← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلك فِى قُلُوبِكُمْ﴾ زينه الشيطان ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء﴾ من علو الكفر وظهور الفساد ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ جمع بائر كعائذ وعوذ من بار الشيء هلك وفسد أي وكنتم قوماً فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم او ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بالله وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين سعيرا﴾ هالكين عند الله مستحقين لسخطه وعقابه

стр. 5952

وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بالله وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين﴾ أي لهم فأقيم الظاهر مقام الضمير للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمانين بالله والإيمان برسوله فهو كافر ونكّر ﴿سَعِيراً﴾ لأنها نار مخصوصة كما نكر نَاراً تلظى

стр. 5953

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤) ﴿وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ يدبره تدبير قادر حكيم ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ يغفر ويعذب بمشيئته وحكمته وحكمته المغفرة للمؤمنين والتعذيب للكافرين ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ سبقت رحمته غضبه

стр. 5954

سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) ﴿سَيَقُولُ المخلفون﴾ الذين تخلفوا عن الحديبية ﴿إِذَا انطلقتم إلى مغانم﴾ اى غنائم خيبر ﴿لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كلام الله﴾ كَلِمَ الله حمزة وعلي أي يريدون أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية

стр. 5955

وذلك أنه وعدهم أن يعوضهم من مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئاً ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا﴾ إلى خيبر وهو اخبار من الله بعد اتباعهم ولا يبدل القول لديه ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ﴾ من قبل انصرافهم إلى المدينة إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية دون غيرهم ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ أي لم يأمركم الله به بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنيمة ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ من كلام الله ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إلا شيئاً قليلاً يعني مجرد القول والفرق بين الإضرابين أن الاول أن يكون حكم الله أن لا يتّبعوهم وإثبات الحسد والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أطم منه وهو الجهل وقلة الفقه

стр. 5956

قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) ﴿قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب﴾ هم الذين تخلفوا عن الحديبية ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يعني بني حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم ابو بكر رضى الله عنه لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وقيل هم فارس وقد دعاهم عمر رضى الله عنه ﴿تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام ومعنى يسلمون على هذا التأويل ينقادون لأن فارس مجوس تقبل منهم الجزية وفي الآية دلالة صحة خلاف الشيخين حيث وعدهم الثواب على طاعة الداعي عند عوته بقوله ﴿فَإِن تُطِيعُواْ﴾ من دعاكم إلى قتاله ﴿يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً﴾ فوجب أن يكون الداعي مفترض الطاعة ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ﴾ أي عن الحديبية ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أليما﴾ في ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حرج﴾ الآخرة

стр. 5957

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧) ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ نفي الحرج عن ذوي العاهات في التخلف عن الغزو ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ﴾ في الجهاد وغير

стр. 5958

ذلك ﴿يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار وَمَن يَتَوَلَّ﴾ يعرض عن الطاعة ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أليما﴾ ندخله ونعذبه مدنى وشامى

стр. 5959

لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) ﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة﴾ هي بيعة الرضوان سميت بهذه الآية وقصتها ان النبى ﷺ حين نزل بالحديبية بعث خراش بن أمية الخزاعي رسولاً إلى مكة فهموا به فمنعه الأحابيش فلما رجع دعا بعمر ليبعثه فقال إني أخافهم على نفسي لما عرف من عداوتي إياهم فبعث عثمان بن عفان فخبرهم انه لم يات الحرب وإنما جاء زائراً للبيت فوقروه واحتبس عندهم فارجف بانهم قتلوه فقال رسول الله ﷺ لانبرح حتى نناجز القوم ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه على ان يناجزوها قريشاً ولا يفروا تحت الشجرة وكانت سمرة وكان عدد المبايعين ألفاً وأربعمائة ﴿فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه ﴿فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ﴾ أي الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم ﴿وأثابهم﴾ وجازاهم ﴿فَتْحاً قَرِيباً﴾ هو فتح خيبر غب انصرافهم من مكة

стр. 5960

وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم ﴿وَكَانَ الله عَزِيزاً﴾ منيعاً فلا يغالب ﴿حَكِيماً﴾ فيما يحكم فلا يعارض

стр. 5961

وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) ﴿وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ هي ما اصابوه مع النبى ﷺ وبعده إلى يوم القيامة ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه﴾ المغانم يعني مغانم خيبر ﴿وَكَفَّ أَيْدِىَ الناس عَنْكُمْ﴾ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا وقيل أيدي أهل مكة

стр. 5962

بالصلح ﴿ولتكون﴾ هذه الكفة ﴿آية لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ وعبرة يعرفون بها أنهم من الله بمكان وأنه ضامن نصرتهم والفتح عليهم فعل ذلك ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صراطا مُّسْتَقِيماً﴾ ويزيدكم بصيرة ويقيناً وثقة بفضل الله

стр. 5963

وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١) ﴿وأخرى﴾ معطوفة على هذه اى فجعل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى هي مغانم هوازن في غزوة حنين ﴿لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ لما كان فيها من الجولة ﴿قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ أي قدر عليها واستولى وأظهركم عليها ويجوز في أخرى النصب بفعل مضمر يفسره قَدْ أَحَاطَ الله بها ﴿وكان الله على كل شيء قديرا﴾ تقديره وقضى الله أخرى قد أحاط بها واما لم تقدروا عليها فصفة لاخرى والرفع على الابتداء لكونها موصوفة بلم تقدروا وقد أَحَاطَ الله بِهَا خبر المبتدأ ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيراً﴾ قادراً

стр. 5964

وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) ﴿وَلَوْ قاتلكم الذين كفَرُواْ﴾ من أهل مكة ولم يصالحوا أو من حلفاء أهل خيبر ﴿لَوَلَّوُاْ الأدبار﴾ لغلبوا وانهزموا ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً﴾ يلي أمرهم ﴿وَلاَ نَصِيراً﴾ ينصرهم

стр. 5965

سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) ﴿سُنَّةَ الله﴾ في موضع المصدر المؤكد أي سن الله غلبة أنبيائه سنة وهو قوله لاغلبن انا ورسلى ﴿التى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ تغييراً

стр. 5966

وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) ﴿وَهُوَ الذى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ أي أيدي أهل مكة ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم﴾ عن أهل مكة يعنى قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بدما خولكم الظفر عليهم والغلبة وذلك يوم الفتح وبه استشهد أبو حنيفة رضى الله عنه على أن مكة فتحت عنوة لا صلحاً وقيل كان في غزوة الحديبية لما رُوي أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة فبعث رسول الله ﷺ من هزمه وأدخله

стр. 5967

حيطان مكة وعن ابن عباس رضى الله عنهما أظهر المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ أي بمكة أو بالحديبية لأن بعضها منسوب إلى الحرم ﴿مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أي أقدركم وسلطكم ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ وبالياء أبو عمرو

стр. 5968

هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) ﴿هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدى﴾ هو ما يهدي إلى الكعبة ونصبه عطفاً على كم في صَدُّوكُمْ أي وصدوا الهدي ﴿مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ﴾ محبوساً أن يبلغ ومعكوفا حال وكان ﵇ ساق سبعين بدنة ﴿مَحِلَّهُ﴾ مكانه الذي يحل فيه نحره أي يجب وهذا دليل على أن المحصر محل هديه الحرم والمراد المحل المعهود وهو منى ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مؤمنات﴾ بمكة ﴿لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ صفة للرجال والنساء جميعا ﴿أن تطؤوهم﴾ بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في تَعْلَمُوهُمْ ﴿فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ﴾ إثم وشدة وهي مفعلة من عره بمعنى عراه إذا دهاه ما يكرهه ويشق عليه وهو الكفارة إذا قتله خطأ وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز والإثم إذا قصر ﴿بِغَيْرِ علم﴾ متعلق بأن تطؤهم يعنى أن تطؤهم غير عالمين بهم والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة والمعنى أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم فقيل ﴿ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا﴾ ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً مؤمنين بين ظهرانى المشركين وأنتم غير عارفين بهم فيصبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة لما كف أيديكم عنهم وقوله ﴿لِّيُدْخِلَ الله فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ تعليل لما دلت عليه الآية وسيقت له من كف الأيدي عن أهل مكة والمنع عن قتلهم صونا

стр. 5969

لما بين أظهرهم من المؤمنين كأنه قال كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته أي في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ﴾ لو تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين وجواب لولا محذوف أغنى عنا جواب لو ويجوز أن يكون لو تزيلوا كالتكرير اولا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ لمرجعهما إلى معنى واحد ويكون ﴿لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ﴾ هو الجواب تقديره ولولا ان تطؤا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات ولو كانوا متميزين لعذبناهم بالسيف ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهل مكة ﴿عَذَاباً أليما﴾

стр. 5970

إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦) والعامل في ﴿إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي قريش لعذبنا أي لعذبناهم في ذلك الوقت أو اذكر ﴿فِى قُلُوبِهِمُ الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين﴾ المراد بحمية الذين كفروا هى الأنفة وسكينة المؤمنين وهي الوقار ما يُروى ان رسول الله ﷺ لما نزل بالحديبية بعث قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكر زبن حفص على ان يعرضوا على النبى ﷺ أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام ففعل ذلك وكتبوا بينهم كتاباً فقال ﵇ لعلى رضى الله عنه اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل وأصحابه ما نعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله ﷺ أهل مكة فقالوا لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة فقال ﵇ اكتب ما يريدون فأنا أشهد أني رسول الله وأنا محمد بن عبد الله فهمّ المسلمون أن يأبوا ذلك ويشمئزوا منه فأنزل الله على رسوله السكينة فتوقروا وحلموا ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى﴾ الجمهور على أنها كلمة

стр. 5971

الشهادة وقيل بسم الله الرحمن الرحيم والإضافة إلى التقوى باعتبار أنها سبب التقوى وأساسها وقيل كلمة أهل التقوى ﴿وَكَانُواْ﴾ أي المؤمنون ﴿أَحَقَّ بِهَا﴾ من غيرهم ﴿وَأَهْلَهَا﴾ بتأهيل الله إياهم ﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً﴾ ٦ فيجري الأمور على مصالحها

стр. 5972

لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا﴾ أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله صدقوا ما عاهدوا الله عليه روى ان رسول الله ﷺ رأى قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصرا فقص الرؤيا على اصحابه ففرحوا وحسبوا ﴿بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين﴾ أنهم داخلوها في عامهم وقالوا إن رؤيا رسول الله ﷺ حق فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبيّ وغيره والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت ﴿بالحق﴾ متعلق بصدق أي صدقه فيما رأى وفي كونه وحصوله صدقاً ملتبساً بالحق أي بالحكمة البالغة وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن الخالص وبين من في قلبه مرض ويجوز أن يكون بالحق قسماً إما بالحق الذي هو نقيض الباطل أو بالحق الذي هو من أسمائه وجوابه ﴿لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام﴾ وعلى الأول هو جواب قسم محذوف ﴿إِن شَآءَ الله﴾ حكاية من الله تعالى ما قاله رسوله لأصحابه وقص عليهم أو تعليم لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك متأدبين بأدب الله ومقتدين بسنته ﴿آمنين﴾ حال والشرط معترض ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ حال من الضمير في آمنين ﴿رؤوسكم﴾ أي جميع شعورها ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ بعض شعورها ﴿لاَ تخافون﴾ حال مؤكدة ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ﴾ من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾

стр. 5973

أي من دون فتح مكة ﴿فَتْحاً قَرِيباً﴾ وهو فتح خيبر ليستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود

стр. 5974

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) ﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى﴾ بالتوحيد ﴿وَدِينِ الحق﴾ أي الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ على جنس الدين يريد الأديان المختلفة من اديات المشركين وأهل الكتاب ولقد حقق ذلك سبحانه فإنك لا ترى ديناً قط إلا وللإسلام دونه العزة والغلبة وقيل هو عند نزول عيسى ﵇ حين لا يبقى على وجه الارض كافر وقيل هو اظهار بالحجج والآيات ﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ على أن ما وعده كائن وعن الحسن شهد على نفسه أنه سيظهر دينه والتقدير وكفاه الله شهيدا وشهيد تمييز أو حال

стр. 5975

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) ﴿مُحَمَّدٌ﴾ خبر مبتدأ أي هو محمد لتقدم قوله هو الذى ارسل رسوله ام مبتدأ خبر ﴿رَسُولِ الله﴾ وقف عليه نصير ﴿والذين مَعَهُ﴾ أي أصحابه مبتدأ والخبر ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار﴾ او محمد مبتدا ورسول الله عطف بيان والذين معه عطف على المبتدا واشداء خبر عن الجميع ومعناه غلاظ ﴿رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ متعاطفون وهو خبر ثانٍ وهما جمعاً شديد ورحيم ونحوه أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين وبلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم وبلغ من ترحمهم فيما بينهم انه كان لا يرى مؤمناً إلا صافحه وعانقه ﴿تراهم رُكَّعاً﴾ راكعين ﴿سُجَّدًا﴾ ساجدين ﴿يَبْتَغُونَ﴾ حال كما أن ركعاً وسجداً كذلك ﴿فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً سيماهم﴾ علامتهم ﴿في وجوههم من أثر﴾ ﴿السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ﴿ سورة الحجرات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا﴾ ﴿السجود﴾ أي من التأثير الذي يؤثره السجود وعن عطاء استنارت وجوههم من طول ما وصلوا

стр. 5976

بالليل لقوله ﵇ من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ﴿ذلك﴾ أي المذكور ﴿مَثَلُهُمْ﴾ صفتهم ﴿فِي التوراة﴾ وعليه وقف ﴿وَمَثَلُهُمْ في الإنجيل﴾ مبتدأ خبره ﴿كزرع أخرج شطأه﴾ فراخه يقال أشطأ الزرع إذا فرخ ﴿فَأَزَرَهُ﴾ قواه فَأزره شامي ﴿فاستغلظ﴾ فصار من الرقة إلى الغلظ ﴿فاستوى على سُوقِهِ﴾ فاستقام على قصبه جمع ساق ﴿يُعْجِبُ الزراع﴾ يتعجبون من قوته وقيل مكتوب في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وعن عكرمة أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي رضوان الله عليهم وهذا مثل ضربه الله تعالى لبدء الإسلام وترقيه في الزيادة الى ان قوى واستحكم لان النبى ﷺ قام وحده ثم قواه الله تعالى بمن آمن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتفّ بها مما يتولد منها حتى يعجب الزراع ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار﴾ تعليل لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوة ويجوز أن يعلل به ﴿وعد الله الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ لأن الكفار إذا سمعوا بما أعد لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك ومن في مِنْهُمْ للبيان كما في قوله فاجتنبوا الرجس من الاوثان يعني فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان وقولك أنفق من الدراهم أي اجعل نفقتك هذا الجنس وهذه الآية ترد قول الروافض إنهم كفروا بعد وفاة النبى ﷺ إذ الوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم إنما يكون أن لو ثبتوا على ما كانوا عليه في حياته

стр. 5977

سورة الحجرات مدنية وهى ثمان عشر آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5978

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) ﴿يا أيها الذين آمنوا لاَ تُقَدِّمُواْ﴾ قدّمه وأقدمه منقولان بتثقيل الحشو والهمزة من قدمه إذا تقدمه في قوله تعالى يقدم قومه وحذف المفعول ليتناول كل ما وقع في النفس مما يقدم من القول أو الفعل وجاز أن لا يقصد مفعول والنهي متوجه إلى نفس التقدمة كقوله هُوَ الذى يُحْيىِ ويميت أو هو من قدّم بمعنى تقدم كوجه بمعنى توجه ومنه مقدمة الجيش وهي الجماعة المتقدمة منه ويؤيده قراءة ﴿بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾ يعقوب لاَ تُقَدّمُواْ بحذف إحدى تاءي تتقدموا ﴿بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ﴾ حقيقة قولهم جلست بين يدي فلان أن تجلس بين الجهتين المسامنتين ليمينه وشماله قريباً منه فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعاً كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره في هذه العبارة ضرب من المجاز الذي يسمى تمثيلاً وفيه فائدة جليلة وهي تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة ويجوز أن

стр. 5979

يجري مجرى قولك سرني زيد وحسن حاله أي سرني حسن حال زيد فكذلك هنا المعنى بين يدي رسول الله ﷺ وفائدة هذا الأسلوب الدلالة على قوة الاختصاص ولما كان رسول الله ﷺ من الله بالمكان الذي لا يخفى سلك به هذا المسلك وفي هذا تمهيد لما نقم منهم من رفع أصواتهم فوق صوته ﵇ لأن من فضله الله بهذه الأثرة واختصه هذا الاختصاص كان أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت وعن الحسن أن إناساً ذبحوا يم الأضحى قبل الصلاة فنزلت وأمرهم رسول الله ﷺ ان يعيدوا ذبحا اخر وعن عائشة رضى عنها أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك ﴿واتقوا الله﴾ فانكم ان اتقيتموه عافتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ﴾ لما تقولون ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تعملون وحق مثله ان يتقى

стр. 5980

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إعادة النداء عليهم استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد وتحريك منهم لئلا يغفلوا عن تأملهم ﴿لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبى﴾ أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عالياً لكلامكم وجهره باهراً لجهركم حتى تكون مزيته عليكم لائحة وسابقته لديكم واضحة ﴿وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ أي إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللين المقرب من الهمس الذى يضاد الجهر اولا تقولوا له يا محمد يا أحمد وخاطبوه بالنبوة والسكينة والتعظيم ولما نزلت هذه الآية ما كلم النبى ﷺ أبو بكر وعمر إلا كأخي السرار وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنها نزلت في ثابت بن قيس بن

стр. 5981

شماس وكان في اذنه وقر وكان جهوري الصوت وكان إذا كلم رفع صوته وربما كان يكلم النبى ﷺ فيتأذى بصوته وكاف التشبيه في محل النصب أي لا تجهروا له جهراً مثل جهر بعضكم لبعض وفي هذا أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقاً حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه بالمخافتة وإنما نهوا عن جهر مخصوص أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منه فيما بينهم وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها ﴿أَن تَحْبَطَ أعمالكم﴾ منصوب الموضع على أنه المفعول له متعلق بمعنى النهي والمعنى انتهوا عما نهيتم عنه لحبوط أعمالكم أى لخشية حبوطها ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عند رسول الله﴾ على تقدير حذف المضاف ﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾

стр. 5982

إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) ﴿إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عِندَ رَسُولِ الله﴾ ثم اسم إن عند قوله رَسُولِ الله والمعنى يخفضون أصواتهم في مجلسه تعظيماً له ﴿أولئك﴾ مبتدأ خبره ﴿الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى﴾ وتم صلة الذين عند قوله للتقوى وأولئك مع خبره خبران والمعنى أخلصها للتقوى من قولهم امتحن الذهب وفتنة إذا أذابه فخلص ابريزه من خبثه ونقاه وحقيقته عاملها معاملة المختبر فوجدها مخلصة وعن عمر رضى الله عنه أذهب الشهوات عنها والامتحان افتعال من محنه وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ جملة أخرى قيل نزلت في الشيخين رضى الله عنهما لما كان منهما من غض الصوت وهذه الآية بنظمها الذى وتبت عليه من إيقاع الغاضين اصواتهم اسما لان المؤكدة وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معا والمبتدا امس الإشارة واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم وإيراد الجزاء نكرة مبهماً أمره دالة على غاية الاعتداد والارتضاء بفعل الخافضين أصواتهم وفيها تعريض لعظيم ما ارتكب الرافعون اصواتهم

стр. 5983

إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) ﴿إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الحجرات﴾ نزلت في وفد بني تميم أتوا رسول الله ﷺ وقت الظهيرة وهو راقد وفيهم الافرع بن حابس وعيينة بن حصن ونادوا النبي ﷺ من وراء حجراته وقالوا اخرج إلينا يا محمد فان مدحنازين وذمنا شين فاستيقظ وخرج والوراء الجهة التي بوار بها عنك لشخص بظلمه من خلف او قدام ومن لابتداء الغاية وأن المناداة نشأت من ذلك المكان والحجرة الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها وهى فعلة بمنى مفعولة كالفيضة وجمعها الحجرات بضمتين والحجرات بفتح الجيم وهي قراءة يزيدوالمراد حجرات نساء رسول الله ﷺ كانت لكل منهن حجرة ومناداتهم من ورائها لعلهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له أو نادوه من وراء الحجرة التي كان ﵇ فيها ولكنها اجمعت اجلالا لرسول الله ﷺ والفعل وان كان مسند الى جميعهم فانه يجو ان يتولاه بعضهم وكا الباقون راضين فكأنهم تولوه جميعاً ﴿أَكْثَرُهُمْ لاَ يعقلون﴾ يحتمل ان يكون فهم من قصد استثناؤه ويحتمل أن يكون المراد النفى العام اذ القلة تقع موقع النفي وورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى من اجلال محل رسول الله ﷺ منها لتسجيل على الصائحين به بالسفه والجهل ومنها إيقاع لفظ الحجرات كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه ومنها التعريف باللام دون الإضافة ولو تأمل متأمل من أول السورة إلى آخر هذه الآية لوجدها كذلك فتأمل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله متقدمة على الأمور كلها من غير تقيد ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر كأن الأول بساط للثاني ثم أثنى على الغاضين اصواتهم ليدل على عظيم موفعه عند الله ثم عقبه بما هو أطم وهجنته أتم من الصباح برسول الله ﷺ في حال خلوته من وراء الجدر كما

стр. 5984

﴿ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم﴾ بصاح بأهون الناس قدر الينبه على فظاعة ما جسروا عليه لأن من رفع الله قدره على أن يجهر له بالقول كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ في التفاحش مبلغاً

стр. 5985

وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ﴾ أي ولو ثبت صبرهم ومحل أَنَّهُمْ صَبَرُواْ الرفع على الفاعلية والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها قال الله تعالى واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يدعون ربهم وقولهم صبر عن كذا محذوف منه المفعول وهو النفس وقيل الصبر من لا يتجرعه الاخر وقوله ﴿حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ يفيد أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم ﴿لَكَانَ﴾ الصبر ﴿خَيْراً لَّهُمْ﴾ في دينهم ﴿والله غفور رحيم﴾ بلغ الغفران والرحمة واسعهما فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء ان تابوا وانابوا

стр. 5986

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) ﴿يا أيها الذين آمنوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ﴾ أجمعوا أنها نزلت في الوليد بن عقبة وقد بعثه رسول الله ﷺ مصدقا إلى نبى المصطق وكانت بينه وبينهم إحنة في الجاهلية فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين إليه فحسبهم مقاتليه فرجع وقال لرسول الله ﷺ قد ارتدوا ومنعوا الزكاة فبعث خالد بن الوليد فوجدهم يصلون فسلموا إليه الصدقات فرجع وفي تنكير الفاسق والنبأ شياع في الفساق والأنباء كأنه قال أي فاسق جاءكم بأي نبأ ﴿فَتَبَيَّنُوآ﴾ فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ولا تعتمدوا بقول الفاسق لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه وفي الآية دلالة قبول خبر الواحد العدل لأنا لو توقفنا في خبره لسوينا بينه وبين الفاسق ولخلا الخصيص به عن الفائدة والفسوق الخروج من الشيء ويقال فسقت الرطبة عن قشرها ومن مقلوبه فقست البيضة اذا كسرتها

стр. 5987

واخرجت مافيها ومن مقلوبه أيضاً قفست الشيء إذا أخرجته من يد مالكه مغتصباً له عليه ثم استعمل في الخروج عن القصد بركوب الكبائر حمزة وعلى فتثبتوا والتثبت والنبين متقاربان وهما طلب الثبات والبيان والتعرف ﴿أَن تصيبوا قَوْماً﴾ لئلا تصيبوا ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ حال يعني جاهلين بحقيقة الامر وكنه القصه ﴿فتصبحوا﴾ فتصبروا ﴿على مَا فَعَلْتُمْ نادمين﴾ الندم ضرب من الغم وهو ان تغنم على ما وقع منك نتمنى أنه لم يقع وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام

стр. 5988

وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) ﴿واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله﴾ فلا تكذبوا فإن الله يخبره فينهتك ستر الكاذب أو فارجعوا اليه اطلبوا رأيه ثم قال مستأنفاً ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ الأمر لَعَنِتُّمْ﴾ لوقعتم في الجهد والهلاك وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله ﷺ الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد وأن بعضهم كانوا يتصوّنون ويزعهم جدهم في التقوى عن الجسارة على ذلك وهم الذين استثناهم بقوله ﴿ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان﴾ وقيل هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ولما كانت صفة الذين حبب الله إليهم الإيمان غايرت صفة المتقدم ذكرهم وقت لكن في ﴿وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق﴾ حال موقعها من الاستدراك وهو مخالفة ما بعدها لما قبله نفياً وإثباتاً ﴿وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر﴾ وهو تغطية نعم الله وغمطها بالجحود ﷺ َ - ﴿والفسوق﴾ وهو الخروج عن محجة الإيمان بركوب الكبائر ﴿والعصيان﴾ وهو ترك الانقياد لما أمر به الشارع ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الراشدون﴾ أي أولئك المستثنون هم الراشدون يعني أصابوا طريق الحق ولم يميلو اعن الاستقامة والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرشادة وهي الصخرة

стр. 5989

فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) ﴿فَضْلاً مِّنَ الله وَنِعْمَةً﴾ الفضل والنعمة بمعنى الإفضال والإنعام

стр. 5990

والانتصاب على المفعول له أي حبب وكره للفضل والنعمة ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بأحوال المؤمنين وما بينهم من التمايز والتفاضل ﴿حَكِيمٌ﴾ حين يفضل وينعم بالتوفيق على الأفاضل
следующие страницы →