Полный текст (7 814 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)
وفى قوله ﴿وَللَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض﴾ دليل على أن اتخاذه خليلا لا يحتاج الخليل إليه لالاحتياجه تعالى لأنه منزه عن ذلك ﴿وَكَانَ الله بِكُلّ شَيْءً مُّحِيطاً﴾ عالماً
стр. 947
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء﴾ ويسألونك الإفتاء في النساء والافتاء تبين المبهم ﴿قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النساء أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب أي القرآن في معنى اليتامى يعني قوله وَإِنْ خِفْتُمْ أن لا تقسطوا فى اليتامى وهو من قولك أعجبنى زيد وكرمه وما يتلى في محل الرفع بالعطف على الضمير فى يفتيكم أو على لفظ الله وفى يتامى النساء صلة يتلى أي يتلى عليكم في معناهن ويجوز أن يكون في يتامى النساء بدلاً من فيهن والإضافة بمعنى من ﴿اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ ما فرض لهن من الميراث وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه وما لها فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ في أن تنكحوهن لجمالهن أو عن أن تنكحوهن لدمامتهن ﴿والمستضعفين مِنَ الولدان﴾ أي اليتامى وهو مجرور معطوف على يتامى النساء وكانوا فى الجاهلية إنما يؤرثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء ﴿وَأَن تَقُومُواْ لليتامى﴾ مجرور كالمستضعفين بمعنى يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا أو منصوب بمعنى ويأمركم أن تقوموا وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم ﴿بالقسط﴾ بالعدل في ميراثهم ومالهم ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ شرط وجوابه ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ أي فيجازيكم عليه
стр. 948
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)
﴿وَإِنِ امرأة خافت مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً﴾ توقعت منه ذلك لما لاح لها من مخايله وأمارته والنشوز أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته وأن يؤذيها بسبب أو ضرب ﴿أَوْ إِعْرَاضاً﴾ عنها بأن يقل محاذثتها ومؤانستها بسب كبر سن أو دمامة أو سوء في خلق أو خلق أو ملال أو طموح
النساء (١٢٨ _ ١٣٠)
عين إلى أخرى أو غير ذلك ﴿فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ كوفي يصّالحا غيرهم أي يتصالحا وهو أصله فأبدلت التاء صاداء وأدغمت ﴿صُلحاً﴾ في معنى مصدر كل واحد من الفعلين ومعنى الصلح أن يتصالحا على أن تطيب له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو تهب له بعض المهر أو كله أو النفقة ﴿والصلح خَيْرٌ﴾ من الفرقة أو من الشوز أو من الخصومة في كل شيء أو والصلح خير من الخيور كما أن الخصومة شر من الشرور وهذه الجملة اعتراض كقوله ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ أي جعل الشح حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه يعني أنها مطبوعة عليه والمراد أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمها والرجل لا يكاد يسمع بأن يقسم لها إذا رغب عنها فكل واحد منهما يطلب ما فيه راحته وأحضرت يتعدى إلى مفعلوين والأول الأنفس ثم حث على مخالفة الطبع ومتابعة الشرع بقوله ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ﴾ بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿خَبِيراً﴾ فيثيبكم عليه وكان عمر الخارجي من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم فنظرت إليه وقالت الحمد لله على أني وإياك من أهل الجنة قال كيف فقالت لأنك
стр. 949
رزقت مثلي فشكرت ورزقت مثلك فصبرت والجنة موعودة للشاكرين والصابرين
стр. 950
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)
﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء﴾ ولن تستطيعوا العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة فتمام العدل أن يسوى بينهن بالقسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والمح المة والمفاكهة وغيرها وقيل معناه أن تعدلوا في المحبة وكان ﵇ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك يعني المحبة لأن عائشة رضى الله عنها كانت أحب إليه ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ بالغتم في تحرى ذلك ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل﴾ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمها من غير رضا منها يعني أن اجتناب كل الميل في حد اليسر فلا تُفْرطوا فيه وإن وقع منكم التفريط في العدل كله وفيه ضرب مع التوبيخ وكل نصب على المصدر لأن له حكم ما يضاف إليه ﴿فَتَذَرُوهَا كالمعلقة﴾ وهي التي ليست بذات بعلٍ ولا مطلقة ﴿وَإِن تُصْلِحُواْ﴾ بينهن ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الجور ﴿فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ يغفر لكم ميل قلوبكم ويرحمكم فلا يعاقبكم
стр. 951
وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)
﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا﴾ أي إن لم يصطلح الزوجان على شيء وتفرقا بالخلع أو بتطليقه إياها وإيفائه مهرها ونفقة عدتها ﴿يُغْنِ الله كُلاًّ﴾
كل واحد منهما ﴿مِّن سَعَتِهِ﴾ من غناه أي يرزقه زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشه ﴿وَكَانَ الله واسعا﴾ بتحليل النكاح ﴿حَكِيماً﴾ بالإذن في السراح فالسعة الغنى والقدرة والواسع الغني المقتدر
стр. 952
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)
ثم بين غناه وقدرته بقوله ﴿وَللَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض﴾ خلقا والمتملكوت عبيده رقا ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ هو اسم للجنس فيتناول الكتب السمواية ﴿مِن قَبْلِكُم﴾ مّن الأمم السالفة وهو متعلق بوصينا أو بأوتوا ﴿وإياكم﴾ عطف على الذين أوتوا ﴿أَنِ اتقوا الله﴾ بأن اتقوا أو تكون أن المفسرة لأن التوصية في معنى القول والمعنى أن هذه وصية قديمة ما زال يوصى اله عنها عباده ولستم بها مخصوصين لأنهم بالتقوى يسعدون عنده ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾ عطف على اتقوا لأن المعنى أمر ناهم وأمرناكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم إن تكفروا ﴿فإن لِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض وَكَانَ الله غَنِيّاً﴾ عن خلقه وعن عبادتهم ﴿حَمِيداً﴾ مستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه وإن لم يحَمده أحد وتكرير قوله ﴿لِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض﴾ تقرير لما هو موجب تقواه لأن الخلق لما كان كله له وهو خالقهم ومالكهم فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصي وفيه دليل على أن التقوى أصل الخير كله وقوله وإن تكفروا عقيب التقوى دليل على أن المراد الاتقاء عن الشرك
стр. 953
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢)
﴿وَللَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض وكفى بالله وَكِيلاً﴾ فاتخذوه وكيلاً ولا تتكلوا على غيره
стр. 954
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)
ثم خوفهم وبين قدرته بقوله ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يعدمكم ﴿أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِاخَرِينَ﴾ ويوجد إنساً آخرين مكانكم أو خلقاً آخرين غير الإنس ﴿وَكَانَ الله على ذلك قَدِيراً﴾ بليغ القدرة
стр. 955
مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)
﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة﴾ فماله يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه
стр. 956
أخسهما ﴿وَكَانَ الله سَمِيعاً﴾ للأقوال ﴿بَصِيراً﴾ بالأفعال وهو وعد ووعيد
стр. 957
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)
﴿يا أيها الذين آمنوا كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط﴾ مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا ﴿شُهَدَاءَ﴾ خبر بعد خبر ﴿لله﴾ أى تقيمون شهاداتكم لوجه
النساء (١٣٥ _ ١٣٧)
الله ﴿وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ ولو كانت الشهادة على أنفسكم والشهادة على نفسه هي الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق وهذا لأن الدعوى والشهادة والإقرار يشترك جميعها في الإخبار عن حق لأحد على أحد غير أن الدعوى إخبار عن حق لنفسه على الغير والإقرار للغير على نفسه والشهادة للغير على الغير ﴿أَوِ الوالدين والأقربين﴾ أي ولو كانت الشهادة على آبائكم وأمهاتكم وأقاربكم ﴿إِن يَكُنْ﴾ المشهود عليه ﴿غَنِيّاً﴾ فلا يمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه ﴿أَوْ فَقَيراً﴾ فلا يمنعها ترحماً عليه ﴿فالله أولى بِهِمَا﴾ بالغني والفقير أي بالنظر لهما والرحمة وإنما ثنى الضمير في بهما وكان حقه أن يوحد لأن المعنى إن يكن أحد هذين لأنه يرجع إلى ما دل عليه قوله غنياً أو فقيراً وهو جنس الغني والفقير كأنه قيل فالله أولى بجنسي الغني والفقير أي بالأغنياء والفقراء ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى﴾ إرادة ﴿أن تعدلوا﴾ عن الحق من العدول أو كراهة أن تعدلوا بين الناس من العدل ﴿وإن تلووا﴾ بواو واحدة وضم اللام شامي وحمزة من الولاية ﴿أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ أي وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها غيرهما تلووا بواوين وسكون اللام من اللي أي وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ فيجازيكم عليه
стр. 958
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ خطاب للمسلمين ﴿آمنوا﴾ اثبتوا على
стр. 959
الإيمان ودوموا عليه أو لأهل الكتاب لأنهم آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض أو المنافقين أي يا أيها الذين آمنوا نفاقاً آمنوا إخلاصا ﴿بالله ورسوله﴾ أى محمد ﷺ ﴿والكتاب الذي نَزَّلَ على رَسُولِهِ﴾ أي الفرقان ﴿والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ﴾ أي جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب ويدل عليه قوله وكتبه نزل وأنزل بالبناء للمفعول مكي وشامي وأبو عمرو وعلى البناء للفاعل فيهما غيرهم وإنما قيل نزل على رسوله وأنزل من قبل لأن الفرقان نزل مفرقاً منجماً في عشرين سنة بخلاف الكتب قبله ﴿وَمَن يَكْفُرْ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليوم الآخر﴾ أى ومن يكفر بشئ من ذلك ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً﴾ لأن الكفر ببعضه كفر بكله
стр. 960
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)
﴿إن الذين آمنوا﴾ بموسى ﵇ ﴿ثم كفروا﴾ حين
النساء (١٣٧ _ ١٤١)
عبدوا العجل ﴿ثم آمنوا﴾ بموسى من بعد عوده ﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ بعيسى ﵇ ﴿ثم ازدادوا كفرا﴾ بكفرهم بمحمد ﷺ ﴿لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ إلى النجاة أو إلى الجنة أو هم المنافقون آمنوا في الظاهر وكفروا في السر مرة بعد أخرى وازدياد الكفر منهم ثباتهم عليه إلى الموت يؤيده قوله
стр. 961
بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)
﴿بَشِّرِ المنافقين﴾ أي أخبرهم ووضع بشر مكانه تهكماً بهم ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ مؤلماً
стр. 962
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)
﴿الذين﴾ نصب على الذم أو رفع بمعنى اريد الذين أوهم الذين ﴿يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة﴾ كان المنافقون يوالون الكفرة يطلبون منهم المنعة والنصرة ويقولون لا يتم أمر محمد ﵇ ﴿فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ ولمن أعزه كالنبي ﵇ والمؤمنين كما قال ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
стр. 963
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ بفتح النون عاصم وبضمها غيره ﴿في الكتاب﴾ القرآن ﴿أن إذا سمعتم آيات الله يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ معهم حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ حتى يشرعوا في كلام غير الكفر والاستهزاء بالقرآن والخوض الشروع وأن مخففة من الثقيلة أي أنه إذا سمعتم أي نزل عليكم أن الشأن كذا والشأن ما أفادته الجملة بشرطها وجزائها وأن مع ما في حيزها في موضع الرفع بنزل أو فى موضع النصب بنزل والمنزل عليهم في الكتاب هو ما نزل عليهم بمكة من قوله وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يخوضون فى آياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وذلك أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن فى مجالسهم فيستهزءون به فنهى المسلمون عن القعود معهم ماداموا خائضين فيه وكان المنافقون بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين بمكة فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ﴾ أي في الوزر إذا مكثتم معهم ولم يرد به التمثيل من كل وجه فإن خوض المنافقين فيه كفر ومكث هؤلاء معهم معصية ﴿إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ لاجتماعهم في الكفر والاستهزاء
стр. 964
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)
﴿الذين﴾ بدل من الذين يتخذون أو صفة للمنافقين أو نصب على الذم منهم ﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله﴾ نصرة وغنيمة ﴿قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ معكم﴾ مظاهرين
النساء (١٤١ _ ١٤٤)
فأشركونا في الغنيمة ﴿وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ﴾ سمى ظفر المسلمين فتحا لشأنهم لأنه أمر عظيم تفتح له أبواب السماء وظفر
стр. 965
الكافرين نصيباً تخسيساً لحظهم لأنه لمظة من الدنيا يصيبونها ﴿قَالُواْ﴾ للكافرين ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم والاستحواذ الاستيلاء والغلبة ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ المؤمنين﴾ بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت قلوبهم به ومرضوا عن قتالكم وتوانينا ف مظاهرتهم عليكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم ﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أيها المؤمنون والمنافقون ﴿يَوْمَ القيامة﴾ فيدخل المنافقين النار والمؤمنين الجنة ﴿وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً﴾ أي في القيامة بدليل أول الآية كذا عن على رضى الله عنه أو حجة كذا عن ابن عباس رضى الله عنهما
стр. 966
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)
﴿إِنَّ المنافقين يخادعون الله﴾ أي يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وابطال الكفر والمنافق من أظهر الإيمان وأبطن الكفر أو أولياء الله وهم المؤمنون فأضاف خداعهم إلى نفسه تشريفاً لهم ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ وهو فاعل بهم ما يفعل المغالب في الخداع حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في العقبى والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه وقيل يجزيهم جزاء خداعهم ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى﴾ متثاقلين كراهة أما الغفلة فقد يبتلى بها المؤمن وهو جمع كسلان كسكارى في سكران ﴿يراؤون الناس﴾ حال أي يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة والمارءاة مفاعلة من الرؤية لأن المرائى يريهعم عمله وهم يرونه استحساناً ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ولا يصلون إلا قليلاً لأنهم لا يصلون قط غائبين
стр. 967
عن عيون الناس أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكراً قليلاً نادراً قال الحسن لو كان ذلك القليل لله تعالى لكان كثير
стр. 968
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)
﴿مذبذبين﴾ نصب على الذم اى مررددين يعني ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر فهم مترددون بينهما متحيرون وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أي يدفع فلا يقر في جانب واحد إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب ﴿بَيْنَ ذلك﴾ بين الكفر والإيمان ﴿لا إلى هؤلاء﴾ لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونوا مؤمنين ﴿وَلآَ إلى هؤلاء﴾ ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسموا مشركين ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ طريقاً إلى الهدى
стр. 969
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)
﴿يا أيها الذين آمنوا لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المؤمنين أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾
حجة بينه في تعذيبكم
стр. 970
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)
﴿إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار﴾ أى فى الطبق الذى فى قعر جهنم والنار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض وإنما كان المناقق أشد عذاباً من الكافر لأنه أمن السيف في الدنيا فاستحق الدرك الأسفل في العقبى تعديلاً ولأنه مثله في الكفر وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله والدرك بسكون الراء كوفي غير الأعشى وبفتح الراء غيرهم وهما لغتان وذكر الزجاج أن الاختيار فتح الراء ﴿وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ يمنعهم من العذاب
стр. 971
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)
﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ﴾ من النفاق وهو استثناء من الضمير المجرور في ولن تجد لهم نصيرا ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق ﴿واعتصموا بالله﴾ ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخالص في الدارين ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً﴾ فيشاركونهم فيه وحذفت الياء في الخط هنا إتباعاً للفظ
стр. 972
مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)
ثم استفهم مقرراً أنه لا يعذب المؤمن الشاكر فقال ﴿مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شكرتم﴾ لله ﴿وآمنتم﴾ به فما منصوبة بيفعل أي شيء يفعل بعذابكم فالإيمان معرفة المنعم والشكر الاعتراف بالنعمة والكفر بالمنعم والنعمة عناد فلذا استحق الكافر العذاب وقدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر إلى ما ليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع فيشكر شكراً مبهماً فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً فكان الشكر متقدماً على الإيمان ﴿وَكَانَ الله شاكرا﴾ يجزيكم على شكركم أو يقبل اليسير من العلم ويعطي الجزيل من الثواب ﴿عَلِيماً﴾ عالماً بما تصنعون
стр. 973
لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)
﴿لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول﴾ ولا غير الجهرولكن الجهر أفحش ﴿إَلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ إلا جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم وهو أن يدعوا على الظالم ويذكره بما فيه من السوء وقيل الجهر بالسوء من القول هو الشتم إلا من ظلم فإنه إن رد عليه مثله فلا حرج عليه وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظلمه ﴿وَكَانَ الله سَمِيعاً﴾ لشكوى المظلوم ﴿عَلِيماً﴾ بظلم الظالم
стр. 974
إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)
ثم حث على العفو وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار بعد ما أطلق الجهر به حثاً على الأفضل وذكر ابداء الخير وإخفاءه تسبيبا للعفو فقال ﴿إن تبدوا خيرا﴾
النساء ١٣٣ _ ١٣٧
مكان جهر السوء ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ فتعملوه سراً ثم عطف العفو عليهما فقال ﴿أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء﴾ أي تمحوه عن قلوبكم والدليل على أن العفو هو المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله ﴿فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ أي إنه لم يزل عفواً عن الآثام مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنته
стр. 975
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)
﴿إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ كاليهود كفروا بعيسى ومحمد ﵉ والانجيل والقرآن وكالنصارى كفروا بمحمد ﷺ والقرآن ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً﴾ أي ديناً وسطاً بين الإيمان والكفر ولا واسطة بينهما
стр. 976
أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون﴾ هم الكاملون في الكفر لأن الكفر بواحد كفر بالكل ﴿حَقّاً﴾ تأكيد لمضمون الجملة كقولك هذا عبد الله حقاً أي حق ذلك حقاً وهو كونهم كاملين في الكفر أو هو صفة لمصدر الكافرين أى هم الذين كفروا كفرا حقاً ثابتاً يقيناً لا شك فيه ﴿وَأَعْتَدْنَا للكافرين عذابا مهينا﴾ فى الآخرة
стр. 977
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)
﴿والذين آمنوا بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ﴾ وإنما جاز دخول بين على أحد لأنه عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما
стр. 978
وجمعهما ﴿أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾ وبالياء حفص ﴿أُجُورَهُمْ﴾ أي الثواب الموعود لهم ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً﴾ يستر السيئات ﴿رحيما﴾ يقبل الحسنات الآية تدل على بطلان قول المعتزلة في تخليد المرتكب الكبيرة لأنه أخبر أن من آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد منهم يؤتيه أجره ومرتكب الكبيرة ممن آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد فيدخل تحت الوعد وعلى بطلان قول من لا يقول بقدم صفات الفعل من المغفرة والرحمة لأنه قال وكان الله غفوراً رحيماً وهم يقولون ما كان الله غفوراً رحيماً في الأزل ثم صار غفوراً رحيماً
стр. 979
يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)
ولما قال فنحاص وأصحابه للنبى ﷺ إن كنت نبياً صادقاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى ﵇ نزل ﴿يسألك أَهْلِ الكتاب أن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ وبالتخفيف مكي وأبو عمرو ﴿كتابا مّنَ السماء﴾ أي جملة كما نزلت التوراة جملة وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت وقال الحسن ولو سألوه مسترشدين لأعطاهم لأن إنزال القرآن جملة ممكن ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك﴾ هذا جواب شرط مقدر معناه أن
النساء (١٣٥ _ ١٥٦)
استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك وإنما أسند السؤال إليهم وقد وجد من آبائهم في أيام موسى ﵇ وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ﴿فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ عياناً أي أرنا نره جهرة ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة﴾ العذاب الهائل أو النار المحرقة ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ على أنفسهم بسؤال شيء في غير موضعه أو بالتحكم على نبيهم في الآيات وتعنتهم فى سؤل الرؤية لا بسؤال الرؤية لأنها ممكنة كما نزل القرآن جملة
стр. 980
ولو كان ذلك بسبب سؤال الرؤية لكان موسى بذلك أحق فإنه قال رب أرنى انظر اليك وما أخدته الصاعقة بل أطمعه وقيده بالممكن ولا يعلق بالممكن إلا ما هو ممكن الثبوت ثم أحياهم ﴿ثُمَّ اتخذوا العجل﴾ إلهاً ﴿مِن بَعْدِ ما جاءتهم البينات﴾ التوارة والمعجزات التسع ﴿فَعَفَوْنَا عَن ذلك﴾ تفضلاً ولم نستأصلهم ﴿وآتينا مُوسَى سلطانا مُّبِيناً﴾ حجة ظاهرة على من خالفه
стр. 981
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم﴾ بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه ﴿وقلنا لهم﴾ والطور مظل عليهم ﴿ادخلوا الباب سُجَّداً﴾ أي ادخلوا باب ايلياء مطأطئين عند الدخول رؤسكم ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ﴾ لا تجاوزوا الحد تعدوا ورش تعدزت بإسكان العين وتشديد الدال مدني غير ورش وهما مدغماً تعتدوا وهي قراءة أبي إلا أنه أدغم التاء في الدال وأبقى العين ساكنة في رواية وفي رواية نقل فتح التاء إلى العين ﴿فِى السبت﴾ بأخذ السمك ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً﴾ عهداً مؤكداً
стр. 982
فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)
﴿فبما نقضهم﴾ أى فبنقضهم وما مزيدة للتوكيد والباء يتعلق بقوله حرمنا عليهم طيبات تقديره حرمنا عليهم طيبات بنقضهم ميثاقهم وقوله فبظلم من الذين هادوا بدل من قوله فبما نقضهم ﴿ميثاقهم﴾ ومعنى التوكيد تحقيق أن تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك ﴿وكفرهم بآيات الله﴾ أي معجزات موسى ﵇ ﴿وَقَتْلِهِمُ الأنبياء﴾ كزكريا ويحيى وغيرهما ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بغير سبب يستحقون به القتل ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغلف أي محجوبة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والوعظ ﴿بَلْ طَبَعَ الله
стр. 983
عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ هو رد وإنكار لقولهم قلوبنا غلف ﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ كعبد الله بن سلام وأصحابه
стр. 984
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)
﴿وبكفرهم﴾ معطوف على فيما نقضهم أو على ما يليه من قوله بكفرهم ولما تكرر منهم الكفر لأنهم
النساء (١٥٦ _ ١٥٩)
كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد ﷺ عطف بعض كفرهم على بعض ﴿وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً﴾ هو النسبة إلى الزنا
стр. 985
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح﴾ سمي مسيحاً لأن جبريل ﵇ مسحه بالبركة فهو ممسوح أو لأنه كان يمسح المريض والأكمة والأبرص فيبرأ فسمي مسيحاً بمعنى الماسح ﴿عِيسَى ابن مريم رسول الله﴾ هم لم يعتقدة هـ رسول الله لكنهم قالوا استهزاء كقول الكفار لرسولنا يَا أَيُّهَا الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لمجنون ويحتمل أن الله وصفه بالرسول وإن لم يقولوا ذلك ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ﴾ روي أن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني اللهم العن من سبني وسب والدتي فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود فقال لأصحابه أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة فقال رجل منهم أنا فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب وقيل كان رجل ينافق عيسى فلما أرادوا قتله قال أنا أدلكم عليه فدخل بيت عيسى ورفع عيسى وألقى الله شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى وجاز هذا على قوم متعنتين حكم الله بأنهم لا يؤمنون وشبه مسند إلى الجار والمجرور وهو لهم كقولك خيل إليه كأنه قيل ولكن وقع
следующие страницы →