← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) ﴿كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم﴾ والواو في ﴿وَشَهِدُواْ أَنَّ الرسول حَقٌّ﴾

стр. 597

للحال وقد مضمرة أي كفروا وقد شهدوا أن الرسول أى محمد حق أو للعطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل لأن معناه بعد أن آمنوا ﴿وَجَاءهُمُ البينات﴾ أي الشواهد كالقرآن وسائر المعجزات ﴿والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين﴾ أي ما داموا مختارين الكفر أو لا يهديهم طريق الجنة إذا ماتوا كفاراً

стр. 598

أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) ﴿أولئك﴾ مبتدأ ﴿جَزَآؤُهُمْ﴾ مبتدأ ثانٍ خبره ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله﴾ وهما خبر أولئك أو جزاؤهم بدل الاشتمال من أولئك ﴿والملائكة والناس أجمعين﴾

стр. 599

خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) ﴿خالدين﴾ حال من الهاء والميم في عليهم ﴿فِيهَا﴾ في اللعنة ﴿لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾

стр. 600

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك﴾ الكفر العظيم والارتداد ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ﴾ لكفرهم ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم ونزل في اليهود

стр. 601

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ بعيسى والإنجيل بَعْدَ إيمانهم بموسى والتوراة ﴿ثم ازدادوا كفرا﴾ بمحمد ﷺ والقرآن أو كفروا برسول الله ﷺ بعد ما كانوا به مؤمنين قبل مبعثه ثم ازدادوا كفراً بإصرارهم على ذلك وطعنهم فيه في كل وقت أو نزل في الذين ارتدوا ولحقوا بمكة وازديادهم الكفران قالوا نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أي إيمانهم عند البأس لأنهم لا يتوبون إلا عند الموت قال الله تعالى فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضالون﴾

стр. 602

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١) ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْءُ الأرض﴾ الفاء في فلن يقبل يؤذن بأن الكلام بنى آل عمران (٩١ _ ٩٣) على الشرط والجزاء وأن سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر وترك الفاء فيما تقدم يشعر بأن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب ﴿ذَهَبًا﴾ تمييز ﴿وَلَوِ افتدى بِهِ﴾ أي فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً قال ﵇ يقال للكافر يوم القيامة لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به فيقول نعم فيقال له لقد سئلت أيسر من ذلك قيل الواو لتأكيد النفي ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم ﴿وَمَا لَهُم مّن ناصرين﴾ معينين دافعين للعذاب

стр. 603

لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) ﴿لَن تَنَالُواْ البر﴾ لن تبلغوا حقيقة البر أو لن تكونوا أبراراً أو لن تنالوا بر الله وهو ثوابه ﴿حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها وعن الحسن كل من تصدق ابتغاء وجه الله بما يحبه ولو ثمرة فهو داخل في هذه الآية قال الواسطي الوصول البر بإنفاق بعض المحاب وإلى الرب بالتخلي عن الكونين وقال أبو بكر الوراق لن تنالوا بري بكم إلا ببركم بإخوانكم والحاصل أنه لا وصول إلى المطلوب إلا بإخراج المحبوب وعن عمر بن عبد العزيز إنه كان يشتري أعدال السكر ويتصدق بها فقيل له لم لا تتصدق بثمنها قال لأن السكر أحب إليّ فأردت أن أنفق مما أحب ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ الله بِهِ عليم﴾ أى هو عليم بكل شيء تنفقونه فيجازيكم بحسبه ومن الأولى للتبعيض لقراءة عبد الله حتى تنفققوا بعض ما تحبون والثانية للتبيين أي من أي شيء كان الإنفاق طيب تحبونه أو خبيث تكرهونه

стр. 604

كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) ولما قالت اليهود للنبي ﵇ إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها فقال ﵇ كان ذلك حلالاً لإبراهيم فنحن نحله فقالت اليهود إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح ﵉ نزل تكذيباً لهم ﴿كُلُّ الطعام﴾ أي المطعومات التي فيها النزاع فإن منها ما هو حرام قبل ذلك كالميتة والدم ﴿كان حلا لبني إسرائيل﴾ أى حلالا وهو مصدر يقال حل الشئ حلا ولذا استوى فى صفته المذكر والمؤنث والواحد والجمع قال الله تعالى لاهن حل لهم ﴿إلا ما حرم إسرائيل﴾ أي يعقوب ﴿على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة﴾ وبالتخفيف مكي وبصري وهو لحوم الإبل وألبانها وكانا أحب الطعام إليه والمعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلاً لبني إسرائيل من قبل إنزال التوارة سوى ما حرم إسرائيل على نفسه فلما نزلت التوراة على موسى حرم عليهم فيها لحوم الإبل وألبانها لتحريم إسرائيل ذلك على نفسه ﴿قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين﴾ أمر بأن آل عمران (٩٤ _ ٩٧) يحاجهم بكتابهم ويبكتهم بما هو ناطق به من أن تحريم ما حرم عليهم تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم لا تحريم قديم كما يدعونه فلم يجرءوا على إخراج التوراة وبهتوا وفيه دليل بيّن على صدق النبي ﵇ وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه

стр. 605

فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) ﴿فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب﴾ بزعمه أن ذلك كان محرماً في ملة إبراهيم ونوح ﵉ ﴿من بعد ذلك﴾ من بعد ما لزمهم من الحجة القاطعة ﴿فأولئك هُمُ الظالمون﴾ المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات

стр. 606

قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) ﴿قُلْ صَدَقَ الله﴾ في إخباره أنه لم يحرم وفيه تعريض بكذبهم أي ثبت أن الله تعالى صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون ﴿فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم﴾ وهي ملة الإسلام التي عليها محمد ﵇ ومن آمن معه حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله لتسوية أغراضكم وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله لإبراهيم ولمن تبعه ﴿حَنِيفاً﴾ حال ن إبراهيم أى مائلا عن الأديان الباطلة ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾

стр. 607

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) ولما قالت اليهود للمسلمين قبلتنا قبل قبلتكم نزل ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ والواضع هو الله عزوجل ومعنى وضع الله بيتاً للناس أنه جعله متعبداً لهم فكأنه قال إن أول متعبد للناس الكعبة وفى الحديث أن المسجد الحرم وضع قبل بيت المقدس بأربعين سنة قيل أول من بناه إبراهيم وقيل هو أول بيت حج بعد الطوفان وقيل هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض وقيل هو أول بيت بناه آدم ﵇ في الأرض وقوله وضع للناس فى موضع جر صفة لبيت والخبر ﴿لَلَّذِى بِبَكَّةَ﴾ أي للبيت الذي ببكة وهي علم للبلد الحرام ومكة وبكة لغتان فيه وقل مكة البلد وبكة موضع المسجد وقيل اشتقاقها من بكه إذا زحمه لازدحام الناس فيها أو لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها لم يقصدها جبار إلا قصمه الله ﴿مُبَارَكاً﴾ كثير الخير لما يحصل للحجاج والمعتمرين من الثواب وتكفير السيآت ﴿وهدى للعالمين﴾ لأنه قبلتهم ومتعبدهم ومباركا وهدى حالان من الضمير فى موضع

стр. 608

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧) ﴿فيه آيات بينات﴾ علامات واضحات لا تلتبس على أحد ﴿مَّقَامُ إبراهيم﴾ عطف بيان لقوله آيات بينات وصح بيان الجماعة بالواحد لأنه وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهرور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله تعالى ونبوة إبراهيم ﵇ من تأثير قدمه في حجر صلد أو لاشتماله على آيات لأن

стр. 609

أثر القدم في الصخرة الصماء آية وغوصه فيها إلى الكعبين آية وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء ﵈ آية لإبراهيم خاصة على أن ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ عطف بيان لآيات وإن كان جملة ابتدائية أو شرطية آل عمران (٩٧) من حيث المعنى لأنه يدل على أمن داخله فكأنه قيل فيه آيات بينات مقام لإبراهيم وأمن داخله والاثنان في معنى الجمع ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما لدلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن داخله وكثير سواهما نحوا نمحاق الأحجار مع كثرة الرماة وامتناع الطير من العلو عليه وغير ذلك ونحوه في طي الذكر قوله ﵇ حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة فقرة عيني ليس من الثلاث بل هو ابتداء كلام لأنها ليست من الدنيا والثالث يطوى وكأنه ﵇ ترك ذكر الثالث تنبيهاً على أنه لم يكن من شأنه أن يذكر شيئاً من الدنيا فذكر شيئاً هو من الدين وقيل في سبب هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم ﵇ عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه وقيل إنه جاء زائراً من الشام إلى مكة فقالت له امرأة اسمعيل ﵇ إِنزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه وأمان من دخله بدعوة إبراهيم ﵇ رب اجعل هذا البلد آمنا وكان الرجل لوجنى كل جناية ثم التجأ إلى الحرم لم يطلب وعن عمر رضى الله عنه لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب مامسته حتى يخرج منه ومن لزمه الفتل فى الحل بقود اوردة أو زنا فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج وقيل آمنا من النار لقوله ﵇ من مات في أحد الحرمين بعث يوم

стр. 610

القيامة آمنا من النار وعنه ﵇ الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وهما مقبرتا مكة والمدينة وعنه ﵇ من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ أي استقر له عليهم فرض الحج حج البيت كوفي غير أبي بكر وهو اسم وبالفتح مصدر وقيل هما لغتان في مصدر حج ﴿منْ﴾ في موضع جر على أنه بدل البعض من الكل ﴿استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فسرها النبي ﵇ بالزاد والراحلة والضمير في إليه للبيت أو للحج وكل مأتى إلى الشئ فهو سبيل إليه ولما نزل قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ جمع رسول الله ﷺ أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه فنزل ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أي جحد فرضية الحج وهو قول ابن عباس والحسن وعطاء ويجوز أن يكون من الكفران أي ومن لم يشكر ما أنعمت عليه من صحة الجسم وسعة الرزق ولم يحج ﴿فإنّ الله غنيٌّ عن العالمين﴾ مستغنٍ عنهم وعن طاعتهم وفي هذه الآية أنواع من التأكيد والتشديد منها اللام وعلى أي أنه حق واجب لله في رقاب الناس ومنها الابدال ففيه تنبيه للمراد وتكرير له ولأن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين ومنها قوله ومن كفر مكان ومن لم يحج تغليظاً على تاركي الحج ومنها ذكر

стр. 611

الاستغناء وذلك دليل على المقت والسخط ومنها قوله عن العالمين آل عمران (٩٨ _ ١٠١) وإن لم يقل عنه وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدل على عظيم السخط الذى وقع عبارة عنه

стр. 612

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ الواو للحال والمعنى لم تكفرون بآيات الله الدلالة على صدق محمد ﵇ والحال أن الله شهيد على أعمالكم فيجازيكم عليها

стр. 613

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) ﴿قل يا أهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ﴾ الصد المنع ﴿عَن سَبِيلِ الله من آمن﴾ عن دين حق علم أنه سبيل الله التي أمر بسلوكها وهو الإسلام وكانوا يمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم ومحل ﴿تَبْغُونَهَا﴾ تطلبون لها نصب على الحال ﴿عِوَجَا﴾ اعوجاجاً وميلا عن القصد والاستقامة بتغيركم صفة رسول الله ﷺ عن وجهها ونحو ذلك ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلاّ ضال مضل ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من الصد عن سبيله وهو وعيد شديد

стр. 614

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) ثم نهى المؤمنين عن اتباع هؤلاء الصادين عن سبيله بقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين﴾ قيل مرّ شاس بن قيس اليهودي على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون فغاظه تحدثهم وتألفهم فأمر شاباً من اليهود أن يذكرهم يوم بعاث لعلهم يغضبون وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس ففعل فتنازع القوم عند ذلك وقالوا السلاح السلاح فبلغ النبي ﵇ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال أتدعون

стр. 615

الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وألف بينكم فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً باكين فنزلت الآية

стр. 616

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجب أي من أين يتطرق إليكم الكفر ﴿وَأَنْتُمْ تتلى عليكم آيات الله﴾ والحال أن آيات الله وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان الرسول غضة طرية ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ وبين أظهركم رسول الله ﵇ ينبهكم ويعظكم ويزيح عنكم شبهكم ﴿وَمَن يَعْتَصِم بالله﴾ ومن يتمسك بدينه أو بكتابه أو هو حث لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم ﴿فَقَدْ هُدِىَ إلى صراط مّسْتَقِيمٍ﴾ أرشد إلى الدين الحق أو ومن يجعل ربه ملجأ ومفزعاً آل عمران (١٠٢ _ ١٠٤) عند الشبه يحفظه عن الشبه

стр. 617

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ واجب تقواه وما يحق منها وهو القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم وعن عبد الله هو أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى أو هو أن لا تأخذه في الله لومة لائم ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو بنيه أو أبيه وقيل لا يتقى الله عبد حق تقاته حتى يحزن لسانه والتقاة من اتقى كالتؤدة من اتأد ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت

стр. 618

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) ﴿واعتصموا بحبل الله﴾ تمسكوا بالقرآن لقوله ﵇ القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد من قال به صدق ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم ﴿جَمِيعاً﴾ حال

стр. 619

من ضمير المخاطبين وقيل تمسكوا بإجماع الأمة دليله ﴿وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ أي ولا تتفرقوا يعني ولا تفعلوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع أو ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما اختلف اليهود والنصارى أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضكم بعضا ﴿واذكروا نعمة الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ كانوا في الجاهلية بينهم العداوة والحرب فألف بين قلوبهم بالإسلام وقذف في قلوبهم المحبة فتحابوا وصاروا إخواناً ﴿وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النار﴾ وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر ﴿فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا﴾ بالإسلام وهو رد على المعتزلة فعندهم هم الذين ينقذون أنفسهم لا الله تعالى والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا وأنث لإضافته إلى الحفرة وشفا الحفرة حرفها ولامها واو فلهذا يثنى شفوان ﴿كذلك﴾ مثل ذلك البيان البليغ ﴿يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته﴾ أي القرآن الذي فيه أمر ونهي ووعد ووعيد ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ لتكونوا على رجاء الهداية أو لتهتدوا به إلى الصواب وما ينال به الثواب

стр. 620

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) ﴿وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير وَيَأْمُرُونَ بالمعروف﴾ بما استحسنه الشرع والعقل ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ عما استقبحه الشرع والعقل أو المعروف ما وافق الكتاب والسنة والمنكر ما خالفهما أو المعروف الطاعة والمنكر المعاصي والدعاء إلى الخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك وما عطف آل عمران (١٠٤ _ ١٠٩) عليه خاص ومن للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية ولأنه لا يصلح له إلا من علم بالمعروف والمنكر وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته فإنه يبدأ بالسهل فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب قال الله تعالى فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ثم قال فقاتلوا أو للتبيين أي وكونوا أمة تأمرون كقوله تعالى ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ

стр. 621

تَأْمُرُونَ بالمعروف﴾ ﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي هم الأخصاء بالفلاح الكامل قال ﵇ من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه وعن على رضى الله عنه أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

стр. 622

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ﴾ بالعداوة ﴿واختلفوا﴾ في الديانة وهم اليهود والنصارى فإنهم اختلفوا وكفر بعضهم بعضاً ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات﴾ الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة وهي كلمة الحق ﴿وأولئك لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

стр. 623

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) ! ونصب ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ أي وجوه المؤمنين بالظرف وهو لهم أو بعظيم أو باذكروا ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ أي وجوه الكافرين والبياض من النور والسواد من الظلمة ﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ﴾ فيقال لهم ﴿أَكْفَرْتُمْ﴾ فحذف الفاء والقول جميعا للعلم به والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم ﴿بَعْدَ إيمانكم﴾ يوم الميثاق فيكون المراد به جميع الكفار وهو قول أبي وهو الظاهر أو هم المرتدون أو المنافقون أي أكفرتم باطناً بعد إيمانكم ظاهراً أو أهل الكتاب وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم برسول الله ﷺ بعد اعترافهم به قبل مجيئه ﴿فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾

стр. 624

وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) ﴿وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ الله﴾ ففي نعمته وهي الثواب المخلد ثم استأنف فقال ﴿هُمْ فِيهَا خالدون﴾ لا يظعنون عنها ولا يموتون

стр. 625

تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) ﴿تِلْكَ آيات الله﴾ الواردة في الوعد والوعيد وغير ذلك ﴿نَتْلُوهَا

стр. 626

عَلَيْكَ﴾ ملتبسة ﴿بالحق﴾ والعدل من جزاء المحسن والمسء ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين﴾ أي لا يشاء أن يظلم هو عباده فيأخذ أحداً بغير جرم أو يزيد في عقاب مجرم أو ينقص من ثواب محسن

стр. 627

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) ﴿وَللَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض وإلى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ فيجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته ترجع شامي وحمزة وعلي كان عبارة عن وجود الشئ في زمان ماضٍ على سبيل الإبهام ولا دليل فيه على عدم سابق ولا على إنقطاع آل عمران (١١٠ _ ١١٢) طارئ ومنه قوله

стр. 628

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ كأنه قيل وجدتم خير أمة أو كنتم في علم الله أو في اللوح خير أمة أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين به ﴿أخرجت﴾ أظهرت ﴿للناس﴾ اللام يتعلق بأخرجت ﴿تَأْمُرُونَ﴾ كلام مستأنف بين به كونهم خير أمة كما تقول زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم بينت بالإطعام والإلباس وجه الكرم فيه ﴿بالمعروف﴾ بالإيمان وطاعة الرسول ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ عن الكفر وكل محظور ﴿وَتُؤْمِنُونَ بالله﴾ وتدومون على الإيمان به أو لأن الواو لا تقتضى الترتيب ﴿ولو آمن أَهْلُ الكتاب﴾ بمحمد ﵇ ﴿لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ لكان الإيمان خيراً لهم مما هم فيه لأنهم إنما آثروا دينهم عن دين الإسلام حباً للرياسة واستتباع العوام ولو آمنوا لكان خيرا لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا مع الفوز بما وعدوا على الإيمان به من إيتاء الأجر مرتين ﴿منهم المؤمنون﴾ تعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون﴾ المتمردون في الكفر

стр. 629

لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ إلا ضرراً مقتصراً على أذى بقول من

стр. 630

طعن في الدين أو تهديد أو نحو ذلك ﴿وَإِن يقاتلوكم يولوكم الأدبار﴾ منهزمين ولا يضروكم يقتل أو أسر ﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ ثم لا يكن لهم نصر من أحد ولا يمنعون منكم وفيه تثبيت لمن أسلم منهم لأنهم كانوا يؤذونهم بتوبيخهم وتهديدهم وهو ابتداء إخبار معطوف على جملة الشرط والجزاء وليس بمعطوف على يولوكم إذ لو كان معطوفاً عليه لقيل ثم لا ينصروا وإنما استؤنف ليؤذن أن الله لا ينصرهم قاتلوا أو لم يقاتلوا وتقدير الكلام أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ثم أخبركم أنهم لا ينصرون وثم للتراخي في المرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار

стр. 631

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) ﴿ضُرِبَتْ﴾ ألزمت ﴿عَلَيْهِمُ الذلة﴾ أي على اليهود ﴿أينما ثُقِفُواْ﴾ وجدوا ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله﴾ في محل النصب على الحال والباء متعلق بمحذوف تقديره إلا معتصمين أو متمسكين بحبل من الله ﴿وَحَبْلٍ مّنَ الناس﴾ والحبل العهد والذمة والمعنى ضربت عليهم الذلة في كل حال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس يعني ذمة الله وذمة المسلمين أي لا عز لهم قط الاهذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من الجزية ﴿وباؤوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ استوجبوه ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة﴾ الفقر عقوبة لهم على قولهم إِنَّ الله فقير ونحن أغنياء أو خوف الفقر مع قيام اليسار ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله وَيَقْتُلُونَ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ذلك إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بغضب الله أي ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق ثم قال ﴿ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ أي ذلك الكفر وذلك القتل كائن بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده

стр. 632

لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) ﴿لَيْسُواْ سَوَاءً﴾ ليس أهل الكتاب مستوين ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ كلام مستأنف لبيان قوله ﴿ليسوا سواء﴾ كما وقع قوله ﴿تَأْمُرُونَ بالمعروف﴾ بياناً لقوله ﴿كنتم خير أمة﴾ ﴿أمّةٌ قائمةٌ﴾ جماعة مستقيمة عادلة من قولك أقمت العود فقام أي استقام وهم الذين أسلموا منهم ﴿يَتْلُونَ آيات الله﴾ القرآن ﴿آناء الليل﴾ ساعاته واحدها إنى كمعنى أو إنو كقنو أو إنى كنحى ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يصلون قيل يريد صلاة العشاء لأن أهل الكتاب لا يصلونها وقيل عبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود

стр. 633

يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) ﴿يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وَيَأْمُرُونَ بالمعروف﴾ بالإيمان وسائر أبواب البر ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ عن الكفر ومنهيات الشرع ﴿ويسارعون فِى الخيرات﴾ يبادرون اليها خشية الفوت وقوله يتلون ويؤمنون في محل الرفع صفتان لأمة أي أمة قائمة تالون مؤمنون ووصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين ومن الإيمان بالله لأن ايمانهم به كلا ايمان لا شراكهم به عزيراً وكفرهم ببعض الكتب والرسل ومن الإيمان باليوم الآخر لأنهم يصفونه بخلاف صفته ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهم كانوا مداهنين ومن المسارعة في الخيرات لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع بالقيام به ﴿وأولئك﴾ الموصفون بما وصفوا به ﴿مّنَ الصالحين﴾ من المسلمين أو من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم

стр. 634

وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ بالياء فيهما كوفي غير أبي بكر وأبو عمرو مخير غيرهم بالتاء وعدي يكفروه إلى مفعولين وإن كان شكر

стр. 635

وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد تقول شكر النعمة وكفرها لتضمنه معنى الحرمان كأنه قيل فلن تحرموه أي فلن تحرموا جزاءه ﴿والله عَلِيمٌ بالمتقين﴾ بشارة للمتقين بجزيل الثواب
следующие страницы →