← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) ﴿يا أيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله﴾ قال ذو النون الخلق محتاجون إليه فاطر (١٨ - ١٥) في كل نفس وخطرة ولحظة وكيف لا ووجودهم به وبقاؤهم به ﴿والله هُوَ الغنى﴾ عن الاشياء أو جمع ﴿الحميد﴾ المحمود بكل لسان ولم يسمهم بالفقراء للتحقير بل للتعريض على الاستغناء ولهذا وصف نفسه بالغني الذي هو مطعم الأغنياء وذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه والجواد المنعم عليهم إذ ليس كل غني نافعاً بغناه إلا إذا كان الغني جواداً منعماً وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم قال سهل لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى ولهم بالفقر فمن ادعى الغنى حجب عن الله ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه فينبغي للعبد أن يكون مفتقراً بالسر إليه ومنقطعاً عن الغير إليه حتى تكون عبوديته محضة فالعبودية هي الذل

стр. 4867

والخضوع وعلامته أن لا يسأل من أحد وقال الواسطي من استغنى بالله لا يفتقر ومن تعزز بالله لا يذل وقال الحسين على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غنياً بالله وكلما ازداد افتقاراً ازداد غنى وقال يحيى الفقر خير للعبد من الغنى لأن المذلة في الفقر والكبر في الغنى والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة خير من الرجوع إليه بتكثير الأعمال وقيل صفة الأولياء ثلاثة الثقة بالله في كل شيء والفقر إليه في كل شيء والرجوع إليه من كل شيء وقال الشبلي الفقر يجر البلاء وبلاؤه كله عز

стр. 4868

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ كلكم إلى العدم فإن غناه بذاته لابكم في القدم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو بدون حمدكم حميد

стр. 4869

وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) ﴿وَمَا ذلك﴾ الأنشاء والإفناء ﴿عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾ بممتنع وعن ابن عباس يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئاً

стр. 4870

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى والوزر والوقر أخوان ووزر الشيء إذا حمله والوازرة صفة للنفس والمعنى أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته لا تؤاخذ نفس بذنب نفس كما تأخذ جبابرة الدنيا الولي بالولي والجار بالجار وإنما قيل وازرة ولم يقل ولا تزر نفس وزر أخرى لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى منهن واحدة إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها وقوله ليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وارد في الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في قولهم اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم بقوله وماهم بحاملين من خطاياهم من شىء ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أي نفس مثقلة بالذنوب أحداً ﴿إلى حِمْلِهَا﴾ ثقلها أي ذنوبها ليتحمل عنها بعض ذلك

стр. 4871

﴿لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ﴾ أي المدعو وهو مفهوم من قوله وَإِن تَدْعُ ﴿ذَا قربى﴾ ذا قرابة قريبة كأب أو ولد أو أخ والفرق بين معنى قوله وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ومعنى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء أن الأول دال على عدل الله في حكمه وأن لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها والثاني في بيان أنه لا غياث يومئذ لمن استغاث حتى ان نفسا قد أثقلتها الأوزار لو دعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب ولم تغث وإن كان فاطر (٢٥ - ١٨) المدعو بعض قرابتها ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي إنما ينتفع بإنذارك هؤلاء ﴿بالغيب﴾ حال من الفاعل أو المفعول أي يخشون ربهم غائبين عن عذابه أو يخشون عذابه غائباً عنهم وقيل بالغيب في السر حيث لا اطلاع للغير عليه ﴿وأقاموا الصلاة﴾ في مواقيتها ﴿وَمَن تزكى﴾ تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي ﴿فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنهما من جملة التزكي ﴿وإلى الله المصير﴾ المرجع وهو وعد للمتزكى بالثواب

стр. 4872

وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) ﴿وَمَا يَسْتَوِى الأعمى والبصير﴾ مثل للكافر والمؤمن أو للجاهل والعالم

стр. 4873

وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) ﴿وَلاَ الظلمات﴾ مثل للكفر ﴿وَلاَ النور﴾ للإيمان

стр. 4874

وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) ﴿وَلاَ الظل وَلاَ الحرور﴾ الحق والباطل أو الجنة والنار والحرور الريح الحار كالسموم إلا أن السموم تكون بالنهار والحرور بالليل والنهار عن الفراء

стр. 4875

وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ مثل الذين دخلوا في الإسلام والذين لم يدخلوا فيه وزيادة لا لتأكيد معنى النفي والفرق بين هذه الواوات أن بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها وتراً إلى وتر ﴿إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى القبور﴾ يعني أنه قد علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل

стр. 4876

فيه فيهدي من يشاء هدايته وأما أنت فخفي عليك أمرهم فلذلك تحرص على إسلام قوم مخذولين حبه الكفار بالموتى حيث لا ينتفعون بمسموعهم

стр. 4877

إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) ﴿إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ﴾ أي ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفع وإن كان من المصرين فلا عليك

стр. 4878

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) ﴿إِنَّا أرسلناك بالحق﴾ حال من أحد الضميرين يعني محقاً أو محقين أو صفة للمصدر أي إرسالاً مصحوباً بالحق ﴿بَشِيراً﴾ بالوعد ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالوعيد ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ﴾ وما من أمة قبل أمتك والأمة الجماعة الكثيرة وجد عليه أمة من الناس ويقال لأهل كل عصر أمة والمراد هنا أهل العصر وقد كانت آثار الذارة باقية فيما بين عيسى ومحمد ﵉ فلم تخل تلك الأمم من نذير وحين اندرست آثار نذارة عيسى ﵇ بعث محمد ﵇ ﴿إِلاَّ خَلاَ﴾ مضى ﴿فِيهَا نذير﴾ يخوفهم وخاصة الطغيان وسوء عاقبة الكفران واكتفى بالنذير عن البشير فى آخر الآية بعد ما ذكرهما لأن النذارة مشفوعة بالبشارة فدل ذكر النذارة على ذكر البشارة

стр. 4879

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ فاطر (٢٨ - ٢٥) رسلهم ﴿جاءتهم رسلهم﴾ حال وقد مضمرة ﴿بالبينات﴾ بالمعجزات ﴿وبالزبر﴾ وبالصحف ﴿وبالكتاب المنير﴾ أى التوراة والانجيل والزبور لما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسناداً مطلقاً وإن كان بعضها في جميعهم وهي البينات وبعضها في بعضهم وهي الزبر والكتاب وفيه مسلاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 4880

ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦) ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ﴾ عاقبت ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ بأنواع العقوبة ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إنكاري عليهم وتعذيبي لهم

стр. 4881

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ بالماء ﴿ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا﴾ أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر أو هيآتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها ﴿وَمِنَ الجبال جدد﴾ طرق مختلفة اللون جمع جدة كمدة ومدد ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ جمع غربيب وهو تأكيد للأسود يقال أسود غربيب وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب وكان من حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك أصفر فاقع إلا أنه ضمر المؤكد قبله والذي بعده تفسير للمضمر وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار جميعاً ولا بد من تقدير حذف المضاف في قوله وَمِنَ الجبال جُدَدٌ أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود حتى يؤل إلى قولك ومن الجبال مختلف ألوانه كما قال ثمرات مختلفاً ألوانها

стр. 4882

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) ﴿وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ ألوانه﴾ يعني ومنهم بعض مختلف ألوانه ﴿كذلك﴾ أي كاختلاف الثمرات والجبال ولما قال أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس وما يستدل به عليه وعلى صفاته ابتع ذلك ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ أي العلماء به الذين علموه بصفاته فعظموه ومن ازداد علماً به ازداد منه خوفاً ومن كان علمه به أقل كان آمن وفي الحديث أعلمكم بالله أشدكم له خشية وتقديم اسم الله تعالى وتأخير العلماء يؤذن ان معناه ان الذين يخشون من عباده العلماء دون غيرهم ولو عكس لكان المعنى أنهم لا يخشون إلا الله كقوله ولا يخشون

стр. 4883

أحدا إلا الله وبينهما تغاير ففي الأول بيان أن الخاشين هم العلماء وفي الثاني بيان أن المخشي منه هو الله تعالى وقرأ أبو حنيفة وابن عبد العزيز وابن سرين رضى الله عنهم إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء والخشية في هذه القراءة استعارة والمعنى إنما يعظم فاطر (٣٢ - ٢٨) الله من عباده العلماء ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ تعليل لوجوب الخشية لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم والمعاقب المنيب حقه أن يخشى

стр. 4884

إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) ﴿إِنَّ الذين يَتْلُونَ كتاب الله﴾ يداومون على تلاوة القرآن ﴿وأقاموا الصلاة وأنفقوا من ما رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾ أي مسرين النفل ومعلنين الفرض يعنى لا يقتنعون بتلاوته على حلاوة العمل به ﴿يرجون﴾ خبران ﴿تجارةً﴾ هي طلب الثواب بالطاعة لَّن ﴿تَبُورَ﴾ لن تكسد يعني تجارة ينتفى عنها الكساد وتنفق عند الله

стр. 4885

لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) ﴿ليوفيهم﴾ متعلق بلن تَبُورَ أي ليوفيهم بنفاقها عنده أُجُورَهُمْ ثواب أعمالهم ﴿وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ﴾ بتفسيح القبور أو بتشفيعهم فيمن أحسن إليهم أو بتضعيف حسناتهم أو بتحقيق وعد لقائه أو يَرْجُونَ في موضع الحال أي راجين واللام في لِيُوَفّيَهُمْ تتعلق بيتلون وما بعده أى فعلوا جيمع ذلك من التلاوة وإقامة الصلاة والإنفاق لهذا الغرض وخبران إِنَّهُ ﴿غَفُورٌ﴾ لفرطاتهم ﴿شَكُورٍ﴾ أي غفورٌ لهم شكور لأعمالهم أي يعطي الجزيل على العمل القليل

стр. 4886

وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ﴿والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب﴾ أي القرآن ومن التبين ﴿هُوَ الحق مُصَدّقاً﴾ حال مؤكدة لأن الحق لا ينفعك عن هذا التصديق ﴿لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾

стр. 4887

لما تقدمه من الكتب ﴿إِنَّ الله بِعِبَادِهِ﴾ ﴿لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ فعلمك وأبصر أحوالك ورآك أهلاً لأن يوحي إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عبار على سائر الكتب

стр. 4888

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب﴾ أي أوحينا إليك القرآن ثم أو رثناه من بعدك أي حكمنا بتوريثه ﴿الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم أمته من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة لأن اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس واختصهم بكرامة الإنتماء إلى أفضل رسله ثم رتبهم على مراتب فقال ﴿فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ﴾ وهو المرجأ لأمر الله ﴿وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ هو الذي خلط عملاً صالحا وآخر سيا ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات﴾ وهذا التأويل يوافق التنزيل فإنه تعالى قال والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين الآية وقال بعده وآخرون اعترفوا بذنوبهم الآية وقال بعده وآخرون مرجون لأمر الله الآية والحديث فقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال على المنبر بعد قراءة هذه الآية قال رسول الله ﷺ سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا فاطر (٣٥ - ٣٢) مغفور له ﵇ السابق يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً ثم يدخل الجنة وأما الظالم نفسه فيحبس حتى يظن أنه لا ينجو ثم تناله الرحمة فيدخل الجنة رواه أبو الدراداء والأثر فعن ابن عباس رضى الله عنهما السابق المخلص والمقتصد المرائي والظالم الكافر بالنعمة غير الجاحد لها لأنه حكم الثلاثة بدخول الجنة

стр. 4889

وقول السلف فقد قال الربيع بن أنس الظالم صاحب الكبائر والمقتصد صاحب الصغائر والسابق المجتنب لهما وقال الحسن البصري الظالم من رجحت سيأته والسابق من رجحت حسناته والمقتصد من استورت حسناته وسيأته وسئل أبو سيف ﵀ عن هذه الآية فقال كلهم مؤمنون وأما صفة الكفار فبعد هذا وهو قوله والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ وأما الطبقات الثلاث فهم الذين اصطفى من عباده فإنه قال فَمِنْهُمْ وَمِنْهُمُ وَمِنْهُمُ والكل راجع إلى قوله الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا وهم أهل الإيمان وعليه الجمهور وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرتهم وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقل من القليل وقال ابن عطاء إنما قدم الظالم لئلا بيأس من فضله وقيل إنما قدمه ليعرّفه أن ذنبه لا يبعده من ربه وقيل إن أول الأحوال معصية ثم توبة ثم استقامة وقال سهل السابق العلم والمقتصد المتعلم والظالم الجاهل وقال أيضاً السابق الذي اشتغل بمعاده والمقتصد الذي اشتغل بمعاشه ومعاده والظالم الذي اشتغل بمعاشه عن معاده وقيل الظالم الذي يعبده على الغفلة والعادة والمقتصد الذي يعبده على الرغبة والرهبة والسابق الذي يعبده على الهيبة والاستحقاق وقيل الظالم من أخذ الدنيا حلالا كانت او حرامار المقتصدين يجتهدان لا يأخذها إلا من حلال والسابق من أعرض عنها جملة وقيل الظالم طالب الدنيا والمقتصد طالب العقبي والسابق طالب المولى ﴿بِإِذُنِ الله﴾ بأمره أو بعلمه أو بتوفيقه ﴿ذلك﴾ أي إيراث الكتاب ﴿هُوَ الفضل الكبير﴾

стр. 4890

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) ﴿جنات عدن﴾ خبر ثان لذلك أو خبر مبتدا محذوف أو مبتدأ أو الخبر ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ أي الفرق الثلاثة يَدْخُلُونَهَا أبو عمرو ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ جمع أسورة جمع سوار ﴿مّن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ أي من ذهب مرصع باللؤلؤ ولؤلؤا بالنصب والهمزة نافع وحفص عطفاً على محل من أساور أى يحلون اساور ولؤلؤ ﴿ولباسهم فيها حرير﴾ لما فيه من الذة والزينة

стр. 4891

وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) ﴿وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن﴾ خوف النار أو خوف الموت أو هموم الدنيا ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾ يغفر الجنايات وإن كثرت ﴿شَكُورٌ﴾ يقبل الطاعات وإن قلت

стр. 4892

الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) ﴿الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة﴾ أي الإقامة لا نبرج ولا نقارقها يقال أقمت إقامة ومقاماً ومقامة ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ من عطائه وأفضاله لا باستحقاقنا فاطر (٣٩ - ٣٥) ﴿لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ تعب ومشقة ﴿وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ إعياء من التعب وفترة وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي لغُوبٌ بفتح اللام وهو شيء يلغب منه أي لا نتكلف عملاً يلغبنا

стр. 4893

وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) ﴿والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾ جواب النفي ونصبه بإضمار أن أي لا يقضى عليهم بموت ثانٍ فيستريحوا ﴿وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا﴾ من عذاب نار جهنم كذلك مثل ذلك الجزاء ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ يجزى كُلَّ كَفُورٍ أبو عمرو

стр. 4894

وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) ﴿وهم يصطرخون فيها﴾ يسغيثون فهو يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد ومشقة واستعمل في الاستغائة لجهر صوت المستغيث ربنا يقولون بنا ﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ أى أخرجنا من النار ردنا إلا الدنيا نؤمن بدل الكفر ونطع بعد المعصية فيجاوبون بعد قدر عمر الدنيا ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ يجوز أن يكون ما نكرة موصوفة أي تعميراً يتذكر فيه من تذكر وهو متناول لك عمر تمكن منه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم ثم قيل هو ثمان عشرة سنة وقيل أربعون وقيل ستون سنة وَجَاءكُمُ النذير

стр. 4895

الرسول ﵇ أو المشيب وهو عطف على معنى أو لم نُعَمّرْكُمْ لأن لفظه لفظ استخبار ومعناه إخبار كأنه قيل قد عمرناكم وجاءكم النذير فَذُوقُواْ العذاب ﴿فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ﴾ ناصر يعينهم

стр. 4896

إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) ﴿إن الله علم غَيْبِ السماوات والأرض﴾ ما غاب فيهما عنكم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ كالتعليل لأنه إذا علم ما في الصدور وهو أخفى ما يكون فقد علم كل غيب في العالم وذات الصدور ومضمراتها وهي تأنيث ذو في نحو قول أبي بكر رضى الله عنه ذو بطن خارجة جاريةٌ أي ما في بطنها من الحبل لأن يصحب البطن وكذا المضمرات تصحب الصدور وذو موضوع لمعنى الصحبة

стр. 4897

هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩) ﴿هُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف فِى الأرض﴾ يقال للمستخلف خليفة ويجمع على خلالف والمعنى أنه جعلكم خلفاء في أرضه قد ملككم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة فَمَن كَفَرَ منكم وغمط مثل النعمة السنية فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ فوبال كفره راجع عليه وهو مقت الله وخسار الآخرة كما فاطر (٤٢ - ٣٩) قال ﴿وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً﴾ وهو أشد البغض وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً هلاكاً وخسراناً

стр. 4898

قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠) ﴿قل أرأيتم شركاءكم﴾ آلهتكم التى اشركتموهم في العبادة الذين تدعون من دون الله أردونى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض أَرُونِىَ بدل من أرأيتم لأن معنى أرأيتم أخبروني كأنه قيل أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الشركة

стр. 4899

أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السماوات﴾ أم لهم مع الله شركة في خلق السموات ﴿أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه﴾ أى معهم كتاب من عبد الله ينطق بأنهم شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب بينات علي وابن عامر ونافع وأبو بكر بَلْ إِن يَعِدُ ما يعد الظالمون بَعْضُهُم بدل من الظالمون وهم الرؤساء بَعْضًا أي الأتباع إِلاَّ غُرُوراً هو قولهم هَؤُلاء شفعاؤنا عند الله

стр. 4900

إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ يمنعهما من أن تزولا لأن الإمساك منع ولئن زالتا على سبيل الفرض أن أمسكتهما ما أمسكهما مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ من بعد إمساكه ومن الأولى مزيدة لتأكيد النفي والثانية للابتداء ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ غير معاجل بالعقوبة حيث يمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهداهد العظم كلمة الشرك كما قال تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض الآية

стр. 4901

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم﴾ نصب على المصدر أي إقساماً بليغاً أو على الحال أي جاهدين في أيمانهم ﴿لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى من إحدى الأمم﴾ بلغ قرشيا قبل مبعث النبي ﷺ أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم أي من الأمة التي يقال فيها هي إحدى الأمم تفضيلالها على غيرها في الهدى والاستقامة كما يقال للداهية العظيمة هي إحدى الدواهي ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ نذير﴾ فلما بعث رسول الله عليه وسلم ﴿مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً﴾ أي ما زادهم مجىء الرسول فاطر (٤٥ - ٤٣) ﷺ إلا تباعداً عن الحق وهو إسناد مجازي

стр. 4902

اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) ﴿استكبارا فِى الأرض﴾ مفعول له وكذا وَمَكْرَ السيىء والمعنى وما زادهم الا نفورا للاستكبار ومكر السيء أو حال يعنى مستكبرين وما كرين برسول الله ﷺ قوله ومر السيء وأن مكروا السيء أي المكر السيء ثم ومكرا السيء والدليل عليه قوله ولا يحيق يحيط وينزل المكر السيء إِلاَّ بِأَهْلِهِ ولقد حاق بهم يوم بدر وفي المثل من حفر لأخيه جباً وقع فيه مكبا ﴿فهل ينظرون إلا سنة الأولين﴾ وهو إنزال العذاب على الذين كذبوا برسلهم من الأمم قبلهم والمعنى فهل ينظرون بعد تكذيبك إلا أن ينزل بهم العذاب مثل الذي نزل عن قبلهم من مكذبى الرسل جعل است ٤ قبالهم لذلك انتظار له منهم ﴿فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تَحْوِيلاً﴾ بين أن سنته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل سنة لا يبدلها في ذاتها ولا يحولها عن أوقاتها وأن ذلك مفعول لا محالة

стр. 4903

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ استشهد عليهم بما كانوا يشهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار الماضين علامات هلاكهم ودمارهم وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ من أهل مكة قوة اقتدار فلم يتمكنوا من الفرار وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ ليسبقه ويفوته مِن شَىْءٍ أيّ شيء ﴿في السماوات ولا في الارض إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً﴾ بهم قَدِيراً قادراً عليهم

стр. 4904

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥) ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ﴾ بما اقترافوا من المعاصي ﴿مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا﴾ على ظهر الأرض لأنه جرى ذكر الأرض في قوله

стр. 4905

ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض ﴿مِن دَآبَّةٍ﴾ من نسمة تدب عليها ﴿ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى﴾ إلى يوم القيامة ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بصيرا﴾ أي لم يخفف عليه حقيقة وحكمة حكمهم والله الموفق للصواب تم بحمد الله تعالى الربع الثالث من تفسير القرآن الكريم للامام النسفى ويليه الرابع وأوله سورة يس الجزء الرابع
следующие страницы →