← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ إن مات عليه ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي ما دون الشرك وإن كان كبيرة مع عدم التوبة والحاصل أن الشرك مغفور عنه بالتوبة وأن وعد غفران ما دونه لمن لم يتب أي لا يغفر لمن يشرك وهو مشرك ويغفر لمن يذنب وهو مذنب قال النبي ﵇ من لقي الله تعالى لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ولم تضره خطيئته وتقييده بقوله ﴿لِمَن يَشَاءُ﴾ لا يخرجه عن عمومه كقوله الله لطيف بعباده يرزق من يشاء قال على رضى الله عنه ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية وحمل المعتزلة على التائب باطل لأن الكفر مغفور عنه بالتوبة لقوله تعالى قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ ما قد سلف فما دونه أولى أن يغفر بالتوبة والآية سيقت لبيان التفرقة بينهما وذا فيما ذكرنا ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً﴾ كذب كذباً عظيماً استحق به عذاباً أليماً ونزل فيمن زكى نفسه من اليهود والنصارى حيث قالوا نَحْنُ أبناء الله وأحباؤه وقالوا لن يدخل الجنة إلا ن كان هودا أو نصارى

стр. 842

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ﴾ ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى ﴿بَلِ الله يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾ إعلام بأن تزكية الله هي التى يعتدبها لا تزكية غيره لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية ونحوه فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هو أعلم بمن اتقى ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكية أنفسهم حق جزائهم أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم ﴿فَتِيلاً﴾ قدر فتيل وهو ما يحدث بفتل الأصابع من الوسخ

стр. 843

انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) ﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في زعمهم أنهم عند الله أزكياءٌ ﴿وكفى بِهِ﴾ بزعمهم هذا ﴿إِثْماً مُّبِيناً﴾ من بين سائر آثامهم

стр. 844

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب﴾ يعني اليهود ﴿يُؤْمِنُونَ بالجبت﴾ أي الأصنام وكل ما عبدوه من دون الله ﴿والطاغوت﴾ الشيطان ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هؤلاء أهدى مِنَ الذين آمنوا سَبِيلاً﴾ وذلك أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله ﷺ فقالوا أنتم أهل الكتاب وأنتم إلى محمد أقرب منا وهو أقرب منكم إلينا فلا نأمن مكركم فاسحدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس عليه اللعنة فيما فعلوا فقال أبو سفيان أنحن أهدى سبيلاً أم محمد فقال كعب أنتم أهدى سبيلاً

стр. 845

أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) ﴿أولئك الذين لعنهم الله﴾ وأبعدهم من رحمته ﴿وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ يعتد بنصره

стр. 846

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) ثم وصف اليهود بالبخل والحسد وهما من شر الخصال يمنعون مالهم ويتمنون ما لغيرهم فقال ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ من الملك﴾ فأم منقطعة ومعنى الهمزة الإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك ﴿فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس نَقِيراً﴾ أي لو كان لهم نصيب من الملك أى ملك أهل الدنيا أو ملك الله فإذا لا يؤتون أحداً مقدار نقير لفرط بخلهم والقير النقرة في ظهر النواة وهو مثل في القلة كالفتيل

стр. 847

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله مِن فَضْلِهِ﴾ بل أيحسدون رسول الله

стр. 848

صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وإزدياد العز والتقدم كل يوم ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب﴾ أى التوراة ﴿والحكمة﴾ الموعظ والفقه ﴿وآتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً﴾ يعني ملك يوسف وداود وسليمان ﵈ وهنا إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد ﵇ وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما أوتي أسلافه

стр. 849

فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) ﴿فمنهم من آمن بِهِ﴾ فمن اليهود من آمن بما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾ وأنكره مع علمه بصحته أو من اليهود من آمن برسول الله ﷺ النساء (٥٥ _ ٥٨) ومنهم من أنكر نبوته وأعرض عنه ﴿وكفى بجهنم سعيرا﴾ للصادين

стр. 850

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ ندخلهم ﴿نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أحرقت ﴿بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ أعدنا تلك الجلود غير محترقة فالتبديل والتغيير لتغاير الهيئتين لا لتغاير الأصلين عند أهل الحق خلافاً للكرامية وعن فضيل يجعل النضيج غير نضيج ﴿لِيَذُوقُواْ العذاب﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز أعزك الله أي أدامك على عزك ﴿إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً﴾ غالباً بالانتقام لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ﴿حَكِيماً﴾ فيما يفعل بالكافرين

стр. 851

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧) ﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ﴾ من الأنجاس والحيض والنفاس ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ هو صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه كما يقال ليل أليل

стр. 852

وهو ما كان طويلا فينانا لا جوب فيه ودائما لا ننسخه الشمس وسجسجا لا حرفيه ولا برد وليس ذلك إلا ظل الجنة

стр. 853

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) ثم خاطب الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل بقوله ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا﴾ وقيل قد دخل في هذا الأمر أداء الفرائض التي هي أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان وحفظ الحواس التي هي ودائع الله تعالى ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس﴾ قضيتم ﴿أَن تَحْكُمُواْ بالعدل﴾ بالسوية والإنصاف وقيل إن عثمان بن طلحة بن عبد الدار كان سادن الكعبة وقد أخذ رسول الله ﷺ منه مفتاح الكعبة فلما نزلت الآية أمر عليا رضى الله عنه بأن يرده إليه وقال رسول الله ﷺ لقد أنزل الله في شأنك قرآناً وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان فهبط جبريل ﵇ وأخبر رسول الله ﷺ أن السدانة في أولاد عثمان أبداً ﴿إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ما نكرة منصوبة موصوفة ببعظكم به كأنه قيل نعم شيئاً يعظكم به أو موصولة مرفوعة المحل صلتها ما بعدها أى نعم الشئ الذي يعظكم به والمخصوص بالمدح محذوف أي نعّما يعظكم به ذلك وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم وبكسر النون وسكون العين مدني وأبو عمرو وبفتح النون وكسر العين شامي وحمزة وعلي ﴿إِنَّ الله كان سميعا﴾ لاقوالكم ﴿بصيرا﴾ بأعمالكم النساء (٥٩ _ ٦١)

стр. 854

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) لما أمر الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل أمر الناس بأن يطيعوهم بقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ أي الولاة أو العلماء لأن أمرهم ينفذ على الأمراء ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَيْءٍ﴾ فإن اختلفتم أنتم واولوا الأمر في شيء من أمور الدين ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول﴾ أي

стр. 855

ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر﴾ أي إن الإيمان يوجب الطاعة دون العصيان ودلت الآية على أن طاعة الأمراء واجبة إذا وافقوا الحق فإذا خالفوه فلاطاعة لهم لقوله ﵇ لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق وحكى أن مسلمة ابن عبد الملك بن مروان قال لأبي حازم ألستم أمرتم بطاعتنا بقوله ﴿وأولي الأمر منكم﴾ فقال أبو حازم أليس قد نزعت الطاعة عنكم إذا خالفتم الحق بقوله ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ إلى القرآن والرسول في حياته وإلى أحاديثه بعد وفاته ﴿ذلك﴾ إشارة إلى الرد أى الردإلى الكتاب والسنة ﴿خَيْرٌ﴾ عاجلاً ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ عاقبة

стр. 856

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) كان بين بشر المنافق ويهودي خصومة فدعاه اليهودى إلى النبى ﷺ لعلمه أنه لا يرتشى ودعا المنافق إلى كعب بن الأشرف ليرشوه فاحتكما إلى النبى ﵇ فقضى لليهود فلم يرض المنافق وقال تعالى نتحاكم إلى عمر فقال االيهودى لعمر رضى الله عنه قضى لى رسول الله ﷺ فلم يرض بقضائه فقال عمر للمنافق أكذلك قال نعم فقال عمر مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق فقال هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله فنزل ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ وقال جبريل ﵇ إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له رسول الله ﷺ أنت الفاروق ﴿يُرِيدُونَ﴾ حال من الضمير في يزعمون ﴿أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت﴾ أي كعب بن الأشرف سماه الله طاغوتاً لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله ﵇ أو على التشبيه بالشيطان أو جعل اختيار

стр. 857

التحاكم إلى غير رسول الله ﷺ على التحاكم إليه تحاكماً إلى الشيطان بدليل قوله ﴿وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ﴾ عن الحق ﴿ضلالا بَعِيداً﴾ مستمراً إلى الموت

стр. 858

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ للمنافقين ﴿تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول﴾ للتحاكم ﴿رَأَيْتَ المنافقين يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً﴾ يعرضون عنك إلى غيرك ليغروه بالرشوة فيقضي لهم

стр. 859

فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) ﴿فَكَيْفَ﴾ تكون حالهم وكيف يصنعون ﴿إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ﴾ من قتل عمر بشرا ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك فى الحكم ﴿ثم جاؤوك﴾ أي أصحاب القتيل من المنافقين ﴿يَحْلِفُونَ بالله﴾ حال ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك ﴿إِلاَّ إِحْسَاناً﴾ لا إساءة ﴿وَتَوْفِيقاً﴾ بين الخصمين ولم ترد مخالفة لك ولا تسخطاً لحكمك وهذا وعيد لهم على فعلهم وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم ولا يغني عنهم الاعتذار وقيل جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به

стр. 860

أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) ﴿أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ فأعرض عن قبول الأعذار وعظ بالزجر والإنكار وبالغ في وعظهم بالتخويف والإنذار أو أعرض عن عقابهم وعظهم في عتابهم وبلغ كنه ما في ضميرك من الوعظ بارتكابهم والبلاغة أن يبلغ بلسانه كنه ما فى جنانه وفى أنفسهم يتعلق يقل لهم أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على

стр. 861

النفاق قولاً بليغاً يبلغ منهم ويؤثر فيهم

стр. 862

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ﴾ أي رسولاً قط ﴿لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله﴾ بتوفيقه في طاعته وتيسيره أو بسبب إذن الله في طاعته وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه لأنه مؤد عن الله فطاعته طاعة الله وَمَن يُطِعِ الرسول فقد أطاع الله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت ﴿جاؤوك﴾ تائبين من النفاق معتذرين عما ارتكبوا من الشقاق ﴿فاستغفروا الله﴾ من النفاق والشقاق ﴿واستغفر لَهُمُ الرسول﴾ بالشفاعة لهم والعامل في إذ ظلموا خير أن وهو جاءوك والمعنى ولو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم مع استغفارهم واستغفار الرسول ﴿لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً﴾ لعلموه تواباً أي لتاب عليهم ولم يقل واستغفرت لهم وعدل عنه إلى طريقة الالتفات تفخيما لشأنه ﷺ وتعظيماً لاستغفاره وتنبيهاً على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان ﴿رَّحِيماً﴾ بهم قيل جاء أعرابي بعد دفنه ﵇ فرمى بنفسه على قبره وحثا من ترابه على رأسه وقال يا رسول الله قلت فسمعنا وكان فيما أنزل عليك ولو أنهم إذ ظلموا النساء (٦٥ _ ٦٩) أنفسهم الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك أستغفر الله من ذنبي فاستغفر لي من ربي فنودي من قبره قد غفر لك

стр. 863

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) ﴿فلا وربك﴾ أى فوربك كقوله فوربك لنسألهم ولا مزيدة لتأكيد معنى القسم وجواب القسم ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أو التقدير فلا أي ليس الأمر كما يقولون ثم قال وربك لا يؤمنون ﴿حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فيما اختلف بينهم واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً﴾ ضيقاً ﴿مّمَّا قَضَيْتَ﴾ أي لا تضيق صدورهم من حكمك أو شكًّا لأن الشاك في ضيق من أمره

стр. 864

حتى يلوح له اليقين ﴿وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً﴾ وينقادوا لقضائك انقياداً وحقيقته سلم نفسه له وأسلمها أي جعلها سالمة له أي خالصة وتسليماً مصدر مؤكد للفعل بمنزلة تكريره كأنه قيل ويقادوا لحكمك انقايدا لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم والمعنى لا يكونون مؤمنين حتى يرضوا بحكمك وقضائك

стр. 865

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ على المنافقين أي ولو وقع كتبنا عليهم ﴿أَنِ اقتلوا﴾ أن هي المفسرة ﴿أَنفُسَكُمْ﴾ أي تعرضوا للقتل بالجهاد أو ولو أو جبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم ﴿أَوِ اخرجوا مِن دياركم﴾ بالهجرة ﴿مَّا فَعَلُوهُ﴾ لنفاقهم والهاء ضمير أحد مصدري الفعلين وهو القتل أو الخروج أو ضمير المكتوب لدلالة كتبنا عليه ﴿إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ﴾ قليلاً شامي على الاستثناء والرفع على البدل من واو فعلوه ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من اتباع رسول الله ﵇ والانقياد لحكمه ﴿لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ في الدارين ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ لإيمانهم وأبعد عن الاضطراب فيه

стр. 866

وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) ﴿وَإِذَاً﴾ جواب لسؤال مقدر كأنه قيل وماذا يكون لهم بعد التثبيت فقيل وإذا ولو ثبتوا ﴿لاتيناهم مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً﴾ أي ثوابا كثيرالا ينقطع

стр. 867

وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) ﴿ولهديناهم صراطا﴾ مفعول ثانٍ ﴿مُّسْتَقِيماً﴾ أي لثبتناهم على الدين الحق

стр. 868

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ﴿وَمَن يُطِعِ الله والرسول فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين﴾ كأفاضل صحابة الأنبياء والصديق المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة وباطنه بالمراقبة أو الذي يصدق قوله بفعله ﴿والشهداء﴾ والذين استشهدوا

стр. 869

في سبيل الله ﴿والصالحين﴾ ومن صلحت أحوالهم وحسنت أعمالهم ﴿وَحَسُنَ أولئك رفيقا﴾ أي وما أحسن أولئك رفيقاً وهو كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه

стр. 870

ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠) ﴿ذلك﴾ مبتدأ خبره ﴿الفضل مِنَ الله﴾ أو الفضل صفته ومن الله خبره والمعنى أن ما أعطى المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الله لأنه تفضل به عليهم أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومرتبتهم من الله ﴿وكفى بالله عَلِيماً﴾ بِعِبَادِهِ وَبِمَن هُوَ أَهْلُ الفضل ودلت الآية على أن ما يفعل الله بعباده فهو فضل منه بخلاف ما يقوله المعتزلة

стр. 871

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) ﴿يا أيها الذين آمنوا خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ الحذر والحذر بمعنى وهو التحرز وهما كالإثر والأثر يقال أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه والمعنى احذروا واحترزوا أنه من العدو ﴿فانفروا ثُبَاتٍ﴾ فاخرجوا إلى العدو جماعات متفرقة سرية بعد سربة فالثبات الجماعات واحدها ثبات ﴿أَوِ انفروا جَمِيعاً﴾ أي مجتمعين أو مع النبي ﵇ لأن الجمع بدون السمع لا يتم والعقد بدون الواسطة لا ينتظم أو انفروا ثباتٍ إذا لم يعم النفير أو انفروا جميعاً إذا عم النفير وثبات حال وكذا جميعاً

стр. 872

وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) واللام في ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن﴾ للابتداء بمنزلتها فى إن الله لغفور ومن موصولة وفى ﴿ليبطئن﴾ اللام وجواب قسم محفوظ تقديره وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن والقسم وجوابه صلة من والضمير الراجع منها إليه ما استكنّ في لَّيُبَطّئَنَّ أي ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد وبطؤ بمعنى أبطأ أي تأخرو يقال ما بطؤبك فيتعدى بالباء والخطاب لعسكر رسول الله ﷺ وقوله منكم أي في الظاهر دون الباطن يعنى المنافقين يقولون لم تقتلون انفسكم تأتوا حتى يظهر الأمر ﴿فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ﴾ قتل أو هزيمة

стр. 873

قال المبطى ﴿قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ معهم شهيدا﴾ حاضرا فيصيبني مثل ما أصابهم

стр. 874

وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) ﴿وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ مِنَ الله﴾ فتح أو غنيمة ﴿ليقولن﴾ هذا المبطئ مثلهفا على ما فاته من الغنيمة لا طلباً للمثوبة ﴿كَأنَ﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أى كأنه ﴿لم يكن﴾ وبالتاء مكي وحفص ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ وهي اعتراض بين الفعل وهو ليقولن وبين مفعلوله وهو ﴿يا ليتني كُنتُ مَعَهُمْ﴾ والمعنى كأن لم يتقدم له معكم موادة لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل فى الباطن ﴿فأفوز﴾ بالنصيب لأنه جواب التمني ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ فآخذ من الغنيمة حظاً وافراً

стр. 875

فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤) ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون﴾ يببعون ﴿الحياة الدنيا بالآخرة﴾ والمراد المؤمنون الذين النساء (٧٤ _ ٧٥) يستحبون الحياة الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها أي إن صد الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون أو يشترون والمراد المنافقون الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ويجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ﴿وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ وعد الله المقاتل في سبيل الله ظافراً أو مظفوراً به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله

стр. 876

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ مبتدأ وخبر وهذا الاستفهام في النفي للتنبيه على الاستبطاء وفي الإثبات للإنكار ﴿لاَ تقاتلون فِى سَبِيلِ الله﴾ حال والعامل فيها الاستقرار كما تقول مالك قائماً والمعنى وأشىء لكم تاركين القتال وقد ظهرت دواعيه ﴿والمستضعفين﴾ مجرور بالعطف على سبيل الله أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين أو منصوب على الاخت منه أي واختص من سبيل الله خلاص المستضعَفين من المستضعِفين لأن سبيل الله عام في كل خير وخلاص المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد ﴿مِنَ الرجال والنساء والولدان﴾ ذكر الولدان تسجيلاً بإفراط ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين ارغاما لا بائهم وأمهاتم ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس ﵇ عن ابن عباس رضى الله عنهما كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان ﴿الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية﴾ يعني مكة ﴿الظالم أَهْلُهَا﴾ الظالم وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها فأعطي إعراب القرية لأنه صفتها وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول من هذه القرية التي ظلم أهلها ﴿واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ يتولى أمرنا ويستنقذنا من أعدائنا ﴿واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ ينصرنا عليهم كانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر وهو محمد ﵇ فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى

стр. 877

النصر ولما خرج محمد ﷺ استعمل عتاب بن أسيد فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا قال ابن عباس رضى الله عنهما كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعزبها من الظلمة رغب الله المؤمنين بأنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليهم وناصرهم وأعداؤهم يقاتلون في النساء (٧٦ _ ٧٨) سبيل الشيطان فلاولى لهم إلا الشيطان بقوله

стр. 878

الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) ﴿الذين آمنوا يقاتلون فِى سَبِيلِ الله والذين كَفَرُواْ يقاتلون فِى سَبِيلِ الطاغوت﴾ أي الشيطان ﴿فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان﴾ أي الكفار ﴿إِنَّ كَيْدَ الشيطان﴾ أي وساوسه وقيل الكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال ﴿كَانَ ضَعِيفاً﴾ لأنه غرور لا يؤول إلى محصول أو كيده في مقابلة نصر الله ضعيف

стр. 879

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) كان المسلمون مكفوفين عن القتال مع الكفار ما داموا بمكة وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه فنزل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ﴾ أي عن القتال ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال﴾ أي فرض بالمدينة ﴿إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله﴾ يخافون أن يقاتلهم الكفار كما يخافون أن ينزل الله عليهم بأسه لا شكاً في الدين ولا رغبة عنه ولكن نفوراً عن الإخطار بالأرواح وخوفاً من الموت قال الشيخ أبو منصور ﵀ هذه خشية طبع لا أن ذلك منهم كراهة لحكم الله وأمره اعتقاداً فالمرء مجبول على كراهة ما فيه خوف هلاكه غالباً وخشية الله من إضافة المصدر إلى المفعول ومحله النصب على الحال من الضمير في يخشون أى يشخون الناس مثل خشية الله أى مشيهين لأهل خشية الله ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ هو معطوف على الحال أي أو أشد خشية من أهل خشية الله وأو للتخيير أي إن قلت خشيتهم الناس كخشية الله فأنت مصيب وإن قلت إنها أشد فأنت مصيب لأنه حصل لهم مثلها وزيادة ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ

стр. 880

عَلَيْنَا القتال لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ هلا أمهلتنا إلى الموت فنموت على الفرش وهو سؤال على وجه الحكمة في فرض القتال عليهم لا اعتراض لحكمه بدليل أنهم لم يوبخوا على هذا السؤال بل أجيبوا بقوله ﴿قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والأخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى﴾ متاع الدنيا قليل زائل ومتاع الآخرة كثير دائم والكثير إذا كان على شرف الزوال فهو قليل فكيف القليل الزائل ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتل فلا ترغبوا عنه وبالياء مكي وحمزة وعلى
следующие страницы →