Полный текст (7 814 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
في الإيمان والطاعة ﴿لَكَانَ﴾ الصدق ﴿خَيْراً لَّهُمْ﴾ من كراهة الجهاد ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب بضرب من التوبيخ والارهاب فقال
стр. 5917
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ أي فلعلكم إن أعرضتم عن دين رسول الله ﷺ وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضاً ووأد البنات وخبر عسى أَن تُفْسِدُواْ والشرط اعتراض بين الاسم والخبر والتقدير فهل عسيتم ان تفسدوا في الارض تقطعوا أرحامكم إن توليتم
стр. 5918
أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)
﴿أولئك﴾ إشارة إلى المذكورين ﴿الذين لَعَنَهُمُ الله﴾ أبعدهم عن رحمته ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ عن استماع الموعظة ﴿وأعمى أبصارهم﴾ عن إبصارهم طريق الهدى
стр. 5919
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)
﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ فيعرفوا ما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة حتى لا يجسروا على المعاصى وام في ﴿أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ بمعنى بل وهمزة التقدير للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل اليها ذكر ونكرت القلوب لأن المراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك والمراد بعض القلوب وهي قلوب المنافقين وأضيفت الأقفال إلى القلوب لأن المراد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح نحو الرين والختم والطبع
стр. 5920
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)
﴿إِنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى﴾ أي المنافقون رجعوا إلى الكفر سراً بعد وضوح الحق لهم ﴿الشيطان سَوَّلَ﴾ زين ﴿لَهُمْ﴾ جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبر الان نحو إن زيداً عمرو مر به ﴿وأملى لَهُمْ﴾ ومدّ لهم في الآمال والأماني وَأُمْلِىَ ابو عمر واى امهلوا ومد في عمرهم
стр. 5921
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ الله﴾ أي المنافقون قالوا لليهود ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِى بعض الأمر﴾ اى عداوة محمد والقعود عن نصرته ﴿والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ على المصدر من اسر حمزة وعلى
﴿فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم﴾
وحفص اسرارهم غير جمع سر
стр. 5922
فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)
﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة﴾ أي فكيف يعملون وما حيلتهم حينئذ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم﴾ عن ابن عباس رضى الله عنهما لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره
стр. 5923
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)
﴿ذلك﴾ إشارة إلى التوفي الموصوف ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿اتبعوا مَا أَسْخَطَ الله﴾ من معاونة الكافرين ﴿وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ﴾ من نصرة المؤمنين ﴿فَأَحْبَطَ أعمالهم﴾
стр. 5924
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩)
﴿أَمْ حَسِبَ الذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ الله أضغانهم﴾ أحقادهم والمعنى أظن المنافقون أن الله تعالى لا يبرز بغضهم وعداوتهم للمؤمنين
стр. 5925
وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)
﴿وَلَوْ نَشَآءُ لأريناكهم﴾ لعرّفناكهم ودللناك عليهم ﴿فَلَعَرَفْتَهُم بسيماهم﴾ بعلامتهم وهو أن يسمهم الله بعلامة بها وعن انس رضى الله عنه ماخفى على رسول الله ﷺ بعد هذه الآية احد من المافقين كان يعرفهم بسيماهم ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول﴾ في نحوه وأسلوبه الحسن من فحوى كلامهم لأنهم كانوا لا يقدرون على كتمان ما في أنفسهم واللام في فَلَعَرَفْتَهُم داخلة في جواب لو كالتى في لاريناكم كررت في المعطوف وأما اللام في وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف
стр. 5926
﴿والله يَعْلَمُ أعمالكم﴾ فيميز خيرها من شرها
стр. 5927
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾ بالقتال إعلاماً لا استعلاماً أو نعاملكم معاملة المختبر ليكون أبلغ في إظهار العدل ﴿حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين﴾ على الجهاد أي نعلم كائناً ما علمناه أنه سيكون ﴿ونبلو أخباركم﴾ اسراركم وليبلونكم حتى يعلم ويبلوا أبو بكر وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها بكى وقال اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا
стр. 5928
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢)
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله وَشَآقُّواْ الرسول﴾ وعادوه يعني المطعمين يوم بدر وقد مر ﴿مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى﴾ من بعد ما ظهر لهم أنه الحق وعرفوا الرسول ﴿لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أعمالهم﴾ التي عملوها في مشاقة الرسول أي سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم
стр. 5929
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)
﴿يا أيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم﴾ بالنفاق أو بالرياء
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾
стр. 5930
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ قيل هم أصحاب القليب والظاهر العموم
стр. 5931
فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)
﴿فلا تهنوا﴾ فلا تضغفوا ولا تذلوا للعدو ﴿وَتَدْعُواْ إِلَى السلم﴾ وبالكسر حمزة وأبو بكر وهما المسالة أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ أي الاعلبون وتدعوا مجزوم لدخوله في حكم النهي ﴿والله مَعَكُمْ﴾ بالنصرة أي ناصركم ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أعمالكم﴾ ولن ينقصكم أجر أعمالكم
стр. 5932
إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦)
﴿إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ تنقطع في أسرع مدة ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ﴾ بالله ورسوله ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الشرك ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ ثواب إيمانكم وتقواكم ﴿وَلاَ يسألكم أموالكم﴾ أي لا يسألكم جميعها بل ربع العشر والفاعل الله اوالرسول وقال سفيان بن عبينة غيضا من فيض
стр. 5933
إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧)
﴿إن يسألكموها فَيُحْفِكُمْ﴾ أي يجهدكم ويطلبه كله والإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء يقال أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح وأحفى شاربه إذا استأصله ﴿تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ﴾ أي الله أو البخل ﴿أضغانكم﴾ عند الامتناع أو عند سؤال الجميع لان عند مسألة المال تظهر العداوة والحقد
стр. 5934
هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)
﴿ها أنتم﴾ ها للتنبيه ﴿هؤلاء﴾ موصول بمعنى الذين صلته ﴿تَدْعُونَ﴾ أي أنتم الذين تدعون ﴿لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله﴾ هي النفقة في الغزو أو الزكاة كأنه قال الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر ﴿فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ﴾ بالرفع لأن من هذه ليست للشرط أي فمنكم ناس يبخلون به ﴿وَمَن يَبْخَلْ﴾ بالصدقة وأداء الفريضة ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ أي يبخل عن داعي نفسه لا عن داعي ربه وقيل يبخل على نفسه يقال بخلت عليه وعند ﴿والله الغنى وَأَنتُمُ الفقرآء﴾ أي أنه لا يأمر بذلك لحاجته إليه لأنه غني عن الحاجات ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ﴾ وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته وطاعة رسوله والإنفاق في سبيله وهو معطوف على وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ يخلق قوماً خيراً منكم وأطوع وهم فارس وسئل رسول الله ﷺ عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال
стр. 5935
هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناله رجال من فارس ﴿ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم﴾ أي ثم لا يكونوا في الطاعة أمثالكم بل اطوع منكم
стр. 5936
سورة الفتح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5937
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)
﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ﴿
سورة الفتح مدنية وهي تسع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ الفتح الظفر بالبلدة عنوة أو صلحاً بحرب أو بغير حرب لانه مغلق مالم يظفر به فإذا ظفر به فقد فتح ثم قيل هو فتح مكة وقد نزلت مرجع رسول الله ﷺ عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح وجىء به لفظ على الماضي لأنها في تحققها بمنزلة الكائنة وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر عنه وهو الفتح مالا يخفى وقيل هو فتح الحديبية ولم يكن فيه قتال شديد ولكن ترامٍ بين القوم بسهام وحجارة فرمى المسلمون المشركين حتى أدخلوهم ديارهم وسألوا الصلح فكان فتحاً مبيناً وقال الزجاج كان في فتح الحديبية آية للمسلمين عظيمة وذلك أنه نزح ماؤها ولم يبق فيها قطرة فتمضمض رسول الله ﷺ ثم مجه في البئر فدرت بالماء حتى شرب جميع الناس وقيل هو فتح خيبر وقيل معناه قضينا لك قضاء بيناً على اهل مكة ان يدخلها انت واصحابك من قابلى لتطوفوا بالبيت من الفتاحة وهي الحكومة
стр. 5938
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)
﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله﴾ قيل الفتح ليس بسبب المغفرة والتقدير إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً فاستغفر لك الله ومثله إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح
стр. 5939
إلى قوله فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ واستغفره ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سبباً للغفران وقيل الفتح لم يكن ليغفر له بل لإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز ولكنه لما عدد عليه هذه النعم وصلها بما هو أعظم النعم كأنه قيل يسرّنا لك فتح مكة أو كذا لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل ﴿مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ يريد جميع ما فرط منك أو ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك ﴿ويهديك صراطا مستقيما﴾ يثبتك على الدين المرضي
стр. 5940
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)
﴿وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ قويا لاذل بعده ابدا
стр. 5941
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)
﴿هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة فِى قُلُوبِ المؤمنين لِيَزْدَادُوآ إيمانا مَّعَ إيمانهم﴾ السكينة للسكون كالبهيتة للبهتان أي أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب الصلح ليزدادوا يقيناً إلى يقينهم وقيل السكنية الصبر على ما أمر الله والثقة بوعد الله والتعظيم لأمر الله ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ﴾
﴿السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما﴾
﴿السماوات والأرض وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً لّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً وَيُعَذِّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات﴾ اى ولله جنود السموات والأرض يسلط بعضها على بعض كما يقتضيه علمه وحكمته ومن قضيته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح لهم وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه ويشكروها فيثيبهم
стр. 5942
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)
ويعذب الكافرين والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه ﴿الظآنين بالله ظَنَّ السوء﴾ وقع السوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده
стр. 5943
يقال فعل سوء اى مسخوط فاسدوا المراد ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهراً ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء﴾ مكي وأبو عمرو أي ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم والسوء الهلاك والدمار وغيرهما دائرة السوء بالفتح أي الدائرة التي يذمونها ويسخطونها السوء والسوء كالكره والكره والضعف والضعف إلا أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء واما السوء فجاز مجرى الشر الذي هو نقيض الخير ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مصيرا﴾ جهنم
стр. 5944
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض﴾ فيدفع كيد من عادى نبيه ﵇ والمؤمنين بما شاء منها ﴿وَكَانَ الله عَزِيزاً﴾ غالباً فلا يرد بأسه ﴿حَكِيماً﴾ فيما دبر
стр. 5945
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨)
﴿إِنَّآ أرسلناك شَاهِداً﴾ تشهد على أمتك يوم القيامة وهذه حال مقدرة ﴿وَمُبَشِّراً﴾ للمؤمنين بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين من النار
стр. 5946
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)
﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ والخطاب لرسول الله ﷺ ولأمته ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ وتقووه بالنصر ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ وتعظموه ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ من التسبيح أو من السبحة والضمائر لله والمراد بتعزيز الله تعزيز دينه ورسوله ومن فرق الضمائر فجعل الاولين للنبى ﷺ فقد أبعد لِيُؤْمِنُواْ مكي وأبو عمرو والضمير للناس وكذا الثلاثة الأخيرة بالياء عندهما ﴿بُكْرَةً﴾ صلاة الفجر ﴿وَأَصِيلاً﴾ الصلوات الأربع
стр. 5947
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)
﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ﴾ أي بيعة الرضوان ولما قال ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ أكده تأكيداً على طريقة التخييل فقال ﴿يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يريد ان
﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾
يد
стр. 5948
رسول الله ﷺ التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله والله منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما كفوله من يطع الرسول فقد اطاع الله وانما يبايعون الله خبران ﴿فَمَن نَّكَثَ﴾ نقض العهد ولم يف بالبيعة ﴿فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ﴾ فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه قال جابر بن عبد الله بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر فما نكث أحد منا البيعة إلا جدبن قيس وكان منافقاً اختبأ تحت بطن بعيره ولم يسر مع القوم ﴿وَمَنْ أوفى بِمَا عاهد﴾ يقال وفيت بالعهد وأوفيت به ومنه قوله اوفوا بالعقود والموفون بعدهم ﴿عَلَيْهِ الله﴾ حفص ﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ وبالنون حجازي وشامي ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ الجنة
стр. 5949
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)
﴿سَيَقُولُ لَكَ﴾ إذا رجعت من الحديبية ﴿المخلفون مِنَ الأعراب﴾ هم الذين خلّفوا عن الحديبية وهم أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والديل وذلك انه ﵇ حين اراد السير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت وأحرم هو ﷺ وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حرباً فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا يذهب إلى قوم غزوه في عقر داره بالمدينة وقتلوا اصحابه فقاتلهم وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة ﴿شَغَلَتْنَآ أموالنا وَأَهْلُونَا﴾ هي جمع أهل اعتلوا بالشغل باهاليهم واموالهم وانه ليس لهم من يقوم بأشغالهم ﴿فاستغفر لَنَا﴾ ليغفر لنا الله تخلقنا عنك ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ﴾ تكذيب لهم في اعتذارهم وأن الذي خلفهم ليس ما يقولون وإنما هو الشك في الله والنفاق
стр. 5950
فطلبهم الاستغفار أيضاً ليس بصادر عن حقيقة ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً﴾ فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً﴾ ما يضركم من قتل أو هزيمة ضَرّا حمزة وعلي ﴿أو أراد بكم نفعا﴾ من غنيمة وظهر ﴿بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾
стр. 5951
بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)
﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلك فِى قُلُوبِكُمْ﴾ زينه الشيطان ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء﴾ من علو الكفر وظهور الفساد ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ جمع بائر كعائذ وعوذ من بار الشيء هلك وفسد أي وكنتم قوماً فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم او
﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بالله وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين سعيرا﴾
هالكين عند الله مستحقين لسخطه وعقابه
стр. 5952
وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣)
﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بالله وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين﴾ أي لهم فأقيم الظاهر مقام الضمير للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمانين بالله والإيمان برسوله فهو كافر ونكّر ﴿سَعِيراً﴾ لأنها نار مخصوصة كما نكر نَاراً تلظى
стр. 5953
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)
﴿وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ يدبره تدبير قادر حكيم ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ يغفر ويعذب بمشيئته وحكمته وحكمته المغفرة للمؤمنين والتعذيب للكافرين ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ سبقت رحمته غضبه
стр. 5954
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥)
﴿سَيَقُولُ المخلفون﴾ الذين تخلفوا عن الحديبية ﴿إِذَا انطلقتم إلى مغانم﴾ اى غنائم خيبر ﴿لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كلام الله﴾ كَلِمَ الله حمزة وعلي أي يريدون أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية
стр. 5955
وذلك أنه وعدهم أن يعوضهم من مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئاً ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا﴾ إلى خيبر وهو اخبار من الله بعد اتباعهم ولا يبدل القول لديه ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ﴾ من قبل انصرافهم إلى المدينة إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية دون غيرهم ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ أي لم يأمركم الله به بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنيمة ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ من كلام الله ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إلا شيئاً قليلاً يعني مجرد القول والفرق بين الإضرابين أن الاول أن يكون حكم الله أن لا يتّبعوهم وإثبات الحسد والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أطم منه وهو الجهل وقلة الفقه
следующие страницы →