← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ﴾ أصله يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة لإرادة النبيين كما زيدت في لا أبالك لتأكيد إضافة الأب والمعنى يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عليكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ويوفقكم للتوبة عما كنتم عليه من الخلاف ﴿والله عَلِيمٌ﴾

стр. 807

بمصالح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرع لهم

стр. 808

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ التكرار للتأكيد والتقرير والتقابل وَيُرِيدُ الفجرة ﴿الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً﴾ وهو الميل عن القصد والحق ولا ميل أعظم منه بمساعدتهم وموافقتهم على اتباع الشهوات وقيل هم اليهود لاستحلالهم الأخوات لأب وبنات الأخ وبنات الأخت فلما النساء (٢٨ _ ٣١) حرمهن الله قالوا فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة عليكم حرام فانكحوا بنات الأخت والأخ فنزلت يقول يريدون أن تكونوا زناة مثلهم

стр. 809

يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ﴾ بإحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص ﴿وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ لا يصبر عن الشهوات وعلى مشاق الطاعات

стр. 810

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) ﴿يا أيها الذين آمنوا لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل﴾ بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا ﴿إِلا أَن تَكُونَ تجارة﴾ إلا أن تقع تجارة تجارة كوفي أي إلا أن تكون التجارة تجارة ﴿عَن تَرَاضٍ منكم﴾ صفة لتجارة أي تجارة صادرة عن تراض بالعقد أو بالتعاطي والاستثناء منقطع معناه ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراضٍ أو ولكن كون تجارة عن تراضٍ غير منهي عنه وخص التجارة بالذكر لأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها والآية تدل على جواز البيع بالتعاطي وعلى جواز البيع الموقوف إذا وجدت الإجازة لوجود الرضا وعلى نفي خيار المجلس لأن فيها إباحة الاكل بالتجارة عن تراض من غير

стр. 811

تقييد بالتفرق عن مكان العقد والتقييد به زيادة على النص ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ من كان من جنسكم من المؤمنين لأن المؤمنين كنفس واحدة أو ولا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة أو معنى القتل أكل الأموال بالباطل فظالم غيره كمهلك نفسه أو لا تتبعوا أهواءها فتقتلوها أو تركبوا ما يوجب القتل ﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ولرحمته بكم نبهكم على ما فيه صيانة أموالكم وبقاء أبدانكم وقيل معناه أنه أمر بني إسرائيل يقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم وكان بكم يا أمة محمد رحيم حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة

стр. 812

وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ أي القتل أي ومن يقدم على قتل الأنفس ﴿عدوانا وَظُلْماً﴾ لا خطأ ولا قصاصاً وهما مصدران في موضع الحال أو مفعول لهما ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾ ندخله نارا مخصوصة شديد العذاب ﴿وَكَانَ ذلك﴾ أي إصلاؤه النار ﴿عَلَى الله يَسِيراً﴾ سهلاً وهذا الوعيد في حق المستحل للتخليد وفي حق غيره لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته

стр. 813

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ عن ابن مسعود رضى الله عنهما الكبائر كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه وعنه أيضاً الكبائر ثلاث الإشراك بالله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله وقيل المراد بها أنواع الكفر بدليل قراءة عبد الله كبير ما تنهون عنه وهو الكفر ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً﴾ مدخلا مدنى وكلاهما بمعنى المكان والمصدر النساء (٣١ _ ٣٣) ﴿كريما﴾ حسنا وعن ابن عباس رضى اله عنهما ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت يريد الله ليبين لكم والله يريد أن يتوب عليكم يريد الله أن

стр. 814

يخفف عنكم إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم إن الله لا يغفر أن يشرك به إن الله لا يظلم مثقال ذرة ومن يعمل سوأ أو يظلم نفسه ما يفعل الله بعذابكم وتشبت المعتزلة بالآية على أن الصغائر واجبة المغفرة باجتناب الكبائر وعلى أن الكبائر غير مغفورة باطل لأن الكبائر والصغائر في مشيئته تعالى سواء إن شاء عذب عليهما وإن شاء عفى عنهما لقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فقد وعد المغفرة لما دون الشرك وقرنها بمشيئته تعالى وقوله إِنَّ الحسنات يذهبن السيئات فهذه الآية تدل على أن الصغائر والكبائر يجوز أن يذهبا بالحسنات لأن لفظ السيئات ينطلق عليهما

стр. 815

وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) ولما كان أخذ مال الغير بالباطل وقتل النفس بغير حق بتمني مال الغير وجاهه نهاهم عن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال بقوله ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ﴾ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما ينبغي لكل من بسط في الرزق أو قبض فعلى كل واحد أن يرضى بما قسم له ولا يحسد أخاه على حظه فالحسد أن يتمنى أن يكون ذلك الشئ له ويزول عن صاحبه والغبطة أن يتمنى مثل مالغيره وهو مرخص فيه والأول منهي عنه ولما قال الرجال نرجو أن يكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كالميراث وقالت النساء يكون وزرنا على نصف وزر الرجال كالميراث نزل ﴿لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا وَلِلنّسَاء نصيب مما اكتسبن﴾ وليس ذلك على حسب الميراث ﴿واسألوا الله مِن فضله﴾ فإن خزائنه لا تنفذ ولا تتمنوا ما للناس من الفضل ﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ فالتفضيل منه عن علم بمواضع الاستحقاق قال ابن عبينة لم يأمر بالمسألة إلا ليعطي

стр. 816

وفي الحديث من لم يسأل الله من فضله غضب عليه وفيه إن الله تعالى ليمسك الخير الكثير عن عبده ويقول لا أعطي عبدي حتى يسألني وسلوا مكي وعلي

стр. 817

وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣) ﴿وَلِكُلٍّ﴾ المضاف إليه محذوف تقديره ولكل أحد أو لكل مال ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ ورّاثاً يلونه ويحرزونه ﴿مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون﴾ هو صفة مال محذوف أى من مال تركه الوالدان أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه الموالي تقديره يرثون مما ترك ﴿والذين عَقَدَتْ أيمانكم﴾ عاقدتهم أيديكم وهو مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره وهو ﴿فآتوهم نصيبهم﴾ مع لفاء عقدت كوفي أي عقدت عهودهم أيمانكم والمراد به عقد النساء (٣٣ _ ٣٤) الموالاة وهي مشروعة والوراثة بها ثابتة عند عامة الصحابة رضى الله عنهم وهو قولنا وتفسيره إذا أسلم رجل أو امرأة لا وارث له وليس بعربي ولا معتق فيقول لآخر واليتك على أن تعقلني إذا جنيت وترث مني إذا مت ويقول الآخر قبلت انعقد ذلك ويرث الأعلى من الأسفل ﴿إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ أي هو عالم الغيب والشهادة وهو أبلغ وعد ووعيد

стр. 818

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) ﴿الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء﴾ يقومون عليهن آمرين ناهين كما يقوم الولاة على الرعايا وسموا قواماً لذلك ﴿بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ الضمير في بعضهم للرجال والنساء يعني إنما كانوا مسيطرين عليهن لسبب تفضيل الله بعضهم وهم الرجال على بعض وهم النساء بالعقل والعزم والحزم والرأي والقوة والغزو وكمال الصوم والصلاة والنبوة والخلافة والإمامة والأذان والخطبة والجماعة والجمعة وتكبير

стр. 819

التشريق عند أبي حنيفة ﵀ والشهادة في الحدود والقصاص وتضعيف الميراث والتعصيب فيه وملك النكاح والطلاف وإليهم الانتساب وهم أصحاب اللحى والعمائم ﴿وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم﴾ وبأن نفقتهن عليهم وفيه دليل وجوب نفقتهن عليهم ثم قسمهن على نوعين النوع الأول ﴿فالصالحات قانتات﴾ مطيعات قائمات بما عليهن للازواج ﴿حافظات لّلْغَيْبِ﴾ لمواجب الغيب وهو خلاف الشهادة أي إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة من الفروج والبيوت والأموال وقيل للغيب لأسرارهم ﴿بِمَا حَفِظَ الله﴾ بما حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج بقوله وعاشروهن بالمعروف أو بما حفظهن الله وعصمهن ووفقهن لحفظ الغيب أو بحفظ الله إياهن حيث صبرهن كذلك والثاني ﴿واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ عصيانهن وترفعهن عن طاعة الأزواج والنشر المكان المرتفع والنبوة عن ابن عباس رضى الله عنهما هو أن تستخف بحقوق زوجها ولا تطيع أمره ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ خوفوهن عقوبة الله تعالى والضرب والعظة كلام يلين القلوب القاسية ويرغب الطبائع النافرة ﴿واهجروهن فِي المضاجع﴾ في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف وهو كناية عن الجماع أو هو أن يوليها ظهره في المضجع لأنه لم يقل عن المضاجع ﴿واضربوهن﴾ ضرباً غير مبرح أمر بوعظهن أولاً ثم بهجرانهن في المضاجع ثم بالضرب إن لم ينجح فيهن الوعظ والهجران ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ بترك النشوز ﴿فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ فازبلوا عنهن التعرض بالاذى وسبيلا مفعول تبغوا وهو من بغيث الأمر أي طلبته ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ أي إن علت أيديكم عليهن فاعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن فاجتنبوا النساء (٣٥ _ ٣٦) ظلمهن أو إن الله كان علياً كبيراً وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه ثم تتوبون فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عمن يجني عليكم إذا رجع

стр. 820

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) ثم خاطب الولاة بقوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ أصله شقاقاً بينهما فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع كقوله بَلْ مَكْرُ الليل والنهار وأصله بل مكر في الليل والنهار والشقاق العداوة والخلاف لأن كلاًّ منهما يفعل ما يشق على صاحبه أو يميل إلى شق أي ناحية غير شق صاحبه والضمير للزوجين ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما وهو الرجال والنساء ﴿فابعثوا حَكَماً مّنْ أهله﴾ رجلا يصلح للحكومة والإصلاح بينهما ﴿وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا﴾ وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح ونفوس الزوجين أسكن إليهم فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة والضمير في ﴿إِن يُرِيدَا إصلاحا﴾ للحكمين وفي ﴿يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا﴾ للزوجين أي أن قصدا إصلاح ذات اليمين وكانت نيتهما صحيحة بورك في وساطتهما وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق وألقى في نفوسهما المودة والاتفاق أو الضمير ان للحكمين أي إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين يوفق الله بينهما فينفقات على الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يتم المراد أو الضمير أن للزوجين أي إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلب الخير وأن يزول عنهما الشقاق يلق الله بينهما الألفة وأبدلهما بالشقاق الوفاق وبالبغضاء المودة ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً﴾ بإرادة الحكمين ﴿خَبِيراً﴾ بالظالم من الزوجين وليس لهما ولاية التفريق عندنا خلافا لمالك رحمه الله

стр. 821

وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) ﴿واعبدوا الله﴾ قيل العبودية أربعة الوفاء بالعهود والرضا بالموجود والحفظ للحدود والصبر على المفقود ﴿وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ صنماً وغيره ويحتمل المصدر أي إشراكاً ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ وأحسنوا

стр. 822

بهما إحساناً بالقول والفعل والإنفاق عليهما عند الاحتياج ﴿وَبِذِى القربى﴾ وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما ﴿واليتامى والمساكين والجار ذِي القربى﴾ الذي قرب جواره ﴿والجار الجنب﴾ أى الذى جواره بعيدا والجار القريب النسيب والجار الجنب الأجنبي ﴿والصاحب بالجنب﴾ أى الزوجة عن على رضى الله عنه أو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر أو شريكاً في تعلم علم أو غيره أو قاعد إلى جنبك في مجلس أو مسجد ﴿وابن السبيل﴾ الغريب أو الضيف ﴿وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ العبيد والإماء ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً﴾ متكبراً يأنف عن قرابته وجيرانه فلا يلتفت اليهم النساء (٣٦ _ ٤٠) ﴿فَخُوراً﴾ يعدد مناقبه كبراً فإن عدها اعترافاً كان شكورا

стр. 823

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) ﴿الذين يَبْخَلُونَ﴾ نصب على البدل من مَنْ كان مختالا فخورا وجمع على معنى ن أو على الذم أو رفع على أنه خبر متبدا محذوف تقديره هم الذين يبخلون ﴿وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل﴾ بالبَخَل حمزة وعلي وهما لغتان كالرشد والرشد أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتاً للسخاء قيل البخل أن يأكل بنفسه ولا يؤكل غيره والشح أن لا يأكل ولا يؤكل والسخاء أن يأكل ويؤكل والجودان يؤكل ولا يأكل ﴿ويكتمون ما آتاهم الله مِن فَضْلِهِ﴾ ويخفون ما أنعم الله عليهم به من المال وسعة الحال وفي الحديث إذا أنعم الله على عبده نعمة أحب أن يرى نعمته على عبده وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به فقال الرجل يا أمير المؤمنين

стр. 824

إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه قيل نزلت في شأن اليهود الذين كتموا صفة محمد ﵇ ﴿وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً﴾ أي يهانون به في الآخرة

стр. 825

وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) ﴿والذين يُنْفِقُونَ أموالهم﴾ معطوف على الذين يبخلون أو على الكافرين ﴿رِئَاء الناس﴾ مفعول له أي للفخار وليقال ما أجودهم لا لابتغاء وجه الله وهم المنافقون أو مشركوا مكة ﴿وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً﴾ حيث حملهم على البخل والرياء وكل شر ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأن الشيطان يقرن بهم فى النار

стр. 826

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩) ﴿وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا من ما رزقهم الله﴾ وأى تبعة وبال عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله والمراد الذم والتوبيخ وإلا فكل منفعة ومصلحة فى ذلك وهذا كما يقال للعاق وما فرك لو كنت باراً وقد علم أنه لا مضرة في البر ولكنه ذم وتوبيخ ﴿وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً﴾ وعيد

стр. 827

إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ هي النملة الصغير وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ عليه فقال كل واحدة من هؤلاء ذرة وقيل كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً﴾ وإن يك مثقال الذرة حسنة وإنما أنث ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث حسنةٌ حجازي على كان التامة وحذفت النون من تكن تخفيفاً لكثرة الاستعمال ﴿يضاعفها﴾ يضعفها ثوابها يعفها مكي وشامي ﴿وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ ويعط صاحبها من عنده ثواباً عظيماً وما وصفه الله بالعظم فمن يعرف مقداره مع أنه سمى متاع الدنيا

стр. 828

قليلاً وفيه إبطال قول المعتزلة فى تخليد مرتكب النساء (٤١ _ ٤٣) الكبيرة مع أن له حسنات كثيرة

стр. 829

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) ﴿فكيف﴾ يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم ﴿إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم وَجِئْنَا بِكَ يا محمد ﴿على هؤلاء﴾ أي أمتك ﴿شَهِيداً﴾ حال أي شاهداً على من آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قرأ سورة النساء على رسول الله ﷺ حتى بلغ قوله وجئنا بك على هؤلاء شهيدا فبكى رسول الله ﷺ وقال حسبنا

стр. 830

يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف لقوله ﴿يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ بالله ﴿وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى أو يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها تسوى بفتح التاء وتخفيف السين والإمالة وحذف إحدى التاءين من تتسوى حمزة وعلي تسوى بإدغام التاء في السين مدني وشامي ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ مستأنف أي ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم

стр. 831

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣) ولما صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً وشربا ودعا نفرا من الصحابة رضى الله عنهم حين كانت الخمر مباحة وأكلوا وشربوا فقدموا أحدهم ليصلي بهم المغرب فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد نزل ﴿يا أيها الذين آمنوا لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى﴾ أي لا تقربوها في هذه الحالة ﴿حتى تَعْلَمُواْ مَا تقولون﴾ أى تقرءون وفيه دليل على أن ردة السكران ليست بردة لأن قراءة سورة الكافرين بطرح اللامات كفر

стр. 832

ولم يحكم بكفره حتى خاطبهم باسم الإيمان وما أمر النبي ﵇ بالتفريق بينه بين امرأته ولا بتجديد الإيمان ولأن الأمة اجتمعت على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه مخطئاً لا يحكم بكفره ﴿وَلاَ جُنُباً﴾ عطف على وأنتم سكارى لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال كأنه قيل لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً أي ولا تصلوا جنباً والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ صفة لقوله جنباً أي لا تقربوا الصلاة جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين غير مسافرين والمراد بالجنب الذين لم يغتسلوا كأنه قيل لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين ﴿حتى تَغْتَسِلُواْ﴾ إلا أن تكونوا مسافرين عادمين الماء متيممين عبر عن المتيمم المسافر لأن غالب حاله عدم الماء وهذا مذهب أبى حنيفه ﵀ وهو مروى عن على رضى الله عنه وقال الشافعى ﵀ لا تقربوا الصلاة أي مواضع الصلاة وهي المساجد ولا جنباً أي ولا تقربوا المسجد جنباً إلا عابري سبيل إلا مجتازين فيه فيجوز للجنب العبور في المسجد عند الحاجة ﴿وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جاء أحد منكم من الغائط أو﴾ أى المطمئن من الأرض وكانوايأتونه لقضاء الحاجة فكنى به عن الحديث ﴿أَوْ لامستم النساء﴾ جامعتموهن كذا عن علي رضى الله عنه وابن عباس ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً﴾ فلم تقدروا على استعماله لعدمه أو بعده أو فقد آلة الوصول إليه أو لمانع من حية أو سبع أو عدو ﴿فتيمّموا﴾ أدخل في حكم الشرط أربعة وهم المرضى والمسافرون والمحدثون وأهل الجنابة والجزاء الذي هو الأمر بالتيمم متعلق بهم جميعاً فالمرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه والمسافرون إذا عدموه لبعده والمحدثون وأهل الجنابة إذا لم يجدوه لبعض الأسباب

стр. 833

فلهم أن يتيمموا لمستم حمزة وعلي ﴿صَعِيداً﴾ قال الزجاج هو وجه الأرض تراباً كان أو غيره وإن كان صخرا لا ترا عليه لو ضرب المتيمم يده ومسح لكان ذلك طهوره ومن في سورة المائدة لابتداء الغاية لا للتبعيض ﴿طَيّباً﴾ طاهراً ﴿فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ قيل الباء زائدة ﴿إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً﴾ بالترخيص والتيسير ﴿غَفُوراً﴾ عن الخطأ والتقصير

стр. 834

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) ﴿ألم تر﴾ من روية القلب وعدي بإلى على معنى ألم ينته علمك إليهم أو بمعنى ألم تنظر إليهم ﴿إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب﴾ حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود ﴿يَشْتَرُونَ الضلالة﴾ يستبدلونها بالهدى وهو البقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوة رسول الله ﷺ وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل ﴿وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ﴾ أنتم أيها المؤمنون ﴿السبيل﴾ أي سبيل الحق كما ضلوه

стр. 835

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) ﴿والله أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾ وقد أخبركم بعداوة هؤلاء فاحذروهم ولا تستنصحوهم في أموركم ﴿وكفى بالله وَلِيّاً﴾ في النفع ﴿وكفى بالله نَصِيراً﴾ فى الدفع فثقوا بولايته ونصرته دونهم أولا تبالوا بهم فإن الله ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم وليا ونصيرا منصوبان على التمييز أو على الحال

стр. 836

مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) ﴿مّنَ الذين هَادُواْ﴾ بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب أو بيان لأعدائكم وما بينهما اعتراض أو يتعلق بقوله ﴿نصيراً﴾ أي ينصركم من الذين هادوا كقوله ﴿ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا﴾ أو يتعلق بمحذوف تقديره من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم فقوم مبتدأ ويحرفون صفة له والخبر من الذين هادوا مقدم عليه وحذف الموصوف وهو قوم وأقم صفته وهو ﴿يُحَرِّفُونَ الكلم عَن

стр. 837

مواضعه﴾ يميلونه عنها ويزيلونه لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلماً غيره فقد أمالوه عن مواضعه في التوراة التي وضعه الله تعالى فيها وأزالوه عنها وذلك نحو تحريفهم أسمر ربعة عن موضعه في التوراة بوضعهم آدم طوال مكانه ثم ذكر هنا عن مواضعه وفي المائدة مِن بعد مواضعه فمعنى عن مواضعه على ما بينا من النساء (٤٦ _ ٤٧) إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه ومعنى مِن بَعْدِ مواضعه أنه كان له مواضع هو جدير بأن يكون فيها فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره والمعنيان متقاران ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أمرك قيل أسرّوا به ﴿واسمع﴾ قولنا ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ حال من المخاطب أى اسمع وأنت غير مسمع هو قول ذو وجهين يحتمل الذم أي اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت لأنه لو أجبت دعوتهم عليه لم يسمع شيئاً فكان أصم غير مسمع قالوا ذلك اتكالاً على أن قولهم لا سمعت دعوة مستجابة أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعوا إليه ومعناه غير مسمع جواباً يوافقك فكأنك لم تسمع شيئاً أو إسمع غير مسمع كلاماً ترضاه فسمعك عنه ناب ويحتمل المدح أي اسمع غير مسمع مكروهاً من قولك أسمع فلان فلاناً إذا سبه وكذلك قوله ﴿وراعنا﴾ يحتمل راعنا نكلمك أي ارقبنا وانتظرنا ويحتمل سبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها وهى راعنا فكانوا سخرية بالدين وهزؤا برسول الله ﷺ يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام ﴿ليا بألسنتهم﴾ فتلابها وتحريفاً أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون راعنا موضع انظرنا وغير مسمع موضع لا سمعت مكروهاً أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً ﴿وَطَعْناً فِي الدين﴾ هو قولهم لو كان نبياً حقاً لأخبر بما نعتقد فيه ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ولم يقولوا وعصينا ﴿واسمع﴾ ولم يلحقوا به ﴿غير مسمع

стр. 838

وانظرنا﴾ مكان راعنا ﴿لَكَانَ﴾ قولهم ذاك ﴿خَيْراً لَّهُمْ﴾ عند الله ﴿وَأَقْوَمَ﴾ وأعدل وأسد ﴿وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ﴾ طردهم وأبعدهم عن رحمته بسبب اختيارهم الكفر ﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ منهم قد آمنوا كعبد الله ابن سلام وأصحابه أو إلا إيماناً قليلاً ضعيفاً لا يعبأ به وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره

стр. 839

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) ولما لم يؤمنوا أنزل ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ يعني القرآن ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾ يعني التوراة ﴿مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً﴾ أى نمحوا تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم ﴿فَنَرُدَّهَا على أدبارها﴾ فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الأقفاء مطموسة مثلها والفاء للتسبيب وإن جعلتها للتعقيب على أنهم تُوُعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر ردها على أدباراها بعد طمسها فالمعنى أن نطمس وجوهاً فننكس الوجوه إلى خلف والأقفاء إلى قدام وقيل المراد النساء (٤٧ _ ٥٠) بالطمس القلب والتغيير كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة وبالوجوه رءوسهم ووجهاؤهم أى من قبل أن تغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صفارهم وإدبارهم ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت﴾ أى تخزيهم بالمسخ كما مسخنا أصحاب السبت والضمير يرجع إلى الوجوه إن أريد الوجهاء أو إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات والوعيد كان معلقا بألا يؤمن كلهم وقد آمن بعضهم فإن ابن سلام قد سمع الآية قافلاً من الشام فأتى النبى ﷺ مسلماً قبل أن يأتي أهله وقال ما كنت أرى أن أصل إلى أهلي قبل أن يطمس الله وجهي أو أن الله تعالى أوعدهم بأحد الأمرين بطمس الوجوه أو بلعنهم فإن كان الطمس تبدل أحوال رؤسائهم فقد كان أحد الأمرين وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان وقيل هو منتظر في اليهود ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله﴾ أي المأمور به وهو العذاب الذي أوعدوا به

стр. 840

﴿مَفْعُولاً﴾ كائناً لا محالة فلا بد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا

стр. 841

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ إن مات عليه ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي ما دون الشرك وإن كان كبيرة مع عدم التوبة والحاصل أن الشرك مغفور عنه بالتوبة وأن وعد غفران ما دونه لمن لم يتب أي لا يغفر لمن يشرك وهو مشرك ويغفر لمن يذنب وهو مذنب قال النبي ﵇ من لقي الله تعالى لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ولم تضره خطيئته وتقييده بقوله ﴿لِمَن يَشَاءُ﴾ لا يخرجه عن عمومه كقوله الله لطيف بعباده يرزق من يشاء قال على رضى الله عنه ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية وحمل المعتزلة على التائب باطل لأن الكفر مغفور عنه بالتوبة لقوله تعالى قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ ما قد سلف فما دونه أولى أن يغفر بالتوبة والآية سيقت لبيان التفرقة بينهما وذا فيما ذكرنا ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً﴾ كذب كذباً عظيماً استحق به عذاباً أليماً ونزل فيمن زكى نفسه من اليهود والنصارى حيث قالوا نَحْنُ أبناء الله وأحباؤه وقالوا لن يدخل الجنة إلا ن كان هودا أو نصارى

стр. 842

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ﴾ ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى ﴿بَلِ الله يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾ إعلام بأن تزكية الله هي التى يعتدبها لا تزكية غيره لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية ونحوه فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هو أعلم بمن اتقى ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكية أنفسهم حق جزائهم أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم ﴿فَتِيلاً﴾ قدر فتيل وهو ما يحدث بفتل الأصابع من الوسخ

стр. 843

انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) ﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في زعمهم أنهم عند الله أزكياءٌ ﴿وكفى بِهِ﴾ بزعمهم هذا ﴿إِثْماً مُّبِيناً﴾ من بين سائر آثامهم

стр. 844

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب﴾ يعني اليهود ﴿يُؤْمِنُونَ بالجبت﴾ أي الأصنام وكل ما عبدوه من دون الله ﴿والطاغوت﴾ الشيطان ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هؤلاء أهدى مِنَ الذين آمنوا سَبِيلاً﴾ وذلك أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله ﷺ فقالوا أنتم أهل الكتاب وأنتم إلى محمد أقرب منا وهو أقرب منكم إلينا فلا نأمن مكركم فاسحدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس عليه اللعنة فيما فعلوا فقال أبو سفيان أنحن أهدى سبيلاً أم محمد فقال كعب أنتم أهدى سبيلاً

стр. 845

أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) ﴿أولئك الذين لعنهم الله﴾ وأبعدهم من رحمته ﴿وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ يعتد بنصره
следующие страницы →