Полный текст (7 814 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)
﴿وَأَبصِرْهُمْ﴾ أي أبصر ما ينالهم يومئذ ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ذلك وهو للوعيد لا للتبعيد أو انظر إليهم إذا عذبوا فسوف يبصرون ما أنكروا أو أعلمهم فسوف يعلمون
стр. 5182
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ قبل حينه
стр. 5183
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)
﴿فَإِذَا نَزَلَ﴾ العذاب ﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾ بفنائهم ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين﴾ صباحهم واللام في المنذرين مبهم في جنس من أنذروا لأن ساء وبئس يقتضيان ذلك وقيل هو نزول رسول الله ﷺ يوم الفتح بمكة مثّل العذاب النازل بهم بعدما أنذروه فأنكروه بجيش أنذر بهجومه قومه بعض نصّاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره حتى أناخ بفنائهم بغتة فشن عليهم الغارة وكانت عادة مغاويرهم أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر
стр. 5184
وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)
﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وإنما ثنى ليكون تسلية على تسلية وتأكيداً لوقوع الميعاد إلى تأكيد وفيه فائدة زائدة وهي إطلاق الفعلين معاً عن التقييد بالمفعول وأنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف المسرة وأنواع المساءة وقيل أريد بأحدهما عذاب الدنيا وبالآخرة عذاب الآخرة
стр. 5185
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)
﴿سبحان رَبِّكَ رَبِّ العزة﴾ أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه
стр. 5186
قيل ذو العزة كما تقول صاحب صدق لاختصاصه بالصدق ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد إلا وهو ربها ومالكها كقوله نعز من نشاء ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من الولد والصاحبة والشريك
стр. 5187
وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)
﴿وسلام على المرسلين﴾ عم الرسل بالسلام بعد ما خص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلاً
стр. 5188
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)
﴿والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوه إليه مما هو منزه عنه وما عاناه المرسلون من جهتهم وما خولوه في العاقبة من النصرة عليهم فختمها بجوامع ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به المشركون والتسليم على المرسلين والحمد لله رب العالمين على ما قيض لهم من حسن العواقب والمراد تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلك ولا يخلّوا به ولا يغفلوا عن مضمنات كتابه الكريم ومودعات قرآنه المجيد وعن على رضى الله عنه من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ وسلام على المرسلين والحمد للَّهِ رب العالمين
стр. 5189
ص (٥ - ١)
ص
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق ﴿
سورة ص مكية وهى ثمان وثمانون آية كوفى وتسع بصرى وست مدنى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5190
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)
﴿ص﴾ ذكر هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدي والتنبيه على الإعجاز ثم أتبعه القسم محذوف الجواب لدلالة التحدي عليه كأنه قال ﴿والقرآن ذِى الذكر﴾ أي ذي الشرف إنه لكلام معجز ويجوز أن يكون ص خبر مبتدأ محذوف على أنه اسم للسورة كأنه قال هذه ص أي هذه السورة التي أعجزت العرب والقرآن ذي الذكر كما تقول هذا حاتم والله تريد هذا المشهور بالسخاء والله وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال أقسمت بص والقرآن ذِى الذكر إنه لمعجز ثم قال
стр. 5191
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)
﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ﴾ تكبر عن الاذعان لذلك والاعتراف بالحق ﴿وشقاق﴾ خلاف الله ولرسوله والتنكير في عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ للدلالة على شدتهما وتفاقمهما وقرىء فى عزة أي في غفلة عما يجب عليهم من النظر واتباع الحق
стр. 5192
كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ وعيد لذوي العزة والشقاق ﴿مِن قَبْلِهِمُ﴾ من قبل قومك ﴿مِّن قَرْنٍ﴾ من أمة ﴿فَنَادَوْاْ﴾ فدعوا واستغاثوا حين رأوا العذاب ﴿ولات﴾ هى
стр. 5193
لا المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رب وثم للتوكيد وتغير بذلك حكمها حيث لم تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا أحد مقتضييها إما الاسم أو الخبر وامتنع بروزهما جميعاً وهذا مذهب الخليل وسيبويه وعند الأخفش أنها لا النافية للجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان وقوله ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ منجا منصوب بها كأنك قلت ولا حين مناص لهم وعندهما أن النصب على تقدير ولات حين مناص أي وليس الحين حين مناص
стр. 5194
وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)
﴿وَعَجِبُواْ أَن جَآءَهُم﴾ من أن جاءهم ﴿مُّنذِرٌ منهم﴾ رسول من أنفسهم بنذرهم يعني استبعدوا أن يكون النبي من البشر ﴿وَقَالَ الكافرون هذا ساحر كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾ ولم يقل وقالوا إظهار للغضب عليهم ودلالة على أن هذا القول لا يجسر عليه إلا الكافرون المتوغلون في الكفر المنهمكون في الغي إذ لا كفر أبلغ من أن يسموا من صدّقه الله كاذباً ساحراً ويتعجبوا من التوحيد وهو الحق الأبلج ولا يتعجبوا من الشرك وهو باطل لجلج وروى أن عمر رضى الله عنه لما أسلم فرح به المؤمنون وشق على قريش فاجتمع خمسة وعشرون نفساً من صناديدهم ومشوا إلى أبي طالب وقالوا أنت كبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء يريدون الذين دخلوا في الإسلام وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك فاستحضر أبو طالب رسول الله ﷺ فقال يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك
ص (١٠ - ٦)
السواء فلا تمل كل الميل على قومك فقال ﵇ ماذا يسألونني فقالوا ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك فقال ﵇ أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم قالوا نعم وعشراً أي نعطيكها وعشر كلمات معها فقال قولوا لا إله إلا الله فقاموا وقالوا أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا أي أصيّر إِنَّ هذا الشىء عُجَابٌ أي
стр. 5195
بليغ في العجب وقيل العجيب ماله مثل والعجاب مالا مثل له
стр. 5196
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦)
﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا﴾ وانطلق أشراف قريش عن مجلس أبي طالب بعد ما بكتهم رسول الله ﷺ بالجواب العتيد قائلين بعضهم لبعض أَنِ امشوا وأن بمعنى أي لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لابد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم فكان انطلاقهم متضمناً معنى القول ﴿وَاْصْبِرُواْ على﴾ عبادة ﴿آلهتكم إِنَّ هذا﴾ الأمر ﴿لَشَىْءٌ يُرَادُ﴾ أي يريده الله تعالى ويحكم بإمضائه فلا مرد له ولا ينفع فيه إلا الصبر أو إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا فلا انفكاك لنا منه
стр. 5197
مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)
﴿ما سمعنا بهذا﴾ التوحيد ﴿فِى الملة الآخرة﴾ في ملة عيسى التي هي آخر الملل لأن النصارى مثلثه غير موحدة أو في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا ﴿إن هذا﴾ ماهذا ﴿إِلاَّ اختلاق﴾ كذب اختلقه محمد من تلقاء نفسه
стр. 5198
أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)
﴿أأنزل عَلَيْهِ الذكر﴾ القرآن ﴿مِّن بَيْنِنَا﴾ أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم وينزل عليه الكتاب من بينهم حسداً ﴿بْل هُمْ فَى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى﴾ من القرآن ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ بل لم يذوقوا عذابي بعد فإذا ذاقوه زال عنهم مابهم من الشك والحسد حينئذ أي أنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب فيصدقون حينئذ
стр. 5199
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العزيز الوهاب﴾ يعنى ماهم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاءوا ويصرفوها عمن شاءوا ويتخيروا للنبوة بعض صناديدهم ويترفعوا بها عن محمد وإنما الذي يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه الوهاب الكثير المواهب المصيب بها مواقعها الذي يقسمها على ما تقتضيه حكمته ثم رشح هذا المعنى فقال
стр. 5200
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠)
﴿أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السماوات والارض وَمَا بَيَنَهُمَا﴾ حتى يتكلموا في الأمور الربانية
стр. 5201
والتدابير الإلهية التي يختص بها رب العزة والكبرياء ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق والتصرف فى الرحمة ﴿فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب﴾ فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى السماء حتى يدبروا أمر العالم وملكوت الله وينزلوا الوحي إلى من يختارون ثم وعد نبيه ﵇ النصرة عليهم بقوله
стр. 5202
جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)
﴿جُندٌ﴾ مبتدأ ﴿مَّا﴾ صلة مقوية للنكرة المبتدأة ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى بدر ومصارعهم أو إلى حيث وضعوا فيه
ص (١٧ - ١١)
أنفسهم من الانتداب لئل ذلك القول العظيم من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله لست هُنَالِكَ خبر المبتدأ ﴿مهزوم﴾ مكسور ﴿من الأحزاب﴾ متعلق بجند أو بمهزوم يريد ماهم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسول الله مهزوم عما قريب فلا تبال بما يقولون ولا تكترث لما به يهذون
стр. 5203
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢)
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل أهل مكة ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحاً ﴿وَعَادٌ﴾ هوداً ﴿وَفِرْعَوْن﴾ موسى ﴿ذُو الأوتاد﴾ قيل كانت له أوتاد وحبال يلعب بها بين يديه وقيل يوتد من يعذب بأربعة أوتاد في يديه ورجليه
стр. 5204
وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣)
﴿وَثَمُودُ﴾ وهم قوم صالح صالحاً ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ لوطا ﴿وأصحاب الأيكة﴾ الغيضة شعيباً ﴿أُوْلَئِكَ الأحزاب﴾ أراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم وأنهم الذين وجد منهم التكذيب
стр. 5205
إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)
﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل﴾ ذكر تكذيبهم أولاً في الجملة الخبرية على وجه الإبهام حيث لم يبين المكذب ثم جاء بالجملة الاستثنائية فأوضحه فيها وبيّن المكذَّب وهم الرسل وذكر أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع
стр. 5206
الرسل لأن في تكذيب الواحد منهم تكذيب الجميع لاتحاد دعوتهم وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية أولا وبالاستثنائية ثانيا ومافى الاستثنائية من الوضع على وجه التوكيد أنواع من المبالغة المسجلة عليهم استحقاق أشد العقاب وأبلغه ثم قال ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ أى فوجب لذلك أن أعقابهم حق عقابهم عذابى وعقابى فى الحالين يعقوب
стр. 5207
وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)
﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلآءِ﴾ وما ينتظر أهل مكة ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب ﴿إِلاَّ صَيْحَةً واحدة﴾ أي النفخة الأولى وهي الفزع الأكبر ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ وبالضم حمزة وعلى أى مالها من توقف مقدار فواق وهو ما بين حلبتي الحالب أي إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان وعن ابن عباس رضى الله عنهما مالها من رجوع وترداد من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة وفواق الناقة ساعة يرجع الدر إلى ضرعها يريد أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد
стр. 5208
وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)
﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ حظنا من الجنة لأنه ﵇ ذكر وعد الله المؤمنين الجنة فقالوا على سبيل الهزء عجل لنا نصيبنا منها أو نصيبنا من العذاب الذى وعدته كقوله ويستعجلونك بالعذاب وأصل القط القسط من الشيء لأنه قطعة منه من قطه إذا قطعه ويقال لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس ﴿قَبْلَ يوم الحساب﴾
стр. 5209
اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)
﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ فيك وصن نفسك أن تزلّ فيما كلفت من مصابرتهم وتحمل أذاهم ﴿واذكر عبدنا داود﴾ وكرامته على الله كيف زل تلك الزلة اليسيرة فلقى من عقاب الله ما لقي ﴿ذَا الأيد﴾ ذا القوة فى الدين مما يدل على أن الأيد القوة في الدين قوله ﴿إنه أواب﴾ أى
ص (٢٢ - ١٨)
رجاح إلى مرضاة الله تعالى وهو تعليل لذي الأيد رُوي أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وهو أشد الصوم ويقوم نصف الليل
стр. 5210
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)
﴿إنّا سخّرنا﴾ ذللنا ﴿الجبال مَعَهُ﴾ قيل كان تسخيرها أنها تسير معه
стр. 5211
إذا أراد سيرها إلى حيث يريد ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في معنى مسبحات على الحال واختار يُسَبّحْنَ على مسبحات ليدل على حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال ﴿بالعشى والإشراق﴾ أي فى طرفي النهار والعشي وقت العصر إلى الليل والإشراق وقت الإشراق وهو حين تشرق الشمس أي تضيء وهو وقت الضحى وأما شروقها فطلوعها تقول شرقت الشمس ولمَّا تُشْرِق وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية
стр. 5212
وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)
﴿والطير مَحْشُورَةً﴾ وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية وعن ابن عباس رضى الله عنهما كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير فسبحت فذلك حشرها ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ كل واحد من الجبال والطير لأجل داود أي لأجل تسبيحه مسبح لأنها كانت تسبح لتسبيحه ووضع الأواب موضع المسبح لأن الأواب وهو التواب الكثير الرجوع إلى الله وطلب مرضاته من عادته أن يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه وتقديسه وقيل الضمير لله أي كل من داود والجبال والطير لله أواب أي مسبح مرجّع للتسبيح
стр. 5213
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)
﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قويناه قيل كان يبيت حول محرابه ثلاثة وثلاثون ألف رجل يحرسونه ﴿وآتيناه الحكمة﴾ الزبور وعلم الشرائع وقيل كل كلام وافق الحق فهو حكمة ﴿وَفَصْلَ الخطاب﴾ علم القضاء وقطع الخصام والفصل بين الحق والباطل والفصل هوالتمييز بين الشيئين وقيل للكلام البين فصل بمعنى المفصول كضرب الأمير وفصل الخطاب البين من الكلام الملخص الذي يتبينه من يخاطب به لا يلتبس عليه وجاز أن يكون الفصل بمعنى الفاصل كالصوم والزور والمراد بفصل الخطاب الفاصل من الخطاب الذي يفصل بين الصحيح والفاسد والحق والباطل وهو كلامه في القضايا والحكومات وتدابير الملك والمشورات وعن على رضى الله
стр. 5214
عنه هو الحكم بالبينة على المدعي واليمين على المدعي عليه وهو من الفصل بين الحق والباطل وعن الشعبي هو قوله أما بعد وهو أول من قال أما بعد فإن من تكلم في الأمر الذي له شأن يفتتح بذكر الله وتحميده فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر الله بقوله أما بعد
стр. 5215
وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)
﴿وهل أتاك نبأ الخصم﴾ ظاهره الاستفهام ومعناه الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة والخصم الخصماء وهو يقع على الواحد والجمع لأنه مصدر في الأصل تقول خصمه خصماً وانتصاب ﴿إِذْ﴾ بمحذوف تقديره وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل ﴿تَسَوَّرُواْ المحراب﴾ تصعدوا سوره ونزلوا إليه والسور الحائط المرتفع والمحراب الغرفة أو المسجد أو صدر المسجد
стр. 5216
إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)
﴿إِذْ﴾ بدل من الأولى ﴿دَخَلُواْ على دَاوُدَ ففزع منهم﴾ روى أن الله
ص (٢٣ - ٢٢)
تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس فتسورا عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان ففزع منهم لأنهم دخلوا عليه المحراب في غير يوم القضاء ولأنهم نزلوا عليه من فوق وفي يوم الاحتجاب والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي نحن خصمان ﴿بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ﴾ تعدى وظلم ﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ﴾ ولا تجر من الشطط وهو مجاوزة الحد وتخطى الحق ﴿واهدنا إلى سواء الصراط﴾ وارشدنا الا وسط الطريق ومحجته والمراد عين الحق ومحضه رُوي أن أهل زمان داود ﵇ كان يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته وكان لهم عادة في المواساة بذلك وكان الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك فاتفق أن داود ﵇ وقعت عينه على امرأة
стр. 5217
أوريا فأحبها فسأله النزول له عنها فاستحى أن يرده ففعل فتزوجها وهي أم سليمان فقيل له إنك مع عظم منزلتك وكثرة نسائك لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلاً ليس له إلا امرأة واحدة النزول عنها لك بل كان الواجب عليك مغالبة هواك وقهر نفسك والصبر على ما امتحنت به وقيل خطبها أوريا ثم خطبها داود فآثره أهلها فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه ومايحكى أنه بعث مرة بعد مرة أوريا إلى غزوة البلقاء وأحب أن يقتل ليتزوجها فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين فضلاً عن بعض أعلام الأنبياء وقال علي رضى الله عنه من حدثكم بحديث داود ﵇ على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد الفرية على الأنبياء ورُوي أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق فكذب المحدث وقال إن كانت القصة على ما في كتاب الله فما ينبغي أن يلتمس خلافها وأعظم بأن يقال غير ذلك وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها ستراً على نبيه فما ينبغي إظهارها عليه فقال عمر لسماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله بقصته ﵇ ليس إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل له عنها فحسب وإنما جاءت على طريق التمثيل والتعريض دون التصريح لكونها أبلغ في التوبيخ من قبل أن التأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه وأشد تمكناً من قلبه وأعظم أثراً فيه مع مراعاة حسن الأدب بترك المجاهرة
стр. 5218
إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)
﴿إِنَّ هَذَا أَخِى﴾ هو بدل من هذا او خبر لان والمراد أخوة الدين أو إخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة لقوله وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ
стр. 5219
الخلطاء ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِى نَعْجَةٌ واحدة﴾ وَلِيَ حفص والنعجة كناية عن المرأة ولما كان هذا تصوير للمسالة وفرضاً لها لا يمتنع أن يفرض الملائكة في أنفسهم كما تقول لي أربعون شاة ولك أربعون فخلطناها ومالكما من الاربعين إلا أربعة ولى ربعها ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ ملكنيها وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدى وعن عباس رضى الله عنهما اجعلها كفلى أى نصيبى ﴿وعزني﴾ وغلبنى يقال عزه ويعزه ﴿فِى الخطاب﴾ في الخصومة أي أنه كان أقدر على الاحتجاج منى وأراد
ص (٢٦ - ٢٤)
بالخطاب ممخاطبة المحاج المجادل أو أراد خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطاباً أي غالبني في الخطبة فغلبني حيث زوجها دوني ووجه التمثيل أن مثلت قصة أوريا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون فأراد صاحبه تتمة المائة فطمع في نعجة خليطة وأراد على الخروج من ملكها إليه وحاجّة في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده وإنما كان ذلك على وجه التحاكم إليه ليحكم بما حكم به من قوله
стр. 5220
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ﴾ حتى يكون محجوجاً بحكمه وهذا جواب قسم محذوف وفي ذلك استنكار لفعل خليطه والسؤال مصدر مضاف إلى المفعول وقد ضمن معنى الإضافة فعدي تعديتها كأنه قيل بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه السؤال والطلب وإنما ظلم الآخر بعد ما اعترف به خصمه ولكنه لم يحك في القرآن لأنه معلوم ويُروى أنه قال أنا أريد أن آخذها منه وأكمل نعاجي مائة فقال داود إن رمت ذلك ضربنا
следующие страницы →