← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

لقمان (٦ - ١) سورة لقمان مكية وهي ثلاث أو أربع وثلاثون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4587

الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) ﴿الم تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ ذي الحكمة أو وصف بصفة الله على الإسناد المجازي

стр. 4588

هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ حالان من الآيات والعامل معنى الإشارة في تلك حمزة بالرفع على أن تلك مبتدأ وآيات الكتاب خبره وهدى خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أو هو أي هدى ورحمة ﴿لّلْمُحْسِنِينَ﴾ للذين يعملون الحسنات المذكورة في قوله

стр. 4589

الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ونظيره قول أوس الالمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا أو للذين يعملون جميع ما يحسن ثم خص منهم القائمين بهذه الثلاثة لفضلها

стр. 4590

أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) ﴿أولئك على هُدًى﴾ مبتدأ وخبر ﴿مّن رَّبّهِمُ﴾ صفة لهدى ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ عطف عليه

стр. 4591

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الحديث﴾ نزلت في النضر بن الحرث وكان يشتري أخبار الا كاسرة من فارس ويقول إن محمداً يقص طرفاً من قصة عاد وثمود فأنا أحدثكم بأحاديث الا كاسرة فيميلون إلى حديثه ويتركون استماع القرآن واللهو كل باطل الهى عن الخيروعما يعني ولهو الحديث نحو السمر بالأساطير التي لا أصل لها والغناء وكان ابن مسعود وابن عباس ﵄ يحلفان أنه الغناء وقيل الغناء مفسدة للقلب منفذة للمال مسخطة للرب وعن النبي ﷺ ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت والاشتراء من الشراء كما روي عن النضر أو من قوله اشتروا الكفر بالإيمان أي استبدلوه منه واختاروه عليه أي يختارون حديث الباطل على حديث الحق وإضافة اللهو إلى الحديث للتبيين بمعنى من لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره فبيّن بالحديث والمراد بالحديث الحديث المنكر كما جاء في الحديث الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش أو للتبعيض كأنه قيل ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه ﴿لِيُضِلَّ﴾ أي ليصد الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ليضَل مكي وأبو عمرو أي لقمان (١١ - ٦) ليثبت على ضلاله الذي كان عليه ويزيد فيه ﴿عَن سَبِيلِ الله﴾ عن دين الإسلام والقرآن ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي جهلاً منه بما عليه من الوزرية ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ أي السبيل بالنصب كوفي غير أبي بكر

стр. 4592

عطفاً على ليضل ومن رفع عطفه على يشتري ﴿هُزُواً﴾ بسكون الزاي والهمزة حمزة وبضم الزاي بلا همز حفص وغيرهم بضم الزاي والهمزة ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي يهينهم ومن لا بهامه يقع على الواحد والجمع أي النضر وأمثاله

стр. 4593

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧) ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مُسْتَكْبِراً﴾ أعرض عن تدبرها متكبراً رافعاً نفسه عن الإصغاء إلى القرآن ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ يشبه حاله في ذلك حال من لم يسمعها وهو حال من مستكبرا والأصل كأنه والضمير ضمير الشأن ﴿كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ ثقلاً وهو حال من لم يسمعها أذنيه نافع ﴿فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾

стр. 4594

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) ﴿إن الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جنات النعيم﴾ ولا وقف عليه لأن

стр. 4595

خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) ﴿خالدين فِيهَا﴾ حال من الضمير في لهم ﴿وَعْدَ الله حَقّا﴾ مصدران مؤكدان الأول مؤكد لنفسه والثانى مؤكد لغيره إذلهم جنات النعيم في معنى وعدهم الله جنات النعيم فأكد معنى الوعد وحقا يدل على معنى الثبات فأكد به معنى الوعد ومؤكدهما لهم جنات النعيم ﴿وَهُوَ العزيز﴾ الذى لا يغلبه شئ فيهين أعداءه بالعذاب المهين ﴿الحكيم﴾ بما يفعل فيثيب أولياءه بالنعيم المقيم

стр. 4596

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) ﴿خَلَقَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جمع عماد ﴿تَرَوْنَهَا﴾ الضمير للسموات وهو استشهاد برؤيتهم لها غير معمودة على قوله بغير عمد كما تقول لصاحبك أنا بلا سيف ولا رمح تراني ولا محل لها من الأعراب لأنها مستأنفة أو في محل الجر صفة لعمد أي بغير عمد مرئية يعني أنه

стр. 4597

عمدها بعمد لا ترى وهو إمساكها بقدرته ﴿وألقى فِى الأرض رَوَاسِيَ﴾ جبالاً ثوابت ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ لئلا تضطرب بكم ﴿وَبَثَّ﴾ ونشر ﴿فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ﴾ صنف ﴿كَرِيمٍ﴾ حسن

стр. 4598

هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١) ﴿هذا﴾ إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته ﴿خَلَقَ الله﴾ أي مخلوقه ﴿فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ﴾ يعني آلهتهم بكّتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه الله فأروني ما خلقته آلهتكم حتى لقمان (١٤ - ١١) استوجبوا عندكم العبادة ﴿بَلِ الظالمون فِى ضلال مُّبِينٍ﴾ أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالتورط في ضلال ليس بعده ضلال

стр. 4599

وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة﴾ وهو لقمان بن باعوراء بن أخت أيوب أو ابن خالته وقيل كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود ﵇ وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعث داود ﵇ فلما بعث قطع الفتوى فقيل له فقال ألا أكتفي إذا كفيت وقيل كان خياطاً وقيل نجاراً وقيل راعياً وقيل كان قاضياً في بني إسرائيل وقال عكرمة والشعبي كان نبياً والجمهور على أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً وقيل خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة وهي الإصابة في القول والعمل وقيل تتلمذ لألف نبى وتتلمذ له ألف نبى وأن في ﴿أَنِ اشكر للَّهِ﴾ مفسرة والمعنى أي اشكر لله لأن إيتاء الحكمة في معنى القول وقد نبه الله تعالى على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما وعبادة الله والشكر له حيث فسر إيتاء الحكمة بالحث على الشكر وقيل لا يكون الرجل حكيماً حتى يكون حكيما فى قوله وفعل ومعاشرته وصحبه وقال السرى السقطى الشكر أن لا

стр. 4600

نعصى الله بنعمه وقال الجنيد أن لا ترى معه شريكاً في نعمه وقيل هو الإقرار بالعجز عن الشكر والحاصل أن شكرالقلب المعرفة وشكر اللسان الحمد وشكر الأركان الطاعة ورؤية العجز فى الشكل دليل قبول الكل ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن منفعته تعود إليه فهو يريد المزيد ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ النعمة ﴿فَإِنَّ الله غَنِىٌّ﴾ غير محتاج إلى الشكر ﴿حَمِيدٌ﴾ حقيق بأن يحمدو ان لم يحمده أحد

стр. 4601

وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) ﴿وَإِذْ﴾ أي واذكر إذ ﴿قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ﴾ أنعم أو اشكر ﴿وهو يعظه يا بني﴾ الاسكان مكى يا بنى حفض بفتحه في كل القرآن ﴿لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه ومن لا نعمة له أصلاً

стр. 4602

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ﴾ أي حملته تهن وهناً على وهن أي تضعف ضعفاً فوق ضعف أي يتزايد ضعفها ويتضاعف لأن الحمل كلما ازداد أو عظم ازدادت ثقلاً وضعفاً ﴿وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ﴾ أي فطامه عن الرضاع لتمام عامين ﴿أَنِ اشكر لي ولوالديك﴾ هو تفسير لو صينا أي وصيناه بشكرنا وبشكر والديه وقوله حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين اعتراض بين المفسر والمفسر لأنه لما وصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم وتعانيه من المشاق في حمله وفصاله هذه المدة الطويلة تذكيراً بحقها العظيم مفرداً وعن ابن عيينة من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله ومن دعا للوالدين لقمان (١٧ - ١٥) في أدبار الصلوات الخمس فقد شكرهما ﴿إِلَىَّ المصير﴾ أي مصيرك إليّ وحسابك عليّ

стр. 4603

وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) ﴿وَإِن جاهداك على أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أراد بنفي العلم به نفيه أى لا تشرك بى ماليس بشيء يريد الأصنام ﴿فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ في الشرك ﴿وصاحبهما فِى الدنيا مَعْرُوفاً﴾ صفة مصدر محذوف أي صحاباً معروفاً حسناً بخلق جميل وحلم واحتمال بر وصلة ﴿واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ﴾ أي سبيل المؤمنين في دينك ولا تتبع سبيلهما فيه وإن كنت مأموراً بحسن مصاحبتهما في الدنيا وقال ابن عطاء صاحب من ترى عليه أنوار خدمتي ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي مرجعك ومرجعهما ﴿فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فأجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما وقد اعترض بهابين الآيتين على سيبل الاستطراد تأكيداً لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك يعني إنا وصيناه بوالديه وأمرناه أن لا يطيعهما في الشرك وإن جهدا كل الجهد لقبحه

стр. 4604

يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) ﴿يا بني إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ﴾ بالرفع مدنى والضمير للقصة وأنث المثقال لإضافته إلى الحبة كما قال كما شرقت صدر القناة من الدم وكان تامة والباقون بالنصب والضمير للهيئة من الإساءة والإحسان أي إن كانت مثلاً في الصغر كحبة خردل ﴿فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السماوات أَوْ فِى الأرض﴾ أي فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة

стр. 4605

أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي والأكثر على أنها التي تمليها الأرض وهى السجين بكتب فيها أعمال الفجار وليست من الأرض ﴿يَأتِ بِهَا الله﴾ يوم القيامة فيحاسب بها عاملها ﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ﴾ بتوصل علمه إلى كل خفي ﴿خَبِيرٌ﴾ عالم بكنهه أو لطيف باستخراجها خبير بمستقرها

стр. 4606

يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) ﴿يا بني أَقِمِ الصلاة وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر واصبر على مَا أَصَابَكَ﴾ في ذات الله تعالى إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر أو على ما أصابك من المحن فإنها تورث المنح ﴿إِنَّ ذلك﴾ الذي وصيتك به ﴿من عزم الأمور﴾ أى مما عومه الله من الأمور أي قطعه قطع إيجاب وإلزام أي أمر به أمراً حتماً وهو من تسمية المفعول بالمصدر وأصله من معزومات الأمور أى مقطوعاتها لقمان (٢٠ - ١٨) ومفروضانها وهذا دليل على أن هذه الطاعات كانت مأموراً بها في سائر الأمم

стр. 4607

وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) ﴿ولا تصعر خدك للناس﴾ أى ولاتعرض عنهم تكبراً تصاعر أبو عمرو ونافع وحمزة وعلى وهو بمعنى تصعر والصعير داء يصيب البعير يلوي منه عنقه والمعنى أقبل على الناس بوجهك تواضعاً ولا تولهم شق وجهك وصفحته كما يفعله المتكبرون ﴿وَلاَ تَمْشِ فِى الأرض مَرَحًا﴾ أي تمرح مرحاً أو أوقع المصدر موقع الحال أي مرحاً أو لا تمشى لأجل المرح والأشر ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ متكبر ﴿فَخُورٌ﴾ من يعدد مناقبه تطاولا

стр. 4608

وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) ﴿واقصد﴾ القصد التوسط بين العلو والتقصير ﴿فِى مشيك﴾ أى اعل فيه حتى يكون مشياً بين مشيين لا تدب دبيب المتماوتين ولا تثب وثوب الشطار قال ﵇ سرعة المشي تذهب بهاء

стр. 4609

المؤمن وأما قول عائشة فى عمر رضى الله تعالى عنه كان إذا مشى أسرع فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المماوت وعن ابن مسعود رضى الله عنه كانوا ينهون عن خيب اليهود ودبيب النصارى ولكن مشياً بين ذلك وقبل معناه وانظر موضع قدميك متواضعاً ﴿واغضض مِن صَوْتِكَ﴾ وانقص منه أي اخفض صوتك ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأصوات﴾ أي أوحشها ﴿لَصَوْتُ الحمير﴾ لأن أوله زفير وآخره شهيق كصوت أهل النار وعن الثورى صباح كل شيء تسبيح إلا الحمار فإنه يصيح لرؤية الشيطان ولذلك سماه الله منكراً وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير وتمثيل أصواتهم بالنهاق تنبيه على أن رفع الصوت في غاية الكراهة يؤيده ما روي أنه ﵇ كان يعجبه أن يكون الرجل خفيض الصوت ويكره أن يكون مجهور الصوت وإنما وحد صوت الحمير ولم يسمع لأنه لم يرد أن يذكر صوت كل واحد من احاد هذا الجنس حتى يجمع بل المراد أن كل جنس من الحيوان له صوت وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس فوجب توحيده

стр. 4610

أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات﴾ يعني الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك ﴿وَمَا فِى الأرض﴾ يعني البحار والأنهار والمعادن والدواب وغير ذلك ﴿وَأَسْبَغَ﴾ وأتم ﴿عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ مدني وأبو عمرو وسهل وحفص نعمته وغيرهم والنعمة كل نفع قصد به الإحسان ﴿ظاهرة﴾ بالمشاهدة ﴿وَبَاطِنَةً﴾ ما لا يعلم إلا بدليل ثم قيل الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح الظاهرة والباطنة القلب والعقل والفهم وما أشبه ذلك ويروى في دعاء موسى ﵇ إلهي دلني على أخفى نعمتك على عبادك فقال أخفى تعمتى عليهم النفس وقبل تخفيف الشرائع وتضعيف الذرائع والخلق والخلق ونيل العطايا وصرف البلايا وقبول الخلق ورضا الرب وقال ابن عباس

стр. 4611

الظاهرة ما سوى لقمان (٢٦ - ٢٠) من خلقك والباطنة ما ستر من عيوبك ﴿ومِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ﴾ نزلت فى النضر بن الجرث وقد مر في الحج

стр. 4612

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير﴾ معناه أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب

стр. 4613

وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله﴾ عدِّي هنا بالى وفى بلى من أسلم وجهه لله باللام فمعناه مع اللام أنه جعل وجهه وهوذاته ونفسه سالماً لله أي خالصاً له ومعناه مع إلى أنه سلم إليه نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه والمراد التوكل عليه والتفويض إليه ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فيما يعمل ﴿فَقَدِ استمسك﴾ تمسك وتعلق ﴿بالعروة﴾ هي ما يعلق به الشيء ﴿الوثقى﴾ تأنيث الا وثق مثل حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه ﴿وإلى الله عاقبة الأمور﴾ أي هي صائرة إليه فيجازي عليها

стр. 4614

وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ ولم يسلم وجهه لله ﴿فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ من حزن يُحزِنك نافع من أحزن أي لا يهمنك كفر من كفر ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ﴾ فنعاقبهم على أعمالهم ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ إن الله يعلم ما في صدور عباده فيفعل بهم على حسبه

стр. 4615

نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤) ﴿نُمَتّعُهُمْ﴾ زماناً ﴿قَلِيلاً﴾ بدنياهم ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ نلجئهم ﴿إلى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ شديد شبه إلزامهم التعذيب وإرهاقهم إياه باضطرار المضطر

стр. 4616

إلى الشيء والغلظ مستعار من الاجرام الغيظة والمراد الشدة والثقل على المعذب

стр. 4617

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله قُلِ الحمد لِلَّهِ﴾ إلزام لهم على اقرارهم بأن الذى خلق السموات والأرض هو الله وحده وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر وأن لا يعبد معه غيره ثم قال ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أن ذلك يلزمهم وإذا نبهوا عليه لم يتنبهوا

стр. 4618

لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) ﴿لِلَّهِ مَا فِى السماوات والأرض إِنَّ الله هُوَ الغنى﴾ عن حمد الحامدين ﴿الحميد﴾ المستحق للحمد وإن لم يحمدوه

стр. 4619

وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) قال المشركون إن هذا أي الوحي كلام سينفد فأعلم الله أن كلامه لقمان (٢٩ - ٢٧) لا ينفد بقوله ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِى الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله﴾ والبحر بالنصب أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم أن وهو ما والرفع على محل أن ومعمولها أي ولو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر أو على الابتداء والواو للحال على معنى ولو أن الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدوداً وقرىء يُمِدّهُ وكان مقتضى الكلام أن يقال ولو أن الشجر أقلام والبحر مداد لكن أعنى عن ذكر المداد قوله يمده لأنه من قولك مد الدواة وأمدها جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة وجعل الابحر السبعة مملوأة مدادا فهى نصب فيه مدادها أبدا صبالا ينقطع والمعنى ولو أن أشجار الأرض أقلام والبحر ممدودا بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله لما نفدت كلماته ونفدت الاقلام والمداد كقوله قل لوكان البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى فان قلت رعمت أن قوله والبحر يمده حال في أحد وجهي الرفع وليس فيه ضمير راجع إلى ذي

стр. 4620

الحال قلت هو كقولك جئت والجيش مصطف وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف وإنما ذكر شجرة على التوحيد لأنه أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاماً وأوثر الكلمات وهي جمع قلة على الكلم وهي جمع كثيرة لأن معناه ان كلماته لا تفى بكتبتها البحار فكيف بكلمه ﴿أَنَّ الله عَزِيزٌ﴾ لا يعجزه شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يخرج من علمه وحكمته شيء فلا تنفد كلماته وحكمه

стр. 4621

مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة﴾ إلا كخلق نفس واحدة وبعث نفس واحدة فحذف للعلم به أي سواء في قدرته القليل والكثير فلا يشغله شأن عن شأن ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ﴾ لقول المشركين إنه لا بعث ﴿بصير﴾ بأعمالهم فيجازنهم

стр. 4622

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ﴿ألم تر أن الله يولج الليل فِى النهار﴾ يدخل ظلمة الليل في ضوء النهار إذا أقبل الليل ﴿وَيُولِجُ النهار فِى الليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر﴾ لمنافع العباد ﴿كُلٌّ﴾ أي كل واحد من الشمس والقمر ﴿يَجْرِى﴾ في فلكه ويقطعه ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ إلى يوم القيامة أو إلى وقت معلوم الشمس إلى آخر السنة والقمر إلى آخر الشهر ﴿وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وبالياء عياش دل أيضاً بتعاقب الليل والنهار وزيادتهما ونقصانهما وجرى النيرين لقمان (٣٣ - ٣٠) في فلكيهما على تقدير وحساب وبإحاطته بجميع أعمال الخلق على عظم قدرته وكمال حكمته

стр. 4623

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) ﴿ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّ مَا يدعون﴾ بالياء عراقى فى غير أبي بكر ﴿مِن دُونِهِ الباطل وَأَنَّ الله هُوَ العلى الكبير﴾ أي ذلك الوصف الذي وصف به من

стр. 4624

عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون الله إنما هو بسبب أنه هو الحق الثابت الإلهية وأن من دونه باطل الإلهية وأنه هو العلي الشأن الكبير السلطان

стр. 4625

أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك﴾ وقريء الفلك وكل فُعْل يجوز فيه فعل كما يجوز في كل فعل فعل ﴿تجري في البحر بنعمة الله﴾ بإحسانه ورحمته أو بالريح لأن الريح من نعم الله ﴿ليريكم من آياته﴾ عجائب قدرته في البحر إذا ركبتموها ﴿إِنَّ فِى ذلك لآيات لّكُلّ صَبَّارٍ﴾ على بلائه ﴿شَكُورٍ﴾ لنعمائه وهما صفتا المؤمن فالإيمان نصفان نصفه شكر ونصفه صبر فكأنه قال إن في ذلك لآيات لكل مؤمن
следующие страницы →