← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩) ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ﴾ أي تجمعهم لحساب يوم ولجزاء يوم ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك في وقوعه ﴿إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد﴾ الموعد والمعنى أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك إن الجواد لا يخيب سائله أي لا يخلف ما وعد المسلمين والكافرين من الثواب والعقاب

стр. 492

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ برسول الله ﴿لَن تُغْنِيَ﴾ تنفع أو تدفع ﴿عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله﴾ من عذابه ﴿شَيْئاً﴾ من الأشياء ﴿وأولئك هم وقود النار﴾ حطبها

стр. 493

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) ﴿كدأب آل فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ الدأب مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله والكاف مرفوع المحل تقديره دأب هؤلاء الكفرة في تكذيب الحق كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم أو منصوب المحل بلن تغنى أى لن تغنى عنهم مثل مالم تغن عن أولئك كداب بلا همز حيث كان أبو عمرو ﴿كذبوا بآياتنا﴾ تفسير لدأبهم مما فعلوا أو فعل بهم على أنه جواب سؤال مقدر من حالهم ويجوز أن يكون حالاً أي قد كذبوا ﴿فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ﴾ بسبب ذنوبهم يقال أخذته بكذا أى جازيته عليه آل عمران (١١ _ ١٤) ﴿والله شَدِيدُ العقاب﴾ شديد عقابه فالإضافة غير محضة

стр. 494

قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) ﴿قل للذين كفروا﴾ هم مشكرو مكة ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ يوم بدر ﴿وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾ من الجهنام وهى بئر عميقة بالياء فيها حمزة وعلي ﴿وَبِئْسَ المهاد﴾ المستقر جهنم

стр. 495

قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣) ﴿قد كان لكم آية﴾ الخطاب لمشركي قريش ﴿فِي فِئَتَيْنِ التقتا﴾ يوم بدر ﴿فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله﴾ وهم المؤمنون ﴿وأخرى﴾ وفئة أخرى ﴿كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ﴾ يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين ألفين أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم ترونهم نافع أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة أو مثلي أنفسهم ولا يناقض هذا ما قال في سورة الأنفال وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لأنهم قللوا أولا فى

стр. 496

أعينهم حتى اجترءوا عليهم فلما اجتمعوا كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالتين مختلفتين ونظيره من المحمول على اختلاف الأحوال فيؤمئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان وقفوهم أنهم مسئولون وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ فى القدرة وإظهار الآية ومثليهم نصب على الحال لأنه من رؤية العين بدليل قوله ﴿رَأْيَ العين﴾ يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها ﴿والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ﴾ كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في أعين العدو ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في تكثير القليل ﴿لَعِبْرَةً﴾ لعظة ﴿لأُوْلِي الأبصار﴾ لذوي البصائر

стр. 497

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ المزين هو الله عند الجمهور للابتلاء كقوله ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زينة لها لنبلوهم﴾ دليله قراءة مجاهد زين للناس على تسمية الفاعل وعن الحسن الشيطان ﴿حُبُّ الشهوات﴾ الشهوة توقان النفس إلى الشئ جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة أو كأنه أراد تخسيسها بتسميتها شهوات إذ الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية ﴿مِّنَ النساء﴾ والإماء داخلة فيها ﴿والبنين﴾ جمع ابن وقد يقع في غير هذا الموضع على الذكور والإناث وهنا أريد به الذكور فهم المشتهون في الطباع والمعدون للدفاع ﴿والقناطير﴾ جمع قنطار وهو المال الكثير قيل ملء مسك ثور أو مائة ألف دينار ولقد جاء الإسلام وبمكة مائة رجل قد قنطروا ﴿المقنطرة﴾ المنضدة أو المدفونة ﴿مِنَ الذهب والفضة﴾ سمي ذهباً لسرعة ذهابه بالإنفاق وفضة لأنها تتفرق بالإنفاق والفض التفريق ﴿والخيل﴾ سميت به لاختيالها آل عمران (١٤ _ ١٨) في مشيها ﴿المسومة﴾ المعلمة من السومة

стр. 498

وهي العلامة أو المرعية من أسام الدابة وسومها ﴿والأنعام﴾ هي الأزواج الثمانية ﴿والحرث﴾ الزرع ﴿ذلك﴾ المذكور ﴿متاع الحياة الدنيا﴾ يتمتع بها في الدنيا ﴿والله عِندَهُ حُسْنُ المأب﴾ المرجع

стр. 499

قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) ثم زهدهم في الدنيا فقال ﴿قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم﴾ من الذي تقدم ﴿لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات﴾ كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم فجنات مبتدأ وللذين اتقوا خبره ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ صفة لجنات ويجوز أن يتعلق اللام بخير واختص المتقين لأنهم هم المنتفعون به ويرتفع جنات على هو جنات وتنصره قراءة من قرأ جناتٍ بالجر على البدل من خير ﴿خالدين فِيهَا وأزواج مُّطَهَّرَةٌ ورضوان مّنَ الله﴾ أي رضا الله ﴿والله بَصِيرٌ بالعباد﴾ عالم بأعمالهم فيجازيهم عليها أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم فلذا أعد لهم الجنات

стр. 500

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) ﴿الذين يَقُولُونَ﴾ نصب على المدح أو رفع أو جر صفة للمتقين أو للعباد ﴿رَبَّنَا إننا آمنا﴾ إجابة لدعوتك ﴿فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ إنجازاً لوعدك ﴿وَقِنَا عَذَابَ النار﴾ بفضلك

стр. 501

الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧) ﴿الصابرين﴾ على الطاعات والمصائب وهونصب على المدح ﴿والصادقين﴾ قولاً بإخبار الحق وفعلاً بإحكام العمل ونية بإمضاء العزم ﴿والقانتين﴾ الداعين أو المطيعين ﴿والمنفقين﴾ المتصدقين ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ المصلين أو طالبين المغفرة وخص الأسحار لأنه

стр. 502

وقت إجابة الدعاء ولأنه وقت الخلوة قال لقمان لابنه يا بني لا يكن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها وللإشعار بأن كل صفة مستقلة بالمدح

стр. 503

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) ﴿شَهِدَ الله﴾ أي حكم أو قال ﴿أَنَّهُ﴾ أي بأنه ﴿لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة﴾ بما عاينوا من عظيم قدرته ﴿وأولو العلم﴾ أي الأنبياء والعلماء ﴿قَائِمَاً بالقسط﴾ مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال ويثيب ويعاقب وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم وانتصابه على أنه حال مؤكدة من اسم الله تعالى أو من هو وإنما جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه ولو قلت جاء زيد وعمرو راكباً لم يجز لعدم الإلباس فإنك لو قلت جاءني زيد وهند راكبا جاز لتميزه بالذكروة أو على المدح وكرر ﴿لاَ إله إِلاَّ هو﴾ للتأكيد ﴿العزيز الحكيم﴾ آل عمران (١٩ _ ٢٠) رفع على الاستئناف أي هو العزيز وليس بوصف لهو لأن الضمير لا يوصف يعني أنه العزيز الذي لا يغالب الحكيم الذي لا يعدل عن الحق

стр. 504

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) ﴿إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ جملة مستأنفة وقرئ أن الدين على البدل من قوله أنه لا إله إلا هو أي شهد الله أن الدين عند الله الإسلام قال ﵇ من قرأ الآية عند منامه خلق الله تعالى منها سبعين ألف خلق يستغفرون له إلى يوم القيامة ومن قال بعدها وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذا الشهادة وهي لي عند الله وديعة يقول الله تعالى يوم القيامة إن لعبدي عندي عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة

стр. 505

﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى واختلافهم أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد فثلثت النصارى وقالت اليهود عزير ابن الله ﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم﴾ أنه الحق الذي لا محيد عنه ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي ما كان ذلك الاختلاف إلا حسداً بينهم وطلباً منهم للرياسة وحظوظ الدنيا واستنباع كل فريق ناسا لاشبهة في الإسلام وقيل هو اختلافهم في نبوة محمد ﵊ حيث آمن به بعض وكفر به بعض وقيل هم النصارى واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله ﴿وَمَن يَكْفُرْ بآيات الله﴾ بحججه ودلائله ﴿فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ سريع المجازاة

стр. 506

فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠) ﴿فَإنْ حَاجُّوكَ﴾ فإن جادلوك في أن دين الله الإسلام والمراد بهم وفد بني نجران عند الجمهور ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ﴾ أي أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيها لغيره شريكاً بأن أعبده وأدعو إلهاً معه يعني أن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندى وما جئت بشئ بديع حتى تجادلونى فيه ونحوه قل يا أهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ به شيئا فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو اليقين الذي لا شك فيه فما معنى المحاجة ﴿وَمَنِ اتبعن﴾ عطف على التاء في أسلمت

стр. 507

أى أسلمت أنا ومن اتبعنى وحسن للمفاصل ويجوز أن يكون الواو بمعنى مع فيكون مفعولاً معه ومن اتبعني في الحالين سهل ويعقوب وافق أبو عمرو في الوصل وجهي مدني وشامي وحفص والأعشى والبرجمي ﴿وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب﴾ من اليهود والنصارى ﴿والأميين﴾ والذين لا كتاب لهم من مشركى العرب ﴿أأسلمتم﴾ بهمزتين كوفى يعنى أنه قدأتاكم من البينات ما يقتضي حصول الإسلام فهل أسلمتم أم انتم عبد على كفركم وقيل لفظه لفظ الاستفهام أم ومعناه الأمر أي أسلموا كقوله فَهَلْ أَنْتُمْ منتهون أي انتهوا ﴿فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا﴾ فقد أصابوا الرشد حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ﴾ أي لم يضروك فإنك رسول منبه ما عليك إلا أن آل عمران (٢٠ _ ٢٤) تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى ﴿والله بَصِيرٌ بالعباد﴾ فيجازيهم على إسلامهم وكفرهم

стр. 508

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) ﴿إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين﴾ هم أهل الكتاب راضون بقتل آبائهم الأنبياء ﴿بِغَيْرِ حَقّ﴾ حال مؤكدة لأن قتل النبي لا يكون حقاً ﴿وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ﴾ ويقاتلون حمزة ﴿بالقسط﴾ بالعدل ﴿مِنَ الناس﴾ أي سوى الأنبياء قال ﵇ قتلت بنو اسرئيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً في آخر النهار من ذلك اليوم ﴿فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ دخلت الفاء فى خبران لتضمن اسمها معنى الجزاء كأنه قيل الذين يكفرون فبشرهم بعذاب أليم بمعنى من يكفر

стр. 509

فبشرهم وهذا لأن إن لا تغير معنى الابتداء فهي للتحقيق فكأن دخولها كلا دخول ولو كان مكانها ليت أو لعل لامتنع دخول الفاء

стр. 510

أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) ﴿أولئك الذين حَبِطَتْ أعمالهم﴾ أي ضاعت ﴿فِي الدنيا والآخرة﴾ فلهم اللعنة والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿وَمَا لَهُم مّن ناصرين﴾ جمع لوقف رءوس الآي وإلا فالواحد النكرة في النفي يعم

стр. 511

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب﴾ يريد أحبار اليهود وأنهم حصلوا نصيباً وافراً من التوراة ومن للتبعيض أو للبيان ﴿يُدْعُونَ﴾ حال من الذين ﴿إلى كتاب الله﴾ أي التوراة أو القرآن ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ جعل حاكماً حيث كان سبباً للحكم أو ليحكم النبى روى أنه ﵇ دخل مدارسهم فدعاهم فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد على أي دين أنت قال النبي ﵇ على ملة إبراهيم قالا إن إبراهيم كان يهودياً قال لهما إن بيننا وبينك التوراة فهلموا إليها فأبيا ﴿ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ منهم﴾ استبعاد لتوليهم بعد علمهم أن الرجوع إلى كتاب الله واجب ﴿وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ وهم قوم لا يزال الاعراض دينهم

стр. 512

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات﴾ أي ذلك التولي والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل وهي أربعون يوما أو سبعة أيام وذلك مبتدأ وبأنهم خبره ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي غرهم افتراؤهم على الله وهو قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبنا بذنوبنا إلا مدة آل عمران (٢٥ _ ٢٧) يسيره

стр. 513

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) ﴿فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ﴾ فكيف يكون حالهم في ذلك الوقت ﴿لاَ

стр. 514

رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك فيه ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ جزاء ما كسبت ﴿وَهُمْ﴾ يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس ﴿لاَ يُظْلَمُونَ﴾ بزيادة في سيئاتهم ونقصان فى حسناتهم

стр. 515

قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) ﴿قُلِ اللهم﴾ الميم عوض من يا ولذا لا يجتمعان وهذا بعض خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم وبدخول حرف النداء عليه وفيه لام التعريف وبقطع همزته في يا الله وبالتفخيم ﴿مالك الملك﴾ تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون وهو نداء ثانٍ أي يا مالك الملك ﴿تُؤْتِي الملك مَن تَشَاءُ﴾ تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت له من الملك ﴿وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ﴾ أي تنزعه فالملك الاول عام والملكان الآخران خاصان مضان من الكل روي أنه ﵇ حين فتح مكة واعدأمته ملك فارس والروم فقالت اليهود والمنافقون هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم اعز وامنع من ذلك ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ﴾ بالملك ﴿وَتُذِلُّ مَن تَشَاء﴾ بنزعه منه ﴿بيدك الخير﴾ أى الخير والشرفا كفتى بذكر أحد الضدين عن الآخر أو لأن الكلام وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة فقال بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك ﴿إِنَّكَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ولا يقدر على شيء أحد غيرك إلا بإقدارك وقيل المراد بالملك ملك العافية أو ملك القناعة قال ﵇ ملوك الجنة من أمتي القانعون بالقوت يوماً فيوماً أو ملك قيام الليل وعن

стр. 516

الشبلي الاستغناء بالمكون عن الكونين تعز بالمعرفة أو بالاستغناء بالمكون أو بالقناعة وتذل بأضدادها

стр. 517

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) ثم ذكر قدرته بالباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما وحال الحى والميت فى إخرج أحدهما من الآخر وعطف عليه رزقه بغير حساب بقوله ﴿تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل﴾ فالإيلاج ادخال الشئ فى الشئ وهو مجاز هنا أي تنقص من ساعات الليل وتزيد في النهار وتنقص من ساعات النهار وتزيد في الليل ﴿وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾ الحيوان من النطفة أو الفرج من البيضة أو المؤمن من الكافر ﴿وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ النطفة من الإنسان أو البيض من الدجاج أو الكافر من المؤمن ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ لا يعرف الخلق عدده ومقداره وإن كان معلوماً عنده ليدل على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام ثم قدر أن يرزق بغير حساب آل عمران (٢٨ _ ٣٠) من يشاء من عباده فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويدلهم ويؤتيه العرب ويعزهم وفي بعض الكتب أنا الله ملك الملوك قلوب الملوك ونواصيهم بيدي فان العباد أطاعونى جعلتهم عليم رحمة وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسبب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم وهو معنى قوله ﵇ كما تكونوا يولى عليكم الحي من الميت والميت من الحي بالتشديد حيث كان مدني وكوفي غير أبي بكر

стр. 518

لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاءَ﴾ نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم

стр. 519

أو لصداقة قبل الإسلام أو غير ذلك وقد قرر ذلك في القرآن والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم في الإيمان ﴿مِن دون المؤمنين﴾ يعنى أن لكم موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ﴾ أي ومن يوال الكفرة فليس من ولاية الله في شيء لأن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان ﴿إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة﴾ إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه أي إلا أن يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطال المعاداة ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ أي ذاته فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه وهذا وعيد شديد ﴿وإلى الله المصير﴾ أي مصيركم إليه والعذاب معد لديه وهو وعيد آخر

стр. 520

قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى الله ﴿يَعْلَمْهُ الله﴾ ولم يخف عليه وهو أبلغ وعيد ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ استئناف وليس بمعطوف على جواب الشرط أي هو الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض فلا يخفى عليه سركم وعلنكم ﴿والله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيكون قادراً على عقوبتكم

стр. 521

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠) ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بعيداً﴾ يوم منصوب بتودوا الضمير فيه بينه لليوم أي يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين تتمنى لو أن بينهما وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً أى مسافة بعيدة أو باذكر ويقع تجد على ما عملت وحده ويرتفع وما عملت على الابتداء وتود خبره أى والذى عملته من سوء تودهى لو تباعد ما بينها وبينه ولا يصح أن تكون ما شرطية لارتفاع تود نعم الرفع جائز إذا كان الشرط ماضياً لكن الجزم هو

стр. 522

الكثير وعن المبرد أن الرفع شاذ وكرر قوله آل عمران (٣٠ _ ٣٥) ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه ﴿والله رؤوف بالعباد﴾ ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه حتى لا يتعرضوا لسخطه ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذوراً لكمال قدرته مرجو لسعة رحمته كقوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ونزل حين قال اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه

стр. 523

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله﴾ محبة العبد لله إيثار طاعته على غير ذلك ومحبة الله العبد أن يرضى عنه ويحمد فعله وعن الحسن زعم أقوام على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله فهو كذاب وكتاب الله يكذبه وقيل محبة الله معرفته ودوام خشيته ودوام اشتغال القلب به وبذكره ودوام الأنس به وقيل هي اتباع النبي ﵇ في أقواله وأفعاله وأحواله إلا ما خص به وقيل علامة المحبة أن يكون دائم التفكير كثير الخلوة دائم الصمت لا يبصر إذا نظر ولا يسمع إذا نودي ولا يحزن إذا أصيب ولا يفرح إذا أصاب ولا يخشى أحداً ولا يرجوه ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

стр. 524

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢) ﴿قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول﴾ قيل هي علامة المحبة ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أعرضوا عن قبول الطاعة ويحتمل أن يكون مضارعاً أي فإن تتولوا ﴿فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين﴾ أي لا يحبهم

стр. 525

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ﴿إن الله اصطفى﴾ اختار ﴿آدم﴾ أبا البشر ﴿وَنُوحاً﴾ شيخ المرسلين ﴿وآلَ إبراهيم﴾ إسماعيل وإسحق وأولادهما ﴿وآل عمران﴾ موسى وهرون هما ابنا عمران بن يصهر وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة ﴿عَلَى العالمين﴾ على عالمي زمانهم

стр. 526

ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) ﴿ذُرِّيَّةَ﴾ بدل من آل إبراهيم وآل عمران ﴿بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبره في موضع النصب صفة لذرية يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض موسى وهرون من عمران وعمران من يصهر ويصهر من قاهث وقاهث من لاوي ولاوي من يعقوب ويعقوب من إسحق وكذلك عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثار وهو يتصل بيهودا بن يعقوب بن إسحق وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله ﷺ وقيل بعضها من بعض في الدين ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يعلم من يصلح للإصطفاء أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها

стр. 527

إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) ﴿إِذْ قَالَتِ﴾ وإذ منصوب به أو بإضمار اذكر ﴿امرأة عمران﴾ هي امرأة عمران بن ماثان أم مريم جدة عيسى وهي حنة بنت فاقوذا ﴿رَبِّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ﴾ أوجبت ﴿مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ هو حال من ما وهي آل عمران (٣٥ _ ٣٧) بمعنى الذي أي معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يد لي عليه ولا أستخدمه وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم أو مخلصاً للعبادة يقال طين حر أي خالص ﴿فتقبل مني﴾ مدنى وأبو عمرو والتقبل أخذ الشئ على الرضا به ﴿إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾

стр. 528

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) ﴿فلما وضعتها﴾ الضمير لما في بطني وإنما أنّث على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنّي وَضَعْتُهَا أنثى﴾ أنثى حال من الضمير في وضعتها أي وضعت الحبلة أو النفس أو النسمة أنثى وإنما قالت هذا القول لأن التحرير لم يكن إلا للغلمان فاعتذرت عما نذرت وتحزنت إلى ربها ولتكلمها بذلك على وجه التحزن والتحسر قال الله ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ تعظيماً لموضوعها أي والله أعلم بالشئ الذى وضعت وماعلق به من عزائم الأمور وضعتُ شامي وأبو بكر بمعنى ولعل لله فيه سراً

стр. 529

وحكمة وعلى هذا يكون داخلاً في القول وعلى الأول يوقف عند قوله أنثى وقوله والله أعلم بما وضعت ابتداء إخبار من الله تعالى ﴿وَلَيْسَ الذكر﴾ الذي طلبت ﴿كالأنثى﴾ التي وهتب لها واللام فيهما للعهد ﴿وَإِنّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ معطوف على إني وضعتها أنثى وما بينهما جملتان معترضتان وإنما ذكرت حنة تسميتها مريم لربها لأن مريم في لغتهم العابدة فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها وأن يصدق فيها ظنها بها ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان قوله ﴿وإنّي﴾ مدني ﴿أُعِيذُهَا بِكَ﴾ أجيرها ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾ أولادها ﴿مِنَ الشيطان الرجيم﴾ الملعون في الحديث ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها

стр. 530

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ قبل الله مريم ورضي بها في النذر مكان الذكر ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قيل القبول اسم ما يقبل به الشئ كالسعوط بما يسعط به وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم تقبل قبلها أنثى في ذلك أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة روي أن حنة لما ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة فقالت لهم دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم وكانت بنو ماثان رءوس بني إسرائيل وأحبارهم فقال لهم زكريا أنا أحق بها عندي أختها فقالوا لا حتى نقترع عليها فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتكفلها وقيل هو مصدر على تقدير حذف المضاف أي فتقبلها
следующие страницы →