← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا احدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد﴾ الأجل والزمان ﴿فقست قلوبهم﴾ ﴿وكثير منهم فاسقون اعلموا أن الله يحيي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات﴾ باتباع الشهوات وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ ﴿فاسقون﴾ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين أي وقليل منهم مؤمنون

стр. 6512

اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) ﴿اعلموا أن الله يحيي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قيل هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض

стр. 6513

إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات﴾ بتشديد الدال وحده مكي وأبو بكر وهواسم قاعل من صدق وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعني المؤمنين الباقون بتشديد الصاد والدال وهو اسم فاعل من تصدق فأدغمت التاء في الصادر وقرىء على الأصل ﴿وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ هو عطف على معنى الفعل في المصدقين لأن اللام بمعنى اللذين واسم الفاعل بمعنى الفعل وهو اصدقوا كأنه قيل ان الذين اصدقوا وأقرضوا القرض الحسن أن يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدق ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ﴾ يضعف مكي وشامي وَلَهُمْ أَجْرٌ كريم أي الجنة

стр. 6514

وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩) ﴿والذين آمنوا بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون والشهداء عِندَ رَبّهِمْ﴾ يريد أن المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم ويجوز أن يكون والشهداء مبتدأ ولهم

стр. 6515

أجرهم خبره ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾

стр. 6516

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) ﴿اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ﴾ كلعب الصبيان ﴿وَلَهْوٌ﴾ كلهو الفتيان ﴿وَزِينَةٌ﴾ كزينة النسوان ﴿وَتَفَاخُرٌ بينكم﴾ كتفاخر الأفران ﴿وتكاثر﴾ كنكاثر الدهقان ﴿فِى الأموال والأولاد﴾ أي مباهاة بهما والتكاثر ادعاء الاستكثار ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾ بعد خضرته ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً﴾ متفتتاً شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قدلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى وقوي وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطاماً عقوبة لهم على جحودهم كما فعل بأصحاب الجنة وصاحب الجنتين وقيل الكفار الزراع ﴿وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع﴾ ﴿وفي الآخرة عذاب شديد﴾ الكفار ﴿وَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله ورضوان﴾ للمؤمنين يعني أن الدنيا وما فيها ليست إلا من محقرات الأمور وهي اللعب واللهو والزينة والتفاحر والتكاثر وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام وهي العذاب الشديد والمغفرة والرضوان من الله الحميد والكاف في كَمَثَلِ غَيْثٍ في محل رفع على أنه خبر بعد خبر أي الحياة الدنيا مثل غيث ﴿وَما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ ان ركن إليها واعتمد عليها قال ذو النون يا معشر المريدين لا تطلبوا الدنيا وإن طلبتموها فلا تحبوها فإن الزاد منها والمقيل في غيرها ولما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة بعث عباده عى الممارعة إلى نيل ما وعد ذلك وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد والفوز بدخول الجنة بقوله

стр. 6517

سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) ﴿سَابِقُواْ﴾ أي بالأعمال الصالحة ﴿إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ﴾ وقيل سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض﴾ قال السدي كعرض سبع السموات وسبع الأرضين

стр. 6518

وذكر العرض دون الطول لأن كل ما له عرض وطول فإن عرضه أقل من طوله فإذا وصف عرضه بالبسطة عرف أن طوله أبسط أو أريد بالعرض البسطة وهذا ينفي قول من يقول إن الجنة في السماء الرابعة لأن التي في إحدى السموات لا تكون في عرض السموات والأرض ﴿أعدت للذين آمنوا بالله وَرُسُلِهِ﴾ وهذا دليل على أنها مخلوقة ﴿ذلك﴾ الموعود من المغفرة والجنة ﴿فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء﴾ وهم المؤمنون وفيه دليل على أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ ثم بين أن كل كائن بقضاء الله وقدره بقوله

стр. 6519

مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأرض﴾ من الجدب وآفات الزروع والثمار وقوله فِى الأرض في موضع الجراى ما أصاب من مصيبة ثابتة في الأرض ﴿وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ﴾ من الأمراض والأوصاب وموت الأولاد ﴿إِلاَّ فِى كتاب﴾ في اللوح وهو موضع الحال أي إلا مكتوباً في اللوح ﴿مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ من قبل أن نخلق الأنفس ﴿إِنَّ ذلك﴾ إن تقدير ذلك وإثباته في كتاب ﴿عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ وإن كان عسيراً على العباد ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه بقوله

стр. 6520

لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) ﴿لكي لا تَأْسَوْاْ﴾ تحزنوا حزناً يطغيكم ﴿على مَا فَاتَكُمْ﴾ من الدنيا وسعتها أو من العافية وصحتها ﴿ولا تفرحوا﴾ فرح المختال الفخور ﴿بما آتاكم﴾ أعطاكم من الإيتاء أبو عمرو أتاكم أي جاءكم من الاتيان يعني أتاكم إذا علمتم أن كل شيء مقدر مكتوب عند الله قل أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي لأن من علم أن ما ﴿والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن﴾ عنده مفقود لا مجالة لم يتفاقم جزعه عند فقده لأنه وظن نفسه على ذلك وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه وأن وصوله لا يفوته بحال لم يعظم فرحه عند نيله وليس أحد إلا وهو يفرح عند منفعة

стр. 6521

تصيبه ويحزن عند مضرة تنزل به ولكن ينبغي أن يكون الفرج شكراً والحزن صبراً وإنما يذم من الحزن والجزع المنافي للصبر ومن الفرح الأشر المطعي الملهي عن الشكر ﴿والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه اختال وافتخر وتكبر على الناس

стр. 6522

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) ﴿الذين يَبْخَلُونَ﴾ خبر مبتدأ محذوف أو بدل من كل مختال فخور كان قال لا يحب الذين يبخلون يريد الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالاً وحظاً من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به ﴿وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل﴾ ويحضون غيرهم على البخل ويرغبونهم في الإمساك ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ يعرض عن الإنفاق أو عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي ﴿فَإِنَّ الله هُوَ الغنى﴾ عن جميع المخلوقات فكيف عنه ﴿الحميد﴾ في أفعاله فَإِنَّ الله الغني يترك هو مدني وشامي

стр. 6523

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ يعني أرسلنا الملائكة إلى الأنبياء ﴿بالبينات﴾ بالحجج والمعجزات ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب﴾ أي الوحي وقيل الرسل الأنبياء والأول أولى لقوله مَعَهُمْ لأن الأنبياء ينزل عليهم الكتاب ﴿والميزان﴾ رُوي أن جبريل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال مرقومك يزنوا به ﴿لِيَقُومَ الناس﴾ ليتعاملوا بينهم إيفاء واستيفاء ﴿بالقسط﴾ بالعدل ولا يظلم أحدا أحداً ﴿وَأَنزْلْنَا الحديد﴾ قيل نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد السندان والكلبتان والميقعة والطرقة والابرة وروي ومعه المرو والمسحاق وعن الحسن وأنزلنا الحديد خلقناه ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ وهو القتال به ﴿ومنافع لِلنَّاسِ﴾ في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها أو ما يعمل بالحديد ﴿وليعلم الله من ينصره ورسله﴾

стр. 6524

باتسعمال لاسيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين وقال الزجاج ليعلم الله من يقاتل مع رسوله في سبيله بالغيب غائباً عنهم ﴿إِنَّ الله قَوِىٌّ﴾ يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته ﴿عَزِيزٌ﴾ يربط بعزته جأش من يتعرض لتصرفه والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة الأحكام والحدود ويأمر بالعدل والإحسان وينهى عن البغي والطغيان واستعمال العدل والاجتناب عن الظلم إنما يقع بآلة يقع بها التعامل ويحصل بها التساوي والتعادل وهي الميزان ومن المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية والآلهة الموضوعة للتعامل بالتسوية إن تحص العامة على اتباعهما بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد وعنَدَ ونزع عن صفقة الجماعة اليد وهو الحديد الذي وصف بالبأس الشديد

стр. 6525

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وإبراهيم﴾ خصا بالذكر لأنهما أبوان للأنبياء ﵈ ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا﴾ أولادهما ﴿النبوة والكتاب﴾ الوحي وعن ابن عباس ﵄ الخط بالقلم يقال كتب كتاباً وكتابة فَمِنْهُمْ فمن الذرية أو من المرسل إليهم قد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين ﴿مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فاسقون﴾ هذا تفصيل لحالهم أي فمنهم من اهتدى باتباع الرسل ومنهم من فسق أي خرج عن الطاعة والغلبة للفساق

стр. 6526

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧) ﴿ثم قفينا على آثارهم﴾ أي نوح وإبراهيم ومن مضى من الأنبياء ﴿برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً﴾ مودة وليناً ﴿وَرَحْمَةً﴾ تعطفاً على إخوانهم كما قال في صفة أصحاب النبي ﷺ رحماء بينهم وَرَهْبَانِيَّةً هي ترهبهم في

стр. 6527

الجبال فارّين من الفتنة في الدين مخلصين أنفسهم العبادة وهي الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف فعلان من رهب كخشيان من خشي وانتصابها بفعل من مضمر يفسره الظاهر تقديره وابتدعوا رهبانية ﴿ابتدعوها﴾ أي أخرجوها من عند أنفسهم ونذروها ﴿مَا كتبناها عليهم﴾ لم نقرضها نحن عليهم ﴿إِلاَّ ابتغاء رضوان الله﴾ استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله لا يحل نكثة ﴿فآتينا الذين آمنوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي أهل الرأفة والرحمة الذين اتبعوا عيسى ﵇ أو الذين آمنوا بمحمد ﷺ ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ الكافرون

стр. 6528

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الخطاب لأهل الكتاب ﴿اتقوا الله وآمنوا برسوله﴾ محمد ﷺ ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ الله ﴿كِفْلَيْنِ﴾ نصيبين ﴿مّن رَّحْمَتِهِ﴾ لإيمانكم بمحمد ﷺ وإيمانكم بمن قبله ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ وهو النور المذكور في قوله يسعى نُورُهُم الآية ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

стр. 6529

لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) ﴿لّئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ ليعلم ﴿أَهْلِ الكتاب﴾ الذين لم يسلموا ولا مزيدة ﴿أَلاَّ يَقْدِرُونَ﴾ أن مخففة من الثقيلة أصله أنه لا يقدرون يعني أن الشأن لا يقدرون ﴿على شَىْءٍ مّن فَضْلِ الله﴾ أي لا ينالون شيئاً مما ذكر من فضل الله من الكفلين والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا برسول الله ﷺ فلم ينفعهم بايمانهم بمن قلهم ولم يكسبهم فضلاً قط ﴿وَأَنَّ الفضل﴾ عطف على أَن لا يَقْدِرُونَ ﴿بِيَدِ الله﴾ أي في ملكه وتصرفه ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء﴾ من عباده ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ والله أعلم

стр. 6530

سورة المجادلة مدنية وهي اثنتان وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6531

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التى تُجَادِلُكَ﴾ تحاورك وقرئ بها وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس ابن الصامت أخي عبادة رآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما سلمت راودها فأبت فغضب فظاهر منها فأتت رسول الله ﷺ فقالت ان اوساتزوجني وأنا شابة مرغوب في فلما خلاسني ونثرت بطني أي كثر ولدي جعلني عليه كأمه ورُوي أنها قالت إن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلى جاءوا فقال ﷺ ما عندي في أمرك شيء وروي أنه قال لها حرمت عليه فقال يا رسول الله ما ذكر طلاقاً وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إليّ فقال حرمت عليه فقال اشكوا إلى الله فاتقى ووجدي كلما قال رسول الله ﷺ حرمت عليه هتفت وشكت فنزلت ﴿فِى زَوْجِهَا﴾ في شأنه ومعناه ﴿وَتَشْتَكِى إِلَى الله﴾ تظهر ما بها من المكروه ﴿والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما﴾

стр. 6532

مراجعتكما الكلام من حار إذا رجع ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ﴾ يسمع شكوى المضطر ﴿بَصِيرٌ﴾ بحاله

стр. 6533

الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) ﴿الذين يظاهرون﴾ عاصم يظَّهرون حجازي وبصري غيرهم يظاهرون وفي ﴿مّنكُمْ﴾ توبيخ للعرب لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خصة دون سائر الأمم ﴿مِن نّسَائِهِمْ﴾ زوجاتهم ﴿مَّا هن أمهاتهم﴾ أمهاتهم الفضل الأول حجازي والثاني تميمي ﴿إِنْ أمهاتهم إِلاَّ اللائي ولدنهم﴾ يريدان الامهات على الخفيفة الوالدات والمرضعات ملحقات بالوالدات بواسطة الرضاع وكذا ازواج رسول الله ﷺ لزيادة حرمتهن وأما فأبعد شيء من الأمومة فلذا قال ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ القول﴾ تنكره الحقيقة والأحكام الشرعية ﴿وَزُوراً﴾ وكذباً باطلاً منحرفاً عن الحق ﴿وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ لما سلف منهم

стр. 6534

وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) ﴿والذين يظاهرون مِن نّسَائِهِمْ﴾ بين في الآية الأولى أن ذلك من قائله منكر وزور بين في الثانية حكم الظهار ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ العود الصيرورة ابتداء أو بناء فمن الأول قوله تعالى حتى عَادَ كالعرجون القديم ومن الثاني وان عدتم عدنا ويعدى بنفسه كقولك عدته إذا أتيته وصرت اليه وبحرف الجر بالي وعلى وفي واللام كقوله وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لما نهوا عنه ومنه ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ أي يعودون لنقض ما قالوا أو تداركه على حذف المضاف وعن ثعلبة يعودون لتحليل ما حرموا على حذف المضاف أيضاً غير أنه أراد بما قالوا ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلاً للقول منزلة المقول فيه كقوله وترثه ما يقول أراد المقول فيه وهو المال والولد ثم اختلفوا أن النقض بماذا يحصل فعندنا بالعزم على الوطء وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة وعند الشافعي بمجرد الإمساك وهو أن لا يطلقها عقيب

стр. 6535

الظهار ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فعليه اعتاق رقبة مؤمنة أو كافرة ولم يجز المدبر وأم الولد المكاتب الذي أدى شيئاً ﴿مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ لضمير يرجع إلى ما دل عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها والمماسة الاستمتاع بها من جماع أو لمس بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة ﴿ذلكم﴾ لحكم ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ والظهار أن يقول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر امي وإا وضع موضع أنت عضواً منها يعبر به عن الجملة أو مكان الظهر عضواً آخر يحرم النظر إليه من الأم كالبطن والفخذ أو مكان الأم ذات رحم محرم منه بنسب أو رضاع أو صهر أو جماع نحو أن يقول أنت عليّ كظهر أختي من الرضاع أو عمتي من النسب أو أمرأة ابني أو أم امرأتي أو ابنتها فهو ظاهر وإذا امتنع المظاهر من الكفارة للمرأة أن ترافعه وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر وأن يحبسه ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأنه يضربها في ترك التكفير والامتناع من الاستمتاع فإن مس قبل أن يكفر استغفر الله ولا يعود حتى يكفر وإن أعتق بعض الرقبة ثم مس عليه أن يستأنف عند أبي حنيفة رضي الله عنه

стр. 6536

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤) ﴿فمن لم يجد﴾ القربة ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ فعليه صيام شهرين ﴿مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ﴾ الصيام ﴿فَإِطْعَامُ﴾ فعليه إطعام ﴿سِتّينَ مِسْكِيناً﴾ لكل مسكين نصف صاع من برا وصاع من غيره ويجب أو يقدمه على المسيس ولكن لا يستأنف إن جامع في خلال الإطعام ﴿ذلك﴾ البيان والتعليم للأحكام ﴿لّتُؤْمِنُواْ﴾ لتصدقوا ﴿بالله وَرَسُولِهِ﴾ في العمل بشرائعه التي شرعها من الظهار وغيره ورفض ما كنتم عليه في جاهليتكم ﴿وَتِلْكَ﴾ أي الأحكام التي

стр. 6537

وصفنا في الظهار والكفارة ﴿حُدُودَ الله﴾ التي لا يجوز تعديها ﴿وللكافرين﴾ الذين لايتبعونها ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم

стр. 6538

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) ﴿إِنَّ الذين يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ يعادون ويشاقون ﴿كُبِتُواْ﴾ أخزوا وأهلكوا ﴿كَمَا كُبِتَ الذين مِن قبلهم﴾ من اعداء الرسل ﴿وقد أنزلنا آيات بينات﴾ تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به ﴿وللكافرين﴾ بهذه الآيات ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ يذهب بعزهم وكبرهم

стр. 6539

يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) ﴿يوم يبعثهم﴾ منصوب بمهين أو باضمارا ذكر تعظيماً لليوم ﴿الله جَمِيعًا﴾ كلهم لا يترك منهم احد غير مبعوث أو مجتمعين في حال واحدة ﴿فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ تخجيلاً لهم وتوبيخاً وتشهيراً بحالهم يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار لما يلحقهم من الخزي على رؤس الأشهاد ﴿أحصاه الله﴾ أحاط به عدداً لم يفته منه شيء ﴿ونسوه﴾ لانهم تهاونوا ونوابه حين ارتكبوه وإنما تحفظ معظمات الأمور ﴿والله على كل شيء شهيد﴾ لا يغيب عن شيء

стр. 6540

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض مَا يَكُونُ﴾ من كان التامة أي ما يقع ﴿مِن نجوى ثلاثة﴾ النجوى التناجي وقد أضيفت إلى ثلاثة أي من نجوى ثلاثة نفر ﴿إِلاَّ هُوَ﴾ أي الله ﴿رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أدنى﴾ ولا أقل ﴿مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه وقد تعالى عن المكان علواً كبيراً وتخصيص الثلاثة والخمسة لأنها نزلت في المنافقين وكانوا يتحلقون للتناجي مغايظة للمؤمنين على هذين العددين وقيل ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة ولا أدنى من عدديهم ولا أكثر إلا والله معهم يسمع

стр. 6541

ما يقولون ولأن أهل التناجي في العادة طائفة من أهل الرأي والتجارب وأول عددهم الاثنان فصاعداً إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال فذكر عز وعلا الثلاثة والخمسة وقال لا أدنى مِن ذَلِكَ فدل على الاثنين والأربعة وقال وَلاَ أَكْثَرَ فدل على ما يقارب هذا العدد ﴿ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ القيامة﴾ فيجازيهم عليه ﴿إِنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ﴾

стр. 6542

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول﴾ كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامرون فيما بينهم ويتغامرون بأعينهم إذا رؤوا المؤمنين ويريدون ان يغيظوهم ويؤهموهم في نجواهم وتغامزهم غلبوا وأن أقاربهم قتلوا فنهاهم رسول الله ﷺ فعادوا لمثل فعلهم وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ومخالفته وينجون حمزة وهو بمعنى الأول ﴿وإذا جاؤوك حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله﴾ يعني أنهم يقولون في تحيتك السام عليك والسام الموت والله تعالى يقول وسلام على عباده الذين اصطفى يا أيها الرسول ويا أيها النبي ﴿وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ﴾ أي يقولون فيما بينهم لو كان نبينا لعاقبنا الله بما نقوله فقال الله تعالى ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عذاباً ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حال أي يدخلونها ﴿فبئس المصير﴾ المرجع جهنم

стр. 6543

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ بألسنتهم وهو خطاب للمنافقين والظاهر أنه خطاب للمؤمنين ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول﴾ أي إذا تناجيتم فلا تشبهوا باليهود والمنافقين في تناجيهم بالشر ﴿وتناجوا بالبر﴾ بأداء الفرائض والطاعات ﴿والتقوى﴾ وترك المعاصي ﴿واتقوا الله الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

стр. 6544

للحساب فيجازيكم بما تتناجون به من خير أو شر

стр. 6545

إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) ﴿إِنَّمَا النجوى﴾ بالإثم والعدوان ﴿مِنَ الشيطان﴾ من تزينه ﴿لِيَحْزُنَ﴾ أي الشيطان وبضم الياء نافع ﴿الذين آمنوا وَلَيْسَ﴾ الشيطان أو الحزن ﴿بِضَارّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ بعلمه وقضائه وقدره ﴿وَعَلَى الله فليتوكل المؤمنون﴾ أي يوكلون أمرهم إلى اله ويستعيذون به من الشيطان

стр. 6546

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس﴾ توسعوا فيه فِى المجالس عاصم ونافع والمراد مجلس رسول الله ﷺ وكانوا يتضامنون فيه تنافساً على القرب منه وحرصاً على استماع كلامه وقيل هو المجلس من مجالس القتال وهي مراكز الغزاة كقوله مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ مقاتل في صلاة الجمعة ﴿فافسحوا﴾ فوسعوا ﴿يَفْسَحِ الله لكم﴾ مطلق في كل ما ينبغي الناس الفسحة فيه من المكان والرزق ﴿فافسحوا﴾ فوسعوا ﴿يَفْسَحِ الله لَكُمْ﴾ مطلق في كل ما ينبغي الناس الفسحة فيها من المكان والرزق والصدر والقبر وغير ذلك ﴿وإذا قيل انشزوا﴾ انهضوا للتوسع على المقبلين أو انهضوا عن مجلس رسول الله ﷺ إذا أمرتم بالنهوض عنه أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير ﴿فَانشُزُواْ﴾ بالضم فيهما مدني وشامي وعاصم غير حماد ﴿يَرْفَعِ الله الذين آمنوا مِنكُمْ﴾ بامتثال أوامره وأوامر رسوله ﴿والذين أُوتُواْ العلم﴾ والعالمين منهم خاصة ﴿درجات والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وفي الدرجات قولان أحدهما في الدنيا في المرتبة والشرف والآخر في الآخرة وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا قرأها يا أيها الناس اهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم وعن النبي ﷺ فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وعنه ﷺ عبادة العالم يوما واحدا تعدل عابدة العابد أربعين

стр. 6547

سنة وعنه ﷺ يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله ﷺ وعن ابن عباس ﵄ خير سليمان ﵇ بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه وقال ﷺ أوحى الله إلى إبراهيم ﵇ يا إبراهيم إني عليم أحب كل عليم وعن بعض الحكماء ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم وأي شيء فات من أدرك العلم وعن الزبيري العلم ذكر فلا يحب إلا ذكورة الرجال والعلوم أنواع فاشرفها أشرفها معلوما

стр. 6548

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذَا ناجيتم الرسول﴾ إذا أردتم مناجاته ﴿فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صَدَقَةً﴾ أي قبل نجواكم هي استعارة ممن له يدان كقول عمر ﵁ من أفضل ما أوتيت العرب الشعر يقدمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم يريد قبل حاجته ﴿ذلك﴾ التقديم ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ في دينكم ﴿وَأَطْهَرُ﴾ لأن الصدقة طهرة ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ﴾ ما تتصدقون به ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ في ترخيص المناجاة من غير صدقة قيل كان لك عشر ليال ثم نسخ وقيل ما كان إلا ساعة من نهار ثن نسخ وقال علي ﵁ هذه آية من كتاب الله ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم وسألت رسول اله ﷺ عشر مسائل فأجابني عنها قلت يا رسول الله ما الوفاء قال التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله قلت وما الفساد قال الكفر والشرك بالله قلت وما الحق قال الإسلام والقرآن والولاية إذا انتهت إليك قلت وما الحيلة قال ترك الحيلة قلت وما عليّ قال طاعة الله وطاعة رسوله قلت وكيف أدعو الله تعالى قال بالصدق واليقين قلت وماذا

стр. 6549

أسأل الله قال العافية قلت وما أصنع لنجاة نفسي قال كل حلالاً وقل صدقاً قلت وما السرور قال الجنة قلت وما الراحة قال لقاء الله فلما فرغت منها نزل نسخها

стр. 6550

أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣) ﴿أأشفقتم أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صدقات﴾ أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق الذي تكرهونه ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ﴾ ما أمرتم به وشق عليكم ﴿وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ﴾ أي خفف عنكم وأزال عنكم المؤاخذة بترك تقديم الصدقة على المناجاة كما أزال المؤاخذة بالذنب عن التائب عنه ﴿فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله وَرَسُولِهُ﴾ أي فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات ﴿والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وهذا وعد ووعيد
следующие страницы →