← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) ﴿يسألك الناس عَنِ الساعة﴾ كان المشركون يسألون رسول الله ﷺ عن وقت قيام الساعة استعجالاً على سبيل الهزء واليهود يسألونه امتحاناً لأن الله تعالى عمى وقتها في التوراة وفي كل كتاب فأمر رسوله بأن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به ثم بين لرسوله أنها قريبة الوقوع تهديداً للمستعجلين وإسكاناً للممتحنين بقوله ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً﴾

стр. 4762

شيئاً قريباً أو لأن الساعة في معنى الزمان

стр. 4763

إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) ﴿إِنَّ الله لَعَنَ الكافرين وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً﴾ ناراً شديدة الاتقاد

стр. 4764

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) ﴿خالدين فِيهَا أَبَداً﴾ هذا يرد مذهب الجهمية لأنهم يزعمون أن الجنة والنار تفنيان ولا وقف على سَعِيراً لأن قوله خالدين فِيهَا حال عن الضمير في لَهُمْ ﴿لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ ناصراً يمنعهم اذكر

стр. 4765

يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النار﴾ تصرّف في الجهات كما ترى البضعة تدور في القدر إذا غلت وخصصت الوجوه لأن الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده أو يكون الوجه عبارة عن الجملة ﴿يقولون﴾ حال ﴿يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا﴾ فنخلص من هذا العذاب فتمنوا حين لا ينفعهم التمنى

стр. 4766

وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ جمع سيد ساداتنا شامي وسهل ويعقوب جمع الجمع والمراد رؤساء الكفرة الذين لقنوهم الكفر وزينوه لهم ﴿وَكُبَرَاءنَا﴾ ذوي الأسنان منا أو علماءنا ﴿فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ يقال ضل السبيل وأضله اياه الأحزاب (٧٢ - ٦٨) وزيادة الألف لإطلاق الصوت جعلت فواصل الآي كقوافي الشعر وفائدتها الوقف والدلالة على أن الكلام قد انقطع وأن ما بعده مستأنف

стр. 4767

رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨) ﴿ربنا آتهم ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب﴾ للضلال والإضلال ﴿والعنهم لَعْناً كَبِيراً﴾ بالباء عاصم ليدل على أشد اللعن وأعظمه وغيره بالثاء تكثيراً لأعداد اللعائن ونزل في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس

стр. 4768

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ﴾ ما مصدرية أو موصولة وأيهما كان فالمراد البراءة عن مضمون القول ومؤداه وهو الأمر المعيب وأذى موسى ﵇ هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذفه بنفسها أو اتهامهم إياه بقتل هرون فأحياه الله تعالى فأخبرهم ببراءة موسى ﵇ كما برأ نبينا ﵇ بقوله مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ ﴿وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً﴾ ذا جاه ومنزلة مستجاب الدعوة وقرأ ابن مسعود والأعمش وكان عبدا لله وجيها

стр. 4769

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ صدقاً وصواباً أو قاصداً إلى الحق والسداد القصد إلى الحق والقول بالعدل والمراد نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل في القول والبعث على أن يسددوا قولهم في كل باب لأن حفظ اللسان وسداد القول رأس كل خير ولا تقف على سَدِيداً لأن جواب الأمر قوله

стр. 4770

يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) ﴿يصلح لكم أعمالكم﴾ يقبل طاعاتكم أو يوفقكم لصالح العمل ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي يمحها والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتسديد قولكم فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم ما هو غاية الطلبة من تقبل حسناتكم والاثابة عليها ومن مغفرة سيآتكم وتكفيرها وهذه الآية مقررة للتي قبلها بنيت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله ﷺ وهذه على الأمر باتقاء الله في حفظ اللسان ليترادف عليهم النهي والأمر مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى ﵇ وإتباع الأمر الوعد البليغ فيقوي الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه ولما علق بالطاعة الفوز العظيم بقوله ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ أتبعه قوله

стр. 4771

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال﴾ وهو يريد بالأمانة

стр. 4772

الطاعة لله ويحمل الأمانة الخيانة يقال فلان حامل للأمانة ومحتمل لها أى لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته إذ الأمانة كانها راكبة الأحزاب (٧٣ - ٧٢) للمؤتمن عليها وهو حاملها ولهذا يقال ركبته الديون ولي عليه حق فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو حامل لها يعنى أن هذه الاجرام العظام من السموات والأرض والجبال قد انقادت لأمر الله انقياد مثلها وهو ما يتأتى من الجمادات وأطاعت له الطاعة التي تليق بها حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته أيجادا وتكوينا وتسوية على هيآت مختلفة وأشكال متنوعة كما قال ثُمَّ استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض أثتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين وأخبر أن الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب يسجدون لله وإن من الحجارة لما يهبط من خشية الله وأما الإنسان فلم تكن حاله فيما يصح منه من الطاعة ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه وهو حيوان عاقل صالح للتكليف مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع وهذا معنى قوله ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾ أي أبين الخيانة فيها وأن لا يؤدينها ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ وخفن من الخيانة فيها ﴿وَحَمَلَهَا الإنسان﴾ أي خان فيها وأبى أن لا يؤديها ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً﴾ لكونه تاركاً لأداء الأمانة ﴿جَهُولاً﴾ لإخطائه ما يسعده مع تمكه منه وهو أداؤها قال الزجاج الكافر والمنافق حملا الأمانة أي خانا ولم يطيعا ومن أطاع من الأنبياء والمؤمنين فلا يقال كان ظلوماً جهولاً وقيل معنى الآية أن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأفواه فأبى حمله وأشفق منه وحمله الإنسان على ضعفه إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها وضمنها ثم خان بضمانه فيها ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب وما جاء القرآن إلا على أساليبهم من ذلك قولهم لو قيل للشحم أين تذهب لقال أسوي العوج

стр. 4773

لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣) واللام في ﴿لّيُعَذّبَ الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات﴾

стр. 4774

للتعليل لأن التعذيب هنا نظير التأديب في قولك ضربته للتأديب فلا تقف على جَهُولاً ﴿وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات﴾ وقرأ الأعمش وَيَتُوبُ الله بالرفع ليجعل العلة قاصرة على فعل الحامل ويبتدئ وَيَتُوبَ الله ومعنى المشهورة ليعذب الله حامل الأمانة ويتوب على غيره ممن لم يحملها لأنه إذا تيب على الوافي كان نوعاً من عذاب الغادر أو للعاقبة أي حملها الإنسان فآل الآمر إلى تعذيب الأشقياء وقبول توبة السعداء ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً﴾ للتائبين ﴿رَّحِيماً﴾ بعباده المؤمنين والله الموفق للصواب

стр. 4775

سبأ (٣ - ١) سورة سبأ سورة سبأ مكية وهي أربع وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4776

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) ﴿الحمد﴾ إن أجرى على المعهود فهو بما حمد به نفسه محمود وإن أجرى على الاستغراق فله لكل المحامد الاستحقاق ﴿لِلَّهِ﴾ بلام التمليك لأنه خالق ناطق الحمد أصلاً فكان بملكه مالك الحمد للتحميد أهلاً ﴿الذى لَهُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض﴾ خلقاً وملكاً وقهراً فكان حقيقاً بأن يحمد سراً وجهراً ﴿وَلَهُ الحمد فِى الآخرة﴾ كما هو له في الدنيا إذ النعم في الدارين من المولى غير أن الحمد هنا واجب لأن الدنيا دار تكليف وثم لا لعدم التكلف وإنما يحمد أهل الجنة سروراً بالنعيم وتلذذاً بما نالوا من الأجر العظيم بقولهم الحمد لله الذى صدقنا وعده الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن ﴿وَهُوَ الحكيم﴾ بتدبير ما في السماء والأرض ﴿الخبير﴾ بضمير من يحمده ليوم الجزاء والعرض

стр. 4777

يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) ﴿يَعْلَمْ﴾ مستأنف ﴿مَا يَلْجُ﴾ ما يدخل ﴿فِى الأرض﴾ من الأموات والدفائن ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النيات وجواهر المعادن ﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء﴾ من الأمطار وأنواع البركات ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ يصعد إليها من

стр. 4778

الملائكة والدعوات ﴿وَهُوَ الرحيم﴾ بإنزال ما يحتاجون إليه ﴿الغفور﴾ لما يجترءون عليه

стр. 4779

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي منكرو البعث ﴿لاَ تأتينا الساعة﴾ ففى البعث وإنكار المجئ الساعة ﴿قُلْ بلى﴾ أوجب ما بعد النفي بلى على معنى أن ليس الأمر إلا إتيانها ﴿وَرَبّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ثم أعيد إيجابه مؤكداً بما هو الغاية في التوكيد والتشديد وهو التوكيد باليمين بالله ثم أمد التوكيد القسمى بما اتبع المقسم به من الوصف بقوله ﴿عالم الغيب﴾ لأن عظمة حال المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه وبشدة ئباته واستقامته لأنه بمنزلة الاستشهاد على الأمر وكلما كان المستشهد به أرفع منزلة كانت الشهادة أقوى وآكد والمستشهد عليه أثبت أو رسخ ولما كان قيام الساعة من مشاهير الغيوب وأدخلها في الخفية كان الوصف بما يرجع إلى علم الغيب أولى وأحق عالم الغيب مدنى وشامى أى هو عالم الغيب كلام الغيب حمزة وعلي على المبالغة ﴿لاَ يَعْزُبُ عنه﴾ وبكسر الزاى على يقال عزب سبأ (٧ - ٣) يعزب ويعزب إذا غاب وبعد ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ مقدار أصغر نملة ﴿فِى السماوات وَلاَ فِى الأرض وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ من مثقال ذرة ﴿وَلا أَكْبَرُ﴾ من مثقال ذرة ﴿إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ﴾ إلا في اللوح المحفوظ وَلاَ أَصْغَرُ وَلا أَكْبَرُ بالرفع عطف على مثقال ذرة ويكون إلا بمعنى لكن أورفعا بالابتداء والخبر فِى كتاب

стр. 4780

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) واللام فى ﴿ليجزي الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ لما قصروا فيه من مدارج الإيمان ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لما صبروا عليه من مناهج الإحسان متعلق بلتأتينكم تعليلا له

стр. 4781

وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) ﴿والذين سعوا في آياتنا﴾ جاهدوا في رد القرآن ﴿معاجزين﴾ مسابقين ظانين أنهم يفوتوننا مُعَجِزِينَ مكي وأبو عمرو أي مثبطين الناس عن اتباعها وتأملها أو ناسبين الله إلى العجز ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رجز أليم﴾ يرفع أَلِيمٌ مكي وحفص ويعقوب صفة لعذاب أي عذاب أليم من سيئ العذاب قال قتادة الرجز سوء العذاب وغيرهم بالجر صفة لرجز

стр. 4782

وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) ﴿وَيَرَى﴾ في موضع الرفع بالاستئناف أي ويعلم ﴿الذين أُوتُواْ العلم﴾ يعني أصحاب رسول الله صى ل ومن بطأ أعقابهم من أمته أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وأصحابه والمفعول الأول ليرى ﴿الذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ﴾ يعني القرآن ﴿هو الحق﴾ أى الصدق وهو فضل والحق مفعول ثانٍ أو في موضع النصب معطوف على ليجزى وليعلم أولو العلم عند مجئ الساعة أنه الحق علما لا يزاد غليه في الإيقان ﴿وَيَهْدِى﴾ الله أو الذي أنزل إليك ﴿إلى صِرَاطِ العزيز الحميد﴾ وهو دين الله

стр. 4783

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ وقال قريش بعضهم لبعض ﴿هل ندلكم على رجل﴾ يعنون محمدا ﷺ وإنما نكّروه مع أنه كان مشهوراً علماً في قريش وكان إنباؤه بالبعث شائعاً عندهم تجاهلاً به وبأمره وباب التجاهل في البلاغة وإلى سحرها ﴿يُنَبّئُكُمْ إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب أنكم تبعثون وتنشؤن خلقاً جديداً بعد أن تكونوا رفاتاً وتراباً ويمزق أجسادكم البلاء كل ممزق أي يفرقكم كل تفريق فالممزق مصدر بمعنى التمزيق والعامل فى إذا مادل عليه أنكم لفى سبأ (١٠ - ٨) خَلْقٍ

стр. 4784

جَدِيدٍ أي تبعثون والجديد فعيل بمعنى فاعل عند البصريين تقول جد فهو جديد كقل فهو قليل ولا يجوز إِنَّكُمْ بالفتح للام في خبره

стр. 4785

أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨) ﴿افترى عَلَى الله كَذِبًا﴾ أهو مفترٍ على الله كذباً فيما ينسب إليه من ذلك والهمزة للاستفهام وهمزة الوصل حذفت استغناء عنها ﴿أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه ﴿بَلِ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة فِى العذاب والضلال البعيد﴾ ثم قال ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء وهو مبرأ منهما بل هؤلاء القائلون الكافرون بالبعث واقعون في عذاب النار وفيما يؤديهم إليه من الضلال عن الحق وهم غافلون عن ذلك وذلك أجن الجنون جعل وقوعهم في العذاب رسيلاً لوقوعهم في الضلال كأنهما كائنان في وقت واحد لأن الضلال لما كان العذاب من لوازمه جعلا كأنهما مقترنان ووصف الضلال بالبعيد من الإسناد المجازي لأن البعيد صفة الضال إذا بعد عن الجادة

стр. 4786

أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) ﴿أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والأرض إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بهم﴾ وبالادغام على التقارب بين الفاء والباء وضعفه البعض لزيادة صوت الفاء على الباء ﴿الأرض أَوْ نُسْقِطْ﴾ الثلاثة بالياء كوفي غير عاصم لقوله افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴿عَلَيْهِمْ كِسَفاً﴾ كِسَفًا حفص ﴿مّنَ السماء﴾ أي أعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما وان يخرجوا عماهم فيه من ملكوت اللله ولم يخافوا أن يخسف الله بهم أو يسقط عليهم كسفا لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول وبما جاء به كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما

стр. 4787

وما تدلان عليه من قدرة الله تعالى ﴿لآيَةً﴾ لدلالة ﴿لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ راجع إلى ربه مطيع له إذ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله على أنه قادر على كل شيء من البعث ومن عقاب من يكفر به

стр. 4788

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) ﴿ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال﴾ بدل من فضلا أو من آتينا بتقدير قولنا يا جبال أو قلنا يا جبال ﴿أَوّبِى مَعَهُ﴾ من التأويب رجعي معه التسبيح ومعنى تسبيح الجبال أن الله يخلق فيها تسبيحاً فيسمع منها كما يسمع من المسبح معجزة لداود ﵇ ﴿والطير﴾ عطف على محل الجبال والطير عطف على لفظ الجبال وفي هذا النظم من الفخامة مالا يخفى حيث جعلت الجبال بمنزلة العقلاء الذين إذا أمرهم بالطاعة أطاعوا وإا دعاهم أجابوا اشعار بأنه مامن حيوان إلا وهو منقاد لمشيئة الله سبأ (١٣ - ١٠) تعالى ولو قال آتينا داود منا فضلاً تأويب الجبال معه والطير لم يكن فيه هذه الفخامة ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الحديد﴾ وجعلناه له ليّناً كالطين المعجون يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة وقيل لأن الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة

стр. 4789

أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) ﴿أن اعمل﴾ أن بمعنى أى أمرناه أن أعمل ﴿سابغات﴾ دروعاً واسعة تامة من السبوغ وهو أول من اتخذها وكان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء وقيل كان يخرج متنكراً فيسأل الناس عن نفسه ويقول لهم ماتقولون في داود فيثنون عليه فقيض الله له ملكا فى سورة آدمي فسأله على عادته فقال نعم الرجل لولا خصلة فيه وهو انه يطعم عيالهمن بيت المال فسأل عند ذلك ربه أن يسبب له ما يستغني به عن بيت المال فعلمه صنعة الدروع وقدر في السرد لا نجعل المسامير دقاقا فنغلق ولا غلاظا فتفصم الحلق والسردنسج الدروع

стр. 4790

﴿واعملوا﴾ الضمير لداود وأهله ﴿صالحا﴾ خالصاً يصلح للقبول ﴿إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فأجازيكم عليه

стр. 4791

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) ﴿ولسليمان الريح﴾ أي وسخرنا لسليمان الريح وهي الصبار ورفع الريح أبو بكر وحماد والفضل أي ولسليمان الريح مسخرة ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك وكان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر فارس وبينهما مسيرة شهر ويروح من اصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع وقيل كان يتغدى بالري ويتعشى بسمرقند ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر﴾ أي معدن النحاس فالقطر النحاس وهو الصفر ولكنه أساله وكان يسيل في الشهر ثلاثة أيام كما يسيل الماء وكان قبل سليمان لا يذوب وسماه عين القطر باسم ما آل إليه ﴿وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ﴾ من في موضع نصب أي وسخرنا من الجن من يعمل ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبّهِ﴾ بأمر ربه ﴿وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ﴾ ومن يعدل منهم ﴿عَنْ أَمْرِنَا﴾ الذي أمرنا به من طاعة سليمان ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير﴾ عذاب الآخرة وقيل كان معه ملك بيده سوط من نار فمن زاغ عن أمر سليمان ﵇ ضربه ضربة أحرقته

стр. 4792

يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣) ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن محاريب﴾ أي مساجد أو مساكن ﴿وتماثيل﴾ أي صور السباع والطيور وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما وكان التصوير مباحاً حينئذ ﴿وَجِفَانٍ﴾ جمع جفنة ﴿كالجواب﴾ جمع جابية وهي الحياض الكبار قيل كان يقعد على الجفنة ألف رجل كالجوابي في الوصل والوقف مكي ويعقوب وسهل وافق أبو عمرو في الوصل الباقون بغير ياء اكتفاء بالكسرة ﴿وَقُدُورٍ راسيات﴾ ثابتات

стр. 4793

على الاثافى سبأ (١٥ - ١٣) لا تنزل عنها لعظمها وقيل إنها باقية باليمين وقلنا لهم ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ أي ارحموا أهل البلاد واسألوا ربكم العافية عن الفضيل وشكرا مفعول له أو حال أي شاكرين أو اشكروا اشكر الأن اعملوا فيه معنى اشكروا من حيث إن العمل للمنعم شكر له أو مفعول به يعني إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً وسئل الجنيد عن الشكر فقال بذل المجهود بين يدي المعبود ﴿وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ﴾ بسكون الياء حمزة وغيره بفتحها ﴿الشكور﴾ المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعتقادا أو اعترافا وكدحا وعن ابن عباس رضى اله عنه من يشكر على أحواله كلها وقيل من يشكر على الشكر وقيل من يرى عجزه عن الشكر وحكي عن داود ﵇ أنه جزا ساعات اليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلى

стр. 4794

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤) ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت﴾ أي على سليمان ﴿مَا دَلَّهُمْ﴾ أي الجن وآل داود ﴿على مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ﴾ أي الأرضة وهي دويبة يقال لها سرفة والأرض فعلها فأضيفت إليه يقال أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة ﴿تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾ والعصا تسمى منسأة لأنه ينسأ بها أي يطرد ومنساته بغير همز مدني وأبو عمرو ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ سقط سليمان ﴿تَبَيَّنَتِ الجن﴾ علمت الجن كلهم علماً بيناً بعد التباس الأمر على عامتهم وضعفتهم ﴿أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب مَا لَبِثُواْ﴾ بعد موت سليمان ﴿فِى العذاب المهين﴾ وروي أن داود ﵇ أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى ﵇ فمات قبل أن

стр. 4795

يتمه فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه فلما بقي من عمره سنة سأل ربه أن يعمي عليهم موته حتى يفرغوا منه ولتبطل دعواهم علم الغيب وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة ملك وهو ابن ثلاث عشر سنة فبقى فى ملكه أربعين سنة وبتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه وروي أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها فلم يجسر أحد بعده أن يدنو منه

стр. 4796

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ بالصرف بتأويل الحي وبعدمه أبو عمر وبتأويل القبيلة ﴿فِى مَسْكَنِهِمْ﴾ حمزة وحفص مَسْكَنِهِمْ علي وخلف وهو موضع سكناهم وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها باليمن أو مسكن كل واحد منهم غيرهم مساكنهم ﴿آية﴾ اسم كان ﴿جنتان﴾ بدل من آية أو خبر مبتدأ محذوف تقديره الآية جنتان ومعنى كونهما آية أن أهلها لما أعرضوا عن شكر الله سلبهم الله النعمة ليعتبروا أو يتعظموا فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط العم أو جعلهما آية أي علامة دالة على قدرة الله وإحسانه ووجوب شكره ﴿عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ أراد جماعتين من البساتين جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها وكل واحدة من الجماعتين فى سبأ (١٨ - ١٥) تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة كما تكون بساتين البلاد العامرة أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله ﴿كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ واشكروا لَهُ﴾ حكاية لما قال أنبياء الله المبعوثون إليهم أو لما قال لهم لسان الجمال أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك ولما أمرهم بذلك أتبعه قوله ﴿بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره قال ابن عباس كانت سبأ على ثلاث فراسخ من صنعاء وكانت أخصب البلاد تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل فتعمل بيدها وتسير بين تلك الشجر فيمتليء المكتل مما يتساقط فيه من الثمر وطيبها ليس فيها

стр. 4797

بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية ومن يمر بها من الغرباء يموت قمله لطيب هوائها

стр. 4798

فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ﴿فأعرضوا﴾ عن دعوة أنبيائهم فكذبوهم وقالوا مانعرف لله علينا نعمة ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم﴾ أي المطر الشديد أو العرم اسم الوادي أو هو الجرذ الذي نقب عليهم السّكر لما طغوا سلط الله عليهم الجرذ فنقبه من أسفله فغرقهم ﴿وبدلناهم بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ المذكورتين ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ وتسمية البدل جنتين للمشاكلة وازدواج الكلام كقوله وَجَزَاء سَيّئَةٍ سيئة مثلها ﴿ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ الأكل الثمر يثقل ويخفف وهو قراءة نافع ومكي والخمط شجر الأراك وقيل كل شجر ذي شوك ﴿وَأَثْلٍ وَشَىْء مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ الأثل شجر يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عوداً ووجه من نون الاكل وهو غير أبى عمر وان أصله ذواتى أكل أكل خمط فحذف المضاف وأقيم امضاف إليه مقامه أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل ذواتى أكل بشع ووجه أبى عمرو أن أكل الخمط في معنى البرير وهو ثمر الأراك إذا كان غضاً فكأنه قيل ذواتي برير والأثل والسدر معطوفان على أَكَلَ لا على خَمْطٍ لأن الأثل لا أكل له وعن الحسن قلل السدر لأنه أكرم ما بدلوا لأنه يكون في الجنان

стр. 4799

ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) ﴿ذَلِكَ جزيناهم بِمَا كَفَرُواْ﴾ أي جزيناهم ذلك بكفرهم فهو مفعول ثان مقدم ﴿وَهَلْ نُجَازِىِ إِلاَّ الكفور﴾ كوفي غير أبي بكر وَهَلْ يجازى إِلاَّ الكفور غيرهم يعني وهل نجازي مثل هذا الجزاء إلا م كفر النعمة ولم يشكرها أو كفر بالله أو هل يعاقب لأن الجزاء وإن كان عاماً يستعمل في معنى المعاقبة وفي معنى الإثابة لكن المراد الخاص وهو العقاب وعن الضحاك كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليه السلام

стр. 4800

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم﴾ بين سبإٍ ﴿وَبَيْنَ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالتوسعة على أهلها في النعم والمياه وهي قرى الشام ﴿قُرًى ظاهرة﴾ متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها فهي ظاهرة لأعين الناظرين أو ظاهرة للسابلة لم تبعد عن مسالكهم سبأ (٢٢ - ١٨) حتى تخفى عليهم وهي أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبإٍ إلى الشام ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير﴾ أي جعلنا هذه القرى على مقدار معلوم يقيل المسافر في قرية ويروح في أخرى إلى أن يبلغ الشام ﴿سِيرُواْ فِيهَا﴾ وقلنا لهم سيروا ولا قول ثمة ولكنهم لما مكنوا من السير وسويت لهم أسبابه فكأنهم أمروا بذلك ﴿ليالي وأياماً آمنين﴾ أي سيروا فيها إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات أي سيروا فيها آمنين لا تخافون عدواً ولا جوعاً ولا عطشاً وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت أياماً وليالي
следующие страницы →