← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ مبتدأ وخبر وهذا الاستفهام في النفي للتنبيه على الاستبطاء وفي الإثبات للإنكار ﴿لاَ تقاتلون فِى سَبِيلِ الله﴾ حال والعامل فيها الاستقرار كما تقول مالك قائماً والمعنى وأشىء لكم تاركين القتال وقد ظهرت دواعيه ﴿والمستضعفين﴾ مجرور بالعطف على سبيل الله أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين أو منصوب على الاخت منه أي واختص من سبيل الله خلاص المستضعَفين من المستضعِفين لأن سبيل الله عام في كل خير وخلاص المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد ﴿مِنَ الرجال والنساء والولدان﴾ ذكر الولدان تسجيلاً بإفراط ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين ارغاما لا بائهم وأمهاتم ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس ﵇ عن ابن عباس رضى الله عنهما كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان ﴿الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية﴾ يعني مكة ﴿الظالم أَهْلُهَا﴾ الظالم وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها فأعطي إعراب القرية لأنه صفتها وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول من هذه القرية التي ظلم أهلها ﴿واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ يتولى أمرنا ويستنقذنا من أعدائنا ﴿واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ ينصرنا عليهم كانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر وهو محمد ﵇ فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى

стр. 877

النصر ولما خرج محمد ﷺ استعمل عتاب بن أسيد فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا قال ابن عباس رضى الله عنهما كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعزبها من الظلمة رغب الله المؤمنين بأنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليهم وناصرهم وأعداؤهم يقاتلون في النساء (٧٦ _ ٧٨) سبيل الشيطان فلاولى لهم إلا الشيطان بقوله

стр. 878

الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) ﴿الذين آمنوا يقاتلون فِى سَبِيلِ الله والذين كَفَرُواْ يقاتلون فِى سَبِيلِ الطاغوت﴾ أي الشيطان ﴿فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان﴾ أي الكفار ﴿إِنَّ كَيْدَ الشيطان﴾ أي وساوسه وقيل الكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال ﴿كَانَ ضَعِيفاً﴾ لأنه غرور لا يؤول إلى محصول أو كيده في مقابلة نصر الله ضعيف

стр. 879

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) كان المسلمون مكفوفين عن القتال مع الكفار ما داموا بمكة وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه فنزل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ﴾ أي عن القتال ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال﴾ أي فرض بالمدينة ﴿إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله﴾ يخافون أن يقاتلهم الكفار كما يخافون أن ينزل الله عليهم بأسه لا شكاً في الدين ولا رغبة عنه ولكن نفوراً عن الإخطار بالأرواح وخوفاً من الموت قال الشيخ أبو منصور ﵀ هذه خشية طبع لا أن ذلك منهم كراهة لحكم الله وأمره اعتقاداً فالمرء مجبول على كراهة ما فيه خوف هلاكه غالباً وخشية الله من إضافة المصدر إلى المفعول ومحله النصب على الحال من الضمير في يخشون أى يشخون الناس مثل خشية الله أى مشيهين لأهل خشية الله ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ هو معطوف على الحال أي أو أشد خشية من أهل خشية الله وأو للتخيير أي إن قلت خشيتهم الناس كخشية الله فأنت مصيب وإن قلت إنها أشد فأنت مصيب لأنه حصل لهم مثلها وزيادة ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ

стр. 880

عَلَيْنَا القتال لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ هلا أمهلتنا إلى الموت فنموت على الفرش وهو سؤال على وجه الحكمة في فرض القتال عليهم لا اعتراض لحكمه بدليل أنهم لم يوبخوا على هذا السؤال بل أجيبوا بقوله ﴿قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والأخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى﴾ متاع الدنيا قليل زائل ومتاع الآخرة كثير دائم والكثير إذا كان على شرف الزوال فهو قليل فكيف القليل الزائل ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتل فلا ترغبوا عنه وبالياء مكي وحمزة وعلى

стр. 881

أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) ثم أخبر أن الحذر لا ينجي من القدر بقوله ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ ما زائدة لتوكيد معنى الشرط في أين ﴿وَلَوْ كنتم في بروج﴾ حصون النساء (٧٨ _ ٨١) أو قصور ﴿مُّشَيَّدَةٍ﴾ مرفعة ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ نعمة من خصب ورخاء ﴿يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله﴾ نسبوها إلى الله ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ﴾ بلية من قحط وشدة ﴿يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ﴾ أضافوها إليك وقالوا هذه من عندك وما كانت الابشؤمك وذلك أن المنافقين واليهود كانوا إذا أصابهم خير حمدوا الله تعالى وإذا أصابهم مكروه نسبوه إلى محمد ﷺ فكذبهم الله تعالى بقوله ﴿قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله﴾ والمضاف إليه محذوف أي كل ذلك فهو يبسط الأرزاق ويقبضها ﴿فما لهؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ﴾ يفهمون ﴿حَدِيثاً﴾ فيعلمون أن الله هو الباسط القابض وكل ذلك صادر عن حكمة ثم قال

стр. 882

مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ يا إنسان خطاباً عاماً وقال الزجاج المخاطب به النبي ﵇ والمراد غيره ﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾ من نعمة وإحسان ﴿فَمِنَ الله﴾ تفضلاً منه وامتناناً ﴿وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ﴾ من بلية ومصيبة ﴿فَمِن نَّفْسِكَ﴾ فمن عندك أى فيما كسبت يداك وماأصابكم من مصيبة فبما كسبت

стр. 883

أيديكم ﴿وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ لا مقدراً حتى نسبوا إليك الشدة أو أرسلناك للناس رسولاً فإليك تبليغ الرسالة وليس إليك الحسنة والسيئة ﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ بأنك رسوله وقيل هذا متصل بالاول أى لا يكادون يفقهون حديثاً يقولون ما أصابك وحمل المعتزلة الحسنة والسيئة في الآية الثانية على الطاعة والمعصية تعسف بيّن وقد نادى عليه ما أصابك إذ يقال في الأفعال ما أصبت ولأنهم لا يقولون الحسنات من الله خلقا وإيجاد فأنى يكون لهم حجة في ذلك وشهيداً تمييز

стр. 884

مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ لأنه لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر الله به ونهى عنه فكانت طاعته في أوامره ونواهيه طاعة لله ﴿وَمَن تولى﴾ عن الطاعة فأعرض عنه ﴿فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم

стр. 885

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) ﴿ويقولون﴾ ويقول المنافقون إذا أمرتهم بشئ ﴿طاعة﴾ خبر مبتدأ لمحذوف أي أمرنا وشأننا طاعة ﴿فَإِذَا بَرَزُواْ﴾ خرجوا ﴿مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ﴾ زور وسوّى فهو من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل أو من أبيات الشعر لأن الشاعر يديرها ويسويها وبالإدغام حمزة وأبو عمرو ﴿غَيْرَ الذى تَقُولُ﴾ خلاف ما قلت وما أمرت به أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة النساء (٨١ _ ٨٣) وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون ﴿والله يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ﴾ يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ في شأنهم فإن الله يكفيك مضرتهم وينتقم لك منهم

стр. 886

إذا قوي أمر الإسلام ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ كافياً لمن توكل عليه

стр. 887

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ أفلا يتأملون معانيه ومبانيه والتدبر التأمل والنظر فى أدبار الأمور وما يؤل إليه في عاقبته ثم استعمل في كل تأمل والتفكر تصرف القلب بالنظر في الدلائل وهذا يرد قول من زعم من الروافض أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول ﷺ والإمام المعصوم ويدل على صحة القياس وعلى بطلان التقليد ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله﴾ كما زعم الكفار ﴿لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً﴾ أي تناقضاً من حيث التوحيد والتشريك والتحليل والتحريم أو تفاوتاً من حيث البلاغة فكان بعضه بالغاً حد الإعجاز وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته أو من حيث المعاني فكان بعضه إخباراً بغيب قد وافق المخبر عنه وبعضه إخبار مخالفاً للمخبر عنه وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم وأما تعلق الملحدة بآيات يدعون فيها اختلافاً كثيراً من نحو قوله فإذا هى ثعبان مبين كانها جان فوربك لنسألنهم أجمعين فيؤمئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان فقد تفضى عنها أهل الحق وستجدها مشروحة في كتابنا هذا في مظانها إن شاء الله تعالى

стр. 888

وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمن أَوِ الخوف﴾ هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم يكن فيهم خبرة بالأحوال أو المنافقون كانوا إذا بلغهم خبر من سرايا رسول الله ﷺ من أمن وسلامة أو خوف وخلل ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ أفشوه وكانت إذاعتهم مفسدة يقال أذاع السر وأذاع به والضمير يعود إلى الأمر أو إلى الأمن أو الخوف لأن أو تقتضي أحدهما ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أي ذلك الخبر ﴿إِلَى الرسول﴾ أى رسول الله ﷺ ﴿وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ﴾ يعني كبراء الصحابة البصراء بالأنور أو الذين كانوا يؤمِّرون منهم ﴿لَعَلِمَهُ﴾

стр. 889

لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها وقيل كانوا يقفون من رسول الله ﷺ وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء أو على خوف واستشعار فيذيعونه فينشر فيبلغ الأعداء فتعود إذاعتهم مفسدة ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه والنبط الماء الذى النساء (٨٣ _ ٨٦) يخرج من البئر أول ما تجفر واستنباطه استخراجه فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ﴾ بإرسال الرسول ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بإنزال الكتاب ﴿لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان﴾ لبقيتم على الكفر ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ لم يتبعوه ولكن آمنوا بالعقل كزيد ابن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وغيرهما

стр. 890

فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها قال ﴿فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله﴾ إن أفردوك وتركوك وحدك ﴿لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد فإن الله تعالى ناصرك لا الجنود وقيل دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج وكان أبو سفيان واعد رسول الله ﷺ اللقاء فيها فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت فخرج وما معه إلا سبعون ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده ﴿وَحَرّضِ المؤمنين﴾ وما عليك في شأنهم إلا التحريض على القتال فحسب لا التعنيف بهم ﴿عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي بطشهم وشدتهم وهم قريش وقد كف بأسهم بالرعب فلم يخرجوا وعسى كلمة مطمعة غير أن أطماع الكريم أعود من إنجاز اللئيم ﴿والله أَشَدُّ بَأْساً﴾ من قريس ﴿وأشد تنكيلا﴾ تعذيبا وهو تمييز كبأسا

стр. 891

مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) ﴿من يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً﴾ هي الشفاعة في دفع شر أو جلب نفع مع جوازها شرعاً ﴿يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ من ثواب الشفاعة ﴿وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً﴾ هي خلاف الشفاعة الحسنة قال ابن عباس رضى الله عنهما مالها مفسر غيرى معناه ن أمر بالتوحيد وقاتل أهل الكفر وضده السيئة وقال الحسن هو المشي بالصلح وضده النميمة ﴿يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا﴾ نصيب ﴿وَكَانَ الله على كُلّ شَيْءٍ مُّقِيتاً﴾ مقتدراً من أقات على الشئ اقتدر عليه أو حفيظاً من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها

стр. 892

وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) ﴿وَإِذَا حُيّيتُم﴾ أي سلم عليكم فإن التحية في ديننا بالسلام في الدارين فَسَلّمُواْ على أنفسكم تحية من عند الله تحيتهم يوم يلقونه سلام وكانت العرب تقول عند اللقاء حياك الله أي أطال الله حياتك فأبدل ذلك بعد الإسلام بالسلام ﴿بِتَحِيَّةٍ﴾ هي تفعله من حيّا يحيّي تحية ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ أي قولوا وعليكم السلام ورحمة الله إذا قال السلام عليكم وزيدوا وبركاته إذا قال ورحمة الله ويقال لكل شيء منتهى ومنتهى السلام وبركاته ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي أجيبوها بمثلها ورد السلام جوابه بمثله لأن المجيب يرد قول المسلّم وفيه حذف مضاف أى ردوا مثلها النساء (٨٦ _ ٨٩) والتسليم سنة والرد فريضة والأحسن فضل وما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة ولا يرد السلام في الخطبة وقراءة القرآن جهراً ورواية الحديث وعند مذاكرة العلم والأذان والإقامة وعند أبى يوسف ﵀ لا يسلم على لاعب الشطرنج والنرد والمغني والقاعد لحاجته ومطير الحمام والعاري من غير عذر في حمام أو غيره ويسلم الرجل إذا دخل على امرأته والماشي على القاعد والراكب على الماشى وراكب القرس على راكب الحمار والصغير على الكبير والأقل على الأكثر

стр. 893

وإذا التقيا ابتدرا وقيل بأحسن منها لأهل الملة أو ردوها لأهل الذمة وعن النبى ﷺ إذا سلم أهل الكتاب فقولوا وعليكم أي وعليكم ما قلتم لأنهم كانوا يقولون السام عليكم وقوله ﵇ لا غرار في تسليم أي لا يقال عليك بل عليكم لأن كاتبيه معه ﴿إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها

стр. 894

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧) ﴿الله﴾ مبتدأ ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ خبره أو اعتراض والخبر ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ ومعناه الله والله ليجمعكم ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ أي ليحشرنكم إليه والقيامة القيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ هو حال من يوم القيامة والهاء يعود إلى اليوم أو صفة لمصدر محذوفة أي جمعاً لا ريب فيه والهاء يعود إلى الجمع ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً﴾ تمييز وهو استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق منه في إخباره ووعده ووعيده لاستحالة الكذب عليه لقبحه لكونه إخباراً عن الشئ بخلاف ما هو عليه

стр. 895

فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) ﴿فما لكم﴾ مبتدأ وخبر ﴿فِي المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ أى مالكم اختلفتم فى شأن قوم قدنا فقوا نفاقا ظاهرا وتفرقتم فيهم فرقتين القول بكفرهم وذلك أن قوماً من المنافقين استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فاختلف المسلمون فيهم فقال بعضهم هم كفار وقال بعضهم هم مسلمون وفئتين حال كقولك مالك قائماً قال سيبويه إذا قلت مالك قائماً فمعناه لم قمت ونصبه على

стр. 896

تأويل أي شيء يستقر لك في هذه الحال ﴿والله أَرْكَسَهُمْ﴾ ردهم إلى حكم الكفار ﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾ من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين فردوهم أيضاً ولا تختلفوا في كفرهم ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ﴾ أن تجعلوا من جملة المهتدين ﴿مَنْ أَضَلَّ الله﴾ من جعله الله ضالاً أو أتريدون أن تسموهم مهتدين وقد أظهر الله ضلالهم فيكون تعييراً لمن سماهم مهتدين والآية تدل على مذهبنا في إثبات الكسب للعبد والخلق للرب جلت قدرته ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ طريقاً إلى الهداية

стр. 897

وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) ﴿ودوا لو تكفرون كما كفروا﴾ النساء (٨٩ _ ٩١) الكاف نعت لمصدر محذوف وما مصدرية أي ودوا لو تكفرون كفراً مثل كفرهم ﴿فَتَكُونُونَ﴾ عطف على تكفرون ﴿سَوَآء﴾ أي مستوين أنتم وهم في الكفر ﴿فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حتى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ الله﴾ فلا توالوهم حتى يؤمنوا لأن الهجرة في سبيل الله بالإسلام (فَإِن تَوَلَّوْاْ) عن الإيمان ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ كما كان حكم سائر المشركين ﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم

стр. 898

إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ﴾ أي ينتهون إليهم ويتصلون بهم والاستثناء من قوله ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم﴾ دون الموالاة ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق﴾ القوم هم إلا سلميون كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد وذلك أنه وادع قبل خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه وعلى أن من وصل إلى هلال والتجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال أي فاقتلوهم إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق ﴿أو جاؤوكم﴾ عطف على صفة قوم أي إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم أو على صلة الذين أي إلا الذين يتصلون

стр. 899

بالمعاهدين أو الذين لا يقاتلونكم ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ حال بإضمار قدو الحصر الضيق والانقباض ﴿أن يقاتلوكم﴾ عن أن يقاتلوكم أي عن قتالكم ﴿أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ﴾ معكم ﴿وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ بتقوية قلوبهم وازاله الحصر عنها ﴿فلقاتلوكم﴾ عطف على نسلطهم ودخول اللام للتأكيد ﴿فَإِنِ اعتزلوكم﴾ فإن لم يتعرضوا لكم ﴿فَلَمْ يقاتلوكم وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم﴾ أي الانقياد والاستسلام ﴿فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عليهم سبيلا﴾ طريقا إلى القتال

стр. 900

سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١) ﴿ستجدون آخرين يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ﴾ بالنفاق ﴿وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ﴾ بالوفاق هم قوم من أسدو غطفان كانوا إذا أتو المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾ قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه كانوا شراً فيها من كل عدو ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ فإن لم يعتزلوا قتالكم ﴿وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السلم﴾ عطف على لم يعتزلوكم أي ولم ينقادوا النساء (٩١ _ ٩٢) لكم بطلب الصلح ﴿وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ﴾ عطف عليه أيضاً أي ولم يمسكوا عن قتالكم ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ﴾ حيث تمكنتم منهم وظفرتم بهم ﴿وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا مُّبِيناً﴾ حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر وإضرارهم بالمسلمين أو تسلطاً ظاهراً حيث أذنا لكم فى قتلهم

стр. 901

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله ﴿أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً﴾ ابتداء من غير قصاص أي ليس المؤمن كالكافر الذى تقدم إباحة دمه ﴿إلا خطأ﴾ إلا على وجه الخطأ وهو استثناء منقطع بمعنى

стр. 902

لكن أي لكن إن وقع خطأ ويحتمل أن يكون صفة لمصدر أي إلا قتلاً خطأ والمعنى من شأن المؤمن أن ينتفى عنه وجوده قتل المؤمن ابتداء البتة إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافراً فيصيب مسلماً أو يرمي شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم ﴿وَمَن قَتَلَ مؤمنا خطأ﴾ صفة مصدر محذوف أي قتلاً خطأ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مبتدأ والخبر محذوف أي فعليه تحرير رقبة والتحرير الإعتاق والحر والعتيق الكريم لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد ومنه عتاق الطير وعتاق الخيل لكرامها والرقبة النسمة ويعبر عنها بالرأس في قولهم فلان يملك كذا رأساً من الرقيق ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ قيل ما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات إذ الرق أثر من آثار الكفر والكفر موت حكماً أو من كان ميتا فأحييناه ولذا منع من تصرف الأحرار وهذا مشكل إذ لو كان كذلك لوجب في العمد أيضاً لكن يحتمل أن يقال إنما وجب عليه ذلك لأن الله تعالى أبقى للقاتل نفساً مؤمنة حيث لم يوجب القصاص فأوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أهله﴾ مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء فيقضي منها الدين وتنفذ الوصية وإذا لم يبق وارث فهي لبيت المال وقد ورث رسول الله ﷺ امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم لكن الدية على العاقلة والكفارة على القاتل ﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ إلا أن يتصدقوا عليه بالدية أي يعفوا عنه والتقدير فعليه دية فى كل حال إلا فى حال لتصدق عليه بها ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لكم﴾ فإن فإن كان المقتول خطأ من قوم أعداءلكم أى كفرة فالعدو يطلق على الجميع ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي المقتول مؤمن ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ يعني إذا أسلم الحربي في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم خطأ تجب

стр. 903

الكفارة بقتله للعصمة المؤثمة وهي الإسلام ولا تجب الدية لأن العصمة المقومة بالدار ولم توجد ﴿وإن كان﴾ أى النساء (٩٢ _ ٩٤) المقتول ﴿مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾ بين المسلمين ﴿وَبَيْنَهُمْ ميثاق﴾ عهد ﴿فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾ أي وإن كان المقتول ذمياً فحكمه حكم المسلم وفيه دليل على أن دية الذمي كدية المسلم وهو قولنا ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ رقبة أي لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ فعليه صيام شهرين ﴿مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله﴾ قبولاً من الله ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعني شرع ذلك توبة منه أو فليتب توبة فهي نصب على المصدر ﴿وكان الله عليما﴾ بما أم ﴿حَكِيماً﴾ فيما قدّر

стр. 904

وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً﴾ حال من ضمير القاتل أي قاصداً قتله لإيمانه وهو كفر أو قتله مستحلاً لقتله وهو كفر أيضاً ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فِيهَا﴾ أي إن جازاه قال ﵇ هي جزاؤه إن جازاه والخلود قد يراد به طول المقام وقول المعتزلة بالخروج من الإيمان يخالف قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ أي انتقم منه وطرده من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ لارتكابه امرا عظيما وخطبا جسما في الحديث لزوال الدنيا أهون على الله من قتل المرىء مسلم

стр. 905

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله﴾ سرتم في طريق الغزو

стр. 906

﴿فَتَبَيَّنُواْ﴾ فتثبتوا حمزة وعلي وهما من التفعل بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا فيه ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام﴾ السلم مدني وشامي وحمزة وهما الاستسلام وقيل الإسلام وقيل التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام ﴿لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ في موضع النصب بالقول وروي أن مرداس بن نهيك أسلم ولم يسلم من قومه غيره فغزتهم سرية لرسول الله ﷺ فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى منعرج من الجبل وصعد فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه فأخبروا رسول الله ﷺ فوجد وجدا شديدا وقتل قتلتموه إرادة ما معه ثم قرأ الآية على أسامة ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا﴾ تطلبون الغنيمة التي هى حطام سريع النفاذ فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه والعرض المال سمى به لسرعة فنائه وتبتغون حال من ضمير الفاعل في تقولوا ﴿فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ يغنّمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله ﴿كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ﴾ أو ما دخلتم النساء (٩٤ _ ٩٧) في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم والكاف في كذلك حبر كان وقد تقدم عليها وعلى اسمها ﴿فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ﴾ بالاستقامة والاشتهار بالإيمان فافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم ﴿فَتَبَيَّنُواْ﴾ كرر الأمر بالتبين ليؤكد عليهم ﴿إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك

стр. 907

لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) ﴿لاَّ يَسْتَوِى القاعدون﴾ عن الجهاد ﴿مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِى الضرر﴾ بالنصب مدني وشامي وعلي لأنه استثناء من القاعدين أو حال منهم وبالجر عن حمزة صفة للمؤمنين وبالرفع غيرهم صفة للقاعدين والضرر المرض أو العاهة ومن عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها ﴿والمجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ﴾ عطف على القاعدون ونفى التساوي بين المجاهد والقاعد بغير عذر وإن كان معلوماً توبيخاً للقاعد عن الجهاد وتحريكاً له عليه ونحوه هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ فهو تحريك لطلب العلم وتوبيخ على الرضا بالجهل ﴿فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين﴾ ذكر هذه الجملة بياناً للجملة الأولى مرضحة لما نفى من استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل مالهم لا يستوون فأجيب بذلك ﴿دَرَجَةً﴾ نصب على المصدر لوقوعها موقع المرة من التفضيل كأنه قيل فضلهم تفضلة كقولك ضربه سوطاً ونصب ﴿وَكُلاًّ﴾ أي وكل فريق من القاعدين والمجاهدين لأنه مفعول أول لقوله ﴿وَعَدَ الله﴾ والثاني ﴿الحسنى﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة ﴿وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين﴾ بغير عذر ﴿أَجْراً عظيما﴾

стр. 908

دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦) ﴿درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ قيل انتصب أجراً بفضل لأنه فى معنى أجرهم أجرا أو درجات ومغفرة ورحمة بدل من أجراً أو انتصب درجات نصب درجة كأنه قيل فضلهم تفطيلات كقولك ضربة أسواطا أى ضربات وأجرا عظيما على أنه حال من الكرة التى هى درجات مقدمة عليها مغفرة ورحمة باضمار فعلهما إى غفر لهم روحمهم مغفرة ورحمة حاصلة أن الله تعالى فضل المجاهدين على القاعدين بعذر درجة وعلى القاعدين بغير عذر بأمر النبى ﵇ اكتفار بغيرهم

стр. 909

درجات لأن الجهاد فرض كفاية ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً﴾ بتكفير العذر ﴿رَّحِيماً﴾ بتوفير الأجر ونزل فيمن أسلم ولم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة وخرج مع المشركين إلى بدر مرتدا فقتل كافرا

стр. 910

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) ﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾ يجوز أن يكون النساء (٩٧ _ ١٠٠) ماضيا لقراءة من قرأ توفتهم ومضارعا بمعنى نتوفاهم وحذفت الثانية لا جتماع التاءين والتوفي قبض الروح والملائكة ملك الموت وأعوانه ﴿ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ﴾ حال من ضمير المفعول في توفاهم أي في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر وترك الهجرة ﴿قَالُواْ﴾ أي الملائكة للمتوفّين ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ أي في أي شيء كنتم في أمر دينكم ومعناه التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين ﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ عاجزين عن الهجرة ﴿فِى الأرض﴾ أرض مكة فأخرجونا كارهين ﴿قَالُواْ﴾ أي الملائكة موبخين لهم ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ومن الهجرة إلى رسول الله ﷺ ونصب فنها جروا على جواب الاستفهام ﴿فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مصيرا﴾ خبران فأولئك ودخول الفاء لما في الذين من الإبهام المشابه بالشرط أو قالوا فيم كنتم والعائد محذوف أي قالوا لهم والآية تدل على أن من لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب وعلم أنه يتمكن من إقامته في غيره حقت عليه المهاجرة وفي الحديث من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم

стр. 911

إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) ﴿إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنساء والولدان﴾ استثنى من أهل الوعيد

стр. 912

المستضعفين الذين ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ في الخروج منها لفقرهم وعجزهم ﴿وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ ولا معرفة لهم بالمسالك ولا يستطيعون صفة للمستضعفين أو للرجال والنسا والولدان وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس بشئ بعينه كقوله ولقد أمر على اللئيم يسبني

стр. 913

فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) ﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾ وعسى وإن كان للإطماع فهو من الله واجب لأن الكريم إذا أطمع أنجز ﴿وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً﴾ لعباده قبل أن يخلقهم

стр. 914

وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠) ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الأرض مراغما﴾ مهاجرا وطريقا براغم بسلوكه قومه أي يفارقهم على رغم أنوفهم والرغم الذل والهوان وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب يقال راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك ﴿كَثِيراً وَسَعَةً﴾ في الرزق أو في إظهار الدين أو فى الصدر لتبدل الخوف بالأمن النساء (١٠٠ _ ١٠٢) ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا﴾ حال من الضمير في يخرج ﴿إِلَى الله وَرَسُولِهِ﴾ إلى حيث أمر الله ورسوله ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت﴾ قبل بلوغه مهاجره وهو عطف على يخرج ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله﴾ أي حصل له الأجر بوعد الله وهو تأكيد للوعد فلا شيء يجب على الله لأحد من خلقه ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ قالوا كل هجرة لطلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة أو زهداً أو ابتغاء رزق طيب فهي هجرة إلى الله ورسوله وإن أدركه الموت في طريقه فقد وقع أجره على الله

стр. 915

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرض﴾ سافرتم فيها فالضرب في الأرض هو السفر ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ حرج ﴿أَن تَقْصُرُواْ﴾ في أن تقصروا ﴿مِنَ الصلاة﴾ من أعداد ركعات الصلاة فتصلوا الرباعية ركعتين وظاهر الآية يقتضي أن القصر رخصة في السفر والإكمال عزيمة كما قال الشافعي ﵀ لأنه جناح يستعمل في موضع التخفيف والرخصة لا في موضع العزيمة وقلنا القصر عزيمة غير رخصة ولا يجوز الاكمال لقول عمر رضى الله عنه صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ وأما الآية فكأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفى عنهم الجناح لتطليب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يفتنكم الذين كفروا﴾ إن خشيتم أى يقصدكم الكفار بقتل أو جرح أو أخذ والخوف شرط جواز القصر عند الخوارج ظاهر النص وعند الجمهور ليس بشرط لما روي عن يعلى بن أمية أنه قال لعمر ما بالنا نقصر وقد أمنّا فقال عجبت مما تعجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته وفيه دليل على أنه لا يجوز الإكمال في السفر لأن التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد وإن كان المتصدق ممن لا تلزم طاعته كولي القصاص إذا عفا فمن تلزم طاعته أولى ولأن حالهم حين نزول الآية كذلك فنزلت على وفق الحال وهو كقوله ﴿إن أردن تحصنا﴾ دليله قراءة عبد الله من الصلاة أن يفتنكم أي لئلا يفتنكم على أن المراد بالآية قصر الاحوال وهو أن يومى على الدابة عند الخوف أو يخفف القراءة والركوع والسجود والتسبيح كما روي عن ابن عباس رضى الله عنهما ﴿إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ فتحرزوا عنهم
следующие страницы →