← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ والله لتبلون أي لتختبرن ﴿فِى أموالكم﴾ بانفاق فى سبيل الله وبما يقع فيها ن الآفات ﴿وأَنفُسِكُمْ﴾ بالقتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أنواع المخاوف والمصائب وهذه الآية دليل على أن النفس هي الجسم المعاين دون ما فيه من المعنى الباطل كما قال بعض أهل الكلام والفلاسفة كذا في شرح التأويلات ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ يعني اليهود والنصارى ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً﴾ كالطعن في الدين وصد من أراد الإيمان وتخطئة من آمن ونحو ذلك ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ﴾ على أذاهم ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ مخالفة أمر الله ﴿فَإِنَّ ذلك﴾ فإن الصبر والتقوى ﴿مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ من معزومات الأمور أي مما يجب العزم عليه من الأمور خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على

стр. 737

احتمال ما سيلقون من الشدائد والصبر عليها حتى إذا لقوها وهم مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه

стр. 738

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ واذكر وقت أخذ الله ميثاق أهل الكتاب ﴿لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ عن الناس بالتاء على حكاية مخاطبتهم كقوله وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسرائيل فى الكتاب لتفسدن وبالياء مكى وأبو آل عمران (١٨٧ _ ١٩٠) عمر وأبو بكر لأنهم غيب والضمير للكتاب أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ﴾ فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم أي لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الاعتداد وهو دليل على أنه يجب على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئاً لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم أو لجر منفعة أو دفع أذية أو لبخل بالعلم وفي الحديث من كتم علماً عن أهله ألجمه الله بلجام من نار ﴿واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ عرضاً يسيراً ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾

стр. 739

لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) والخطاب في ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ﴾ لرسول الله وأحد المفعولين ﴿الذين يَفْرَحُونَ﴾ والثاني بمفازة وقوله فلا تحسبنهم تأكيده تقديره لا تحسبنهم فلا تحسبنهم فائزين ﴿بِمَا أَتَوْاْ﴾ بما فعلوا وهي قراءة أبى وجاء وأنى يستعملان بمعنى فعل إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً لقد جئت شيئا فريا وقرأ النخعي بما آتوا أي أعطوا ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب﴾ بمنجاة منه ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أليم﴾ مؤلم

стр. 740

روى أن رسول الله ﷺ سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه وأروه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرحوا بما فعلوا من تدليسهم فأطلع الله رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم أي لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من العذاب وقيل هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين وتوصلهم بذلك إلى أغراضهم ويستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة وفيه وعيد لمن يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ويحب أن يحمده الناس بما ليس فيه

стр. 741

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) ﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾ فهو يملك أمر هما وفيه تكذيب لمن قال إن الله فقير ﴿والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ﴾ فهو يقدر على عقابهم

стр. 742

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لاَيَاتٍ﴾ لأدلة واضحة على صانع قديم عليم حكيم قادر ﴿لأُوْلِى الألباب﴾ لمن خلص عقله عن الهوى خلوص اللب عن القشر فيرى أن العرض المحدث في الجواهر يدل على حدوث الجواهر لأن جوهراً ما لا ينفك عن عرض حادث وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث ثم حدوثها يدل على محدثها وذا قديم وإلا لاحتاج إلى محدث آخر إلى مالا يتناهى وحسن صنعه يدل على علمه وإتقانه يدل على آل عمران (١٩١ _ ١٩٣) حكمته وبقاؤه يجب على قدرته قال ﵇ ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها وحكى فيها أن في بني إسرائيل من إذا عبد الله ثلانين سنة أظلته سحابة فعبدها فتى فلم تظله فقالت له أمه لعل فرطة فرطت منك في

стр. 743

مدتك قال ما أذكر قالت لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر قال لعل قالت فما أوتيت إلا من ذلك

стр. 744

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) ﴿الذين﴾ فى موضع جر نعت لأولى أو نصب بإضمار أعني أو رفع بإضمارهم ﴿يَذْكُرُونَ الله﴾ يصلون ﴿قِيَاماً﴾ قائمين عند القدرة ﴿وَقُعُوداً﴾ قاعدين ﴿وعلى جُنُوبِهِمْ﴾ أي مضطجعين عند العجز وقياماً وقعوداً حالان من ضمير الفاعل فى يذكرون وعلى جنوبهم حال أيضاً أو المراد الذكر على كل حال لأن الإنسان لا يخلو عن هذه الاحوال فى الحديث من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السماوات والأرض﴾ وما يدل عليه اختراع هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها وما دبر فيها مما تكل الأفهام عن إدراك بعض عجائبه على عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه وعن النبي ﵇ بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم اغفرلى فنظر الله إليه فغفر له وقال ﵇ لا عبادة كالتفكر وقيل الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكر ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا﴾ أي يقولون ذلك وهو في محل الحال أي يتفكرون قائلين والمعنى ماخلقته خلقاً باطلاً بغير حكمة بل خلقته لحكمة عظيمة وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك وهذا إشارة إلى الخلق عى أن المراد به المخلوق أو إلى السموات والأرض لأنها في معنى المخلوق كأنه قيل ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلاً ﴿سبحانك﴾ تنزيها لك عن الوصف يخلق الباطل وهو اعتراض ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الفاء دخلت إمنى الجزاء تقديره إذا نزهناك فقنا

стр. 745

رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ أهنته أو أهلكته أو فضحته واحتج أهل الوعيد بالآية مع قوله يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبى والذين آمنوا معه في أن من يدخل النار لا يكون مؤمناً ويخلد قلنا قال جابر إخزاء المؤمن تأديبه وإن فوق ذلك لخزياً ﴿وَمَا للظالمين﴾ اللام إشارة إلى من يدخل النار والمراد الكفار ﴿مِنْ أَنصَارٍ﴾ من أعوان وشفعاء يشفعون لهم كما للمؤمنين

стр. 746

رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) ﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً﴾ تقول سمعت رجلاً يقول كذا فتوقع الفعل على الرجل ونحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع فأغناك عن ذكره ولولا الوصف لم يكن منه بد وأن يقال سمعت كلام فلان والمنادي هو الرسول ﵇ آل عمران (١٩٣ _ ١٩٥) أو القرآن ﴿يُنَادِى للإيمان﴾ لأجل الإيمان بالله وفيه تفخيم لشأن المنادي إذ لا منادي أعظم من مناد ينادى للايمان ﴿أن آمنوا﴾ بأن آمنوا أو أى آمنوا ﴿بربكم فآمنا﴾ قال الشيخ أبو منصور ﵀ فيه دليل بطلان الاستثناء في الإيمان ﴿رَبَّنَا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ كبائرنا ﴿وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا﴾ صغائرنا ﴿وتوفنا مع الأبرار﴾ مخوصين بصحبتهم معدودين فى جملتهم والأبرار المتمسكون بالسنة جمع بر أو بار كرب وأرباب وصاحب وأصحاب

стр. 747

رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) ﴿ربنا وآتنا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ﴾ أي على تصديق رسلك أو ما وعدتنا منزلاً على رسلك أو على ألسنة رسلك وعلى متعلق بوعدتنا والموعود هو الثواب أو النصرة على الأعداء وإنما طلبوا إنجاز ما وعد الله والله لا يخلف الميعاد لأن معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد أو المراد اجعلنا ممن لهم الوعد إذ الوعد غير مبين لمن هو أو المراد ثبتنا على ما يوصلنا إلى عدتك يؤتك يؤيده قوله ﴿وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة﴾

стр. 748

أو هو إظهار للخضوع والضراغة ﴿إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد﴾ هو مصدر بمعنى الوعد

стр. 749

فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) ﴿فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي أجاب يقال استجاب له واستجابه ﴿إني﴾ يأنى ﴿لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ﴾ منكم صفة لعامل ﴿من ذكر أو أنثى﴾ بيان لعامل ﴿بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ﴾ الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر كلكم بنوا آدم لو بعضكم من بعض في النصرة والدين وهذه جملة معترضة بينت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله عباده العاملين عن جعفر الصادق رضى الله عنه من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا أتجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد وقرأ الآيات ﴿فالذين هاجروا﴾ مبتدأ وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له كأنه قال فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة وهي المهاجرة عن أوطانهم فارين إلى الله بدينهم إلى حيث يأمنون عليه فالهجرة كائنة في آخر الزمان كما كانت في أول الإسلام ﴿وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم﴾ التي ولدوا فيها ونشئوا ﴿وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى﴾ بالشتم والضرب ونهب المال يريد سبيل الدين ﴿وقاتلوا وقتلوا﴾ وغروا المشركين واستشهدوا وقتّلوا مكي وشامي وقتلوا وقاتلوا على التقديم والتأخير حمزة وعلي وفيه دليل على أن الواو لا توجب الترتيب والخبر ﴿لاكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سيئاتهم وَلاَدْخِلَنَّهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ وهو جواب قسم محذوف ﴿ثَوَاباً﴾ فى موضع المصدر آل عمران (١٩٥ _ ١٩٩) المؤكد يعني إثابة أو تثويباً ﴿مِنْ عِندِ الله﴾ لأن قوله لأكفرن عنهم ولأدخلنهم في معنى لأثيبنهم ﴿والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب﴾ أي يختص به ولا يقدر عليه غيره

стр. 750

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) وروي أن طائفة من المؤمنين قالوا إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع فنزل ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِى البلاد﴾

стр. 751

والخطاب لكل أحد أو للنبي ﵇ والمراد به غيره ولان مدره القوم ومقدمهم يخاطب بشئ فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعاً فكأنه قيل لا يغرنكم ولأن رسول الله ﷺ كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه كقوله فلاتكونن ظهيرا للكافرين ولا تكونن من المشركين وهذا في النهي نظير قوله في الأمر اهدنا الصراط المستقيم يا أيها الذين آمنوا آمنوا

стр. 752

مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) ﴿متاع قَلِيلٌ﴾ خبر مبتدإ محذوف أي تقلبهم فى البلاد متاع قليل وأراد قلته في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة أو في جنب ما أعد الله للمؤمنين من الثواب أو أراد أنه قليل في نفسه لانقضائه وكل زائل قليل ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جهنم وبئس المهاد﴾ وساء مامهدوا لأنفسهم

стр. 753

لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) ﴿لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ﴾ عن الشرك ﴿لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا نُزُلاٍ﴾ النزل والنزل ما يقام للنازل وهو حال من جنات لتخصصها بالصفة والعامل اللام في لهم أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل رزقاً أو عطاء ﴿مّن عند الله﴾ صفة له ﴿وَمَا عِندَ الله﴾ من الكثير الدائم ﴿خَيْرٌ لّلابْرَارِ﴾ مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل لكن بالتشديد يزيد وهو للاستدراك أي لإبقاء لتمتعهم لكن ذلك للذين اتقوا ونزلت في ابن سلام وغيره من مسلمي أهل الكتاب أو في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم وكانوا على عيسى ﵇ فأسلموا

стр. 754

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله﴾ دخلت لام الابتداء على اسم إن لفصل الظرف بينهما ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ من القرآن

стр. 755

﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ من الكتابين ﴿خاشعين للَّهِ﴾ حال من فاعل يؤمن لأن من يؤمن فى معنى الجمع ﴿لا يشترون بآيات الله ثَمَناً قَلِيلاً﴾ كما يفعل من لم يسلم من أحبارهم وكبارهم وهو حال بعد حال أي غير مشترين ﴿أُوْلئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عند ربهم﴾ أى ما يختص بهم الأجر وهو ماوعده آل عمران (١٩٩ _ ٢٠٠) فى قوله أولئك يؤتون اجرهم مرتين ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ لنفوذ علمه في كل شيء

стр. 756

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا﴾ على الدين وتكاليفه قال الجنيد رضى الله عنه الصبر حبس النفس على المكروه بنفي الجزع ﴿وَصَابِرُواْ﴾ أعداء الله في الجهاد أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبراً منهم وثباتاً ﴿وَرَابِطُواْ﴾ وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو ﴿واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الفلاح البقاء مع المحبوب بعد الخلاص عن المكروه ولعل لتغيب المآل لئلا يتكلوا على الآمال عن تقديم الأعمال وقيل اصبروا في محبتي وصابروا في نعمتي ورابطوا أنفسكم في خدمتي لعلكم تفلحون تظفرون بقربتى قال النبى ﷺ اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب

стр. 757

سورة النساء نزلت بالمدينة آياتها مائة وست وسبعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ النساء (١)

стр. 758

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) ﴿يَا أَيُّهَا الناس﴾ يا بني آدم ﴿اتقوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة﴾ فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ معطوف على محذوف كأنه قيل من نفس واحدة أنشأها وخلق منها زوجها والمعنى شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها وهى أنه صفتها وهي أنه أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حواءمن ضلع من أضلاعه ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ ونشر من آدم وحواء ﴿رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء﴾ كثيرة أي وبث منهما نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث فوصفها بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقهم منها أو على خلقكم والخطاب في يا أيها الناس للذين بعث إليهم رسول الله ﷺ والمعنى خلقكم من نفس آدم وخلق منها أمكم حواء وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء غيركم من الأمم الفائتة للحصر فإن قلت الذي تقتضيه جزالة النظم أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يدعوا إليها فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره داعياً إليها قلت لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة ومن قدر على نحوه كان قادراً على كل شيء ومن المقدورات عقاب

стр. 759

الكفار والفجار فالنظر فيه يؤدي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى عقابه ولأن يدل النساء (١ _ ٣) على النعمة السابغة عليهم فحقهم أن يتقوه في كفرانها قال ﵇ عند نزول الآية خلقت المرأة من الرجل فهمّها في الرجل وخلق الرجل من التراب فهمّه في التراب ﴿واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ﴾ والأصل تتساءلون فأدغمت التاء في السين بعد إبدالها سيناً لقرب التاء من السين للهمس تساءلون به بالتخفيف كوفي على حذف التاء الثانية استثقالا لاجتماع التاءين أى يسأل بعصكم بعضا بالله وبالرحم افعل كذا على سبيل الاستعطاف ﴿والأرحام﴾ بالنصب على أنه معطوف على اسم الله تعالى أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها أو على موضع الجار والمجرور كقولك مررت بزيد وعمر أو بالجر حمزة على عطف الظاهر على الضمير وهو ضعيف لأن الضمير المتصل كاسمه متصل والجار والمجرور كسئ واحد فأشبه العطف على بعض الكلمة ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ حافظاً أو عالماً

стр. 760

وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ يعني الذين ماتت آباؤهم فانفردوا عنهم واليتم الانفراد ومنه الدرة اليتيمة وقيل اليتم في الأناسي من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم زال هذا الاسم عنهم وقوله ﵇ لا يتم بعد الحلم تعليم شريعة لا لغة يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار والمعنى وآتوا اليتامى أموالهم بعد

стр. 761

البلوغ وسماهم يتامى لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر وفيه إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ أن أونس منهم الرشد وأن يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار ﴿وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب﴾ ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم أو لاتستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز ومنه التعجل بمعنى الاستعجال ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم﴾ إلى متعلقة بمحذوف وهو في موضع الحال أي مضافة إلى أموالكم المعنى ولا تضموها إليها فى الإنفاق حتى لاتفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بمالا يحل لكم وتسوية بينه وبن الحلال ﴿إنّهُ﴾ إن أكلها ﴿كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ ذنبا عظيما

стр. 762

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾ أي لا تعدلوا أقسط أي عدل ﴿فِى اليتامى﴾ يقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة ويتيم وأما أيتام فجمع يتيم لا غير ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ما حل لكم ﴿من النساء﴾ لأن منهن ما حرم الله النساء (٣ _ ٤) كاللاتى فى آية التحريم وقيل ماذهابا إلى الصفة لأن ما يجئ في صفات من يعقل فكأنه قيل الطيبات من النساء ولأن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء ومنه قوله تعالى ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ قبل كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات اوكانوا يتحرجون من الولاية في أموال اليتامى ولا يتحرجون من الاستكثار من النسار مع أن الجور يقع بينهن إذا كثرن فكأنه قيل إذا تحرجتم من هذا فتحرجوا من ذلك وقيل وإن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا من البالغات يقال طابت الثمرة

стр. 763

أي أدركت ﴿مثنى وثلاث وَرُبَاعَ﴾ نكرات وإنما منعت الصرف للعدل والوصف وعليه دل كلام سيبويه ومجلهن النصب على الحال من النساء أو مما طاب تقديره فانكحوا الطيات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً ثلاثا وأربعا أربعا فإن قالت الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين اثنتين أو ثلاث أو أربع فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع قلت الخطاب للجميع فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له كما تقول للجماعة اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة ولو أفردت لم يكن له معنى وجئ بالواو لتدل على تجويز الجمع بين الفرق ولو جئ بأو مكانها لذهب معنى التجويز ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ بين هذه الأعداد ﴿فواحدة﴾ فالزموا أو فاختاروا واحدة ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ سوّى في اليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير حصر ﴿ذلك﴾ إشارة إلى اختيار الواحدة والتسري ﴿أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ أقرب من أن لا تميلوا أو لا تجوروا يقال علا الميزان عولاً إذا مال وعال الحاكم في حكمه إذا جار ويحكى عن الشافعى ﵀ نه فسر أن لا تعولوا أن لا تكثر عيالكم واعترضوا عليه بأنه يقال أعال يعيل إذا كثر عياله وأجيب بأن يجعل من قولك عال الرجل عياله يعولهم كقولك مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال وكلام مثله من أعلام العلم حفيق بالحمل على السداد وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعولوا كأنه سلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات

стр. 764

وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾ مهورهن ﴿نِحْلَةً﴾ من نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلاً وانتصابها على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنلا الإعطاء فكأنه قال وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم أو على الحال من المخاطبين أي

стр. 765

آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبى النفوس والإعطاء أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس وقيل نحلة من الله تعالى عطية من النساء (٤ _ ٦) عنده وتفضلاً منه عليهن وقيل النحلة الملة وفلان ينتحل كذا أي يدين به يعني وآتوهن مهورهن ديانة على أنها مفعول لها والخطاب للأزواج وقيل للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ﴾ للأزواج ﴿عَن شيء منه﴾ أى من الصداق اذهو في معنى الصدقات ﴿نَفْساً﴾ تمييز وتوحيدها لأن الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه والمعنى فإن وهبن لكم شيئاً من الصدقات وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إليه الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً ولم يقل فإن وهبن لكم إعلاماً بأن المراعي هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة ﴿فَكُلُوهُ﴾ الهاء يعود على شيء ﴿هَنِيئَاً﴾ لا إثم فيه ﴿مَّرِيئاً﴾ لا داء فيه فسرهما النبي ﵇ أو هنيئاً في الدنيا بلا مطالبة مريئا فى العقبى لا تبعة وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه وهما وصف مصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً أو حال من الضمير أى كلوه وهو هنى مرئ وهذه عبارة عن المبالغة في الإباحة وإزالة التبعة هنياً مرياً بغير همز يزيد وكذا حمزة في الوقف وهمزهما الباقون وعن علي رضى الله عنه إذا اشتكى أحدكم شيئاً فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها ثم ليشتر بها عسلاً فليشر به بماء السماء فيجمع الله له هنيئاً ومريئاً وشفاء ومباركا

стр. 766

وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء﴾ المبذرين أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا قدرة لهم على إصلاحها وتثميرها والتصرف فيها والخطاب للأولياء وأضاف إلى الأوليساء أموال السفهاء بقوله ﴿أموالكم﴾ لأنهم يلونها

стр. 767

ويمسكونها ﴿التي جَعَلَ الله لَكُمْ قياما﴾ أي قواماً لأبدائكم ومعاشا لأهلكم وأولادكم فيما بمعنى قياماً نافع وشامي كما جاء عوذا بمعنى عياذا وأصل قيام قوام فجعلت الواو ياء لانكسار ما قبلها وكان السلف يقولون المال سلاح المؤمن ولأن أترك ما لا يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس وعن سفيان وكان له بضاعة يقلبها لولاها لتمندل بى بنوا العباس ﴿وارزقوهم فِيهَا﴾ واجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تنجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لامن صلب المال فيأكلها الإنفاق ﴿واكسوهم وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ قال ابن جريج عدة جميلة إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم وكل ما سكنت إليه النفس الحسنة عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف وما أنكرته لقبحه فهو منكر

стр. 768

وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) ﴿وابتلوا اليتامى﴾ واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ فالابتلاء عندنا أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى النساء (٦ _ ٧) تتبين حاله فيما يجئ منه وفيه دليل على جواز إذن الصبي العاقل في التجارة ﴿حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ﴾ أى الحلم لأنه يصلح للنكاح عند ولطلب ما هو مقصود به وهو التولد ﴿فَإنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ﴾ تبينتم ﴿رَشَدًا﴾ هداية في التصرفات وصلاحاً في المعاملات ﴿فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم﴾ من غير تأخير عن حد البلوغ ونظم هذا الكلام أن ما بعد حتى إلى فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم جعل غاية للابتلاء وهي حتى التي تقع بعدها الجمل كالتي في قوله حتى ماء دجلة أشكل والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية لأن إذا متضمنة معنى الشرط وفعل الشرط

стр. 769

بلغوا النكاح وقوله فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم جملة من شرط وجزاء واقعة جواباً للشرط الأول الذي هو إذا بلغوا النكاح فكأنه قيل وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم اليهم شرط إيناس الرشد منهم وتنكير الرشد يفيد أن المراد رشد مخصوص وهو الرشد في التصرف والتجارة أو يفيد التقليل أي طرفاً من الرشد حتى لا ينتظر به تمام الرشد وهو دليل لأبى حنيفة ﵀ في دفع المال عند بلوغ خمس وعشرين سنة ﴿وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ﴾ ولا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم فاسرافا وبدارا مصدران فى موضع الحال وأن يكبروا فى موضع المصدر منصوب الموضع ببدارا ويجوز أن يكونا مفعولاً لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون ننفق فيما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف﴾ قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنياً وبين أن يكون فقيرا فالغنى يستعفف من أكلها أي يحترز من أكل مال اليتيم واستعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة والفقير يأكل قوتاً مقدراً محتاطاً في أكله عن إبراهيم ما سد الجوعة ووارى العورة ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾ بأنهم تسلموها وقبضوها دفعاً للتجاحد وتفادياً عن توجه اليمين عليكم عند التخاصم والتناكر ﴿وكفى بالله حَسِيباً﴾ محاسباً فعليكم بالتصادق وإياكم والكاذب أو هو راجع إلى قوله فليأكل بالمعروف أي ولا يسرف فإن الله يحاسبه عليه ويجازيه به وفاعل كفى لفظة الله والباء زائدة وكفى يتعدى إلى مفعولين دليله فسيكفيكهم الله

стр. 770

لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) ﴿لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان

стр. 771

والأقربون﴾ هم المتوارثون النساء (٧ _ ١١) من ذوي القرابات دون غيرهم ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ بدل مما ترك بتكرير العامل والضمير في منه يعود إلى ما ترك ﴿نصيبا﴾ رنصب على الاختصاص بمعنى أعني نصيباً ﴿مّفروضاً﴾ مقطوعاً لابد لهم من يحوزه روي أن أوس بن ثابت ترك امرأته أم كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه ميراثه عنهن وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون لا يرث الامن طاعن بالرماح وحاز الغنيمة فجاءت أم كحة إلى رسول الله ﷺ فشكت فقال إرجعي حتى أنظر ما يحدث الله فنزلت الآية فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس شيئاً فإن الله تعالى قد جعل لهن نصيباً ولم يبين حتى يبين فنزلت يوصيكم الله فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابني العم

стр. 772

وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) ﴿وإذا حضر القسمة﴾ أي قسمة التركة ﴿أولوا القربى﴾ ممن لا يرث ﴿واليتامى والمساكين﴾ من الأجانب ﴿فارزقوهم﴾ فاعطوهم رمنه ﴿مما ترك الوالدان والأقربون﴾ وهو أمر ندب وهو باقٍ لم ينسخ وقيل كان واجباً في الابتداء ثم نسخ بآية الميراث ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ عذراً جميلاً وعدة حسنة وقيل القول المعروف أن يقولوا لهم حذوا بارك الله عليكم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم

стр. 773

وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) ﴿وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سديدا﴾ المراد بهم الأوصاء أمروا بأن يشخوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى فيشفقوا عليهم خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً وأن يقدروا ذلك في أنفسهم ويصوروه حتى لا يجسروا على خلاف

стр. 774

الشفقة والرحمة ولو مع ما فى حيزه صله للذين أي وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم الذهاب كافلهم وجواب لو خافوا والقول السديد من الأوصياء أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ويدعوهم بيا بني ويا ولدي

стр. 775

إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً﴾ ظالمين فهو مصدر في موضع الحال ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ ملء بطونهم ﴿نَارًا﴾ أي يأكلون ما يجر إلى النار فكأنه نار روي أنه يبعث آكل مال اليتامى يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأذنيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم فى الدنيا ﴿وسيصلون﴾ شامى وأبو بكر أى سيدخلون ﴿سَعِيراً﴾ ناراً من النيران مبهمة الوصف
следующие страницы →