← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) ﴿ذُرِّيَّةَ﴾ بدل من آل إبراهيم وآل عمران ﴿بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبره في موضع النصب صفة لذرية يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض موسى وهرون من عمران وعمران من يصهر ويصهر من قاهث وقاهث من لاوي ولاوي من يعقوب ويعقوب من إسحق وكذلك عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثار وهو يتصل بيهودا بن يعقوب بن إسحق وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله ﷺ وقيل بعضها من بعض في الدين ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يعلم من يصلح للإصطفاء أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها

стр. 527

إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) ﴿إِذْ قَالَتِ﴾ وإذ منصوب به أو بإضمار اذكر ﴿امرأة عمران﴾ هي امرأة عمران بن ماثان أم مريم جدة عيسى وهي حنة بنت فاقوذا ﴿رَبِّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ﴾ أوجبت ﴿مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ هو حال من ما وهي آل عمران (٣٥ _ ٣٧) بمعنى الذي أي معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يد لي عليه ولا أستخدمه وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم أو مخلصاً للعبادة يقال طين حر أي خالص ﴿فتقبل مني﴾ مدنى وأبو عمرو والتقبل أخذ الشئ على الرضا به ﴿إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾

стр. 528

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) ﴿فلما وضعتها﴾ الضمير لما في بطني وإنما أنّث على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنّي وَضَعْتُهَا أنثى﴾ أنثى حال من الضمير في وضعتها أي وضعت الحبلة أو النفس أو النسمة أنثى وإنما قالت هذا القول لأن التحرير لم يكن إلا للغلمان فاعتذرت عما نذرت وتحزنت إلى ربها ولتكلمها بذلك على وجه التحزن والتحسر قال الله ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ تعظيماً لموضوعها أي والله أعلم بالشئ الذى وضعت وماعلق به من عزائم الأمور وضعتُ شامي وأبو بكر بمعنى ولعل لله فيه سراً

стр. 529

وحكمة وعلى هذا يكون داخلاً في القول وعلى الأول يوقف عند قوله أنثى وقوله والله أعلم بما وضعت ابتداء إخبار من الله تعالى ﴿وَلَيْسَ الذكر﴾ الذي طلبت ﴿كالأنثى﴾ التي وهتب لها واللام فيهما للعهد ﴿وَإِنّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ معطوف على إني وضعتها أنثى وما بينهما جملتان معترضتان وإنما ذكرت حنة تسميتها مريم لربها لأن مريم في لغتهم العابدة فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها وأن يصدق فيها ظنها بها ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان قوله ﴿وإنّي﴾ مدني ﴿أُعِيذُهَا بِكَ﴾ أجيرها ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾ أولادها ﴿مِنَ الشيطان الرجيم﴾ الملعون في الحديث ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها

стр. 530

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ قبل الله مريم ورضي بها في النذر مكان الذكر ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قيل القبول اسم ما يقبل به الشئ كالسعوط بما يسعط به وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم تقبل قبلها أنثى في ذلك أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة روي أن حنة لما ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة فقالت لهم دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم وكانت بنو ماثان رءوس بني إسرائيل وأحبارهم فقال لهم زكريا أنا أحق بها عندي أختها فقالوا لا حتى نقترع عليها فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتكفلها وقيل هو مصدر على تقدير حذف المضاف أي فتقبلها

стр. 531

بذى قبول حسن أى بمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ مجاز عن التربية الحسنة قال ابن عطاء ما كانت آل عمران (٣٧ _ ٣٩) ثمرته مثل عيسى فذاك أحسن النبات ونباتاً مصدر على خلاف الصدر أو التقدير فنبتت نباتا ﴿وكفلها﴾ قبلها أو ضمن القيام بأمرها وكفّلها كوفي أي كفلها الله زكريا يعني جعله كافلاها وضامناً لمصالحها ﴿زَكَرِيَّا﴾ بالقصر كوفي غير أبي بكر في كل القرآن وقرأ أبو بكر بالمد والنصب هنا غيرهم بالمد والرفع كالثانية والثالثة ومعناه في العبري دائم الذكر والتسبيح ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب﴾ قيل بنى لها زكريا محرابا فى السمجد أي غرفة تصعد إليها بسلم وقيل المحراب أشرف المجالس ومقدّمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس وقيل كانت مساجدهم تسمى المحاريب وكان لا يدخل عليها إلا هو وحده ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثدياً قط فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف فى الشتاء ﴿قال يا مريم أنى لَكِ هذا﴾ من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ فلا تستبعد قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد ﴿إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ﴾ من جملة كلام مريم أو من كلام رب العالمين ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ بغير تقدير لكثرته أو تفضلاً بغير محاسبة ومجازاة على عمل

стр. 532

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) ﴿هُنَالِكَ﴾ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت فقد يستعار هنا وحيث وثم للزمان لما رأى حال

стр. 533

مريم في كرامتها على الله ومنزلتها رغب أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أمها حنة في الكرامة على الله وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أمها كذلك وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً﴾ ولداً والذرية يقع على الواحد والجمع ﴿طَيِّبَةً﴾ مباركة والتأنيث للفظ الذرية ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء﴾ مجيبه

стр. 534

فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) ﴿فنادته الملائكة﴾ قيل ناداه جبريل ﵇ وإنما قيل الملائكة لأن المعنى أتاه النداء من هذا الجنس كقولهم فلان يركب الخيل فناديه بالياء والإمالة حمزة وعلي ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي المحراب﴾ وفيه دليل على أن المرادات تطلب بالصلوات وفيها إجابة الدعوات وقضاء الحاجات وقال ابن عطاء ما فتح الله تعالى على عبد حالة سنية إلا باتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب ﴿إِنَّ الله﴾ بكسر الألف شامى وحمزة على إضمار القول أو لأن النداء قول الباقون بالفتح أي بأن الله ﴿يُبَشّرُكَ﴾ يبشرك وما بعده حمزة وعلي من بشره والتخفيف والتشديد لغتان ﴿بيحيى﴾ هو غير منصرف إن كان عجمياً وهو الظاهر فللتعريف والعجمة كموسى وعيسى وإن كان عربيا فللتعريف ووزن الفعل كيعمر ﴿مُصَدِّقاً﴾ حال منه ﴿بِكَلِمَةٍ مّنَ الله﴾ أي مصدقاً بعيسى مؤمناً به فهو أول من آمن به وسمى عيسى كلمة آل عمران (٣٩ _ ٤٣) الله لأن تكونه بكن بلا أب أو مصدقاً بكلمة من الله مؤمناً بكتاب منه ﴿وَسَيّدًا﴾ هو الذي يسود قومه أي يفوقهم في الشرف وكان يحيى فائقا على قومه لانه لم يركب شيئة قط وبالها من سيادة وقال الجنيد هو الذي جاد بالكونين عوضاً عن المكون ﴿وَحَصُورًا﴾ هو الذي لا يقرب النساء مع القدرة حصراً لنفسه أي منعاً لها من الشهوات ﴿وَنَبِيّاً مِّنَ الصالحين﴾ ناشئاً من الصالحين لأنه كان من أصلاب

стр. 535

الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين

стр. 536

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) ﴿قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غلام﴾ استبعاد من حيث العادة واستعظام للقدرة لا تشكك ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر﴾ كقولهم أدركته السن العالية أي أثر فيَّ الكبر وأضعفني وكان له تسعة وتسعون سنة ولامرأته ثمان وتسعون ﴿وامرأتي عَاقِرٌ﴾ لم تلد ﴿قَالَ كذلك الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ من الأفعال العجيبة

стр. 537

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١) ﴿قال رب اجعل لي﴾ مدنى وأبو عمرو ﴿آية﴾ علامة أعرف بها الحبل لألتقى النعمة بالشكر إذا جاءت ﴿قَالَ آيتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ الناس﴾ أي لا تقدر على تكليم الناس ﴿ثلاثة أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا﴾ إلا إشارة بيد أو رأس أو عين أو حاجب وأصله التحرك يقال ارتمز إذا تحرك واستثنى الرمز وهو ليس من جنس الكلام لأنه لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاماً أو هو استثناء منقطع وإنما خص تكليم الناس ليعلم أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله ولذا قال ﴿واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بالعشي والإبكار﴾ أي في أيام عجزك عن تكليم الناس وهي من الآيات الباهرة والأدلة الظاهرة وإنما حبس لسانه عن كلام الناس ليخلص المدة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر وأحسن الجواب ما كان منتزعاً من السؤال والعشي من حين الزوال إلى الغروب والإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضحى

стр. 538

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) ﴿وإذا﴾ عطف على إذ قالت امرأة عمران أو التقدير واذكر إذ ﴿قالت الملائكة يا مريم﴾ روي أنهم كلموها شفاها ﴿إِنَّ الله اصطفاك﴾ أولاً حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ مما يستقذر من

стр. 539

الأفعال ﴿واصطفاك﴾ آخراً ﴿على نِسَاء العالمين﴾ بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء

стр. 540

يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ﴿يا مريم اقنتي لِرَبِّكِ﴾ أديمي الطاعة أو أطيلي قيام الصلاة ﴿واسجدي﴾ وقيل أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات آل عمران (٤٣ _ ٤٧) الصلاة ثم قيل لها ﴿واركعي مع الراكعين﴾ أي ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة أو وانظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم

стр. 541

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما سبق من قصة حنة وزكريا ويحيى ومريم ﴿مِنْ أَنبَاءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ يعني أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقلامهم﴾ أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين أو هي الأقلام التي كانوا يكتبون التوراة بها اختاروها للقرعة تبركاً بها ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ متعلق بمحذوف دل عليه يلقون كأنه قيل يلقونها ينظرون أيهم يَكفل مريم أو ليعلموا أو يقولون ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شأنها تنافساً في التكفل بها

стр. 542

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) ﴿إذ قالت الملائكة﴾ أى اذكر ﴿يا مريم إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ أي بعيسى ﴿مِّنْهُ﴾ في موضع جر صفة لكلمة ﴿اسمه﴾ مبتدأ وذكر ضمير الكلمة لأن المسمى بها مذكر ﴿المسيح﴾ خبره والجملة في موضع جر صفة لكلمة والمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق وأصله مشيحاً بالعبرانية ومعناه المبارك كقوله ﴿وَجَعَلَنِى مباركا أين ما كنت﴾ وقيل سمي مسيحاً لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ أو لأنه كان يمسح الأرض بالسياحة لا يستوطن مكاناً ﴿عِيسَى﴾ بدل من المسيح ﴿ابن

стр. 543

مَرْيَمَ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو ابن مريم ولا يجوز أن يكون صفة لعيسى لأنه اسمه عيسى فحسب وليس اسمه عيسى بن مريم وإنما قال ابن مريم إعلاماً لها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه ﴿وَجِيهاً﴾ ذا جاه وقدر ﴿في الدنيا﴾ بالنبوة والطاعة ﴿والآخرة﴾ بعلوا الدرجة والشفاعة ﴿ومن المقربين﴾ يرفعه إلى السماء وقوله وجيهاً حال من كلمة لكونها موصوفة وكذا ومن المقربين أي وثابتاً من المقربين

стр. 544

وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) وكذا ﴿ويكَلِّمُ النّاسَ﴾ أي ومكلماً الناس ﴿في المهد﴾ حال من الضمير في يكلم أي ثابتاً في المهد وهو ما يمهد للصبي من مضجعه سمي بالمصدر ﴿وَكَهْلاً﴾ عطف عليه أي ويكلم الناس طفلاً وكهلاً أي يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء ﴿وَمِنَ الصالحين﴾ حال أيضاً والتقدير يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات

стр. 545

قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) ﴿قَالَتْ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كذلك الله يَخْلُقُ مَا يشاء﴾ آل عمران (٤٧ _ ٥١) ﴿إذا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾ أي إذا قدر تكون شيء كونه من غرتأخير لكنه عبر بقوله كن إخباراً عن سرعة تكون الأشياء بتكوينه

стр. 546

وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) ﴿ويعلمه﴾ مدنى وعاضم وموضعه حال معطوفة على وجيهاً الباقون بالنون على أنه كلام مبتدأ ﴿الكتابَ﴾ أي الكتابة وكان أحسن الناس خطاً في زمانه وقيل كتب الله ﴿والحكمَةَ﴾ بيان الحلال والحرام أو الكتاب الخط باليد والحكمة البيان باللسان ﴿والتوراة والإنجيل﴾

стр. 547

وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) ﴿وَرَسُولاً﴾ أي ونجعله رسولاً أو يكون في موضع الحال أي وجيهاً في الدنيا والآخرة ورسولا ﴿إلى بني إسرائيل أَنّي﴾ بأني ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن

стр. 548

رَّبّكُمْ﴾ بدلالة تدل على صدقي فيما أدعيه من النبوة ﴿أَنِي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ نصب بدل من أني قد جئتكم أو جر بدل من آية أو رفع على هي أني أخلق لم ِإنِّيَ نافع على الاستئناف ﴿مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير﴾ أي أقدر لكم شيئاً مثل صورة الطير ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ الضمير للكاف أي في ذلك الشئ المماثل لهيئة الطير ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ فيصير طيراً كسائر الطيور طائراً مدني ﴿بِإِذُنِ الله﴾ بأمره قيل لم يخلق شيئا غير الخفاش ﴿وأبرئ الأكمه﴾ الذى ولد أعمى ﴿والأبرص وأحيي الموتى بِإِذْنِ الله﴾ كرر بإذن الله دفعاً لوهم من يتوهم فيه اللاهوتية روي أنه أحيا سام ابن نوح ﵇ وهم ينظرون إليه فقالوا هذا سحر مبين فأرنا آية فقال يا فلان اكلت كذا ويا فلان خبئ لك كذا وهو قوله ﴿وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وما تدخرون في بيوتكم﴾ وما فيهما بمعنى الذي أو مصدرية ﴿إِنَّ فِي ذلك﴾ أى فيما سبق ﴿لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

стр. 549

وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) ﴿وَمُصَدِّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة﴾ أي قد جئتكم بآية وجئتكم مصدقاً ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ رد على قوله بآية من ربكم أي جئتكم بآية من ربكم ولأحل لكم وما حرم الله عليهم في شريعة موسى ﵇ الشحوم ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر فأحل لهم عيسى بعض ذلك ﴿وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ﴾ كرر للتأكيد ﴿فاتقوا الله﴾ في تكذيبي وخلافي ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ في أمري

стр. 550

إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) ﴿إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ﴾ إقرار بالعبودية ونفي للربوبية عن نفسه

стр. 551

بخلاف ما يزعم النصارى ﴿فاعبدوه﴾ دونى ﴿هذا صراط مستقيم﴾ آل عمران (٥١ _ ٥٥) يؤدي صاحبه إلى النعيم المقيم

стр. 552

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر﴾ علم ن اليهود كفراً علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس ﴿قال من أنصاري﴾ مدنى هو جمع ناصر كأصحاب أو جمع نصير كأشراف ﴿إلى الله﴾ بتعلق بمحذوف حال من الياء أو من أنصارى ذاهبا إلى الله ملتجأ إليه ﴿قَالَ الحواريون﴾ حواريّ الرجل صفوته وخاصته ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ الله﴾ أعوان دينه ﴿آمنا بالله واشهد﴾ يا عيسى ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ إنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيداً لإيمانهم لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد

стр. 553

رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) ﴿ربنا آمنا بِمَا أَنزَلَتْ واتبعنا الرسول﴾ أي رسولك عيسى ﴿فاكتبنا مَعَ الشاهدين﴾ مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم أو مع الذين يشهدون لك بالوحدانية أو مع أمة محمد ﵇ لأنهم شهداء على الناس

стр. 554

وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) ﴿وَمَكَرُواْ﴾ أي كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر حين أرادوا قتله وصلبه ﴿وَمَكَرَ الله﴾ أي جازاهم على مكرهم بأن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل ولا يجوز إضافة المكر إلى الله تعالى إلا على معنى الجزاء لأنه مذموم عند الخلق وعلى هذا الخداع والاستهزاء كذا في شرح التأويلات ﴿والله خَيْرُ الماكرين﴾ أقوى المجازين وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب

стр. 555

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) ﴿إذ قال الله﴾ ظرف لمكر الله ﴿يا عيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ﴾ أي مستوفي أجلك ومعناه أني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومميتك حتف أمنفك لا قتلاً بأيديهم ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ إلى سمائي ومقر ملائكتي ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ﴾ من سوء جوارهم وخبث صحبتهم وقيل متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان إذا استوفيته أو مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن إذ الواو لا توجب الترتيب قال النيى ﵇ ينزل عيسى خليفة على أمتي يدق الصليب ويقتل الخنازير ويلبث أربعين سنة ويتزوج ويولد له ثم يتوفى وكيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها والمهدى من أهل بيتى فى وسطها أو متوفي نفسك بالنوم ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب ﴿وَجَاعِلُ الذين اتبعوك﴾ أي المسلمين لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى ﴿فَوْقَ الذين كَفَرُواْ﴾ بك ﴿إلى يوم القيامة﴾ يعلمونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ في الآخرة ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

стр. 556

فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ﴿فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدنيا والآخرة وَمَا لَهُمْ مّن ناصرين وَأَمَّا الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين﴾ وتفسيرا لحكم هاتين الآيتان فيوفيهم حفص

стр. 557

ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وغيره وهومبتدأ ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ خبره ﴿مِنَ الأيات﴾ خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ﴿والذكر الحكيم﴾ القرآن يعني المحكم أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه نزل لما قال وفد بني نجران هل رأيت ولداً بلا أب

стр. 558

إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾ أي إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم ﵇ ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ قدره جسداً من طين وهي جملة مفسرة لحالة شبه عيسى بآدم ولا موضع لها أي خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم فكذلك حال عيسى مع أن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب فشبه الغريب بالأغراب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استعر به وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم لم تعبدون عيسى قالوا لأنه لا أب له قال فآدم أولى لأنه لا أبوين له قالوا كان يحيي الموتى قال فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وحزقيل ثمانية آلاف فقالوا كان يبرئ الأكمه والأبرص قال فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن﴾ أي أنشأه بشراً ﴿فَيَكُونُ﴾ أي فكان وهو حكاية حال ماضية وثم لترتيب الخبر على الخبر لا لترتيب المخبر عنه

стр. 559

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) ﴿الحق من ربك﴾ خبر مبتدأ مخذوف أي هو الحق ﴿فَلاَ تَكُن﴾ أيها السامع ﴿مِنَ الممترين﴾ الشاكين ويحتمل أن يكون الخطاب للنبى ﷺ ويكون من باب التهييج لزيادة الثبات لأنه ﵇ معصوم من الامتراء

стр. 560

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ﴾ من النصارى ﴿فِيهِ﴾ في عيسى ﴿مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم﴾ من البينات الموجبة للعلم وما بمعنى الذى ﴿فقل تعالوا﴾ هلموا والمراد المجئ بالعزم والرأى كما تقول تعال لنفكر في هذه المسألة

стр. 561

﴿نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ﴾ أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ ثم نتباهل بأن نقول بهلة الله على الكاذب منا ومنكم والبهلة بالفتح والضم اللعنة وبهله الله لعنه وأبعده من رحمته وأصل الابتهال هذا ثم يستعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً وروى أنه ﵇ لما دعاهم إلى المباهلة قالوا حتى ننظر فقال آل عمران (٦١ _ ٦٤) العاقب وكان ذا رأيهم والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أمحمدا نبي مرسل وما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لنهلكن فإن أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله ﷺ وقد غدا محتضنا للحسين آخذا بيدالحسن وفاطمة تمشى خلقه وعليّ خلفها وهو يقول إذا أنا دعوت فأمنوا فقال أسقف نجران يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكو ولا يبقى عل وجه الأرض نصراني فقالوا يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك فصالحهم النبي على ألف حلة كل سنة فقال ﵇ والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولولا عنوا لمسخوا قردة وخنازير وإنما ضم الأبناء والنساء وإن كانت المباهلة مختصة وبمن يكاذبه لأن ذلك آكدا في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته إن تمت المباهلة وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على قرب مكانهم ومنزلتهم وفيه دليل واضح على صحة نبوة النبى ﷺ لأنه لم

стр. 562

يرو أحد من موافق أو مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك ﴿فنجعل لعنة الله عَلَى الكاذبين﴾ منا ومنكم في شأن عيسى ونبتهل ونجعل معطوفان على ندع

стр. 563

إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي قص عليك من نبأ عيسى ﴿لَهُوَ القصص الحق﴾ هو فصل بين اسم إن وخبرها أو مبتدا والقصص الحق خبره والجملة خبر إن وجاز دخول اللام على الفصل لأنه إذا جاز دخولها على الخبر كان دخول على الفصل أجوز لأنه أقرب إلى المبتدأ منه واصلها أن تدخل على المبتدا ومن في ﴿وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله﴾ بمنزلة البناء على الفتح لا إله إلا الله في إفادة معنى الاستغراق والمراد الرد على النصارى في تثليثهم ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز﴾ في الانتقام ﴿الحكيم﴾ في تدبير الأحكام

стр. 564

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أعرضوا ولم يقبلوا ﴿فَإِنَّ الله عليم بالمفسدين﴾ وعيدلهم بالعذاب المذكور في قوله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب بما كانوا يفسدون

стр. 565

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ هم أهل الكتابين أو وفد نجران أو يهود المدينة ﴿تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء﴾ أي مستوية ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل وتفسير الكلمة قوله ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ الله﴾ يعنى تعالوا إليها حتى لا تقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع الله وعن عدي بن حاتم ما كنا نعبدهم يا رسول آل عمران (٦٤ _ ٦٩) الله قال أليس كانوا
следующие страницы →