← Тафсир

Тафсир · id 1394

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل

حافظ الدين أبو البركات النسفي

Полный текст (7 814 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) ﴿إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنساء والولدان﴾ استثنى من أهل الوعيد

стр. 912

المستضعفين الذين ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ في الخروج منها لفقرهم وعجزهم ﴿وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ ولا معرفة لهم بالمسالك ولا يستطيعون صفة للمستضعفين أو للرجال والنسا والولدان وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس بشئ بعينه كقوله ولقد أمر على اللئيم يسبني

стр. 913

فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) ﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾ وعسى وإن كان للإطماع فهو من الله واجب لأن الكريم إذا أطمع أنجز ﴿وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً﴾ لعباده قبل أن يخلقهم

стр. 914

وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠) ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الأرض مراغما﴾ مهاجرا وطريقا براغم بسلوكه قومه أي يفارقهم على رغم أنوفهم والرغم الذل والهوان وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب يقال راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك ﴿كَثِيراً وَسَعَةً﴾ في الرزق أو في إظهار الدين أو فى الصدر لتبدل الخوف بالأمن النساء (١٠٠ _ ١٠٢) ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا﴾ حال من الضمير في يخرج ﴿إِلَى الله وَرَسُولِهِ﴾ إلى حيث أمر الله ورسوله ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت﴾ قبل بلوغه مهاجره وهو عطف على يخرج ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله﴾ أي حصل له الأجر بوعد الله وهو تأكيد للوعد فلا شيء يجب على الله لأحد من خلقه ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ قالوا كل هجرة لطلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة أو زهداً أو ابتغاء رزق طيب فهي هجرة إلى الله ورسوله وإن أدركه الموت في طريقه فقد وقع أجره على الله

стр. 915

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرض﴾ سافرتم فيها فالضرب في الأرض هو السفر ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ حرج ﴿أَن تَقْصُرُواْ﴾ في أن تقصروا ﴿مِنَ الصلاة﴾ من أعداد ركعات الصلاة فتصلوا الرباعية ركعتين وظاهر الآية يقتضي أن القصر رخصة في السفر والإكمال عزيمة كما قال الشافعي ﵀ لأنه جناح يستعمل في موضع التخفيف والرخصة لا في موضع العزيمة وقلنا القصر عزيمة غير رخصة ولا يجوز الاكمال لقول عمر رضى الله عنه صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ وأما الآية فكأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفى عنهم الجناح لتطليب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يفتنكم الذين كفروا﴾ إن خشيتم أى يقصدكم الكفار بقتل أو جرح أو أخذ والخوف شرط جواز القصر عند الخوارج ظاهر النص وعند الجمهور ليس بشرط لما روي عن يعلى بن أمية أنه قال لعمر ما بالنا نقصر وقد أمنّا فقال عجبت مما تعجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته وفيه دليل على أنه لا يجوز الإكمال في السفر لأن التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد وإن كان المتصدق ممن لا تلزم طاعته كولي القصاص إذا عفا فمن تلزم طاعته أولى ولأن حالهم حين نزول الآية كذلك فنزلت على وفق الحال وهو كقوله ﴿إن أردن تحصنا﴾ دليله قراءة عبد الله من الصلاة أن يفتنكم أي لئلا يفتنكم على أن المراد بالآية قصر الاحوال وهو أن يومى على الدابة عند الخوف أو يخفف القراءة والركوع والسجود والتسبيح كما روي عن ابن عباس رضى الله عنهما ﴿إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ فتحرزوا عنهم

стр. 916

وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢) ﴿وَإِذَا كُنتَ﴾ يا محمد ﴿فِيهِمْ﴾ في أصحابك ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة﴾ فأردت أن تقيم الصلاة بهم وبظاهره تعلق أبو يوسف ﵀ فلا يرى صلاة الخوف بعده ﵇ وقالا الأئمة نواب عن رسول الله النساء (١٠٢ _ ١٠٣) ﷺ في كل عصر فكان الخطاب له متناولاً لكل إمام كقوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أموالهم صدقة تطهرهم﴾ دليله فعل الصحابة رضى الله عنهم بعده ﵇ ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ﴾ فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصل بهم وتقوم طائفة تجاه العدو ﴿وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾ أي الذين تجاه العدو عن ابن عباس رضى الله عنهما وإن كان المراد به المصلين فقالوا يأخذون من السلاح مالا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ونحوهما ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ أي قيدوا ركعتهم بسجدتين فالسجود على ظاهره عندنا وعند مالك بمعنى الصلاة ﴿فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ﴾ أي إذا صلت هذه الطائفة التي معك ركعة فليرجعوا ليقفوا بإزاء العدو ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ﴾ في موضع رفع صفة لطائفة ﴿فليصلوا معك﴾ أى ولتحضر الطائفة الواقعة بإزاء العدو فليصلوا معك الركعة الثانية ﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ﴾ ما يتحرزون به من العدو كالدرع ونحوه ﴿وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ جمع سلاح وهو ما يقاتل به وأخذ السلاح شرط عند الشافعى ﵀ وعندنا مستحب وكيفية صلاة الخوف معروفة ﴿وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ أي تمنوا أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة﴾ فيشدون عليكم شدة واحدة ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ﴾ في أن تضعوا ﴿أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ رخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل

стр. 917

عليهم حملها بسبب ما يبلهم من مطر أو يضعفهم من مرض وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو ﴿إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً﴾ أخبر أنه يهين عدوهم لتقوى قلوبهم وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لتوقع غلبتهم عليهم وإنما هو تعبد من الله تعالى

стр. 918

فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة﴾ فرغتم منها ﴿فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ﴾ أي دوموا على ذكر الله في جميع الأحوال أو فإذا أردتم أداء الصلاة فصلوا قياماً إن قدرتم عليه وقعوداً إن عجزتم عن القيام ومضطجعين إن عجزتم عن القعود ﴿فَإِذَا اطمأننتم﴾ سكنتم بزوال الخوف ﴿فَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ فأتموها بطائفة واحدة أو إذا أقمتم فأتموا ولا تقصروا أو إذا اطمأننتم بالصحة فأتموا القيام والركوع والسجود ﴿إِنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كتابا مَّوْقُوتاً﴾ مكتوباً محدوداً بأوقات معلومة

стр. 919

وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤) ﴿وَلاَ تَهِنُواْ﴾ ولا تضعفوا ولا تتوانوا ﴿فِى ابتغاء القوم﴾ في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم ثم ألزمهم الحجة بقوله ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ أي ليس ما يجدون من الألم بالجرح ولقتل مختصاً بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم يصيبهم كما يصيبكم ثم إنهم يصبرون عليه فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أجدر منهم بالصبر لأنكم ترجون من الله مالا يرجون من إظهار دينكم على سائر الأديان ومن الثواب العظيم في الآخرة ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً﴾ بما يجد المؤمنون من الألم ﴿حَكِيماً﴾ في تدبير أمورهم

стр. 920

إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) روى أن طعمه بن أبيرق أحد بني ظفر سرق درعاً من جار له اسمه قتادة بن النعمان في جراب دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه

стр. 921

وخبأها عند زيد بن السمين رجل من اليهود فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال دفعها إليّ طعمة وشهد له ناس من اليهود فقالت بنو ظفر انطلقوا بنا إلى رسول الله ﷺ فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودى فهم رسول الله ﷺ أن يفعل فنزل ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ أي محقاً ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أراك الله﴾ ما عرفك وأوحى به إليك وقال الشيخ أبو منصور ﵀ بما ألهمك بالنظر في أصوله المنزلة وفيه دلالة جواز الاجتهاد في حقه ﴿وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ﴾ لأجل الخائنين ﴿خَصِيماً﴾ مخاصماً أي ولا تخاصم اليهود لأجل بني ظفر

стр. 922

وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) ﴿واستغفر الله﴾ مما هممت به ﴿إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾

стр. 923

وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) ﴿وَلاَ تجادل عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ يخونونها بالمعصية جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم لأن الضرر راجع إليهم والمراد به طعمة ومن عاونه من قومه وهم يعلمون أنه سارق أو ذكر بلفظ الجمع لتناول طعمه وكل من خان خيانته ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ وإنما قيل بلفظ المبالغة لأنه تعالى عالم من طعمة أنه مُفْرط في الخيانة وركوب المآثم ورُوي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا بمكة ليسرف أهله فسقط الحائط عليه فقتله وقيل إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات وعن عمر رضى الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه فقال كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة

стр. 924

يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يستترون ﴿مِنَ الناس﴾ حياء منهم وخوفاً من ضررهم ﴿وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله﴾ ولا يستحيون منه ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليه خافٍ من سرهم وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياء والخشية من ربهم مع علمهم أنهم في حضرته لا سترة ولا غيبة ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ يدبرون وأصله أن يكون ليلاً ﴿مَا لاَ يرضى مِنَ القول﴾ وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرّق دونه ويحلف أنه لم يسرقها وهو دليل على أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس حيث سمى التدبير قولاً ﴿وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ محيطا﴾ عالما علم إحاطة

стр. 925

هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) ﴿ها أنتم هؤلاء﴾ ها للتنبيه فى أنتم واولاء وهما مبتدأ وخبر ﴿جادلتم﴾ خاصمتم وهي جملة مبينة لوقوع أولاء خبراً كقولك لبعض الاسخياء أنت حاتم تجود بمالك أو أولاء اسم موصول بمعنى الذين وجادلتم صلته والمعنى هبوا أنكم خاصمتم ﴿عَنْهُمْ﴾ عن طعمة وقومه ﴿فِي الحياة الدنيا فَمَن يجادل الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ فمن يخاصم عنهم فى الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه وقرئ عنه أي عن طعمة ﴿أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ حافظاً ومحامياً من بأس الله وعذابه

стр. 926

وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً﴾ ذنباً دون الشرك ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بالشرك أو سوءاً قبيحاً يتعدى ضرره إلى الغير كما فعل طعمة بقتادة واليهودي أو يظلم نفسه بما يختص به كالحلف الكاذب ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله﴾ يسأل مغفرته ﴿يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ له وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة

стр. 927

وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ﴾ لأن وباله عليها ﴿وَكَانَ

стр. 928

الله عَلِيماً حَكِيماً﴾ فلا يعاقب الذنب غير فاعله

стр. 929

وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ صغيرة ﴿أَوْ إِثْماً﴾ أو كبيرة أو الأول ذنب بينه وبين ربه والثاني ذنب في مظالم العباد ﴿ثُمَّ يَرْمِ به بريئا﴾ كما رمى النساء (١١٢ _ ١١٥) طعمة زيداً ﴿فَقَدِ احتمل بهتانا﴾ كذباً عظيماً ﴿وإثما مبينا﴾ ذنبا ظاهرا وهذا لأنه يكسب الإثم آثم ويرمى البرئ باهت فهو جامع بين الأمرين والبهتان كذب ببهت من قيل عليه مالا علم له به

стр. 930

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣) ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي عصمته ولطفه من الإطلاع على سرهم ﴿لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ﴾ من بني ظفر أو المراد بالطائفة بنو ظفر والضمير في منهم يعود إلى الناس ﴿أَن يُضِلُّوكَ﴾ عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل مع علمهم بأن الجاني صاحبهم ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ﴾ لأن وباله عليهم ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك ﴿وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب﴾ القرآن ﴿والحكمة﴾ والسنة ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ من أمور الدين والشرائع أو من خفيات الأمور وضمائر القلوب ﴿وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ فيما علمك وأنعم عليك

стр. 931

لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ﴾ من تناجي الناس ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ إلا نجوى من أمر وهو مجرور وبدل من كثير أو من نجواهم أو منصوب على الانقطاع بمعنى ولكن من أمر بصدقة خفي نجواه الخير ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ أي قرض أو إغاثة ملهوف أو كل جميل أو المراد بالصدقة الزكاة وبالمعروف التطوع ﴿أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس﴾ أي

стр. 932

إصلاح ذات البين ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ المذكور ﴿ابتغاء مرضات الله﴾ طلب رضا الله وخرج عنه من فعل ذلك رياء أو ترؤساً وهو مفعول له والإشكال أنه قال إلا من أمر ثم قال ومن يفعل ذلك والجواب أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأنه إذا دخل الآمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم ادخل ثم قال ومن يفعل ذلك فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم أو المراد ومن يأمر بذلك فعبر عن الأمر بالفعل ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ يؤتيه أبو عمرو وحمزة

стр. 933

وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى﴾ ومن يخالف الرسول من بعد وضوح الدليل وظهور الرشد ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين﴾ أى السبيل الذى عليه من الدين الحنيفي وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة لأن الله تعالى جمع بين اتباع غير سبيل المؤمينن وبين مشاقة النساء (١١٥ _ ١٢١) الرسول في الشرط وجعل جزاءه الوعيد الشديد فكان اتباعهم واجباً كموالاة الرسول ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى﴾ نجعله والياً لما تولى من الضلال وندعه وما اختاره في الدنيا ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ في العقبي ﴿وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ قيل هي في طعمة وارتداده

стр. 934

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ مر تفسيره في هذه السورة ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً﴾ عن الصواب

стр. 935

إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ ما يعبدون من دون الله ﴿إِلاَّ إناثا﴾ جمع أنثى وهي اللات والعزى ومناة ولم يكن حي من العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان وقيل كانوا يقولون في

стр. 936

أصنامهم هن بنات الله ﴿وَإِن يَدْعُونَ﴾ يعبدون ﴿إِلاَّ شيطانا﴾ لأنه هو الذي أغراهم على عبادة الأصنام فأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة ﴿مَّرِيداً﴾ خارجاً عن الطاعة عارياً عن الخير ومنه الأمرد

стр. 937

لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) ﴿لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ﴾ صفتان يعني شيطاناً مريدا جامعا بين لعنة الله وهذ القول الشنيع ﴿مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ مقطوعاً واجبا لى من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وواحدا لله

стр. 938

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ بالدعاء إلى الضلالة والتزيين والوسوسة ولو كان إنفاذ الضلالة إليه لأضل الكل ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ ولألقين في قلوبهم الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال ﴿ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام﴾ البتك القطع والتبتيك للتكثير والتكرير أي لأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام وكانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خسمة أبطن وجاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ بفقء عين الحامي وإعفائه عن الركوب أو بالخصاء وهو مباح في البهائم محظور في بني آدم أو بالوشم أو بنفي الأنساب واستلحاقها أو بتغيير الشيب بالسواد أو بالتحريم والتحليل أو بالتخنث أو بتبديل فطرة الله التي هي دين الإسلام لقوله لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مّن دُونِ الله﴾ وأجاب إلى ما دعاه إليه ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ في الدارين

стр. 939

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) ﴿يَعِدُهُمْ﴾ يوسوس إليهم أن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب ﴿ويمنيهم﴾ مالا ينالون ﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً﴾ هو أن يرى شيئاً يظهر خلافه

стр. 940

أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) ﴿أولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ معدلا ومفرا

стр. 941

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) ﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ ولم يتبعوا الشيطان في الأمر بالكفر ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَدًا﴾ وقرأ النخعي سيدخلهم ﴿وَعْدَ الله حَقّا﴾ مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً﴾ قولاً وهو استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق منه وهو تأكيد ثالث وفائدة هذه التوكيدات مقابلة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه

стр. 942

لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) ﴿لَّيْسَ بأمانيكم﴾ ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم أيها المشركون أن تنفعكم الأصنام ﴿وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ الكتاب﴾ ولا على شهوات اليهود والنصارى حيث قالوا أبناء الله وأحباؤه لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ أي من المشركين وأهل الكتاب بدليل قوله ﴿وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ وهذا وعيد للكفار لأنه قال بعده

стр. 943

وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فقوله وهو مؤمن حال ومن الأولى للتبعيض والثاينة لبيان الإبهام في من يعمل وفيه إشارة إلى أن الأعمال ليست من الإيمان ﴿فأولئك يدخلون الجنة﴾ يدخلون فكي وأبو عمرو وأبو بكر ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ قدر النقير وهو النقرة في ظهر النواة والراجع في وَلاَ يُظْلَمُونَ لعمال السوء وعمال الصالحات جميعاً وجاز أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دليلاً على ذكره

стр. 944

عند الآخر وقوله ومن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وقوله ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات﴾ بعد ذكر تمني أهل الكتاب كقوله ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته﴾ وقوله ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ عقيب قوله ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾

стр. 945

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) ﴿ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله﴾ أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا يعرف لها ربا ولا معبودا سواه ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ عامل للحسنات ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً﴾ مائلاً عن الأديان الباطلة وهو حال من المتبع أو من إبراهيم ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ هو الأصل المخال وهو الذي يخالك أي يوافقك في خلالك أو يداخلك خلال منزلك أو يسد خللك كما يسد خلله فالخلة صفاء مودة توجب الاختصاص بتخلل الأسرار والمحبة أصفى لأنها من حبة النساء (١٢٦ _ ١٢٨) القلب وهي جملة اعتراضية لا محل لها من الاعراب كقوله والحوادت جملة وفائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته وطريقته لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلاً كان جديراً بأن تتبع ملته وطريقته ولوجعلتها معطوفة على الجمل قبلها لم يكن لها معنى وفي الحديث اتخذ الله إبراهيم خليلاً لإطعامه الطعام وإفشائه السلام وصلاته بالليل والناس نيام وقيل أوحي إليه إنما اتخذتك خليلاً لأنك تحب أن تعطي ولا تعطى وفي رواية لأنك تعطي الناس ولا تسألهم

стр. 946

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦) وفى قوله ﴿وَللَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض﴾ دليل على أن اتخاذه خليلا لا يحتاج الخليل إليه لالاحتياجه تعالى لأنه منزه عن ذلك ﴿وَكَانَ الله بِكُلّ شَيْءً مُّحِيطاً﴾ عالماً

стр. 947

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧) ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء﴾ ويسألونك الإفتاء في النساء والافتاء تبين المبهم ﴿قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النساء أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب أي القرآن في معنى اليتامى يعني قوله وَإِنْ خِفْتُمْ أن لا تقسطوا فى اليتامى وهو من قولك أعجبنى زيد وكرمه وما يتلى في محل الرفع بالعطف على الضمير فى يفتيكم أو على لفظ الله وفى يتامى النساء صلة يتلى أي يتلى عليكم في معناهن ويجوز أن يكون في يتامى النساء بدلاً من فيهن والإضافة بمعنى من ﴿اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ ما فرض لهن من الميراث وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه وما لها فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ في أن تنكحوهن لجمالهن أو عن أن تنكحوهن لدمامتهن ﴿والمستضعفين مِنَ الولدان﴾ أي اليتامى وهو مجرور معطوف على يتامى النساء وكانوا فى الجاهلية إنما يؤرثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء ﴿وَأَن تَقُومُواْ لليتامى﴾ مجرور كالمستضعفين بمعنى يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا أو منصوب بمعنى ويأمركم أن تقوموا وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم ﴿بالقسط﴾ بالعدل في ميراثهم ومالهم ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ شرط وجوابه ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ أي فيجازيكم عليه

стр. 948

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) ﴿وَإِنِ امرأة خافت مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً﴾ توقعت منه ذلك لما لاح لها من مخايله وأمارته والنشوز أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته وأن يؤذيها بسبب أو ضرب ﴿أَوْ إِعْرَاضاً﴾ عنها بأن يقل محاذثتها ومؤانستها بسب كبر سن أو دمامة أو سوء في خلق أو خلق أو ملال أو طموح النساء (١٢٨ _ ١٣٠) عين إلى أخرى أو غير ذلك ﴿فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ كوفي يصّالحا غيرهم أي يتصالحا وهو أصله فأبدلت التاء صاداء وأدغمت ﴿صُلحاً﴾ في معنى مصدر كل واحد من الفعلين ومعنى الصلح أن يتصالحا على أن تطيب له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو تهب له بعض المهر أو كله أو النفقة ﴿والصلح خَيْرٌ﴾ من الفرقة أو من الشوز أو من الخصومة في كل شيء أو والصلح خير من الخيور كما أن الخصومة شر من الشرور وهذه الجملة اعتراض كقوله ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ أي جعل الشح حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه يعني أنها مطبوعة عليه والمراد أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمها والرجل لا يكاد يسمع بأن يقسم لها إذا رغب عنها فكل واحد منهما يطلب ما فيه راحته وأحضرت يتعدى إلى مفعلوين والأول الأنفس ثم حث على مخالفة الطبع ومتابعة الشرع بقوله ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ﴾ بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿خَبِيراً﴾ فيثيبكم عليه وكان عمر الخارجي من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم فنظرت إليه وقالت الحمد لله على أني وإياك من أهل الجنة قال كيف فقالت لأنك

стр. 949

رزقت مثلي فشكرت ورزقت مثلك فصبرت والجنة موعودة للشاكرين والصابرين

стр. 950

وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء﴾ ولن تستطيعوا العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة فتمام العدل أن يسوى بينهن بالقسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والمح المة والمفاكهة وغيرها وقيل معناه أن تعدلوا في المحبة وكان ﵇ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك يعني المحبة لأن عائشة رضى الله عنها كانت أحب إليه ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ بالغتم في تحرى ذلك ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل﴾ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمها من غير رضا منها يعني أن اجتناب كل الميل في حد اليسر فلا تُفْرطوا فيه وإن وقع منكم التفريط في العدل كله وفيه ضرب مع التوبيخ وكل نصب على المصدر لأن له حكم ما يضاف إليه ﴿فَتَذَرُوهَا كالمعلقة﴾ وهي التي ليست بذات بعلٍ ولا مطلقة ﴿وَإِن تُصْلِحُواْ﴾ بينهن ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الجور ﴿فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ يغفر لكم ميل قلوبكم ويرحمكم فلا يعاقبكم
следующие страницы →