← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ أي الأخذ بسبب أنهم ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بالبينات فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ الله إِنَّهُ قَوِىٌّ﴾ قادر على كل شيء ﴿شَدِيدُ العقاب﴾ اذا عاقب

стр. 5427

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) ﴿ولقد أرسلنا موسى بأياتنا﴾ التسع ﴿وسلطان مُّبِينٍ﴾ وحجة ظاهرة

стр. 5428

إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامان وقارون فَقَالُواْ﴾ هو ﴿ساحر كَذَّابٌ﴾ فسموا السلطان المبين سحراً وكذباً

стр. 5429

فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥) ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بالحق﴾ بالنبوة ﴿مِنْ عِندِنَا قَالُواْ اقتلوا أبناء الذين آمنوا مَعَهُ﴾ أي أعيدوا عليهم القتل كالذي كان أولاً ﴿واستحيوا نِسَآءَهُمْ﴾ للخدمة ﴿وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِى ضلال﴾ ضياع يعني أنهم باشروا قتلهم أولاً فما أغنى عنهم ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه فما يغني عنهم هذا القتل الثاني وكان فرعون قد كف عن قتل الولدان فلما بعث موسى ﵇ وأحس بأنه قد وقع أعاده عليهم غيظاً وظناً منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرة موسى ﵇ وما علم أن كيده ضائع في الكرتين جميعاً

стр. 5430

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) ﴿وقال فرعون﴾ لك ﴿ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى﴾ كان إذا همّ بقتله كفوه بقولهم ليس بالذى نخافه وهو أقل من ذلك وما هو إلا ساحر وإذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس واعتقدوا أنك عجزت عن معارضته بالحجة والظاهر أن فرعون قد استيقن أنه نبي وأن ماجاء به آيات وما هو بسحر ولكن كان فيه خب وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء فكيف لا يقتل من أحس بأنه هو الذي يهدم ملكه ولكن كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك وقوله ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ شاهد صدق على فرط خوفه منه ومن دعوته ربه وكان قوله ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى تمويهاً على قومه وإيهاماً أنهم هم الذين يكفونه وما كان يكفه إلا ما في نفسه من هول الفزع ﴿إِنِّى أَخَافُ﴾ إن لم أقتله ﴿أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أن يغير ما أنتم عليه وكانوا يعبدونه ويعبدون الاصنام غافر (٢٨ - ٢٦) ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ﴾ موسى ﴿فِى الأرض الفساد﴾ بضم الياء ونصب الدال مدني وبصري وحفص وغيرهم بفتح الياء ورفع الدال والأول أولى لموافقة يبدل والفساد في الأرض التقاتل والتهايج الذي يذهب معه الأمن وتتعطل المزارع والمكاسب والمعايش ويهلك الناس قتلاً وضياعاً كأنه قال إني أخاف أن يفسد عليكم دينكم بدعوتكم إلى دينه أو يفسد عليكم دنياكم بما يظهر من الفتن بسببه وقرأ غير أهل الكوفة وان معناه إني أخاف فساد دينكم ودنياكم معاً

стр. 5431

وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧) ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لما سمع بما أجراه فرعون من حديث قتله لقومه ﴿إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب﴾ وفي قوله وَرَبِّكُمْ بعث لهم على أن يقتدوا به فيعوذوا بالله عياذه ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه وقال مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة وليكون على طريقة التعريض فيكون أبلغ وأراد بالتكبر الاستكبار عن الاذعان للحق وهو أقبح استكبار وأدل على دناءة صاحبه وعلى فرط

стр. 5432

ظلمه وقال لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب لأنه إذا اجتمع في الرجل التكبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها وعذت ولذت أخوان وعت بالإدغام أبو عمرو وحمزة وعلي

стр. 5433

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) ﴿وقال رجل مؤمن من آل فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانه﴾ قيل كان قبطياً ابن عم لفرعون امن بموسى سرا ومن ال فرعون صفة لرجل وقيل كان اسرائيليا من آل فرعون صلة ليكتم أي يكتم إيمانه من آل فرعون واسمه سمعان أو حبيب أو خربيل أو حزبيل والظاهر الأول ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ﴾ لأن يقول وهذا إنكار منه عظيم كأنه قيل أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة ومالكم علة في ارتكابها إلا كلمة الحق وهي قوله ﴿رَبِّىَ الله﴾ وهو ربكم أيضاً لا ربه وحده ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ﴾ الجملة حال ﴿بالبينات مِن رَّبِّكُمْ﴾ يعني أنه لم يحضر لتصحيح قوله ببينة واحدة ولكن ببينات من عند من اسب اليه الربوبية وهو استدراج لهم الى الاتعراف به ﴿وَإِن يَكُ كاذبا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صادقا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذى يَعِدُكُمْ﴾ احتج عليهم بطريق التقسيم فإنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً فإن يك كاذباً فعليه وبال كذبه ولا يتخطاه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم من العذاب ولم يقل كل الذي يعدكم مع أنه وعد من نبي صادق القول مداراة لهم وسلوكاً لطريق الإنصاف فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم له وليس فيه نفي اصابه الكل فكانه قال لهم لعل ما يكون في صدقه أن يصيبكم بعض ما يعدكم وهو العذاب العاجل وفي ذلك هلاككم وكان وعدهم عذاب الدنيا والآخرة وتقديم غافر (٣٢ - ٢٨) الكاذب على الصادق من هذا القبيل أيضاً وتفسير البعض بالكل مزيف ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ مجاوز للحد ﴿كَذَّابٌ﴾ في ادعائه وهذا أيضاً من باب المجاملة

стр. 5434

والمعنى انه كان مسرفاً كذاباً خذله الله وأهلكه فتتخلصون منه أو لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله بالنبوة ولما عضده بالبينات وقيل اوهم أنه عنى بالمسرف موسى وهو يعني به فرعون

стр. 5435

يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) ﴿يا قوم لَكُمُ الملك اليوم ظاهرين﴾ عالين وهو حال من كم في لَكُمْ ﴿فِى الأرض﴾ في أرض مصر ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله إن جاءنا﴾ عنى أن لكم ملك مصر وقد علوتم الناس وقهرتموهم فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لبأس الله أي عذابه فإنه لا طاقة لكم به إن جاءكم ولا يمنعكم منه احد وقال ينصرنا وجاءنا لأنه منهم في القرابة وليعلمهم بأن الذي ينصحهم به هو مساهم لهم فيه ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى﴾ أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتله يعني لا أستصوب إلا قتله وهذا الذي تقولونه غير صواب ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ﴾ بهذا الرأي ﴿إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾ طريق الصواب والصلاح وما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب ولا أدخر منه شيئاً ولا أسر عنكم خلاف ما اظهر يعنى ان لسانه وقلبه متوطئان على ما يقول وقد كذب فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى ﵇ ولكنه كان يتجلد ولولا استشعاره لم يستشر أحداً ولم يقف الأمر على الإشارة

стр. 5436

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) ﴿وقال الذي آمن يا قوم إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ الأحزاب﴾ أي مثل أيامهم لأنه لما أضافه إلى الأحزاب وفسرهم بقوله

стр. 5437

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ﴾ ولم يلتبس أن كل حزب منهم كان له يوم دمار اقتصر على الواحد من الجمع ودأب هؤلاء دؤبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي وكون ذلك دائباً دائماً منهم لا يفترون عنه ولا بد من حذف مضاف أي مثل جزاء دأبهم وانتصاب

стр. 5438

مثل الثاني بأنه عطف بيان لمثل الأول ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ﴾ أي وما يريد الله أن يظلم عباده فيعذبهم بغير ذنب أو يزيد على قدر ما يستحقون من العذاب يعني أن تدميرهم كان عدلاً لأنهم استحقوه بأعمالهم وهو أبلغ من قوله وما ربك بظلام للعبيد حيث جعل المنفي إرادة ظلم منكّر ومن بعد عن إرادة ظلم ما لعباده كان عن الظلم أبعد وأبعد وتفسير المعتزلة بأنه لا يريد لهم أن يظلموا بعيد لأن أهل اللغة قالوا إذا قال الرجل لآخر لا أريد ظلماً لك معناه لا أريد أن أظلمك وهذا تخويف بعذاب الدنيا ثم خوفهم من عذاب الاخرة بقوله

стр. 5439

وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) ﴿ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد﴾ غافر (٣٦ - ٣٣) أي يوم القيامة التنادي مكي ويعقوب في الحالين وإثبات الياء هو الأصل وحذفها حسن لأن الكسرة تدل على الياء وآخر هذه الآي على الدال وهو ما حكى الله تعالى في سورة الأعراف وَنَادَى أصحاب الجنة اصحاب النار ونادى اصحاب النار اصحاب الجنة ونادى اصحاب الاعراف وقيل ينادي منادٍ ألا إن فلانا سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً ألا إن فلاناً شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً

стр. 5440

يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) ﴿يوم تولون مدبرين﴾ منصرفين عن موقف الحساب الى النار ﴿ما لكم مِنَ الله﴾ من عذاب الله ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾ مانع ودافع ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ مرشد

стр. 5441

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات﴾ هو يوسف بن يعقوب وقيل يوسف ابن أفراييم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نبياً عشرين سنة وقيل إن فرعون موسى هو فرعون يوسف عمر إلى زمنه

стр. 5442

وقيل هو فرعون آخر وبخهم بأن يوسف أتاكم من قبل موسى بالمعجزات ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُمْ بِهِ﴾ نشككم فيها ولم تزالوا شاكين ﴿حتى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ حكماً من عند أنفسكم من غير برهان أي أقمتم على كفركم وظننتم أنه لا يجدد عليكم ايجاب الحجة ﷺ َ - ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ أي مثل هذا الإضلال يضل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب شاك في دينه

стр. 5443

الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) ﴿الذين يجادلون﴾ بدل من هو مسرف وجاز بداله منه وهو جمع لأنه لا يريد مسرفاً واحدا بل كل مسرف ﴿في آيات الله﴾ في دفعها وإبطالها ﴿بِغَيْرِ سلطان﴾ حجة ﴿أتاهم كَبُرَ مَقْتاً﴾ أي عظم بغضاً وفاعل كبر ضمير هُوَ مُسْرِفٌ وهو جمع معنى وموحد لفظاً فحمل البدل على معناه والضمير الراجع إليه على لفظه ويجوز أن يرفع الذين على الابتداء ولا بد في هذا الوجه من حذف مضاف يرجع إليه الضمير في كَبُرَ تقديره جدال الذين يجادلون كبر مقتاً ﴿عِندَ الله وعند الذين آمنوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ قَلْبٍ بالتنوين أبو عمرو وإنما وصف القلب التكبر والتجبر لأنه منبعهما كما تقول سمعت الأذن وهو كقوله فانه اثم قلبه وإن كان الآثم هو الجملة

стр. 5444

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ تمويهاً على قومه أو جهلاً منه ﴿يا هامان ابن لِى صَرْحاً﴾ أي قصراً وقيل الصرح البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد ومنه يقال صرح الشيء إذا ظهر ﴿لَّعَلِّى﴾ وبفتح الياء حجازي وشامي وأبو عمرو ﴿أبلغ الأسباب﴾ ثم ابدل منها تفخيم شأنها وإبانة انه يقصد امر عظيما

стр. 5445

أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧) ﴿أسباب السماوات﴾ أي طرقها وأبوابها وما يؤدي اليها غافر (٤٢ - ٣٧) وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه كالرشاء ونحوه ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالنصب حفص على جواب الترجي تشبيهاً للترجي بالتمني وغيره بالرفع عطفاً على أبلغ ﴿إلى إله موسى﴾ والمعنى فأنظر إليه ﴿وَإِنِّى لأَظُنُّهُ﴾ أي موسى ﴿كاذبا﴾ في قوله له إله غيري ﴿وكذلك﴾ ومثل ذلك التزيين وذلك الصد ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءَ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السبيل﴾ المستقيم وبفتح الصاد كوفي ويعقوب أي غيره صداً أو هو بنفسه صدوداً والمزين الشيطان بوسوسته كقوله وَزَيَّنَ لهم الشّيطان أعمالهم فصدّهم عن السّبيل أو الله تعالى ومثله زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم فهم يعمهون ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ﴾ خسران وهلاك

стр. 5446

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) ﴿وقال الذي آمن يا قوم اتبعون﴾ اتبعوني في الحالين مكي ويعقوب وسهل ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد﴾ وهو نقيض الغي وفيه تعريض شبيه بالتصريح أن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي أجمل أولاً ثم فسر فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها بقوله

стр. 5447

يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) ﴿يا قوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا متاع﴾ تمتع يسير فالإخلاد إليها أصل الشر ومنبع الفتن وثنى بتعظيم الآخرة وبين أنها هي الوطن والمستقر بقوله ﴿وَإِنَّ الآخرة هِىَ دَارُ القرار﴾ ثم ذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف بقوله مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى

стр. 5448

وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠) ﴿مَنْ عَمِلَ سَيَّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صالحا مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يُدخلون مكي وبصري ويزيد وأبو بكر ثم وازن بين الدعوتين دعوته إلى دين الله الذي تمرته الجنات ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار بقوله

стр. 5449

وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) ﴿ويا قوم ما لي﴾ وبفتح الياء حجازي وأبو عمرو ﴿أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة﴾ أي الجنة ﴿وَتَدْعُونَنِى إِلَى النار﴾

стр. 5450

تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) ﴿تَدْعُونَنِى لأكْفُرَ بالله﴾ هو بدل من تَدْعُونَنِى الأول يقال دعاه إلى كذا ودعاه له كما يقال هداه إلى الطريق وهداه له ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ﴾ اى بربوبيته والمراد بنفى العلم نفى للعلوم كأنه قال وأشرك به ما ليس بإله وماليس بإله كيف يصح أن يعلم إلهاً ﴿وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى العزيز الغفار﴾ وهو الله سبحانه غافر (٤٧ - ٤٣) وتعالى وتكرير النداء لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ عن سنة الغفلة وفيه أنهم قومه وأنه من آل فرعون وجيء بالواو في النداء الثالث دون الثاني ولان الثاني داخل على كلام هو بيان للمجمل وتفسير له بخلاف الثالث

стр. 5451

لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) ﴿لاَ جَرَمَ﴾ عند البصريين لا رد لما دعاه اليه قومه وجرم فعل بمعنى حق وان مع ما في حيزه فاعله أي حق ووجب بطلان دعوته ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدنيا وَلاَ فِى الآخرة﴾ معناه ان ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط أي من حق المعبود بالحق أن يدعو العباد إلى طاعته وما تدعون إليه وإلى عبادته لا يدعو هو إلى ذلك ولا يدعي الربوبية أو معناه ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة دعوة مستجابة جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ولا منفعة كلا دعوة أو سميت الاستجابة باسم الدعوة كما سمي الفعل المجازي عليه

стр. 5452

بالجزاء في قوله كما تدين تدان ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى الله﴾ وأن رجوعنا إليه ﴿وَأَنَّ المسرفين﴾ وأن المشركين ﴿هُمْ أصحاب النار﴾

стр. 5453

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ أي من النصيحة عند نزول العذاب ﴿وَأُفَوِّضُ﴾ وأسلم ﴿أَمْرِى﴾ وبفتح الياء مدني وأبو عمرو ﴿إِلَى الله﴾ لأنهم توعدوه ﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾ بأعمالهم ومالهم

стр. 5454

فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) ﴿فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ شدائد مكرهم وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم وقيل إنه خرج من عندهم هارباً إلى جبل فبعث قريباً من ألف في طلبه فمنهم من أكلته السباع ومن رجع منهم صلبه فرعون ﴿وَحَاقَ﴾ ونزل ﴿بِأَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العذاب﴾

стр. 5455

النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) ﴿النار﴾ بدل من سُوءُ العذاب أو خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل ما سوء العذاب قيل هو النار أو مبتدأ خبره ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ وعرضهم عليها إحراقهم بها يقال عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به ﴿غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ أي في هذين الوقتين يعذبون بالنار وفيما بين ذلك إما أن يعذبوا بجنس آخر أو ينفس عنهم ويجوز أن يكون غدواً وعشياً عبارة عن الدوام هذا في الدنيا ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ يقال لخزنة جهنم ﴿أدخلوا آل فِرْعَوْنَ﴾ من الإدخال مدني وحمزة وعلي وحفص خلف ويعقوب وغيرهم أدخلوا أي يقال لهم ادخلوا يا آل فرعون ﴿أَشَدَّ العذاب﴾ أي عذاب جهنم وهذه الآية دليل على عذاب القبر

стр. 5456

وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ﴾ واذكر وقت تخاصمهم ﴿فِى النار فيقول

стр. 5457

الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا﴾ يعني الرؤساء ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تبعا﴾ تباعا كخدم في جمع خادم غافر (٥٥ - ٤٧) ﴿فهل أنتم مغنون﴾ دافعون ﴿عنا نصيبا﴾ جزءا ﴿من النار﴾

стр. 5458

قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) ﴿قَالَ الذين استكبروا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ التنوين عوض من المضاف إليه أي إنا كلنا فيها لا يغني أحد عن أحد ﴿إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد﴾ قضى بينهم بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار

стр. 5459

وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) ﴿وَقَالَ الذين فِى النار لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ للقُوَّام بتعذيب أهلها وإنما لم يقل لخزنتها لأن في ذكر جهنم تهويلاً وتفظيعاً ويحتمل أن جهنم هي أبعد النار قعراً من قولهم بئر جهنّام بعيدة القعر وفيها أعتى الكفار وأطغاهم فلعل الملائكة الموكلين بعذاب أولئك أجوب دعوة لزيادة قربهم من الله تعالى فلهذا تعمدهم أهل النار بطلب الدعوة منهم ﴿ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً﴾ بقدر يوم من الدنيا ﴿مِّنَ العذاب﴾

стр. 5460

قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠) ﴿قَالُواْ﴾ أي الخزنة توبيخاً لهم بعد مدة طويلة ﴿أولم تك﴾ اى او لم تك قصة وقوله ﴿تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم﴾ تفسير للقصة ﴿بالبينات﴾ بالمعجزات ﴿قَالُواْ﴾ أي الكفار ﴿بلى قَالُواْ﴾ أي الخزنة تهكماً بهم ﴿فادعوا﴾ أنتم ولا استجابة لدعائكم ﴿وما دعاء الكافرين إِلاَّ فِى ضلال﴾ بطلان وهو من قول الله تعالى ويحتمل أن يكون من كلام الخزنة

стр. 5461

إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فِى الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ أي في الدنيا والآخرة يعني أنه يغلبهم في الدارين جميعا بالحجة والظفر على

стр. 5462

مخالفيهم ولو بعد حين ويوم نصب محمول على موضع الجار والمجرور كما تقول جئتك في أمس واليوم والأشهاد جمع شاهد كصاحب وأصحاب يريد الأنبياء والحفظة فالأنبياء يشهدون عند رب العزة على الكفرة بالتكذيب والحفظة يشهدون على بني آدم بما عملوا من الأعمال تَقُومُ بالتاء الرازي عن هشام

стр. 5463

يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ﴾ هذا بدل من يَوْمَ يَقُومُ أي لا يقبل عذرهم لاينفع كوفي ونافع ﴿وَلَهُمُ اللعنة﴾ البعد من رحمة الله ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدار﴾ أي سوء دار الأخرة وهو عذابها

стр. 5464

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) ﴿ولقد آتينا مُوسَى الهدى﴾ يريد به جميع ما أتى به في باب الدين من المعجزات والتوراة والشرائع ﴿وأورثنا بني إسرائيل الكتاب﴾ أي التوراة والإنجيل والزبور لأن الكتاب جنس أي تركنا الكتاب من بعد هذا الى هذا

стр. 5465

هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) ﴿هُدًى وذكرى﴾ إرشاداً وتذكرة وانتصابهما على المفعول له أو على الحال ﴿لأُِوْلِى الألباب﴾ لذوي العقول
следующие страницы →