تراه أي أن تسمع أو سماعك ﴿خَوْفًا﴾ من الصاعقة أو من الإخلاف ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيث أو خوفاً للمسافر وطمعاً للحاضر وهما منصوبان على المفعول له على تقدير حذف المضاف إليه مقامه أي إرادة خوف وإرادة طمع أو على الحال أي خائفين وطامعين ﴿وينزل من السماء﴾ وبالخفيف مكى وبصرى

стр. 4538

﴿ماء﴾ مطرا ﴿فيحيي بِهِ الأَرض بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِى ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ يتفكرون بعقولهم

стр. 4539

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) ﴿ومن آياته أَن تَقُومَ﴾ تثبت بلا عمد ﴿السماء والأرض بِأَمْرِهِ﴾ أي بإقامته وتدبيره وحكمته ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ للبعث ﴿دَعْوَةً مّنَ الأرض إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ من قبوركم هذا كقوله يريكم في ايقاع الجملة موقع المفرد على الروم (٢٨ - ٢٦) المعنى كأنه قال ومن آياته قيام السموات والأرض واستمسا كها بغير عمد ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاهم دعوة واحدة يا أهل القبور أخرجوا والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف وإنما عطف هذا على قيام السموات والأرض بثم بياناً لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله وهو أن يقول يا أهل القبور قوموا فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر كما قال ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ ينظنرون وإذا الأولى للشرط والثانية للمفاجأة وهي تنوب مناب الفساء في جواب الشرط ومن الأرض متعلق بالفعل لا بالمصدر وقولك دعوته من مكان كذا يجوز أن يكون مكانك ويجوز أن يكون مكان صاحبك

стр. 4540

وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) ﴿وَلَهُ مَن فِى السماوات والأرض كُلٌّ لَّهُ قانتون﴾ منقادون لوجود أفعاله فيهم لا يمتنعون عليه أو مقرون بالعبودية

стр. 4541

وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ﴿وَهُوَ الذى يَبْدَأُ الخلق﴾ أي ينشئهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ للبعث ﴿وَهُوَ﴾ أي البعث ﴿أَهْوَنُ﴾ أيسر ﴿عَلَيْهِ﴾ عندكم لأن الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء فلم أنكرتم الإعادة وأخرت الصلة في قوله وهو أهون عليه وقدمت في قوله هو على هين لقصد الاختصاص هناك وأما هنا فلا معنى للاختصاص وقال أبو عبيدة والزجاج وغيرهما الا هون

стр. 4542

بمعنى الهين فيوصف به الله وكان ذلك على الله يسيراً كما قالوا الله أكبراى كبير والإعادة في نفسها عظيمة ولكنها هونت بالقياس إلى الإنشاء أو هو أهون على الخلق من الإنشاء لأن قيامهم بصيحة واحدة أسهل من كونهم نطفاً ثم علقاً ثم مضغا إلى تكميل خلقهم ﴿وَلَهُ المثل الأعلى فِى السماوات والأرض﴾ أى الوصف الا على الذي ليس لغيره وقد عرف به ووصف فى السموات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة وغيرهما من المقدورات ويدل عليه قوله ﴿وَهُوَ العزيز﴾ أي القاهر لكل مقدور ﴿الحكيم﴾ الذي يجري كل فعل على قضايا حكمته وعلمه وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المثل الأعلى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السميع البصير وعن مجاهد هو قول لا إله إلا الله ومعناه وله الوصف الأرفع الذي هو الوصف بالوحدانية ويعضده قوله

стр. 4543

ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ فهذا مثل ضربة الله لمن جعل له شريكا من خلقه من للابتداء كأنه قال أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم ﴿هَلْ لكم﴾ معاشر الاحرار ﴿مما ملكت أيمانكم﴾ عبيدكم ومن التبعيض ﴿من شركاء﴾ من مريدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي ومعناه هل ترضون لا نفسكم وعبيدكم أمثالكم بشر كبشر وعبيد كعبيدان بشارككم بعضهم ﴿فِى مَا رزقناكم﴾ من الأموال وغيرها ﴿فأنتم﴾ معاشر الاحرار والعبيد الروم (٣٠ - ٢٨) ﴿فِيهِ﴾ في ذلك الرزق ﴿سَوَآء﴾ من غير تفصلة بين حر وعبد يحكم مما ليككم فى أموالكم كحكمكم ﴿تخافونهم﴾ حال من ضميرالفاعل في سواء أي متساوون خائفاً بعضكم بعضاً مشاركته فى المال والمعنى تخافون معاشر السادة عبيدكم فيها فلا تمضون فيها حكماً دون إذنهم خوفاً من لائمة تلحقكم من جهتهم ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ يعني كما يخاف بعض

стр. 4544

الأحرار بعضاً فيما هو مشترك بينهم فإذا لم يرضوا بذلك لأنفسكم فكيف ترضون لرب الأرباب ومالك الاحرار ومالعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء ﴿كذلك﴾ موضع الكاف نصب أي مثل هذا التفصيل ﴿نفصل الآيات﴾ نبينها لان التمثل مما يكشف المعانى ويوضحها ﴿لقوم يعقلون﴾ بتدبرون في ضرب الأمثال فلما لم ينزجروا أضرب عنهم فقال

стр. 4545

بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩) ﴿بَلِ اتبع الذين ظَلَمُواْ﴾ أنفسهم بما أشركوا كما قال الله تعالى إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عظيم ﴿أَهْوَاءهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي اتبعوا أهواءهم جاهلين ﴿فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ الله﴾ أي أضله الله تعالى ﴿وَمَا لَهُم مّن ناصرين﴾ من العذاب

стр. 4546

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ﴾ فقوم وجهك له وعد له غير ملتفت عنه يميناً ولا شمالاً وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه واهتمامه بأسبابه فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه وسدد إليه نظره وقوم له وجهه ﴿حنيفا﴾ حال من المأمور أو من الدين ﴿فِطْرَةَ الله﴾ أي الزموا فطرة الله والفطرة الخلقية ألا ترى إلى قوله لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله فالمعنى أنه خلقهم قابلين للتوحيد والإسلام غير نائين عنه ولا منكرين له لكونه مجاوباً للعقل مساوقاً للنظر الصحيح حتى لو تركوا لما اختاروا عليه ديناً آخر ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الجن والإنس ومنه قوله ﵇ كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري وقوله ﵇ كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه وقال الزجاج معناه أن الله تعالى فطر الخلق

стр. 4547

على الإيمان به على ما جاء فى الحديث ان الله أخرج من صلب آدم كالدر وأشهدهم على أنفسهم بأنه خالقهم فقال وإذ أخذر بك إلى قوله قالوا بلى وكل مولود هو من تلك الذرية التي شهدت بأن الله تعالى خالقها فمعنى فطرة الله دين الله ﴿التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا﴾ أي خلق ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ أي ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تغير وقال الزجاج معناه لا تبديل لدين الله ويدل عليه ما بعده وهو قوله ﴿ذلك الدين القيم﴾ أي المستقيم ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة ذلك

стр. 4548

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) ﴿مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه وهو حال من الضمير فى الزموا وقوله واتقوه وأقيموا ولا الروم (٣٨ - ٣١) تكونوا معطوف على هذا المضمر أو من قوله فأقم وجهك لأن الأمر له ﵇ أمر لأمته فكأنه قال فأقيموا وجوهكم منيبين إليه أو التقدير كونوا منيبين دليله قوله ﴿ولا تكونوا﴾ واتقووه ﴿أقيموا الصلاة﴾ أي أدوها في أوقاتها ﴿وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين﴾ ممن يشرك به غيره في العبادة

стр. 4549

مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) ﴿مِنَ الذين﴾ بدل من المشركين بإعادة الجار ﴿فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ جعلوه أدياناً مختلفة لاختلاف أهوائهم فارقوا حمزة وعلى وهى قراءة على رضى الله عنه أي تركوا دين الإسلام ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ فرقاً كل واحدة تشابع إمامها الذي أضلها ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ منهم ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ فرح بمذهبه مسرور يحسب باطله حقا

стр. 4550

وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) ﴿وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ﴾ شدة من هزال أو مرض أو قحط أو

стр. 4551

غير ذلك ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً﴾ أي خلاصاً من الشدة ﴿إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ في العبادة

стр. 4552

لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) ﴿لِيَكْفُرُواْ﴾ هذه لام كي وقيل لام الأمر الوعيد ﴿بِمَآ آتيناهم﴾ من النعم ﴿فَتَمَتَّعُواْ﴾ بكفركم قليلاً أمر وعيد ﴿فسوف تعلمون﴾ وبال تمنعكم

стр. 4553

أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا﴾ حجة ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ وتكلما مجاز كما تقول كتابه ناطق بكذا وهذا مما نطق به القرآن ومعناه الشهادة كأنه قال فهو يشهد بشركهم وبصحته ﴿بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ما مصدرية أي بكونهم بالله يشركون أو موصولة ويرجع الضمير إليها أي فهو يتكلم بالأمر الذي بسببه يشركون أو معنى الآية أم أنزلنا عليهم ذا سلطان أي ملكاً معه برهان فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون

стр. 4554

وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً﴾ أي نعمة من مطر أوسعة أوصحة ﴿فَرِحُواْ بِهَا﴾ بطروا بسببها ﴿وإن تصبهم سيئة﴾ أى بلاء من جذب أو ضيق أو مرض ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بسبب شؤم معاصيهم ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ من الرحمة إذ المفاجأة جواب الشرط نابت عن الفاء لتآخيهما في التعقيب

стр. 4555

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) ﴿أو لم يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لايات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أنكر عليهم بأنهم قد علموا بأنه القابض الباسط فما لهم يقنطون من رحمته ومالهم لا يرجعون إليه تائبين عن المعاصي التي عوقبوا بالشدة من أجلها حتى يعيد إليهم رحمته
следующие страницы →