Полный текст (7 814 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
بعد فلان تريد إذا جاوزته وهذا تنبيه على أن الأمر كله لله وعلى وجوب التوكل عليه ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه علمهم أنه لا ناصر سواه ولأن إيمانهم يقتضي ذلك
стр. 702
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ﴾ مكي وأبو عمرو وحفص وعاصم أي يخون وبضم الياء وفتح الغين غيرهم يقال غلّ شيئاً من المغنم غلولاً وأغلّ إغلالاً إذا أخذه في خفية ويقال أغله إذا وجده غالاً والمعنى ما صح له ذلك يعني أن النبوة تنافي الغلول وكذا من قرأ على البناء للمفعول فهو راجع إلى هذا لأن معناه وما صح له أن
آل عمران (١٦١ _ ١٦٥)
يوجد غالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر مما أصيب من المشركين فقال بعض المنافقين لعل رسول الله ﷺ أخذها فنزلت الآية ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غل يوم القيامة﴾ أى يأت بالشئ الذي غله بعينه حاملاً له على ظهره كما جاء في الحديث أو يأت بما احتمل من وباله وإثمه ﴿ثُمَّ توفى كُلُّ نفس ما كسبت﴾ تعطى جزاؤها وافياً ولم يقل ثم يوفى ما كسب ليتصل بقوله يغلل بل جيئ بعام ليدخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى وهو أبلغ لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيراً أو شراً مجزي فموفى جزاءه علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي جزاء كل على قدر كسبه
стр. 703
أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)
﴿أَفَمَنِ اتبع رضوان الله﴾ أي رضا الله قيل هم المهاجرون والأنصار ﴿كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ الله﴾ وهم المنافقون والكفار ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير﴾ المرجع
стр. 704
هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)
﴿هُمْ درجات عِندَ الله﴾ هم متفاوتون كما يتفاوت الدرجات أو ذوو درجات والمعنى تفاوت منازل المثابين منهم ومنازل المعاقبين والتفاوت بين الثواب والعقاب ﴿والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ عالم بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسابها
стр. 705
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)
﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين﴾ على من آمن مع رسول الله ﵇ من قومه وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون بمبعثه ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ من جنسهم عربياً مثلهم أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده والمنة في ذلك من حيث إنه إذا كان منهم كان اللسان واحدا فيسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه وكانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه وكان لهم شرف بكونه منهم وفي قراءة رسول الله من أنفسهم أى من أشرفهم ﴿يتلو عليهم آياته﴾ أي القرآن بعدما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي ﴿وَيُزَكّيهِمْ﴾ ويطهرهم بالإيمان من دنس الكفر والطغيان أو يأخذ منهم الزكاة ﴿وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة﴾ القرآن والسنة ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ﴾ من قبل بعثة الرسول ﷺ ﴿لَفِى ضلال﴾ عمى وجهالة ﴿مُّبِينٍ﴾ ظاهر لا شبهة فيه إن مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية والتقدير وإن الشأن والحديث كانوا من قبل في ضلال مبين
стр. 706
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)
﴿أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ﴾ يريد ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا﴾ يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين وهو فى
آل عمران (١٦٥ _ ١٦٨)
موضع رفع صفة لمصيبة ﴿قُلْتُمْ أنى هذا﴾ من أين هذا ﴿قُلْ هو من عند أنفسكم﴾
стр. 707
لا ختياركم الخروج من المدينة أو لترككم المركز لما نصب بقلتم وأصابتكم فى محل الجربإضافة لما إليه وتقديره أفلتم حين أصابتكم وأنى هذا نصب لأنه مقول والهمزة للتقرير والتقريع وعطفت الواو هذه الجملة على ما مضى من قصة أحد من قوله ولقد صدقكم الله وعده أو على محذوف كأنه قيل أفعلتم كذا وقلتم حينئذ كذا ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ﴾ يقدر على النصر وعلى منعه
стр. 708
وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦)
﴿وَمَا أصابكم﴾ ما بمعنى الذي وهو مبتدأ ﴿يَوْمَ التقى الجمعان﴾ جمعكم وجمع المشركين بأحد والخبر ﴿فَبِإِذْنِ الله﴾ فكائن بأذن الله أي بعلمه وقضائه
стр. 709
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)
﴿وَلِيَعْلَمَ المؤمنين وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ﴾ وهو كائن ليتميز المؤمنون والمنافقون وليظهر إيمان هولاء ونفاق هؤلاء ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ للمنافقين وهو كلام مبتدأ ﴿تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله﴾ أي جاهدوا للآخرة كما تقاتل المؤمنون ﴿أو ادفعوا﴾ أى قاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم تقاتلوا للآخرة وقيل أو ادفعوا العدو بتكثيركم سواد المجاهدين إن لم تقاتلوا لأن كثرة السواد مما تروع العدو ﴿قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم﴾ أي لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا تبعناكم يعنون أن ما أنتم فيه لخطإ رأيكم ليس بشئ ولا يقال لمثله قتال إنما هو إلقاء النفس في التهلكة ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان﴾ يعني أنهم كانوا يتظاهرون بالإيمان قبل ذلك وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر وهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان لأن تقليلهم سواد المؤمنين بالانخذال تقوية المشركين ﴿يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ﴾ أي يظهرون خلاف ما يضمرون من
стр. 710
الإيمان وغيره والتقييد بالأفواه للتأكيد ونفي المجاز ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ من النفاق
стр. 711
الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)
﴿الذين قَالُواْ﴾ أي ابن أبيّ وأصحابه وهو في موضع رفع على هم الذين قالوا أو على الإبدال من واو يكتمون أو نصب باضمارأعنى أو على البدل من الذين نافقوا أو جر على البدل من الضمير فى أفواهم أو قلوبهم ﴿لإخوانهم﴾ لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتلوين يوم أحد ﴿وَقَعَدُواْ﴾ أي قالوا وقد قعدوا عن القتال ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ لو أطاعنا إخواننا
آل عمران (١٦٨ _ ١٧٢)
فيما أمرناهم به من الانصراف عن رسول الله ﷺ والقعود ووافقوا نافيه لما قتلوا كما لم نقتل ﴿قل فادرؤوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صادقين﴾ بأن الحذر ينفع من القدر فخذوا حذركم من الموت أو معناه قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلاً وهو القعود عن القتال فخذوا إلى دفع الموت سبيلاً وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً
стр. 712
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)
ونزل في قتلى أحد ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ﴾ شامي وحمزة وعلى وعاصم وبكسرالسين غيرهم والخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل أحد ﴿الذين قَتَلُواْ﴾ قتلوا شامي ﴿فِى سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاء﴾ بل هم أحياء ﴿عِندَ رَبّهِمْ﴾ مقربون عنده ذوو زلفى ﴿يُرْزَقُونَ﴾ مثل ما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها من التنعم برزق الله
стр. 713
فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)
﴿فرحين﴾ حال من الضمير في يرزقون ﴿بِمَا آتاهم الله مِن فَضْلِهِ﴾ وهو التوفيق في الشهادة وما ساق اليهم من الكراهة والتفضيل على غيرهم من كونهم أحياء مقربين معجلالهم رزق الجنة ونعيمها وقال النبي ﵇ لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تدور في أنهار
стр. 714
الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش وقيل هذا الرزق في الجنة يوم القيامة وهو ضعيف لأنه لا يبقى للتخصيص فائدة ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين﴾ ربإخوانهم المجاهدين الذين ﴿لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم﴾ لم يقتلوا فيلحقوا بهم ﴿مّنْ خَلْفِهِمْ﴾ يريد الذين من بعدهم خلفهم قد بقوا من بعدهم وهم قد تقدموهم أو لم يلحقوا بهم يدركوا فضلهم ومنزلتهم ﴿أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ بدل من الذين والمعنى ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين وهم أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة بشرهم الله بذلك فهم مستبشرون به وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعثٌ للباقين بعدهم على الجد في الجهاد والرغبة في نيل منازل الشهداء ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
стр. 715
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)
﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ﴾ يسرون بما أنعم الله عليهم وما تفضل عليهم من زيادة الكرامة ﴿وَأَنَّ الله﴾ عطف على النعمة والفضل وإن الله عليٌّ بالكسر على الاستئناف وعلى أن الجملة اعتراض ﴿لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين﴾ بل يوفر عليهم
стр. 716
الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)
﴿الذين استجابوا لِلَّهِ والرسول﴾ مبتدأ خبره للذين أحسنوا وصفة للمؤمنين أو نصب على المدح ﴿مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح﴾ الجرح روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا
آل عمران (١٧٢ _ ١٧٥)
من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة فندب النبى واصحابه للخروج في طلب أبي سفيان فخرج يوم الأحد من المدينة مع سبعين رجلاً حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال وكان بأصحابه القرح فألقى الله الرعب في قلوب المشركين
стр. 717
فذهبوا فنزلت ﴿لِلَّذِينَ أحسنوا منهم واتقوا﴾ من للتبيين ومثلها فى قوله وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة
стр. 718
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)
﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس﴾ بدل من الذين استجابوا ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ روي أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد يا محمد موعدنا موسم بدر القابل فقال ﵇ إن شاء الله فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة فألقى الله الرعب فى قلبه فبداله أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر وقد بدا لي أن أرجع فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم أتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم فوالله لا يفلت منكم أحد فقال ﵇ والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون حسبنا الله ونعم الوكيل حتى وافوا بدرا وأقاموا بها ثمان ليال وكانت معهم تجارة فباعوها وأصابوا خيراً ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ولم يكن قتال ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا إنما خرجتم لتأكلوا السوق فالناس الأول نعيم وهو جمع أريد به الواحد أو كان له أتباع يثبطون مثل تثبيطه والثاني أبو سفيان وأصحابه ﴿فاخشوهم﴾ فخافوهم ﴿فَزَادَهُمُ﴾ أي المقول الذي هو إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم أو القول أو نعيم ﴿إيمانا﴾ بصيرة وإيقاناً ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله﴾ كافينا الله أي الذي يكفينا الله يقال أحسبه الشئ إذا كفاه وهو بمعنى المحسب بدليل أنك تقول هذا رجل حسبك فتصف به النكرة
стр. 719
لأن اضافته غير حقيقة لكونه في معنى اسم الفاعل ﴿وَنِعْمَ الوكيل﴾ ونعم الموكول إليه هو
стр. 720
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)
﴿فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مّنَ الله﴾ وهي السلامة وحذر العدو منهم ﴿وفضل﴾ روهو الربح في التجارة فأصابوا بالدرهم درهمين ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء﴾ لم يلقوا ما يسوءهم من كيد عدو وهو حال من الضمير في انقلبوا وكذا بنعمة والتقدير فرجعوا من بدر منعمين بريئين من سوء ﴿واتبعوا رضوان الله﴾ بجزاءتهم وخروجهم إلى وجه العدو على أثر تثبيطه وهو معطوف على انقلبوا ﴿والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا
стр. 721
إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)
﴿إِنَّمَا ذلكم الشيطان﴾ هو خبر ذلكم أي
آل عمران (١٧٥ _ ١٧٨)
إنما ذلكم المثبط هو الشيطان وهو نعيم ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي المنافقين وهو جملة مستأنفة بيان لشيطنته أو الشيطاتن صفة لاسم الاشارة ويخوف الخبر ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ﴾ أي أولياءه ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ لأن الإيمان يقتضي أن يؤثر العبد خوف الله على خوف غيره وخافونى في الوصل والوقف سهل ويعقوب وافقهما أبو عمرو في الوصل
стр. 722
وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)
﴿وَلاَ يَحْزُنكَ﴾ يحزنك في كل القرآن نافع إلا فى سورة الأنبياء لا يحزنهم الفراغ الأكبر ﴿الذين يسارعون في الكفر﴾ يعنى لا يحزنونك لخوف أن يضروك ألا ترى إلى قوله ﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً﴾ أي أولياء الله يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم وما وبال ذلك عائداً على غيرهم ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله ﴿يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى الآخرة﴾ أي نصيباً من الثواب ﴿وَلَهُمْ﴾ بدل الثواب ﴿عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ وذلك أبلغ ما ضر به الإنسان نفسه والآية تدل على إرادة الكفر
стр. 723
ومعاصي لأن إرادته أن لا يكون لهم ثواب في الآخرة لا تكون بدون إرادة كفرهم ومعاصيهم
стр. 724
إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)
﴿إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان﴾ أي استبدلوه به ﴿لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً﴾ هو نصب على المصدر أي شيئاً من الضرر الآية الأولى فيمن نافق من المتخلفين أو ارتد عن الإسلام والثانية في جميع الكفار أو على العكس ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
стр. 725
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)
﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ﴾ وثلاثة بعدها مع ضم الباء فى يحسبنهم بالياء مكى وأبو عمر وكلها بالتاء حمزة وكلها بالياء مدني وشامي إلا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ فإنها بالتاء الباقون الأوليان بالياء والأخريان بالتاء ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ فيمن قرأ بالياء رفع أى ولا يحسبن الكافرون وإن مع اسمه وخبره في قوله ﴿أَنَّمَا نُمْلِى لهم خير لأنفسهم﴾ فى موضع المفعولين ليحسبن والتقدير ولا يحسبن الذين كفروا إملاءنا خيراً لأنفسهم وما مصدرية وكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا يخالف وفيمن قرأ بالتاء نصب أي ولا تحسبن الكافرين وأنما نملي لهم خير لأنفسهم بدل من الكافرين أي ولا تحسبن أن ما نملي للكافرين خير لهم وان مع ما في حيزه ينوب عن المفعولين والإملاء لهم امهالهم وإطالة عمرهم ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً﴾ ما هذه حقها أن تكتب متصلة لأنها كافة دون الأولى وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها كأنه قبل ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيراً لهم فقيل إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً والآية حجة لنا على المعتزلة في مسألتي الأصلح وارادة المعاصى ﴿ولهم عذاب مهين﴾
آل عمران (١٧٩ _ ١٨٠)
стр. 726
مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)
واللام في ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ من اختلاط
стр. 727
المؤمنين الخلص والمنافين لتأكيد النفي ﴿حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب﴾ حتى يعزل المنافق عن المخلص يميز حمزة وعلي والخطاب في أنتم للمصدقين من أهل الإخلاص والنفاق كأنه قيل ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب﴾ وما كان الله ليؤتى أحدا منكم علم الغيوب فلاتنوهموا عند إخبار الرسل بنفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب إطلاع الله فيخبر عن كفرها وإيمانها ﴿وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء﴾ أي ولكن الله يرسل الرسول فيوحي إليه ويخبره بأن في الغيب كذا وأن فلاناً في قلبه النفاق وفلاناً في قلبه الإخلاص فيعلم ذلك من جهة إخبار الله لامن جهة نفسه والآية حجة على الباطنية فإنهم يدعون ذلك لإمامهم فإن لم يثبتوا النبوة له صاروا مخالفين للنص حيث أثبتوا علم الغيب لغير الرسول وإن أثبتوا النبوة له صاروا مخالفين لنص آخر وهو قوله وخاتم النبيين ﴿فآمنوا بالله وَرُسُلِهِ﴾ بصفة الإخلاص ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ النفاق ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة ونزل فى ما نعى الزكاة
стр. 728
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)
﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ من قرأ بالتاء قدر مضافاً محذوفاً أي ولا تحسبن بخل الباخلين وهو فصل وخيرا لهم مفعول ثانٍ وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعل يحسبن ضمير رسول الله أو ضمير أحد ومن جعل فاعله الذين يبخلون كان التقدير ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم خيرا لهم وهو فصل وخيرا لهم مفعول ثانٍ ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي البخل ﴿شَرٌّ لَّهُمْ﴾ لأن أموالهم ستزول عنهم ويبقى عليهم وبال البخل ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ
стр. 729
القيامة﴾ تفسير لقوله بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ أي سيجعل مالهم الذي منعوه عن الحق طوقاً في أعناقهم كما جاء في الحديث من منع زكاة ماله يصير حية ذكراً أقرع له نابان فيطوق في عنقه فينهشه ويدفعه إلى النار و ﴿ولله ميراث السماوات والأرض﴾ وله مافيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره فمالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيل الله والأصل فى ميراث موارث فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وبالياء مكي وأبو عمرو فالتاء على طريقة الالتفات وهو
آل عمران (١٨١ _ ١٨٤) أبلغ في الوعيد والياء على الظاهر
стр. 730
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)
﴿لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ قال ذلك اليهود حين سمعوا قوله تعالى ﴿مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا﴾ وقالوا إن إله محمد يستقرض منا فنحن إذاً أغنياء وهو فقير ومعنى سماع الله له انه لم يخف عليه وأنه أعدله كفاء من العقاب ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ سنأمر الحفظة بكتابة ما قالوا في الصحائف أو سنحفظه إذ الكتاب من الخلق ليحفظ مافيه فسمى به مجازا وما مصدرية أو بمعنى الذي ﴿وَقَتْلَهُمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ معطوف على ما جعل قتلهم الأنبياء قرينة له إيذانا بأنهما في العظم أخوان وأن من قتل من الأنبياء لم يستبعد منه الاجتراء على مثل هذا القول ﴿وَنَقُولُ﴾ لهم يوم القيامة ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ أي عذاب النار كما أذقتم المسلين الغصص قال الضحاك ويقول لهم ذلك خزنة جهنم وإنما أضيف إلى الله تعالى لأنه بأمره كما في قوله سنكتب سيكتب وقتلهم ويقول حمزة
стр. 731
ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)
﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما تقدم من عقابهم ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي ذلك العذاب بما قدمتم من الكفر والمعاصي والإضافة إلى اليد لأن أكثر
стр. 732
الأعمال يكون بالأيدي فجعل كل عمل كالواقع بالأيدى على سبيل التغلب ولانه يقال للآمر بالشئ فاعله فذكر الأيدي للتحقيق يعني أنه فعل نفسه لا غيره بأمره ﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ﴾ وبأن الله لا يظلم عباده فلا يعاقبهم بغير جرم
стр. 733
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣)
﴿الذين قَالُواْ﴾ في موضع جر على البدل من الذين قالوا أو نصب بإضمار أعني أو رفع بإضمارهم ﴿إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ أمرنا في التوراة وأوصانا ﴿أَلاَّ نُؤْمِنَ﴾ بأن لا نؤمن ﴿لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار﴾ أي يقرب قرباناً فتنزل نار من السماء فتأكله فإن جئتنا به صدقناك وهذه دعوى باطلة وافتراء على الله لأن أكل النار القربان سبب الإيمان للرسول الآتي به لكونه معجزة فهو إذاً وسائر المعجزات سواء ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات﴾ المعجزات سوى القربان ﴿وبالذى قُلْتُمْ﴾ أي بالقربان يعني قد جاء أسلافكم الذين أنتم على ملتهم وراضون بفعلهم ﴿فلم قتلتموهم﴾ أى كان امتناعكم عن الإيمان لأجل هذا فلم لم تؤمنوا بالذين أتوا به ولم قتلتموهم ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ في قولكم إنما نؤخر الإيمان لهذا
стр. 734
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)
﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ﴾ فإن كذبك اليهود فلا يهولنك فقد فعلت الأمم بأنبيائها كذلك ﴿جاؤوا بالبينات﴾ بالمعجزات الظاهرات ﴿والزبر﴾ الكتب جمع زبور من الزبر وهو الكتابة
آل عمران (١٨٤ _ ١٨٧)
وبالزبر شامى ﴿والكتاب﴾ جنسه ﴿المنير﴾ المضئ قيل هما واحد في الأصل وإنما ذكرا الاختلاف الوصفين فالزبور كتاب فيه حكم زاجرة والكتاب الهادى
стр. 735
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)
﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مبتدأ والخبر ﴿ذَائِقَةُ الموت﴾ وجاز الابتداء بالنكرة لما فيه من العموم والمعنى لا يحزنك تكذيبهم إياك فمرجع الخلق إليّ فأجازيهم على التكذيب وأجازيك على الصبر وذلك قوله ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة﴾ أي تعطون ثواب أعمالكم على الكمال يوم القيامة فإن الدنيا ليست بدار الجزاء ﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾ بعد والزحزحة الإبعاد ﴿عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ﴾ ظفر بالخير وقيل فقد حصل له الفوز المطلق وقيل الفوز نيل المحبوب والبعد عن المكروه ﴿وَمَا الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور﴾ شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور وعن سعيد بن جبير إنما هذا لمن آثرها على الآخرة فأما من طلب الاخرة فإنها متاع بلاغ وعن الحسن كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل لها
стр. 736
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)
﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ والله لتبلون أي لتختبرن ﴿فِى أموالكم﴾ بانفاق فى سبيل الله وبما يقع فيها ن الآفات ﴿وأَنفُسِكُمْ﴾ بالقتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أنواع المخاوف والمصائب وهذه الآية دليل على أن النفس هي الجسم المعاين دون ما فيه من المعنى الباطل كما قال بعض أهل الكلام والفلاسفة كذا في شرح التأويلات ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ يعني اليهود والنصارى ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً﴾ كالطعن في الدين وصد من أراد الإيمان وتخطئة من آمن ونحو ذلك ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ﴾ على أذاهم ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ مخالفة أمر الله ﴿فَإِنَّ ذلك﴾ فإن الصبر والتقوى ﴿مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ من معزومات الأمور أي مما يجب العزم عليه من الأمور خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على
стр. 737
احتمال ما سيلقون من الشدائد والصبر عليها حتى إذا لقوها وهم مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه
стр. 738
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)
﴿وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ واذكر وقت أخذ الله ميثاق أهل الكتاب ﴿لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ عن الناس بالتاء على حكاية مخاطبتهم كقوله وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسرائيل فى الكتاب لتفسدن وبالياء مكى وأبو
آل عمران (١٨٧ _ ١٩٠)
عمر وأبو بكر لأنهم غيب والضمير للكتاب أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ﴾ فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم أي لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الاعتداد وهو دليل على أنه يجب على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئاً لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم أو لجر منفعة أو دفع أذية أو لبخل بالعلم وفي الحديث من كتم علماً عن أهله ألجمه الله بلجام من نار ﴿واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ عرضاً يسيراً ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾
стр. 739
لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)
والخطاب في ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ﴾ لرسول الله وأحد المفعولين ﴿الذين يَفْرَحُونَ﴾ والثاني بمفازة وقوله فلا تحسبنهم تأكيده تقديره لا تحسبنهم فلا تحسبنهم فائزين ﴿بِمَا أَتَوْاْ﴾ بما فعلوا وهي قراءة أبى وجاء وأنى يستعملان بمعنى فعل إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً لقد جئت شيئا فريا وقرأ النخعي بما آتوا أي أعطوا ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب﴾ بمنجاة منه ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أليم﴾ مؤلم
стр. 740
روى أن رسول الله ﷺ سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه وأروه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرحوا بما فعلوا من تدليسهم فأطلع الله رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم أي لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من العذاب وقيل هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين وتوصلهم بذلك إلى أغراضهم ويستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة وفيه وعيد لمن يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ويحب أن يحمده الناس بما ليس فيه
следующие страницы →