← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا﴾ أي إذا قريء عليهم القرآن ﴿بينات﴾ واضحات ﴿قَالُواْ﴾ أي المشركون ﴿مَا هذا﴾ أي محمد ﴿رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وَقَالُواْ مَا هَذَآ﴾ أي القرآن ﴿إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرى وَقَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي وقالوا والعدول عنه دليل إنكار عظيم وغضب شديد ﴿لِلْحَقّ﴾ للقرآن أو لأمر النبوة كله ﴿لَمَّا جَاءهُمْ﴾ وعجزوا عن الإتيان بمثله ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي الحق ﴿إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ بتوه على أنه سحر ثم بتوه على أنه بين ظاهر كل عاقل تأمله سماه سحرا

стр. 4832

وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) ﴿وما آتيناهم مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ أي ما أعطينا مشركي مكة كتباً يدرسونها فيها برهان على صحة الشرك ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نَّذِيرٍ﴾ ولا أرسلنا إليهم نذيرا ينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا ثم توعدهم على تكذيبهم بقوله

стр. 4833

وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥) ﴿وكذب الذين من قبلهم﴾ أى كذب الذين تقدموهم من الأمم الماضية والقرون الخالية الرسل كما كذبوا ﴿وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَا آتيناهم﴾ أى ومابلغ أهل مكة عشر ما أوتي الأولون من طول الأعمار وقوة الاجرام وكثرة الأموال والاواد ﴿فَكَذَّبُواْ رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ للمكذبين الأولين فليحذروا من مثله وبالياء في الوصل والوقف يعقوب أي فحين كذبوا رسلهم جاءهم ٢ إنكاري بالتدمير والاستئصال ولم يغن عنهم استظهارهم بما هم مستظهرون فما بال هؤلاء وإنما قال فَكَذَّبُواْ وهو مستغنى عنه بقوله وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ لأنه لما كان معنى قوله وَكَذَّبَ

стр. 4834

الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وفعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه جعل تكذيب الرسل مسبباً عنه وهو كقول القائل أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم

стр. 4835

قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بواحدة﴾ بخصلة واحدة وقد فسرها بقوله ﴿أَن تَقُومُواْ﴾ على أنه عطف بيان لها وقيل هو بدل وعلى هذين الوجهين هو في محل الجر وقيل هو في محل الرفع على تقدير وهي أن تقوموا والنصب على تقدير أعني وأراد بقيامهم القيام عن مجلس رسول الله ﷺ وتفرقهم عن مجتمعهم عنده سبأ (٤٩ - ٤٦) أو قيام القصد إلى الشيء دون النهوض والانتصاب والمعنى إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم وهي أن تقوموا ﴿لِلَّهِ﴾ أي لوجه الله خالصاً لا لحمية ولا عصبية بل لطلب الحق ﴿مثنى﴾ اثنين اثنين ﴿وفرادى﴾ فرداً فرداً ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ﴾ في أمر محمد ﷺ وما جاء به أما الاثنان فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران فيه نظر الصدق والإنصاف حتى يؤديهما النظر الصحيح إلى الحق وكذلك الفرد يتفكر في نفسه بعدل ونصفة ويعرض فكره على عقله ومعنى تفرقهم مثنى وفرادى أن الاجتماع مما يشوش الخواطر ويعمي البصائر ويمنع من الرؤية ويقل الإنصاف فيه ويكثر الاعتساف ويثور عجاج التعصب ولايسمع إلا نصرة المذهب وتتفكروا معطوف على تقوموا ﴿ما بصاحبكم﴾ يعنى محمد ﷺ ﴿مّن جِنَّةٍ﴾ جنون والمعنى ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قدام عذاب شديد وهو عذاب الآخرة وهو كقوله ﵇ بعثت بين يدي الساعة

стр. 4836

ثم بين أنه لا يطلب أجراً على الإنذار بقوله

стр. 4837

قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ﴾ على إنذاري وتبليغي الرسالة ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ جزاء الشرط تقديره أي شيء سألتكم من أجر كقوله مَّا يفتح الله للناس من رحمة ومعناه نفي مسألة الأجر رأساً نحو مالي فى هذا فهو لك أى ليس لى فيه شيء ﴿إِنْ أَجْرِىَ﴾ مدني وشامي وأبو بكر وحفص وبسكون الياء غيرهم ﴿إِلاَّ عَلَى الله وَهُوَ على كُلّ شَىْء شَهِيدٍ﴾ فيعلم أنى لا أطلب الاجر على نصيحتكم ودعائكم إليه إلا منه

стр. 4838

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) ﴿قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بالحق﴾ بالوحي والقذف توجيه السهم ونحوه بدفع واعتماد ويستعار لمعنى الالقاء ومنه وقذف فى قلوبهم الرعب أن اقذفيه فى التابوت ومعنى يقذف بالحق يلقيه وينزل إلى أنبيائه أو يرمي به الباطل فيدمغه ويزهقه ﴿علام الغيوب﴾ مرفوع على البدل من الضمير في يَقْذِفُ أو على أنه خبر مبتدا محذوف

стр. 4839

قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) ﴿قل جاء الحق﴾ الإسلام والقرى ن ﴿وما يبدئ الباطل وَمَا يُعِيدُ﴾ أي زال الباطل وهلك لأن الابداء والاعاردة من صفات الحي فعدمهما عبارة عن الهلاك والمعنى جاء الحق وزهق الباطل كقوله جَاء الحق وزهق الباطل وعن ابن مسعود رضى الله عنه دخل النبى ﷺ مكة وحول الكعبة أصنام فجعل يطعنها بعود معه ويقول جاء الحق وزهق الباطل إن كان زهو قاجاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد وقيل الباطل الأصنام وقيل سبأ (٣٥ - ٥٠) إبليس لأنه صاحب الباطل أو لأنه هالك كما قيل له الشيطان من شاط إذا هلك أي لا يخلق الشيطان ولا الصنم أحداً ولا يبعثه فالمنشيء والباعث هو الله

стр. 4840

قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) ولما قالوا قد ضللت بترك دين آبائك قال الله تعالى ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ﴾ عن الحق ﴿فَإِنَّمَا أَضِلُّ على نَفْسِى﴾ إن ضللت فمني وعليّ ﴿وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ ربي﴾ أى فبتسديده بالوحي إلي وكان قياس التقابل أن يقال وإن اهتديت فإنما أهتدي لها كقوله فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ولكن هما متقابلان معنى لأن النفس كل ما عليها وضار لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء ومالها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه وهذا حكم عام لكل مكلف وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لما أقوله لكم ﴿قَرِيبٌ﴾ مني ومنكم يجازيني ويجازيكم

стр. 4841

وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ جوابه محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً وحالاً هائلة ﴿إِذْ فَزِعُواْ﴾ عند البعث أو عند الموت أو يوم بدر ﴿فَلاَ فَوْتَ﴾ فلا مهرب أو فلا يفوتون الله ولا يسبقونه ﴿وأخذوا﴾ عطف على فزعوا وأخذوا فلا فوت لهم أو على لافوت على معنى إذا فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا ﴿مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ من الموقف إلى النار إذا بعثوا أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا أو من صحراء بدر إلى القليب

стр. 4842

وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) ﴿وَقَالُواْ﴾ حين عاينوا العذاب ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ بمحمد ﵇ لمرور ذكره في قوله مَا بصاحبكم من جنة أو بالله ﴿وأنى لَهُمُ التناوش مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ﴾ التناوش التناول أي كيف يتناولون التوبة وقد بعدت عنهم يريدان النوبه كانت تقبل منهم في الدنيا وقد ذهبت الدنيا وبعدت من الآخرة وقيل هذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة كما يتناول الآخرة من قيس ذراع التناوش بالهمزة أبو عمرو وكوفي غير حفص همزت الواو لأن كل واو مضمومة ضمتها

стр. 4843

لازمة إن شئت أبدلتها همزة وإن شئت لم تبدل نحو قولك أدور وتقاوم وإن شئت قلت إدؤر وتقاؤم وعن ثعلب التناؤش بالهمزة التناول من بعد وبغير همزة التناول من قرب

стр. 4844

وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) ﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ مِن قَبْلُ﴾ من قبل العذاب أو في الدنيا ﴿وَيَقْذِفُونَ بالغيب﴾ معطوف على قَدْ كَفَرُواْ على حكاية الحال الماضية يعني وكانوا يتكلمون بالغيب أو بالشيء الغائب يقولون لابعث ولا حساب ولا جنة ولا نار ﴿مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ﴾ عن الصدق أو عن الحق والصواب أو هو قولهم فى رسول سبأ (٥٤) فاطر (١) الله ﷺ شاعر ساحر كذاب وهذا تكلم بالغيب والأمر الخفي لأنهم لم يشاهدوا منه سحراً ولا شعراً ولا كذباً وقد أتوا بهذا الغيب من جهة بعيدة من حاله لأن أبعد شيء مما جاء به السحر والشعر وأبعد شىء من عادته التي عرفت بينهم وجربت الكذب وَيَقْذِفُونَ بالغيب عن أبي عمرو على البناء للمفعول أي تأتيهم به شياطينهم ويلقنونهم إياه وإن شئت فعلقه بقوله وقالوا آمنا به على أنه مثلهم فى طلبهم تحصل ما عطلوا من الإيمان في الدنيا بقولهم آمنا في الآخرة وذلك مطلب مستبعد بمن يقذف شيئاً من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه حيث يريد أن يقع فيه لكونه غائباً عنه بعيداً ويجوز أن يكون الضمير في آمنا به للعذاب الشديد في قوله بين يدى عذاب شديد وكانوا يقولون ومانحن بمعذبين إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة والعقاب والثواب ونحن أكرم على الله من أن يعذبنا قائسين أمر الآخرة عن أمر الدنيا فهذا كان قذفهم الغيب وهو غيب ومقذوف به من جهة بعيدة لأن دار الجزاء لا تنقاس على دار التكليف

стр. 4845

وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤) ﴿وَحِيلَ﴾ وحجز ﴿بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من نفع الإيمان يومئذ والنجاة من النار والفوز بالجنة أو من الرد إلى الدنيا كما حكى عنهم بقوله أرجعنا نعمل صالحا والأفعال التي هي فَزِعُواْ وَأُخِذُواْ

стр. 4846

وَحِيلَ كلها للمضي والمراد بها الاستقبال لتحقق وقوعه ﴿كَمَا فُعِلَ بأشياعهم مّن قَبْلُ﴾ بأشباههم من الكفرة ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكّ﴾ من أمر الرسل والبعث ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة من أرابه إذا أوقعه في الريبة هذا رد على من زعمم أن الله لا يعذب على الشك والله أعلم

стр. 4847

سورة الملائكة مكية وهى خمس واربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4848

الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ﴿الحمد للَّهِ﴾ حمد ذاته تعليماً وتعظيماً ﴿فَاطِرِ السماوات﴾ مبتدئها ومبتدعها قال ابن عباس رضى الله عنهما ما كنت أدري معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أي ابتدأتها ﴿والأرض جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً﴾ إلى عباده ﴿أُوْلِى﴾ ذوي اسم جمع لذو وهو بدل من رسلا أونعت له ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ جمع جناح ﴿مثنى وثلاث وَرُبَاعَ﴾ صفات لأجنحة وإنما لم تنصرف لتكرر العدل فيها وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد عن صيغ فاطر (٤ - ١) إلى صيغ أخرخ كما عدل عمر عن عامر وعن تكرير إلى غير تكرير وقيل للعدل والوصف والتعويل عليه والمعنى أن الملائكة طائفة أجنحتهم اثنان اثنان أي لكل واحد منهم جناحان وطائفة أجنحتهم ثلاثة ثلاثة ولعل الثالث يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة وطائفة أجنحتهم أربعة أربعة ﴿يَزِيدُ فِى الخلق﴾ أي يزيد في خلق الأجنحة وغيره ﴿مَا يَشَآءُ﴾ وقيل هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن والخط الحسن والملاحة في العينين والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة واعتدال صورة وتمام في الأعضاء وقوة في البطش وحصافة في العقل وجزالة في الرأي وذلاقة في اللسان ومحبة في قلوب المؤمنين وما أشبه ذلك ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ قادر

стр. 4849

مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) ﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ نكرت الرحمة للإشاعة والإبهام كأنه قال من أية رحمة رزق أو مطر أو صحة أو غير ذلك ﴿فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها واستعير الفتح للإطلاق والارسال ألاترى إلى قوله ﴿وَمَا يُمْسِكُ﴾ يمنع ويحبس ﴿فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ﴾ مطلق له ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ من بعد أمساكه وأنت الضمير الراجع إلى الاسم المتضمن معنى الشرط على معنى الرحمة ثم ذكره حملاً على اللفظ المرجع إليه إذلا تأنيث فيه لأن الأول فسر بالرحمة فحسن اتباع الضمير التفسير ولم يفسر الثاني فترك على أصل التذكير وعن معاذ مرفوعاً لا نزال يد الله مبسوطة على هذه الأمة مالم يرفق خيارهم بشرارهم ويعظم برهم فاجرهم وتعن قراؤهم أمراءهم على معصية الله فإذا فعلوا ذلك نزع الله يده عنهم ﴿وَهُوَ العزيز﴾ الغالب القادر على الإرسال والإمساك ﴿الحكيم﴾ الذي يرسل ويمسك ما تقتضي الحكمة إرساله وإمساكه

стр. 4850

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) ﴿يا أيها الناس اذكروا﴾ باللسان والقلب ﴿نعمة الله عَلَيْكُمْ﴾ وهي التي تقدمت من بسط الأرض كالمهاد ورفع السماء بلا عماد وإرسال الرسل لبيان السبيل دعوة إليه وزلفة لديه والزيادة في الخلق وفتح أبواب الرزق ثم نبه على رأس النعم وهو اتحاد المنعم بقوله ﴿هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله﴾ برفع غَيْرُ على الوصف لأن خالق مبتدأ خبره محذوف أي لكم وبالجر علي وحمزة على الوصف لفظاً ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ يجوز أن يكون مستأنفاً ويجوز أن يكون صفة لخالق ﴿مِّنَ السمآء﴾ بالمطر ﴿والأرض﴾ بأنواع النبات ﴿لآ إله إِلاَّ هُوَ﴾ جملة مفصولة لا محل لها ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ فبأي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك

стр. 4851

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ نعى به على قريش سوء تلقيهم لآيات الله وتكذيبهم بها فاطر (٨ - ٤) وسلى رسوله بأن له في الأنبياء قبله أسوة ولهذا نكر رُسُل أي رسل ذوو عدد كثير وأولو آيات ونذر وأهل اعمار طوال وأصحاب صبر وعزم لأنه أسلى له وتقدير الكلام وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل من قبلك لأن الجزاء يتعقب الشرط ولو أجرى على الظاهر يكوو سابقاً عليه ووضع فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قبلك موضع فتأس استغناء بالسبب عن السبب أى بالتكذيب عن التأسي ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ كلام يشتمل على الوعد والوعيد من رجوع الأمور إلى حكمه ومجازاة المكذّب والمكذّب بما يستحقانه ترجع بفتح التاء شامي وحمزة وعلي ويعقوب وخلف وسهل

стр. 4852

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) ﴿يا أيها الناس إِنَّ وَعْدَ الله﴾ بالبعث والجزاء ﴿حَقٌّ﴾ كائن ﴿فلا تغرنكم الحياة الدنيا﴾ فلا تجدعنكم الدنيا ولا يذهلنكم التمتع بها والتلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة وطلب ما عند الله ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور﴾ أي الشيطان فإنه يمنِّيكم الأمانيّ الكاذبة ويقول إن الله غني عن عبادتك وعن تكذيبك

стр. 4853

إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦) ﴿إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ظاهر العداوة فعل بأبيكم ما فعل وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بأحواله ﴿فاتخذوه عَدُوّاً﴾ في عقائدكم وأفعالكم ولا يوجَدنّ منكم إلا ما يدل على معاداته في سركم وجهركم ثم لخص سر أمره وخطأ من اتبعه بأن غرضه الذي يؤمه في دعوة شيعته هو أن يوردهم مورد الهلاك بقوله ﴿إنما يدعو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أصحاب السعير﴾ ثم كشف الغطاء فبنى الأمر كله على الإيمان وتركه فقال

стр. 4854

الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) ﴿الذين كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي فمن أجابه حين دعاه فله عذاب شديد لأنه صار من حزبه

стр. 4855

أى اتباعه ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ولم يجيبوه ولم يصيروا من حزبه بل عادوه ﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ لكبر جهادهم ولما ذكر الفريقين قال لنبيه عليه السلام

стр. 4856

أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨) ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حَسَناً﴾ بتزيين الشيطان كمن لم يزين له فكأن رسول الله ﷺ قال لا فقال ﴿فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات﴾ وذكر الزجاج أن المعنى أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليه حسرة فحرف الجواب لدلالة فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عليه أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله فحذف لدلالة فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء عليه فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ يزيد أى لاتهلكها حسرات مفعول له يعنى فاطر (١٠ - ٨) فلا تهلك نفسك للحسرات وعليهم صلة تَذْهَبْ كما تقول هلك عليه حباً ومات عليه حزناً ولا يجوز أن يتعلق بحسرات لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم

стр. 4857

وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) ﴿والله الذي أرسل الرياح﴾ ارياح مكي وحمزة وعلي ﴿فَتُثِيرُ سحابا فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ بالتشديد مدني وحمزة وعلي وحفص بالتخفيف غيرهم ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ بالمطر لتقدم ذكره ضمناً ﴿الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها وإنما قيل فَتُثِيرُ لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب وتستحضر تلك الصورة الدالة على القدرة الربانية وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها لما كان من الدليل على القدرة الباهرة قيل فسقنا وأحياينا معدولا بهما عن لفظ العيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه ﴿كَذَلِكَ النشور﴾ الكاف في محل الرفع أى مثل احياء الموات نشور

стр. 4858

الأموات قيل يحيي الله اخلق بماء يرسله من تحت العرش كمني الرجال تنبت منه أجساد الخلق

стр. 4859

مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ العزة فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً﴾ أي العزة كلها مختصة بالله عزة الدنيا وعزة الآخرة وكان الكافرون يتعززون بالأصنام كما قال وآتخذو من دون الله آلهة ليكونوالهم عزا والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين كما قال الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة فان العزة لله جميعا فبين أن لا عزة إلا بالله والمعنى فليطلبها عند الله فوضع قوله لِلَّهِ العزة جَمِيعاً موضعه استغناء عنه به لدلالته عليه لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه ومالكه ونظيره قولك من أراد النصيحة فهي عند الأبرار تريد فليطلبها عندهم إلا أنك أقمت ما يدل عليه مقامه وفي الحديث إن ربكم يقول كل يوم أنا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز ثم عرف أن ما يطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ﴾ ومعنى قوله إِلَيْهِ إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود أو إلى حيث لا ينفذ فيه إلا حكمه والكلم الطيب كلمات التوحيد أي لا إله إلا الله وكان القياس الطيبة ولكن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا التاء يذكر ويؤنث والعمل الصالح العبادة الخالصة يعني والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب فالرافع الكلم والمرفوع العمل لأنه لا يقبل عمل إلا من موحد وقيل الرافع الله والمرفوع العمل أي العمل الصالح يرفعه الله وفيه إشارة إلى أن العمل يتوفق على الرفع والكلم الطيب يصعد بنفسه وقيل العمل الصالح يرفع فاطر (١٢ - ١٠) العامل ويشرفه أي من أراد العزة فليعمل عملاً صالحاً فإنه هو الذي يرفع العبد ﴿والذين يَمْكُرُونَ السيئات﴾ هي صفة لمصدر محذوف أى

стр. 4860

المكرات السيآت لأن مكر فعل غير متعدٍ لا يقال مكر فلان عمله والمراد مكر قريش به ﵇ حين اجتمعوا في دار الندوة كما قال الله تعالى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كفروا ليثبتوك الآية ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة ﴿وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿هُوَ﴾ فصل ﴿يَبُورُ﴾ خبر أي ومكر أولئك الذين مكروا هو خاصة يبور أي يفسد ويبطل دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر فجمع عليهم مكراتهم جميعا وحقق فيهم قوله تعالى وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين وقوله ولا يحيق المكر السىء إلا بأهله

стр. 4861

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) ﴿والله خَلَقَكُمْ﴾ أي أباكم ﴿مّن تُرَابٍ ثُمَّ﴾ أنشأكم ﴿مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ هو في موضع الحال أى إلا معلومة له ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ أي وما يعمر من أحد وإنما سماه معمراً بما هو صائر إليه ﴿وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عمره إلا في كتاب﴾ يعنى الوح أو صحيفة الإنسان ولا ينقص زيد فإن قلت الإنسان إما معمر أي طويل العمر أو منقوص العمر أي قصيره فأما أن يتعاقب عليه التعمير وخلافه فمحال فكيف صح قوله وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ قلت هذا من الكلام المتسامح فيه ثقة في تأويله بأفهام السامعين واتكالاً على تسديدهم معناه بعقولهم وأنه لا يلتبس عليهم إحالة الطول والقصر في عمر واحد وعليه كلام الناس يقولون لا يثيب الله عبدا ولا يعاقيه إلا بحق أو تأويل الآية أنه يكتب في الصحيفة عمره كذا كذا سنة ثم يكتب في أسفل ذلك ذهب يوم ذهب يومان حتى يأتى على آخر فذلك نقصان عمره وعن قتادة المعمر من يبلغ ستين سنة والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة ﴿إِنَّ ذلك﴾ أي إحصاءه أو زيادة العمر ونقصانه ﴿عَلَى الله يسير﴾ سهل

стр. 4862

وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) ﴿وَمَا يَسْتَوِى البحران هذا﴾ أي أحدهما ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ شديد العذوبة وقيل هو الذي يكسر العطش ﴿سائغ شرابه﴾ مرى وسهل الانحدار لعذوبته وبه يرتفع شرّابه ﴿وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ شديد الملوحة وقيل هو الذى يحرق بلموحته ﴿وَمِن كُلِّ﴾ ومن كل واحد منهما ﴿تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً﴾ وهو السمك ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وهى فاطر (١٥ - ١٢) الؤلؤ والمرجان ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ﴾ في كل ﴿مَوَاخِرَ﴾ شواقّ للماء بجريها يقال مخرت السفينة الماء أى شقته وهى ماخرة ﴿لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ من فضل الله ولم يجر له ذكر في الآية ولكن فيما قبلها ولولم يجر لم يشكل لدلالة المعنى عليه ﴿وَلَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ الله على ماآتاكم من فضله ضرب البحرين العذب والملح مثلين للمؤمن والكافر ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علّق بهما من نعمته وعطائه ويحتمل غير طريقة الاستطراد وهو أن يشبه الجنسين بالبحرين ثم يفضّل البحر الأجاج على الكافر بأنه قد شارك العذب في منافع من السمك واللؤلؤ وجري الفلك فيه والكافر خلو من النفع فهو في طريقة قوله تعالى ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذلك فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ثم قال وَإِنَّ مِنَ الحجارة لما يتفجر منهالانهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خشية الله

стр. 4863

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل﴾ يدخل من ساعات أحدهما في الآخر حتى يصير الزائد منهما خمس عشرة ساعة والناقص تسعا ﴿وسخر الشمس والقمر﴾ أى ذال أضواء صوره لاستواء سيره ﴿كُلٌّ يَجْرِى لأَِجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي يوم القيامة ينقطع جريهما ﴿ذلكم﴾ مبتدأ ﴿الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك﴾ أخبار مترادفة أو الله ربكم خبر ان وله الملك جملة مبتدأة

стр. 4864

واقعة في قران قوله ﴿والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ يعني الأصنام التي تعبدونها من دون الله يدعون قتيبة ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ هي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة

стр. 4865

إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) ﴿إِن تَدْعُوهُمْ﴾ أي الأصنام ﴿لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ﴾ لأنهم جماد ﴿وَلَوْ سَمِعُواْ﴾ على سبيل الفرض ﴿ما استجابوا لكم﴾ لأنهم لا يدعون لهم من الإلهية ويتبرءون منها ﴿وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ بإشراككم لهم وعبادتكم إياهم ويقولون ما كنتم إيانا تعبدون ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خبير﴾ ولا ينبئك أيها المفترون بأسباب الغرور كما ينبئك الله الخبير بخبايا الأمور وتحقيقه ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به يريدان الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لانى خبير بما أخبرت به

стр. 4866

يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) ﴿يا أيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله﴾ قال ذو النون الخلق محتاجون إليه فاطر (١٨ - ١٥) في كل نفس وخطرة ولحظة وكيف لا ووجودهم به وبقاؤهم به ﴿والله هُوَ الغنى﴾ عن الاشياء أو جمع ﴿الحميد﴾ المحمود بكل لسان ولم يسمهم بالفقراء للتحقير بل للتعريض على الاستغناء ولهذا وصف نفسه بالغني الذي هو مطعم الأغنياء وذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه والجواد المنعم عليهم إذ ليس كل غني نافعاً بغناه إلا إذا كان الغني جواداً منعماً وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم قال سهل لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى ولهم بالفقر فمن ادعى الغنى حجب عن الله ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه فينبغي للعبد أن يكون مفتقراً بالسر إليه ومنقطعاً عن الغير إليه حتى تكون عبوديته محضة فالعبودية هي الذل

стр. 4867

والخضوع وعلامته أن لا يسأل من أحد وقال الواسطي من استغنى بالله لا يفتقر ومن تعزز بالله لا يذل وقال الحسين على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غنياً بالله وكلما ازداد افتقاراً ازداد غنى وقال يحيى الفقر خير للعبد من الغنى لأن المذلة في الفقر والكبر في الغنى والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة خير من الرجوع إليه بتكثير الأعمال وقيل صفة الأولياء ثلاثة الثقة بالله في كل شيء والفقر إليه في كل شيء والرجوع إليه من كل شيء وقال الشبلي الفقر يجر البلاء وبلاؤه كله عز

стр. 4868

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ كلكم إلى العدم فإن غناه بذاته لابكم في القدم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو بدون حمدكم حميد

стр. 4869

وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) ﴿وَمَا ذلك﴾ الأنشاء والإفناء ﴿عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾ بممتنع وعن ابن عباس يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئاً

стр. 4870

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى والوزر والوقر أخوان ووزر الشيء إذا حمله والوازرة صفة للنفس والمعنى أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته لا تؤاخذ نفس بذنب نفس كما تأخذ جبابرة الدنيا الولي بالولي والجار بالجار وإنما قيل وازرة ولم يقل ولا تزر نفس وزر أخرى لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى منهن واحدة إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها وقوله ليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وارد في الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في قولهم اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم بقوله وماهم بحاملين من خطاياهم من شىء ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أي نفس مثقلة بالذنوب أحداً ﴿إلى حِمْلِهَا﴾ ثقلها أي ذنوبها ليتحمل عنها بعض ذلك
следующие страницы →