← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مضت ﴿مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ يريد ما سنه الله تعالى في

стр. 667

الأمم المكذبين من وقائعه ﴿فَسِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين﴾ فتعتبروا بها

стр. 668

هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) ﴿هذا﴾ أي القرآن أو ما تقدم ذكره ﴿بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى﴾ أي إرشاد ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ ترغيب وترهيب ﴿لّلْمُتَّقِينَ﴾ عن الشرك

стр. 669

وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) ﴿وَلاَ تَهِنُواْ﴾ ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم من الهزيمة ﴿وَلاَ تَحْزَنُواْ﴾ على ما فاتكم من الغنيمة أو على من قتل منكم أو جرح وهو تسلية من الله لرسوله وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد وتقوية لقلوبهم ﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد أو أنتم الأعلون بالنصر والظفر فى العاقبة آل عمران (١٣٩ _ ١٤٣) وهي بشارة لهم بالعلو والغلبة وإن جندنا لهم الغالبون أو وأنتم الأعلون شأناً لأن قتالكم لله ولاعلاء كلمته وقتالهم للشيطان ولإعلاء كلمة الكفر أو لأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ متعلق بالنهي أي ولا تهنوا إن صح إيمانكم يعني أن صحة الإيمان توجب قوة القلب والثقة بوعد الله وقلة المبالاة بأعدائه أو بالأعلون أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله به ويبشركم به من الغلبة

стр. 670

إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ بضم القاف حيث كان كوفى غير حفص وبفتح القاف غيرهم وهما لغتان كالضعف والضعف وقيل بالفتح الجراحة وبالضم ألمها ﴿فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ﴾ أي إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منه يوم بدر ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يمنعهم

стр. 671

عن معاودتكم إلى القتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ ﴿الأيام﴾ صفته والخبر ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ نصرفها ﴿بَيْنَ الناس﴾ أي نصرف ما فيها من النعم والنقم نعطي لهؤلاء تارة وطوراً لهؤلاء كبيت الكتاب ... فيوماً علينا ويوماً لنا ... ويوماً نساء ويوماً نسر ... ﴿وليعلم الله الذين آمنوا﴾ أي نداولها لضروب من التدبير وليعلم الله المؤمنين مميزين بالصبر والإيمان من غيرهم كما علمهم قبل الوجود ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ وليكرم ناسا منكم بالشهادة يريد للمستشهدين يوم أحد أو ليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة من قوله لتكونوا شهداء على الناس ﴿والله لاَ يُحِبُّ الظالمين﴾ اعتراض بين بعض التعليل وبعض ومعناه والله لا يحب من لبس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيله وهم المنافقون والكافرون

стр. 672

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) ﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾ التمحيص التطهير والتصفية ﴿وَيَمْحَقَ الكافرين﴾ ويهلكهم يعني إن كانت الدولة على المؤمنين للتمييز والاستشهاد والتمحيض وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم

стр. 673

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي لا تحسبوا ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ﴾ أي ولما تجاهدوا لأن العلم متعلق بالمعلوم فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقة لأنه منتف بانتفائه تقول ما علم الله في فلان خيراً أي ما فيه خير حتى بعلمه ولما بمعنى لم إلا أن فيه ضرباً من التوقع فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل ﴿وَيَعْلَمَ الصابرين﴾ نصب باضماران والواو بمعنى الجمع نحو لا تأكل السمك وتشرب اللبن أو جزم للعطف على يعلم الله وإنما

стр. 674

حركت الميم لالتقاء الساكنين واختيرت الفتحة لفتحة ما قبلها

стр. 675

وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت مِن قَبْلِ أَن تلقوه﴾ خوطب به الذين لم يشهدوا بدرا وكان يتمنون أن يحضروا مشهداً مع رسول الله ﷺ لينالوا كرامة الشهادة وهم الذين ألحو على رسول الله ﷺ في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة يعني وكنتم تمنون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تنظرون﴾ أى رأيتموه معا بين مشاهدين له حين قتل إخوانكم بين أيديكم وشارفتم أن تقتلوا وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت وعلى ما تسببوا له من خروج رسول الله ﷺ بإلحاحهم عليه ثم انهزامهم عنه وإنما تمنوا الشهادة لينالوا كرامة الشهداء من غير قصد إلى ما يتضمنه من علبة الكفار كمن شرب الدواء من طيبب نصراني فإن قصده حصول الشفاء ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة إلى عدو الله وتنفيقا لصناعته

стр. 676

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) لما رمى ابن قمئة رسول الله ﷺ بحجر فكسر رباعيته أقبل يريد قتله فذب عنه عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية حتى قتله ابن قميئة وهو يرى أنه رسول الله ﷺ فقال قتلت محمدا وخرج صارخا قيل هو الشيطان ألا إن محمداً قد قتل ففشا في الناس خبر قتله فانكفئوا وجعل رسول الله ﷺ يدعوا إليّ عباد الله حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا خبر قتلك فولينا مدبرين فنزل ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾ مضت ﴿مِن قَبْلِهِ الرسل﴾ سيخلوكما خلوا وكما أن أتباعهم بقوا متمسكنين بدينهم بعد خلوهم فعليكم أن تتمسكوا بدينهم بعد خلوه لأن المقصود من بعثة الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة لا وجوده بين أظهر قومه ﴿أفإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم﴾ الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى

стр. 677

التسبيب والهمزة لأنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به يجب أن يجعل سبباً للتمسك بدين محمد ﵇ لا للانقلاب عنه والانقلاب على العقبين مجاز على الارتداد أو عن الانهزام ﴿وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً﴾ وإنما ضر نفسه ﴿وَسَيَجْزِى الله الشاكرين﴾ الذين لم ينقلبوا وسماهم شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا

стр. 678

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) ﴿وَمَا كَانَ﴾ وما جاز ﴿لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ أي بعلمه أو بأن بأذن ملك الموت في قبض روحه والمعنى أن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة الله وفيه تحريض على الجهاد وتشجيع على لقاء العدو وإعلام بأن الحذر لا ينفع وأن أحداً لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خاض المهالك واقتحم المعارك ﴿كتابا﴾ مصدر مؤكد لأن المعنى آل عمران (١٤٦ _ ١٤٩) كتب الموت كتاباً ﴿مُّؤَجَّلاً﴾ مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر ﴿وَمَن يُرِدْ﴾ بقتاله ﴿ثَوَابَ الدنيا﴾ أي الغنيمة وهو تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ من ثوابها ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة﴾ أي إعلاء كلمة الله والدرحة فى الآخرة ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين﴾ وسنجزي الجزاء المبهم الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد

стр. 679

وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) ﴿وَكَأَيّن﴾ أصله أي دخل عليه كاف التشبيه وصار فى معنى كم التى للتكثير وكائن يوزن كاع حيث كان مكي ﴿مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ﴾ قتل مكي وبصري ونافع ﴿مَعَهُ﴾ حال من الضمير في قتل أي قتل كائناً معه ﴿ربيون كثير﴾ والربيون والربانيون وعن الحسن بضم الراء وعن البعض بفتحها فالفتح على القياس لأنه منسوب إلى الرب والضم والكسر من تغييرات النسب ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ فما فتروا عند قتل نبيهم ﴿لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الله وَمَا

стр. 680

ضَعُفُواْ﴾ عن الجهاد بعده ﴿وَمَا استكانوا﴾ وما خضعوا لعدوهم وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن عند الإرجاف بقتل رسول الله ﵇ واستكانتهم لهم حيث أرادوا أن يعتضدوا بابن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان ﴿والله يُحِبُّ الصابرين﴾ على جهاد الكافرين

стр. 681

وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي وما كان قولهم إلا هذا القول وهو إضافة الذنوب إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين هضمالها ﴿وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا﴾ تجاوزنا حد العبودية ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ في القتال ﴿وانصرنا عَلَى القوم الكافرين﴾ بالغلبة وقدم الدعاء الاستغفار من الذنوب على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على الأعداء لأنه أقرب إلى الإجابة لما فيه من الخضوع والاستكانة

стр. 682

فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) ﴿فآتاهم الله ثَوَابَ الدنيا﴾ أي النصرة والظفر والغنيمة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة﴾ المغفرة والجنة وخص بالحسن دلالة على فضله وتقدمه وأنه هو المعتد به عنده ﴿والله يُحِبُّ المحسنين﴾ أي هم محسنون والله يحبهم

стр. 683

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) ﴿يا أيها الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ على أعقابكم﴾ يرجعوكم إلى الشر ﴿فَتَنقَلِبُواْ خاسرين﴾ قيل هو عام في جميع الكفار وعلى المؤمنين أن يجانبوهم ولا يطيعوهم فى شيء حتى لا يستجروهم إن موافقتهم وعن السدي إن تستكينوا لأبي سفيان وأصحابه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم وقال علي رضى الله عنه نزلت فى قول المنافقين آل عمران (١٥٠ _ ١٥٢) للمؤمنين عند الهزيمة ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا فى دينهم

стр. 684

بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) ﴿بَلِ الله مولاكم﴾ ناصركم فاستغنوا عن نصرة غيره ﴿وَهُوَ خَيْرُ الناصرين﴾

стр. 685

سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) ﴿سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب﴾ الرعب شامي وعلي وهما لغتان قيل قذف الله في قلوب المشركين الخوف يوم أحد فانهزموا إلى مكة من غير سبب ولهم القوة والغلبة ﴿بِمَا أَشْرَكُواْ بالله﴾ بسبب إشراكهم أي كان السبب في إلقاء الله الرعب في قلوبهم إشراكهم به ﴿مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا﴾ آلهة لم ينزل الله بإشراكها حجة ولم يرد أن هناك حجة إلا أنها تنزل عليهم لأن الشرك لا يستقيم أن تقوم عليه حجة وإنما المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله ... ولا ترى الضب بها ينجحر ... أي ليس بها ضب فينجحر ولم يعن أن بها ضباً ولا ينجحر ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ مرجعهم ﴿النار وَبِئْسَ مثوى الظالمين﴾ النار فالمخصوص بالذم محذوف

стр. 686

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) ولما رجع رسول الله ﷺ مع أصحابه إلى المدينة فالناس من أصحابه من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزل ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ﴾ أي حقق ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ تقتلونهم قتلاً ذريعاً وعن ابن عيسى حسه أبطل حسه بالقتل ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بأمره وعلمه ﴿حتى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ جبنتم ﴿وتنازعتم فِى الأمر﴾ أي اختلفتم ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ أمر نبيكم بترككم المركز واشتغالكم بالغنيمة ﴿مِن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ من الظفر وقهر الكفار ومتعلق إذا محذوف تقديره حتى إذا فشلتم منعكم نصره وجاز أن يكون المعنى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم

стр. 687

﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ أي الغنيمة وهم الذين تركوا المركز لطلب الغنيمة وروى أن رسول الله ﷺ جعل أحداً خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم حتى إذا فشلوا وتنازعوا فقال بعضهم قد انهزم المشركون فما موقفنا ههنا فادخلوا عسكر المسلمين وخذوا الغنيمة مع إخوانكم وقال بعضهم لا تخالفوا أمر رسول الله ﷺ فممن ثبت مكانه عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله ﴿وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الأخرة﴾ فكر المشركون على الرماة وقتلوا عبد الله بن آل عمران (١٥٢ _ ١٥٤) جبير وأقبلوا على المسلمين حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا وهو قوله ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ أى كفك معونته عنكم فغلبوكم ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم عندها وحقيقته ليعاملكم معاملة المختبر لأنه يجازي على ما يعمله العبد لا على ما يعلمه منه ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ حيث ندمتم على ما فرط منكم من عصيان رسول الله ﷺ ﴿والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين﴾ بالعفو عنهم وقبول توبتهم أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة

стр. 688

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) وانتصب ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ تبالغون في الذهاب في صعيد الأرض والإصعاد الذهاب في صعيد الأرض أو الابعاد فيه وانتصب بصرفكم أو بقوله ليبتليكم أو بإضمار اذكروا ﴿ولا تلوون على أحد﴾ ولا تلتفتون وهو عبارة عن غاية انهزامهم وخوف عدوهم ﴿والرسول يَدْعُوكُمْ﴾ يقول إليّ عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة

стр. 689

والجملة في موضع الحال ﴿فِى أُخْرَاكُمْ﴾ في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة يقال جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أولهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى ﴿فأثابكم﴾ عطف على صرفكم أي فجازاكم الله ﴿غَمّاً﴾ حين صرفكم عنهم وابتلاكم ﴿بغم﴾ بسبب غم اذقتموه رسول الله ﷺ بعصيانكم أمره أو غماً مضاعفاً غماً بعد غم وغماً متصلاً بغم من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله ﵇ والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر ﴿لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ﴾ لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ﴿وَلاَ مَا أصابكم﴾ ولا على مصيب من المضار ﴿والله خَبِيرٌ بما تعملون﴾ عالم بعلمكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وهذا ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية

стр. 690

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً﴾ ثم أنزل الله الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم عن أبي طلحة غشينا النعاس ونحن في مصافنا فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه والأمنة الأمن ونعاسا بدل من أمنة أو هو مفعول وأمنة حال منه مقدمة عليه نحو رأيت راكباً رجلاً والأصل أنزل عليكم نعاساً ذا أمنة إذ النعاس ليس هو الأمن ويجوز أن يكون أمنة مفعولاً له أو حالاً من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع آمن كبار وبررة ﴿يغشى﴾ يعني النعاس تغشى بالتاء والإمالة حمزة وعلي أي الأمنة ﴿طَائِفَةٌ مّنكُمْ﴾ هم أهل الصدق واليقين ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ هم المنافقون ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ما يهمهم إلا هم انفسهم آل عمران (١٥٤ _ ١٥٥) وخلاصها لاهم

стр. 691

الدين ولاهم رسول ﷺ والمسلمين رضوان الله عليهم ﴿يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق﴾ في حكم المصدر أي يظنون بالله غير الظن الحق الذى يحب أن يظن به وهو أن لا ينصر محمدا ﷺ ﴿ظَنَّ الجاهلية﴾ بدل منه والمراد الظن المختص بالمللة الجاهلية أو ظن أهل الجاهلية أي لا يظن مثل ذلك الظن إلا أهل الشرك الجاهلون بالله ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء﴾ هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب قط يعنون النصر والغلبة على العدو ﴿قُلْ إِنَّ الأمر﴾ أي النصر والغلبة ﴿كُلُّهُ لِلهِ﴾ ولأوليائه المؤمنين وَإِنَّ جُندَنَا لهم الغالبون كله تأكيد للأمر ولله خبران كله بصرى وهو مبتدأ ولله خبره والجملة خبران ﴿يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ﴾ خوفاً من السيف ﴿يَقُولُونَ﴾ في أنفسهم أو بعضهم لبعض منكرين لقولك لهم إن الأمر كله لله ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شيء ما قتلنا ها هنا﴾ أي لو كان الأمر كما قال محمد إن الأمر كله لله ولأوليائه وأنهم الغالبون لما غلبنا قط ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة قد أهمتهم صفة لطائفة ويظنون خبر لطائفة أو صفة أخرى أو حال أي قد اهمتهم أنفسهم ظانين ويقولون بدل من يظنون ويخفون حال من يقولون وقل إن الأمر كله لله اعتراض بين الحال وذي الحال ويقولون بدل من يخفون أو استئناف ﴿قُل لَّوْ كنتم في بيوتكم﴾ أى ن علم الله منه أنه يقتل في هذه المعركة وكتب ذلك في اللوح لم يكن بد من وجوده فلو قعدتم في بيوتكم ﴿لَبَرَزَ﴾ من بينكم ﴿الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ﴾ مصارعهم بأحد ليكون ما علم الله أنه يكون والمعنى أن الله كتب في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين وكتب مع ذلك أنهم الغالبون لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله وأن

стр. 692

ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم ﴿وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ﴾ وليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان فعل ذلك أو فعل ذلك لمصالح جمة وللاتبلاء والتمحيص ﴿والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ بخفياتها

стр. 693

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) ﴿إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ﴾ انهزموا ﴿يَوْمَ التقى الجمعان﴾ جمع محمد ﵇ آل عمران (١٥٥ _ ١٥٨) وجمع أبي سفيان للقتال بأحد ﴿إِنَّمَا استزلهم الشيطان﴾ دعاهم إلى الزلة وحمهلم عليها ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ بتركهم المركز الذي امرهم رسول الله ﷺ بالثبات فيه فالإضافة إلى الشيطان لطف وتقريب والتعليل بكسبهم وعظ وتأديب وكان أصحاب محمد ﵇ تولوا عنه يوم أحد إلا ثلاثة عشر رجلاً منهم أبو بكر وعلي وطلحة وابن عوف وسعد بن أبي وقاص والباقون من الأنصار ﴿وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ﴾ تجاوز عنهم ﴿إن الله غفور رحيم﴾ للذنوب ﴿حليم﴾ لا يعاجل بالعقوبة

стр. 694

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) ﴿يا أيها الذين آمنوا لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ﴾ كابن أبيّ وأصحابه ﴿وَقَالُواْ لإخوانهم﴾ أي في حق إخوانهم في النسب أو في النفاق ﴿إِذَا ضَرَبُواْ فِى الأرض﴾ سافروا فيها للتجارة أو غيرها ﴿أَوْ كَانُواْ غُزًّى﴾ جمع غازٍ كعافٍ وعفّى وأصابهم موت أو قتل ﴿لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً في قلوبهم﴾ اللام يتعلق بلا تكونوا أي لا تكونوا كهؤلاء في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم أو بقالوا أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون ذلك حسرة فى قلوبهم خصاة والحسرة الندامة على فوت المحبوب ﴿والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ﴾ رد لقولهم إن القتال يقطع الآجال أي الأمر بيده قد يحيي المسافر والمقاتل ويميت

стр. 695

المقيم والقاعد ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم على أعمالكم يعملون مكي وحمزة وعلي أي الذين كفروا

стр. 696

وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ﴾ متم وبابه بالكسر نافع وكوفي غير عاصم تابعهم حفص إلا في هذه السورة كأنه أراد الوفاق بينه وبين قتلتم غيرهم بضم الميم في جميع القرآن فالضم من مات يموت والكسر من مات يمات كخاف يخاف فكما تقول خفت تقول مت ﴿لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله ورحمة خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ما بمعنى الذي والعائد محذوف وبالياء حفص

стр. 697

وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) ﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ لإلى الرحيم الواسع الرحمة المثيب العظيم الثواب تحشرون ولوقوع اسم الله في هذا الموضع مع تقديمه وإدخال اللام على الحرف المتصل به شأن غني عن البرهان لمغفرة جواب القسم وهو ساد مسد جواب الشرط وكذلك لالى الله تحشرون كذب الكافرين أولاً في زعمهم أن من سافر من إخوانهم أو غزا لو كان بالمدينة لما مات ونهى المسلمين عن ذلك لأنه سبب التقاعد عن آل عمران (١٥٩ _ ١٦١) الجهاد ثم قال لهم ولئن تم عليكم ما تخافونه من الهلاك بالموت أو القتل في سبيل الله فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت في سبيل الله خير مما تجمعون من الدنيا فإن الدنيا زاد المعاد فإذا وصل العبد إلى المراد لم يحتج إلى الزاد

стр. 698

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ﴾ ما مزيدة للتوكيد والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله ومعنى الرحمة ربطه على جأشه وتوفيقه

стр. 699

للرفق والتلطف بهم ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً﴾ جافياً ﴿غَلِيظَ القلب﴾ قاسيه ﴿لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم ﴿فاعف عَنْهُمْ﴾ ما كان منهم يوم أحد مما يختص بك ﴿واستغفر لَهُمُ﴾ فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر﴾ أي في أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحى تطبيبا لنفوسهم وترويحا لقلوبهم ورفعا لأقدارهم أو لتقتدى بك أمتك فيها في الحديث ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم وعن أبى هريرة رضى الله عنه ما رأيت أحداً أكثر مشاورة من أصحاب رسول الله ﷺ ومعنى شاورت فلاناً أظهرت ما عندي وما عنده من الرأى وشرت الدابة واستخرجت جريها وشرت العسل أخذته من مآخذ نوفيه دلالة جواز الاجتهاد وبيان أن القياس حجة ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ في إمضاء أمرك على الأرشد لا على المشورة ﴿إن الله يحب المتوكلين﴾ رعليه والتوكل الاعتماد على الله والتفويض في الأمور إليه وقال ذو النون خلع الأرباب وقطع الأسباب

стр. 700

إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) ﴿إِن يَنصُرْكُمُ الله﴾ كما نصركم يوم بدر ﴿فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ فلا أحد يغلبكم وإنما يدرك نصر الله من تبرأ من حوله وقوته واعتصم بربه وقدرته ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ﴾ كما خذلكم يوم أحد ﴿فَمَن ذَا الذى يَنصُرُكُم من بعده﴾ من مبعد خذلانه وهو ترك المعونة أو هو من قولك ليس لك من يحسن إليك من

стр. 701

بعد فلان تريد إذا جاوزته وهذا تنبيه على أن الأمر كله لله وعلى وجوب التوكل عليه ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه علمهم أنه لا ناصر سواه ولأن إيمانهم يقتضي ذلك

стр. 702

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ﴾ مكي وأبو عمرو وحفص وعاصم أي يخون وبضم الياء وفتح الغين غيرهم يقال غلّ شيئاً من المغنم غلولاً وأغلّ إغلالاً إذا أخذه في خفية ويقال أغله إذا وجده غالاً والمعنى ما صح له ذلك يعني أن النبوة تنافي الغلول وكذا من قرأ على البناء للمفعول فهو راجع إلى هذا لأن معناه وما صح له أن آل عمران (١٦١ _ ١٦٥) يوجد غالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر مما أصيب من المشركين فقال بعض المنافقين لعل رسول الله ﷺ أخذها فنزلت الآية ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غل يوم القيامة﴾ أى يأت بالشئ الذي غله بعينه حاملاً له على ظهره كما جاء في الحديث أو يأت بما احتمل من وباله وإثمه ﴿ثُمَّ توفى كُلُّ نفس ما كسبت﴾ تعطى جزاؤها وافياً ولم يقل ثم يوفى ما كسب ليتصل بقوله يغلل بل جيئ بعام ليدخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى وهو أبلغ لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيراً أو شراً مجزي فموفى جزاءه علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي جزاء كل على قدر كسبه

стр. 703

أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) ﴿أَفَمَنِ اتبع رضوان الله﴾ أي رضا الله قيل هم المهاجرون والأنصار ﴿كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ الله﴾ وهم المنافقون والكفار ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير﴾ المرجع

стр. 704

هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) ﴿هُمْ درجات عِندَ الله﴾ هم متفاوتون كما يتفاوت الدرجات أو ذوو درجات والمعنى تفاوت منازل المثابين منهم ومنازل المعاقبين والتفاوت بين الثواب والعقاب ﴿والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ عالم بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسابها

стр. 705

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤) ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين﴾ على من آمن مع رسول الله ﵇ من قومه وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون بمبعثه ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ من جنسهم عربياً مثلهم أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده والمنة في ذلك من حيث إنه إذا كان منهم كان اللسان واحدا فيسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه وكانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه وكان لهم شرف بكونه منهم وفي قراءة رسول الله من أنفسهم أى من أشرفهم ﴿يتلو عليهم آياته﴾ أي القرآن بعدما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي ﴿وَيُزَكّيهِمْ﴾ ويطهرهم بالإيمان من دنس الكفر والطغيان أو يأخذ منهم الزكاة ﴿وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة﴾ القرآن والسنة ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ﴾ من قبل بعثة الرسول ﷺ ﴿لَفِى ضلال﴾ عمى وجهالة ﴿مُّبِينٍ﴾ ظاهر لا شبهة فيه إن مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية والتقدير وإن الشأن والحديث كانوا من قبل في ضلال مبين
следующие страницы →