← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

إليّ لأني استوجبته بما عندي من خير وفضل وأعمال بر أو هذا لي لا يزول عني ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ أي ما أظنها تكون قائمة ﴿وَلَئِن رُّجِعْتُ إلى رَبِّى﴾ كما يقول المسلمون ﴿إِنَّ لِى عِندَهُ﴾ عند الله ﴿للحسنى﴾ أي الجنة أو الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عملوا﴾ فلخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ شديد لا يفتر عنهم

стр. 5567

وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١) ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ﴾ هذا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه الله بنعمة أبطرته النعمة فنسي المنعم وأعرض عن شكره ﴿ونأى بجانبه﴾ وتباعد عن ذكر الله ودعائه أو ذهب بنفسه وتكبر وتعظم وتحقيقه أن يوضع جانبه موضع نفسه لأن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة نفسه ومنه قول الكتاب كتبت إلى جهته وإلى جانبه العزيز يريدون نفسه وذاته فكانه قال وتنأى بنفسه ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر﴾ الضر والفقر ﴿فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ﴾ كثير أي أقبل على دوام الدعا وأخذ في الابتهال والتضرع وقد استعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه وهو من صفة الأجرام كما استعير الغلظ لشدة العذاب ولا منافاة بين قوله فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ وبين قوله فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ لأن الأول في قوم والثاني في قوم او قنوط فصلت (٥٤ - ٥٢) الشورى (٣ - ١) في البر ذو دعاء عريض في البحر أو قنوط بالقلب ذو دعاء عريض باللسان أو قنوط من الصنم ذو دعاء لله تعالى

стр. 5568

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) ﴿قل أرأيتم﴾ أخبروني ﴿إِن كَانَ﴾ القرآن ﴿مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ ثم جحدتم أنه من عند الله ﴿من ضل﴾ منه إلا أنه وضع قوله ﴿مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ موضع منكم بياناً لحالهم وصفتهم

стр. 5569

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) ﴿سنريهم آياتنا فِى الآفاق﴾ من فتح البلاد شرقاً وغرباً ﴿وَفِى أَنفُسِهِمْ﴾ فتح مكة ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ أي القرآن أو الإسلام ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ موضع بِرَبّكَ الرفع على أنه فاعل والمعفول محذوف وقوله ﴿أَنَّهُ على كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ يدل منه تقديره او لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد اى او لم تكفهم شهادة ربك على كل شيء ومعناه أن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو على كل شيء شهيد

стр. 5570

أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤) ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ﴾ شك ﴿مِّن لّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطُ﴾ عالم يحمل الأشياء وتفاصيلها وظواهرها وبواطنها فلا تخفى عليه خافية فيجازيهم على كفرهم ومريتهم في لقاء ربهم

стр. 5571

سورة شوى مكية وهى ثلاث وخمسون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5572

حم (١) عسق (٢) فصل ﴿حم﴾ من ﴿عسق﴾ كتابة مخالفا لكهيعص تلفيقا باخواتها ولانه ايتان وكهيعص اية واحدة

стр. 5573

كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ﴿كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ﴾ أي مثل ذلك الوحي أو مثل ذلك الكتاب يوحي إليك ﴿وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ وإلى الرسل من قبلك ﴿الله﴾ يعني أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله في غيرها من السور وأوحاه إلى من قبلك يعني إلى رسله والمعنى أن الله كرر هذه المعانى في القرآن في جميع الكتب السماوية لما فيها من التنبيه البليغ واللطف العظيم لعباده وعن ابن عباس رضى الله عنهما ليس من بني صاحب كتاب الا اوحى اليه بحكم عسق يُوحَى بفتح الحاء مكي ورافع اسم الله على هذه القراءة ما دل عليه يُوحَى كأن قائلاً قال من الموحي فقيل الله ﴿العزيز﴾ الغالب بقهره الشورى (٧ - ٤) ﴿الحكيم﴾ المصيب في فعله وقوله

стр. 5574

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) ﴿لَّهُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض﴾ ملكاً وملكاً ﴿وَهُوَ العلى﴾ شأنه ﴿العظيم﴾ برهانه

стр. 5575

تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) ﴿تَكَادُ السماوات﴾ وبالياء نافع وعلي ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ يتشققن ينفطرن بصري وأبو بكر ومعناه يكدن ينفطرن من علو شان الله وعطمته يدل عليه مجيئه بعد قوله العلى العظيم وقيل من دعائهم له ولداً كقوله تَكَادُ السموات يتفطرن منه ومعنى مِن فَوْقِهِنَّ أي يبتدىء الانفطار من جهتهن الفوقانية وكان القياس أن يقال ينفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها كلمة الكفر لأنها جاءت من الذين تحت السموات ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في جهة الفوق كأنه قيل يكدن ينفطرن من الجهة التى فوقهن دع الجهة التى تحتهن وقيل من فوفهن من فوق الأرض فالكناية راجعة إلى الأرض لأنه بمعنى الأرضين وقيل يتشققن لكثرة ما على السموات من الملائكة قال ﵇ أطت السماء اطا وحق لها ان تئط مافيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد ﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ خضوعاً لما يرون من عظمته ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الأرض﴾ أي للمؤمنين منهم كقوله وَيَسْتَغْفِرُونَ الذين امنوا خوفاً عليهم من سطواته أو يوحدون الله وينزهونه عما لا يجوز عليه من الصفات حامدين له على ما أولاهم من ألطافه متعجبين مما رأوا من تعرضهم لسخط الله تعالى ويستغفرون لمؤمنى اهل الارض الذين تبرؤا من تلك الكلمة أو يطلبون إلى ربهم أن يحلم عن أهل الأرض ولا يعاجلهم بالعقاب ﴿أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم﴾ لهم

стр. 5576

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي جعلوا له شركاء وأنداداً ﴿الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ رقيب على أقوالهم وأعمالهم لا يفوته منها شيء فيجازيهم عليها ﴿وَمَآ أَنتَ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِم بوكيل﴾ بموكل عليهم ومفوض إليك أمرهم إنما أنت منذر فحسب

стр. 5577

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) ﴿وكذلك﴾ ومثل ذلك ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ وذلك إشارة إلى معنى الآية التي قبلها من أن الله رقيب عليهم لا أنت بل أنت منذر لأن هذا المعنى كرره الله في كتابة او هو مفعول به لاوحينا ﴿قرآنا عربيا﴾ حال من المفعول به اي اوحينا إليك وهو قرآن عربي بيّن ﴿لِّتُنذِرَ أُمَّ القرى﴾ أي مكة لأن الأرض دحيت من تحتها او لانها أشرف البقاع والمراد أهل أم القرى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من العرب ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع﴾ يوم القيامة لأن الخلائق تجتمع فيه ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراض لا محل له يقال أنذرته كذا وأنذرته بكذا وقد عدي لّتُنذِرَ أُمَّ القرى الى المفعول الشورى (١١ - ٧) الأول وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع إلى المفعول الثاني ﴿فَرِيقٌ فِى الجنة وَفَرِيقٌ فِى السعير﴾ أي منهم فريق في الجنة ومنهم فريق في السعير والضمير للمجموعين لأن المعنى يوم جمع الخلائق

стр. 5578

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحدة﴾ أي مؤمنين كلهم ﴿ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ﴾ أي يكرم من يشاء بالإسلام ﴿والظالمون﴾ والكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِّن وَلِىٍّ﴾ شافع ﴿وَلاَ نصير﴾ دافع

стр. 5579

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فالله هُوَ الولى﴾ الفاء لجواب شرط مقدر كأنه قيل بعد انكار كل ولى سواء إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق وهو الذي يجب أن يتولى وحده لاولى سواه ﴿وهو يحيي الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء

стр. 5580

وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَىْءٍ﴾ حكاية قول رسول الله ﷺ للمؤمنين أي ما خالفتكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمر من أمور الدين ﴿فَحُكْمُهُ﴾ أي حكم ذلك المختلف فيه مفوض ﴿إِلَى الله﴾ وهو اثبات المحقين فيه من المؤمنين ومعاقبة المبطلين ﴿ذلكم﴾ الحاكم بينكم

стр. 5581

﴿الله رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فيه رد كيد أعداء الدين ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرجع في كفاية شرهم وقيل وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بتكليفكم ولا طريق لكم إلى علمه فقولوا الله أعلم كمعرفة الروح وغيره

стр. 5582

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) ﴿فاطر السماوات والأرض﴾ ارتفاعه على أنه أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ خلق لكم منن جنسكم من الناس ﴿أزواجا وَمِنَ الأنعام أزواجا﴾ أي وخلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يكثركم يقال ذرأ الله الخلق بثهم وكثرهم ﴿فِيهِ﴾ في هذا التدبير وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل واختير فِيهِ على به لأنه جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير والضمير في يَذْرَؤُكُمْ يرجع إلى المخاطبين والانعام مغلبا في المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ قيل إن كلمة التشبيه كررت لتأكيد نفي التماثل وتقديره ليس مثله شيء وقيل المثل زيادة وتقديره ليس كهو شىء كقوله تعالى فان امنوا بمثل ما امنتم به وهذا لأن المراد نفي المثلية وإذا لم تجعل الكاف أو المثل زيادة كان إثبات المثل وقيل المراد ليس كذاته شيء لأنهم يقولون مثلك لا يبخل يريدون به نفي البخل عن ذاته ويقصدون المبالغة في ذلك بسلوك طريق الكناية لأنهم إذا نفوه عمن بسد مسدد فقد نفوه الشورى (١٤ - ١١) عنه فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله ليس كالله شيء وبين قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها وكانهما عبارتان متعقبتان على معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته ونحوه بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ فمعناه بل هو جواد من غير تصور يد ولا بسط لها لأنها وقعت عبارة عن الجود حتى إنهم استعملوها فيمن لا يدله فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل له ﴿وَهُوَ السميع﴾ لجميع

стр. 5583

المسموعات بلا أذن ﴿البصير﴾ لجميع المرئيات بلا حدقة وكأنه ذكرهما لئلا يتوهم أنه لا صفة له كما لا مثل له

стр. 5584

لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢) ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض﴾ مر في الزمر ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ أي يضيق ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾

стр. 5585

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) ﴿شَرَعَ﴾ بين وأظهر ﴿لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى﴾ أي شرع لكم من الدين دين نوح ومحمد وما بينهما من الأنبياء ﵈ ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأعلام من رسله فيه بقوله ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين﴾ والمراد إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء وسائر ما يكون المرء باقامته مسلما وبم يرد به الشرائع فإنها مختلفة قال الله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ومحل أَنْ أَقِيمُواْ نصب بدل من مفعول شَرَعَ والمعطوفين عليه أو رفع على الاستئناف كأنه قيل وما ذلك المشروع فقيل هو إقامة الدين ﴿وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ ولا تختلفوا في الدين قال علي رضى الله عنه لا تتفرقوا فالجماعة رحمة والفرقة عذاب ﴿كَبُرَ عَلَى المشركين﴾ عظم عليهم وشق عليهم ﴿مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من إقامة دين الله والتوحيد ﴿الله يجتبي﴾ يجلب ويجمع ﴿إِلَيْهِ﴾ إلى الدين بالتوفيق والتسديد ﴿مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ يقبل على طاعته

стр. 5586

وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) ﴿وَمَا تَفَرَّقُواْ﴾ أي أهل الكتاب بعد أنبيائهم ﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم﴾ إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال وأمر متوعد عليه على ألسنة الأنبياء ﵈ ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ حسداً وطلباً للرياسة والاستطالة بغير

стр. 5587

حق ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وهي بل الساعة موعدهم ﴿لقضي بينهم﴾ لاهلكوا حين اقترفوا لعظم ما اقترفوا ﴿وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ﴾ هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ ﴿لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ﴾ من كتابهم لا يؤمنون به حق الإيمان ﴿مُرِيبٍ﴾ مدخل في الريبة وقيل وما تفرق اهل الشورى (١٧ - ١٥) الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بمبعث رسول الله ﷺ كقوله تعالى وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب الا من بعد ماجاءتهم البينة وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ هم المشركون أورثوا القرآن من بعد ما اورث اهل الكتاب التوارة والانجيل

стр. 5588

فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) ﴿فَلِذَلِكَ﴾ فلأجل ذلك التفرق ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعباً ﴿فادع﴾ إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القوية ﴿واستقم﴾ عليها وعلى الدعوة إليها ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ كما أمرك الله ﴿ولا تتبع أهواءهم﴾ المختلفة الباطلة ﴿وقل آمنت بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب﴾ بأي كتاب صح أن الله تعالى أنزله يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة لأن المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض كفوله وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ إلى قوله اولئك هم الكافرون حقا ﴿وَأُمِرْتُ لأَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إليّ ﴿الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أي كلنا عبيده ﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ هو كفوله لكم دينكم ولى دين ويجوز أن يكون معناه إنا لا نؤاخذ بأعمالكم وأنتم لا تؤاخذون بأعمالنا ﴿لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ أي لا خصومة لأن الحق قد ظهر وصرتم محجوجين به فلا حاجة إلى المحاجة ومعناه لا إيراد حجة بيننا لأن المتحاجين يورد هذا حجته وهذا حجته ﴿الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ يوم القيامة ﴿وإليه المصير﴾ المرجع لفصل لاقضاء فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم

стр. 5589

وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) ﴿والذين يُحَآجُّونَ فِى الله﴾ يخاصمون في دينه ﴿من بعد ما استجيب له﴾ من بعدما استجاب له الناس ودخلوا في الإسلام ليردوهم إلى دين الجاهلية كقوله وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إيمانكم كفارا كان اليهود والنصارى يقولون للمؤمنين كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم واولى بالحق وقيل من بعد فاستجيب لمحمد ﵇ دعاؤه على المشركين يوم بدر ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ باطلة وسماها حجة وإن كانت شبهة لزعمهم أنها حجة ﴿عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ بكفرهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الاخرة

стр. 5590

اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) ﴿الله الذى أَنزَلَ الكتاب﴾ أي جنس الكتاب ﴿بالحق﴾ بالصدق أو ملتبساً به ﴿والميزان﴾ والعدل والتسوية ومعنى انزال العدل انه انزل في كتبه المنزلة وقيل هو عين الميزان أنزله في زمن نوح ﵇ ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ أي لعل الساعة تقريب منك وانت لا تدرى والمراد مجىء الشورى (٢١ - ١٨) الساعة والساعة في تاويل لابعث ووجه مناسبة اقتراب الساعة مع إنزال الكتب والميزان أن الساعة يوم الحساب ووضع الموازين بالقسط فكأنه قيل أمركم الله بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع فاعملوا بالكتاب والعدل قبل أن يفاجئكم يوم حسابكم ووزن أعمالكم

стр. 5591

يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨) ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ استهزاء ﴿والذين آمنوا مُشْفِقُونَ﴾ خائفون ﴿مِنْهَا﴾ وجلون لهولها ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق﴾ الكائن لا محالة ﴿أَلآ إِنَّ الذين يُمَارُونَ فَى الساعة﴾ المماراة الملاحّة لأن كل واجدة منهما يرى ما عند صاحبه ﴿لَفِى ضلال بَعِيدٍ﴾ عن الحق لأن قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله تعالى وقد دل الكتاب والسنة على وقوعها والعقول تشهد على أنه لا بد من دار جزاء

стр. 5592

اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) ﴿الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ في إيصال المنافع وصرف البلاء من وجه يلطف إدراكه وهو بر بليغ البر بهم قد توصل بره إلى جميعهم وقيل هو من لطف بالغوامض علمه وعظم عن الجرائم حلمه أو من ينشر المناقب ويستر المثالب أو يعفو عمن يهفو أو يعطي العبد فوق الكفاية ويكلفه الطاعة دون الطاعة وعن الجنيد لطف بأوليائه فعرفوه ولو لطف بأعدائه ما جحدوه ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ أي يوسع رزق من يشاء إذا علم مصلحته فيه في الحديث إن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك ﴿وَهُوَ القوى﴾ الباهر القدرة الغالب على كل شيء ﴿العزيز﴾ المنيع الذي لا يغلب

стр. 5593

مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة﴾ سمى ما يعمله العامل مما يبتغي به الفائدة حرثاً مجازاً ﴿نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ﴾ بالتوفيق في عمله أو التضعيف في إحسانه أو بأن ينال به الدنيا والآخرة ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا﴾ أي من كان عمله للدنيا ولم يؤمن بالآخرة ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي شيئاً منها لأن من للتبعيض وهو رزقه الذي قسم له لا ما يريد ويبتغيه ﴿وَمَا لَهُ فِى الآخرة مِن نَّصِيبٍ﴾ وماله نصيب قط في الآخرة وله في الدنيا نصيب ولم يذكر في عامل الآخرة أن رزقه المقسوم يصل إليه للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله وفوزه في المآب

стр. 5594

أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) ﴿أم لهم شركاء﴾ قيل هي أم المنقطعة وتقديره بل ألهم شركاء وقيل هي المعادلة لألف الاستفهام وفي الكلام إضمار تقديره أيقبلون ما شرع الله من الدين أم لهم آلهة ﴿شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله﴾

стр. 5595

أي لم يأمر به ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل﴾ أي القضاء السابق بتأجيل الجزاء أي ولولا العدة بان الفصل يكون يوم الشورى (٢٣ - ٢١) اليم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين الكافرين والمؤمنين أو لعجلت لهم العقوبة ﴿وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وإن المشركين لهم عذاب أليم في الآخرة وإن أخر عنهم في دار الدنيا

стр. 5596

تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ﴿تَرَى الظالمين﴾ المشركين في الآخرة ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا كَسَبُواْ﴾ من جزاء كفرهم ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ نازل بهم لا محالة أشفقوا أو لم يشفقوا ﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات فِى روضات الجنات﴾ كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها ﴿لَهُم ما يشاؤون عند ربهم﴾ عند نصب بالظرف لا بيشاءون ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ على العمل القليل

стр. 5597

ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) ﴿ذلك﴾ أي الفضل الكبير ﴿الذى يُبَشِّرُ الله﴾ يَبْشُر مكي وأبو عمرو وحمزة وعلي ﴿عِبَادَهُ الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي به عباده الذين آمنوا فحذف الجار كفولة واختار موسى قومه ثم حذف الراجع إلى الموصول كقوله أهذا الذى بعث الله رسولا ولما قال المشركون ايبتغى على تبليغ الرسالة أجراً نزل ﴿قُل لاَّ أسألكم عَلَيْهِ﴾ على التبليغ ﴿أَجْراً إِلاَّ المودة فِى القربى﴾ يجوز أن يكون استثناء متصلاً أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا وهو أن تودوا أهل قرابتي ويجوز أن يكون منقطعا اى لا اسالكم أجراً قط ولكني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم ولم يقل إلا مودة القربى أو المودة للقربى لأنهم جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها كفولك لي في ال فلان موة ولي فيهم حب شديد تريد أحبهم وهم مكان حبى ومحله وليست في بصلة للمودة كاللام إذا قلت إلا المودة للقربى إنما هى متعلقة بمحذوف تعلق الظرف

стр. 5598

به في قولك المال في الكيس وتقديره إلا المودة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها والقربى مصدر كالزلفى والبشرى بمعنى القرابة والمراد في أهل القربى ورُوي أنه لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال علي وفاطمة وابناهما وقل معناه إلا أن تودوني لقرابتي فيكم ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي إذ لم يكن من بطون قريش الا رسول الله وبينهم قرابة وقيل القربى التقرب إلى الله تعالى أي إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ يكتسب طاعة عن السدي أنها المودة في آل رسول الله ﷺ نزلت في ابى بكر رضى الله عنه ومودته فيهم والظاهر العموم في أي حسنة كانت إلا أنها تتناول المودة تناولاً أولياً لذكرها عقيب ذكر المودة في القربى ﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾ أي نضاعفها كقوله مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ له اضعافا كثيرة وقرىء الشورى (٢٦ - ٢٣) شكور ﴿حسنا﴾ وهو مصدر كالبشرى والضمير يعود إلى الحسنة أو إلى الجنة ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ﴾ لمن أذنب بطوله ﴿شَكُورٌ﴾ لمن أطاع بفضله وقيل قابل للتوبة حامل عليها وقيل الشكور في صفة الله تعالى عبارة عن الاعتداد بالطاعة وتوفية ثوابها والتفضل عن المثاب

стр. 5599

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤) ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ أم منقطعة ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل اينما لكون أن ينسبوا مثله إلى الافتراء ثم إلى الافتراء على الله الذي هو أعظم الفرى وأفحشها ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ قا ل مجاهد أي يربط على قلبك بالصبر على أذاهم وعلى قولهم افترى عَلَى الله كَذِبًا لئلا تدخله مشقة في تكذيبهم ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ أي الشرك وهو كلام مبتدأ غير معطوف على يَخْتِمْ لأن محو الباطل غير متعلق بالشرط بل هو وعد مطلق دليله تكرار اسم الله تعالى ورفع وَيُحِقُّ وإنما سقطت الواو في الخط كما سقطت في وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَاءهُ بالخير وسندع الزبانية على أنها مثبتة في مصحف نافع ﴿وَيُحِقُّ الحق﴾ ويظهر الاسلام ويثبته ﴿بكلماته﴾

стр. 5600

بما أنزل من كتابه على لسان نبيه ﵇ وقد فعل الله ذلك فمحا باطلهم وأظهر الإسلام ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي عليم بما في صدرك وصدورهم فيجزى الاجر على حسب ذلك

стр. 5601

وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) ﴿وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ يقال قبلت منه الشيء إذا أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي ويقال قبلته عنه أي عزلته عنه وأبنته عنه والتوبة أن يرجع عن القبيح والاحلال بالواجب بالندم عليهما والعزم على أن لا يعود وإن كان لعبد فيه حق لم يكن بد من التقصى على طريقة وقال علي رضى الله عنه هو اسم يقع على ستة معانٍ على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها ف المعصية واذاقة النفس مرارة الطاعة كما اذقتها حلاوة المعصية والبكاء يدل كل ضحك ضحكته وعن السدي هو صدق العزيمة على ترك الذنوب والإنابة بالقلب إلى علام الغيوب وعن غيره هو أن لا يجد حلاوة الذنب في القلب عند ذكره وعن سهل هو الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة وعن الجنيد هو الإعراض عما دون الله ﴿ويعفو عن السيئات﴾ وهو مادون الشرك يعفو لمن يشاء بلا توبة ﴿وَيَعْلَمُ ما تفعلون﴾ بالتاء كون غير أبي بكر أي من التوبة والمعصية ولا وقف عليه للعطف عليه واتصال المعنى

стр. 5602

وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦) ﴿ويستجيب الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ﴾ أي إذا دعوه استجاب دعاءهم واعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم واستجاب وأجاب بمعنى والسين في مثله لتوكيد الفعل كقولك تعظم واستعظم والتقدير ويجيب الله الذين آمنوا وقيل معناه ويستجيب للذين فحذف اللام مَنَّ عَليهم بأن يقبل توبتهم اذا تابوا الشورى (٣٠ - ٢٦) ﴿شديد﴾ ويعفو عن سيآتهم ويستجيب لهم إذا دعوه ويزيدهم على ما سألوه وعن إبراهيم بن ادهم انه قيل له

стр. 5603

ما بالنا ندعوه فلا نجاب قال لأنه دعاكم فلم تجيبوه ﴿والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة

стр. 5604

وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ﴾ أي لو أغناهم جميعاً ﴿لَبَغَوْاْ فِى الأرض﴾ من البغي وهو الظلم أي لبغي هذا على ذاك وذاك على هذا لأن الغني مبطرة مأشرة وكفى بحال قارون وفرعون عبرة أو من البغي وهو الكبر أي لتكبّروا في الأرض ﴿ولكن يُنَزِّلُ﴾ بالتخفيف مكي وأبو عمرو ﴿بِقَدَرٍ ما يشاء﴾ بتقدير يقال قدره فدرا وقدراً ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ﴾ يعلم أحوالهم فيقدر لهم ما تقتضيه حكمته فيفقر ويغني ويمنع ويعطي ويقبض ويبسط ولو أغناهم جميعاً لبغوا ولو أفقرهم لهلكوا وما ترى من البسط على من يبغي ومن البغي بدون البسط فهو قليل ولا شك أن البغي مع الفقر أقل ومع البسط أكثر وأغلب

стр. 5605

وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) ﴿وَهُوَ الذى يُنَزِّلُ الغيث﴾ بالتشديد مدني وشامي وعاصم ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ وقرىء قِنطواْ ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب وقيل لعمر رضى الله عنه اشتد القحط وقنط الناس فقال مطروا إذا أراد هذه الآية أو أراد رحمته في كل شيء ﴿وَهُوَ الولى﴾ الذي يتولى عباده بإحسانه ﴿الحميد﴾ المحمود على ذلك يحمده أهل طاعته
следующие страницы →